فهرس الكتاب

المكتبة الفكرية

مكتبة الموقع

الصفحة الرئيسية

 

الفصل السادس

آليات اللاعنف

 

كيف نستطيع أن نفعّل اللاعنف في أوساط العاملين في الساحة وفي ضمير المجتمع وقلوب الناس؟؟.. كيف لنا أن نجدد روح اللاعنف والتسامح ونخلق نهضة تناهض الإرهاب وتدحر أصوله؟؟ هل لنا أن نكرس آليات عمل نستطيع تدوير التسامح واللاعنف في الكيان الإنساني وبالتالي نقضي على مسببات العنف قبل إن يطل برأسه البشع؟؟

إن كنا دعاة اللاعنف فإننا مطالبون أولاً أن نخلق نهضة فكرية تعطي لهذا المضمون معاني متجددة وأفكاراً رائدة تكلس المفهوم الانهزامي والتبريري الذي يلحف منطلقات اللاعنف وأصوله في الفكر الإسلامي والأطروحات الحضارية التي يبدو أنها تقدمت خطوات كبيرة في إسداء وإرساء مصطلح التسامح.

إن وجود آليات تفعيل اللاعنف تعني بالتحديد ترجمة نظريته إلى أرض الواقع وتأصيل مجريات تدويره في الساحة حتى يكون أقدر على إثراء التفكير البشري نحو مزيد من النمو والوعي والتوثب ومن أجل أن يكون لهذه المناقبية مفتاح تعزيز المفاهيم التكاملية لصيانة حقوق الإنسان، وحتى لا يكون للعنف مجالاً يغذي الفئات والقوى الراكدة في حضيض المستنقعات المعرفية وغارقة في هوس التقليدية تظن أنها تمتطي أبراجاً عاتية من الأفضلية والادعاء المطلق بالسداد والتفوق الجنسي أو العرقي أو الديني أو المعرفي أو ما أشبه.

1- تكريس الشورى:

إن تكريس الشورى أو توزيع سلطة اتخاذ القرار في كافة مناحي الحياة من خلال تجذير قيم التعددية والحرية يفضي إلى تخريج عنصر بشري ناضج ومجتمع متحضر يفكر بالتنمية وينطلق نحو النهضة، كما أن استتباب الشورى يعني استلهام قوة ضاربة للتيارات والقوى العاملة، حيث يحصنها من الانشقاقات والانشطارات الناجمة غالباً من الفردية والهيمنة الأبوية على سلطة اتخاذ القرار وعلى عقول الأتباع، فيما يعمل على طبخ القرار ضمن أسس سليمة من الفهم المعرفي المتكامل كما يربط القاعدة بالقيادة ويشد الجماهير إلى قطب رحى الحركة ومطلقاتها.

يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): (ما عطب من استشار).

وعن الإمام الكاظم (عليه السلام): (من استشار لم يعدم عند الصواب مادحاً وعند الخطأ عاذراً).

إن التفعيل الديمقراطي والشوروي يساعد بتركيز شديد على تجذير السلام والاستقرار ويبعد شبح العنف بصورة متزايدة، فقد ثبت أنه خلال خمسين عاماً الماضية كانت نسبة احتمال استخدام القوة والتهديد بين دولتين ديمقراطيتين لا تزيد عن 10%، وكلما زاد غنى دولتين وزادت فاعليتهما الاقتصادية، قلت أرجحية دخولهما في صراع خطير، فالسلام بين الديمقراطيات ليس مجرد نتيجة لسمات اقتصادية وجيوسياسية لهذه الدول بل نتيجة للديمقراطية نفسها. إذ أن قيام ديمقراطية ما بالطغيان على ديمقراطية أخرى معناه انتهاك الأعراف الديمقراطية نفسها ولهذا السبب فإن الحدود بين الولايات المتحدة وكندا مثلاً بقيت مأمونة لفترة طويلة رغم اختلال ميزان القوى بين البلدين(1).

يقول مدير عام اليونسكو فيدريكو مايور في بيان القمة العالمية للتنمية الاجتماعية في كوبنهاجن عام 1995: (إن أسلوب الحكم الديمقراطي واحترام حقوق الإنسان والتسامح وحرية الصحافة هي أضمن السبل لضبط أنواع التوتر السياسي والثقافي والاقتصادي والاجتماعي والاثني.

ويضيف قائلاً: إن أسلوب الحكم الديمقراطي أفضل أسلوب للقضاء على التمييز والأبعاد الاجتماعية ومن ثم فهو يعزز التماسك الاجتماعي والمشاركة الكاملة لجميع أفراد المجتمع في عملية اتخاذ القرارات وخاصة منها المتعلقة بالتنمية المستديمة باعتبارها أفضل ضمان أيضاً لتحقيق تنمية عادلة يستفيد منها الجميع فيعود المهمشون والمبعدون إلى كنف المجتمع)(2).

إضافة إلى ذلك فإن النظم والقوانين الميسرة في استتباب التعددية في الدول الديمقراطية والحاجة للنقاش والتداول الديمقراطي مع الجماهير يقلل من فرصة الاتجاه للحرب ويوفر وقتاً كافياً لاستخدام الأعراف الديمقراطية في المفاوضات.

ذلك أن قبول الآخر المختلف وتحمل تبعة آراء الآخرين ودبلوماسية تداول السلطة والآراء في المجتمع يوفر فرص أكثر لتطبيق العدالة والحق، لأن من يستثقل رأي المعارض أو يدحر التعددية أو يكابر في آرائه، يصعب عليه أن يطبق خلاف ما يظن وإن كان حقاً وعدلاً مما يخلق التفرد في القرار والديكتاتورية وما يستتبعها من أمراض سياسية واجتماعية جسيمة في انتشار الحيف. أما قال الإمام علي (عليه السلام) في خطبة له بصفين: (فلا تكلموني بما تكلم به الجبابرة، ولا تتحفظوا مني بما يتحفظ به عند أهل البادرة، ولا تخالطوني بالممانعة، ولا تظنوا بي استثقالاً في حق قيل لي، ولا التماس إعظام لنفسي فإنه من استثقل الحق أن يقال له، أو العدل أن يعرض عليه، كان العمل بهما عليه أثقل. فلا تكفوا عن مقالة بحق ومشورة بعدل)(3).

وكما يقول المثل: (من يدفع ثمن الحرب لا يمكن أن يسدد فاتورة السلام، فأما أن تدفع ثمن الحرب أو ثمن السلام).

إن غياب الديمقراطية في الحياة الداخلية والاحتماء بالسرية والكتمان قد يوفر غطاءً للفساد الإداري والشخصي والعجز الفكري وتدني الوعي، كما سيكون غطاءً للقسوة في الحياة الداخلية بين الأشخاص أنفسهم وبين الأشخاص والدولة، وتمهيداً لتبرير استخدام العنف ضد البعض أو ضد أعضاء التنظيمات والقوى والتيارات نفسها في حالات الانشقاق والخلاف الداخلي.

إن الشورى والديمقراطية تتفعل عادة من قمة السلطة وأصحاب القرار وتنهض في المجتمع إذا نهضت في الطبقات المؤثرة في الساحة، وكلما نمت في أدمغة الساسة والحكام والمثقفين، تجنب المجتمع لانزلاقه في العنف. إن شرعية النظام والدولة أساس استتباب العدل والحق ودحر العنف ولا سبيل لشرعية الدولة إلا بالديمقراطية. وفي دراسة قيمة عن الديمقراطية في 24 دولة (8 من أفريقيا و8 من آسيا و8 من أمريكا) ثبت أن أحد المداخل الرئيسية لازدهار الديمقراطية هو ارتفاع القيادات السياسية إلى مستوى القدرة على تطبيق الديمقراطية(4).

من ناحية أخرى على القوى الفاعلة والتيارات المنخرطة في العملية الديمقراطية أن تطبق الديمقراطية داخل أجنحتها ولوائحها التنظيمية، لأن ذلك مفتاح نبذ التعصب والتطرف في الأفراد ووقف للحروب الفكرية الأهلية وكل سبل الهجوم والاستعداء في أسلوب الخطاب والتعامل مع الآخر المنافس والمختلف.

والأمر الحاسم هو أن الحرب والغزو واستخدام العنف يعلي من شأن القلة على حساب البقية أو الكثرة، وفي النتيجة قد لا تتم رعايتهم والاعتناء بهم – البقية- بحيث يصبح هؤلاء هم أدوات القلة مما يسبب شرخاً في أصول الديمقراطية ونظمها.

2- الحوار:

يمثل الحوار ركيزة أساسية في تكريس اللاعنف والنظم الديمقراطية من خلال الإيمان به والاعتراف بحق الآخر في الوجود، وإلا فإن إلغاء الآخر والتفكير بإقصائه وارد خاصة إذا انتحى المتحاورون إلى الاعتقاد باحتكار الحقيقة ووضعها في نطاق الملكية الخاصة بأن تتكئ على نص ديني أو علم ووجاهة أو ادعاء عامل السن والخبرة والأهلية الفكرية وما أشبه ذلك.

إن استبداد رجل العلم في احتكار المعلومة عنده كاحتكار رجل الدين في اختصاصه وعدم أحقية الآخرين مناقشة القضايا مما قد تغتال هذه الأجواء كل أدبيات الحوار وتساهم في رفع وتيرة التطرف والتزمت.

وإذا كل العقل والمنطق والواقع الملموس ينص على حتمية الاختلاف كظاهرة طبيعية في الحياة الإنسانية فإنه ليس مستغرباً اختلاف البشر في الأفكار والتصورات والمعتقدات والعادات والتقاليد، والغريب حقاً هو العمل على جعل الناس ضمن منظومة فكرية واحدة وثقافة أحادية ومعتقد واحد لا غير.

من هنا فلا يجوز بأي حال من الأحوال الترفع على الحوار واعتبار ذاته ممثلاً للقيم والمبادئ، كما لا يمكن اعتبار أفكاره وآرائه وذاته فوق الحوار والنقاش والتساؤل.

وإذا كان ربنا العظيم سبحانه يدخل مع عباده الضعفاء الذين لا قيمة لهم ولا وجود لهم إلا بفضلة ورحمته، يدخل معهم في حوار ويجيب على إشكالاتهم وتساؤلاتهم، فهل يحق لأحد بعد ذلك أن يترفع على النقاش أو يعتبر رأيه فوق التساؤلات والإشكالات(5).

وقد خصص القرآن الكريم مساحة وافية في التحاور مع الرأي الآخر حتى المخالفين والمنكرين لرسالاته ووجوده، حيث يتجاذب الله جل شأنه الحديث مع منكريه في حوار هادئ رقيق مقنع يحاول رد الشبهات بعقلانية متناهية فيقول في كتابه العزيز: (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا)(6)، (أم اتخذوا من دونه آلهة قل هاتوا برهانكم)(7)، (ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذاً لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض)(8). إلى ذلك كان يشير الإمام علي (عليه السلام) للخوارج بقوله: (إن سكتوا تركناهم وإن تكلموا حاججناهم وإن أفسدوا قاتلناهم).

إن ما يؤسف له أن يصبح المتطرفون باسم الدين استبداديين في الحوار والنقاش إلى حد الغثيان، حيث أنهم يعتبرون نطقهم سبر من المقدسات وأن غيرهم ليس كفؤاً لمحاورتهم وعليه أن يُصغي إليهم ويأتمر، مما ينسف أي إمكانية لقيام الحوار من الأساس.

إن هذا المنطق (لا يفرق بين العقيدة وبين الفكر الديني، بين النص المقدس وتعدد المعنى، بل يقيم مطابقة مطلقة بين ما يقوله هو وبين النص المقدس ملغياً المسافة بين النص والتأويل وهو ما قامت عليه المذاهب والفرق الدينية في كل زمان. فيرفض المتطرف كل التجربة التاريخية، وما أدت إليه من تجديد مستمر للصلة بين نص آمر وواقع متغير)(9).

ولو التزم المتحاربون فكرياً وسياسياً والمتحصنون خلف جدر يقذفون الخصم بالمنجنيق من على بعد والضاربون في عروق الفتن، أو أولئك المتمترسون في قعر السلطة يمارسون هتكاً للقيم والأعراف والأعراض بالمعارضين لهم ومنافسيهم على السلطة، لو التزم هؤلاء بأدب الحوار وموضوعيته بالتجرد من الأهواء والعواطف والمصالح الضيقة والتحرر من التعصب والتحزب لأصبح الاختلاف في الرأي يثري الساحة الفكرية بالمزيد من الأفكار الحضارية وينمي الثقافات بمزيد من النهوض والانطلاق.

وليس من شك أن الحوار كخصيصة ومبدأ رائد ينبغي أن تسنده حرية اجتماعية وسياسية تجعل ممكناً تداول المواقع والآراء والقناعات والاختيارات، ناهيك عن القوانين والأعراف والمؤسسات التي تعبد للحوار مسلكاً، هذه العناصر بلا شك تمثل ركائز هامة في تأصيل اللاعنف في المجتمع على المستوى الاجتماعي والسياسي.

إننا أحوج ما نكون إلى الحوار والتحاور مع الآخر المختلف لوقف سيل التزمت والعنف ما دام أن الفكرة حرة طليقة لا يمكن تسويرها في حدود جغرافية.

ولكن كيف يساهم الحوار في خفض العنف؟؟

1- يزيل الحواجز النفسية بن الأطراف المتضادة ويوقف مسلسل التكفير والتفسيق العشوائي.

2- الحوار أسلم الطرق للوصول إلى أقرب نقاط الحق إذ أنه يكشف نقاط الاختلاف والتوافق ويوفر أرضية التسامح لبناء جسور حول مختلف القضايا المتفق عليها ويشذب المغالطات الفكرية التي تحيط بالأطراف المتنازعة.

ففي الحديث: (أعقل الناس من جمع عقول الناس إلى عقله).

(اضربوا بعض الرأي ببعض يتولد منه الصواب وامخضوا الرأي مخض السقاء ينتج سديد الآراء).

3- تجسير التعاون بين كافة القضايا المتفق عليها والتواصل لمزيد من اللقاءات والحوارات والمنتديات لبحث القضايا المتنازع عليها.

4- وضع ضوابط ثابتة للعلاقة بين الأطراف تنهي حالة العداء القائم.

3- المؤسساتية:

إن الانتقال من حالة (الأنا) إلى حالة (الكل) في العمل الحضاري وتكريس العمل المؤسسي سوف يساهم في تخفيض خطر (الأنا الانتمائية) أو التوجه الأوحد وبالتالي هيمنة الفكر الأوحد في الساحة.

والمؤسسات هي الأحزاب السياسية وجماعات المصالح والجمعيات النفعية والخدماتية والمؤسسات المتخصصة في مجالات عمل متعددة.

والحالة المؤسساتية تساهم في:

* تجذير الحالة القانونية بمعنى تعريف الجميع بخصوصياته التي ينطلق من خلالها إلى التفاعل مع الحياة.

فوجود قانون ونظام ودستور وإنزالها إلى ساحة الواقع في العمل المؤسسي يشكل خطوة أولى على صعيد التقدم نحو اللاعنف ويوقف من نزيف السرية والتكتم والمركزية في العمل الذي يسود في السلطات القائمة أو التيارات الإسلامية والفكرية، وما أدت من سلبيات جمة وصراعات فتاكة ناهيك عن طرد الأفراد وإقصائهم وما يشوبها من آثار سلبية وخيمة، والسبب كما يلاحظ غياب القوانين والدساتير والنظم المؤطرة للعمل..

إن النظم الأساسية واللوائح الإدارية تعامل وكأنها سر من الأسرار، فالقاعدة العريضة من أعضاء التنظيم الإسلامي ربما تقضي العمر كله – في الصف – دون أن تطلع على النظام الأساسي الذي يحكمها مجرد اطلاع دع عنك مناقشته أو مراجعته أو اقتراح التعديلات عليه(10).

وليس مستغرباً أن نعلم أن الحالة القانونية هي روح المؤسسات على اختلاف أشكالها ولا يمكن أن تصمد حالة الفوضى واللاقانون في وجه عالم يعج بالمؤسسات والتجمعات والتكتلات الكبرى ما لم يوضع لها دستور وقانون بحيث يكون هو الحاكم الوحيد في المؤسسة.

* تآكل حالة التفرد:

إن أخطر ما يواجه المؤسسات هو سيطرة الحالة الانفعالية والقرار الفردي في اتخاذ المواقف، فبالمؤسسية نستطيع وقف سيطرة الفرد أو القرار الفردي أو الحالة الديكتاتورية من أن تسود، خاصة وأن الهيمنة القيادية خاضعة عادة للانفعال والأهواء التي تجذبها وبالتالي فإن تآكلها مهم في ظل وجود الحالة المؤسسية وروح القرار المؤسسي.

* تكريس آليات وأدوات سلمية للمعارضة أو التغيير في الساحة، فالمؤسسات ستصبح نافذة مهمة في إتاحة المجال للأفراد بالبحث عن سبل أقدر على تحقيق الطموحات بعيداً عن الالتجاء للعنف والتزمت والانعزال. في الوقت ذاته تمكن – المؤسسات والنظام المنظم لها – من إدارة عملية التغيير بدرجة من المرونة بحيث تستجيب للمطالب المجتمعية فيقلل من احتمالات انخراط بعض القوى الاجتماعية في أعمال عنف مضادة، كما يحتوي المهمشين من الفئات في أطر تنظيمية تبعدهم عن ممارسة العنف خاصة وأنهم مادة خام للعنف السياسي.

* إن نشأة أنماط مؤسسية وأنشطة وعلاقات قيمية جماعية، من شأنه زيادة إمكانيات الاستقرار، إذ يتجذر مفهوم المواطنة، وتضعف التمايزات على أساس ديني أو عرقي أو لغوي، ويجد الجميع قنوات شرعية وفعالة لتوصيل رغباتهم ومطالبهم وبذلك تقل احتمالات لجوئهم للعنف. ويستند هذا التصور إلى افتراض أساسي قوامه نجاح عملية التكامل من خلال الأدوات الثقافية والسياسية والمؤسسية(11).

وقد أشارت دراسات متعددة إلى أن العنف السياسي ينخفض في البلدان الديمقراطية نظراً لوجود مؤسسات وسيطة تنظم العلاقة بين الحاكم والمحكوم وتضبط الصراع الاجتماعي.

* إن المؤسسية هي السبيل الوحيد للاعتراف بالولاءات التحتية والإقرار بشرعيتها واحترام الحقوق الثقافية والسياسية وتوفير مقومات الأمن والهوية للجماعات كافة داخل الدولة، أما الدمج القسري للقوى والتيارات في بوتقة القرار المركزي ترفع من وتيرة الانقسامات الأثنية والعرقية والدينية، مما يؤدي لبروز التوتر والعنف ونقمة طرف على آخر نال امتيازاً أكثر أو استولى على ثروة وسلطة ونفوذ أكثر وبالتالي يولد صراعاً بين الجماعات والتيارات ثم صراعاً بينهما وبين السلطة.

والخلاصة أن تسييس الانقسامات السلالية واللغوية والدينية وإعطاءها مضامين اقتصادية واجتماعية يؤدي إلى تفجيرها، أما الاعتراف بها والتسليم بشرعيتها وحماية حقوقها فيكون مدخلاً للاستقرار.

* إن المؤسسية تسرع من عملية تمدن المجتمع وتعجل من تكامل وتنموية المسيرة الثقافية والاجتماعية، كما أنها تخفض من التأثيرات السلبية التي يمكن أن تحدث في ظل تناقض وتفاوت التنمية السريعة والتحول إلى خضم الحداثة بشكل سريع وما يرافقها من عنف متولد من غربة التحول السريع على أفراد المجتمع ومستحدثاته وآثاره المفاجئة، بشرط أن يتوازى معدل النمو المؤسسي مع عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وأي خلل فيهما يفضي إلى زيادة العنف السياسي. إن قصور التنمية الاقتصادية في الاستجابة للمطالب الشعبية وعجز المؤسسات السياسية في استيعاب المطالب يؤدي بالضرورة إلى شعور المواطن بالإحباط واحتمال انخراطه في العنف يتزايد. لكن العملية المؤسسية تستطيع أن تلبي المطالب الشعبية وتخفض من درجة الإحباط النفسي وبالتالي تسير دورة التمدن والتحضر في المجتمع بكفاءة لا بأس بها.

يقول دوف ومامكنت: (إن أداء النظام وفاعلية مؤسساته تعتبر من العوامل الأساسية التي تحد من أعمال العنف السياسي التي مكن أن تنجم عن عملية التعبئة الاجتماعية - أي التعبئة الناتجة عن التحول إلى المجتمع المدني).

ويؤكد الباحثان بيتر وشنايدر في دراسة في عشر دول متقدمة خلال فترتين زمنيتين (1984-1985) و(1959- 1968) إلى أن التغير الاجتماعي السريع يؤدي إلى العنف. ولكن في الدول التي لديها مؤسسات سياسية قادرة على التكيف، وموارد اقتصادية ملائمة، يقلل العنف الناجم عن التغيرات الاجتماعية).

أما فيرباند فيعتقد بوجود علاقة خط منحن معتدلة (Liner Relationship Moderate Curve) بين العنف السياسي والتعبئة الاجتماعية. فالعنف السياسي يتزايد خلال المراحل الأولى من عملية التعبئة الاجتماعية، ولكن بعد مرحلة معينة من التعبئة تكون قد تطورت خلالها مؤسسات وعلاقات حديثة تستوعب آثار عملية التغيير وتداعياتها، يتجه معدل العنف السياسي إلى الانخفاض، بينما يستمر معدل التعبئة الاجتماعية في الارتفاع)(12).

4- تكريس النظم الأخلاقية:

من خلال قراءتنا السريعة للأحداث التاريخية يبدو أن ملمحاً يجسد تهشم القوى بسبب الخلافات الداخلية والشقاقات والخصام العنيف بين رؤوس وأقطاب التكتل تعود جذورها إلى الذات وطلب الرئاسة والزعامة واتباع الهوى، فيتحول إلى خلاف ظاهره قضايا حركية أو دينية أو فكرية أو تداخل أجنحة متنافسة، لكنه في واقعه أمور شخصية وتطلعات ذاتية مغلفة بمصلحة الدين والإسلام والجماعة يفضي إلى تطرف بين الأعضاء سرعان ما يتحول إلى تطرف مع الآخرين.

ولمعالجة هذه الظاهرة المرضية لابد من تكريس القيم الأخلاقية في العمل، فنتيجة غياب الأخلاق وتغييب القيم الأخلاقية في العمل السياسي والإسلامي تحولت الخلافات العملية والاجتهادات المتغايرة والمواقف المتباينة إلى صراعات دامية ونزاعات استهلاكية.

ومن أهم هذه الأخلاقيات احترام الرأي الآخر وإفساح المجال للاجتهاد الفردي ناهيك عن أهمية تكريس الضوابط الشرعية بعدم الطعن والتجريح واستخدام الغيبة والنميمة والكذب وقول الزور والبهتان ضد المخالف في المنهج أو الموقف السياسي.

يقول الإمام علي (عليه السلام) لأصحابه أيام حرب صفين: (إني أكره لكم أن تكونوا سبابين ولكنكم لو وصفتم أعمالكم وذكرتم حالهم كان أصوب في القول وأبلغ في العذر وقلتم مكان سبكم إياهم: اللهم احقن دماءنا ودماءهم وأصلح بيننا وبينهم وأهدهم من ضلالتهم حتى يعرف الحق من جهله ويرعوي عن الغي والعدوان من لهج به)(13).

لقد مارس الإمام علي (عليه السلام) أروع صور المعاملة الأخلاقية مع الآخر المختلف، مرسياً نظرية اللاعنف في إدارة الصراعات والأزمات. فقد كان علي (عليه السلام) يخطب على المنبر إذ جاء رجل وقال: لا حكم إلا لله ثم قام آخر فقال: لا حكم إلا لله، قم قاموا من نواحي المسجد يحكمون لله. فأشار عليهم بيده: اجلسوا، نعم لا حكم إلا لله، كلمة حق يبتغى بها باطل، حكم الله ينتظر فيكم، ألا إن لكم عندي ثلاث خلال ما كنتم معنا: لن نمنعكم مساجد الله أن يذكر فيها أسمه، ولا نمنعكم فيئاً ما كانت أيديكم مع أيدينا، ولا نقاتلكم حتى تقاتلوا. ثم أخذ في خطبته.

وبهذا وضح الإمام (عليه السلام) حقوقهم بأنها حق التعبد (كحرية دينية)، وحق التأمين ضد الجوع، وحق النقد.

وروى المؤرخون: أن الحريث بن راشد الشامي كان عدواً للإمام فجاءه قائلاً له: والله لا أطعت أمرك ولا صليت خلفك! فلم يغضب لذلك ولم يبطش به، ولم يأمر به بالسجن أو العقوبة وإنما دعاه إلى أن يناظره حتى يظهر أيهما على الحق وبين له وجه الحق لعله يتوب، فقال الحريث: أعود لك غداً، فقبل الإمام فانصرف إلى قومه ولم يعد!

لقد أدى التعامل الأخلاقي الرصين مع المعارضة إلى أن يأتي المعارضون لأخذ حقوقهم وعطاياهم من الإمام مباشرة أمثال عبد الله بن عمر وسعد بن أبي وقاص والمغيرة بن شعبة(14).

إن على العاملين في الساحة والمنظرين أن يكفوا من بدع التكفير والتفسيق التي تسود بشكل فاحش في الأوساط الإسلامية تحت ذرائع مختلفة وأنماط متعددة، في الوقت الذي يمكن أن يفتح باب الحوار العام في ساحة نقاش حرة وعلى موائد من المنتديات والمؤتمرات دون أن يكون هناك من داع لإطلاق الفتاوى من بعيد.

يقول ابن عمر: (إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما، فإن كان كما قال وإلا رجعت عليه)(15).

وحديث ابن قلابة: (من رمى مؤمناً بكفر فقد قتله)، (رواه البخاري ومسلم).

إن الإمام علي (عليه السلام) لم يرض أن يسمي مخالفيه بالنفاق أو الكفر أو الشرك بل قال عنهم بأنهم: (إخواننا بغوا علينا).

يذكر أن فرنسا قررت تطبيق درس الأخلاق في المناهج الدراسية لأنها رأت على حد قول الوزيرة المفوضية للتعليم المدرسي (سيجولين روايال) أن العنف السائد في المجتمع يستدعي التفكير الجدي في الدور الأخلاقي للمدرسة وفي ضرورة تعليم التلاميذ مبادئ العيش بسلام مع الآخر.

وأضافت: إن حصة التربية المدنية ستعلم الأولاد والبنات كيفية احترام الجسد الإنساني وعدم اللجوء إلى الفظاظة معه أو الاعتداء عليه، أن الشبيبة بحاجة إلى تعلم إلقاء عبارة (صباح الخير) وأصول الحوار الديمقراطي ونبذ العبارات النابية التي باتت علامة في قاموسهم اليومي(16).

5- الإيمان بالتعددية:

كل شخص يتمنى من أعماق قلبه أن يرى أمته ومجتمعه وطائفته متوحدة متماسكة بعيدة عن الصراعات والنزاعات، ولكن هذه الأمنية يشوبها سوء فهم التعددية. فالبعض يعتقد أن الوحدة إنما تتحقق باتفاق الآراء وتطابق المصالح ووحدة القيادة وهي صورة مثالية لا يمكن على المدى القريب تحقيقها. ذلك أن الاختلاف بين البشر في أفكارهم وآرائهم ومواقفهم وعاداتهم أمر طبيعي تقتضيه ظروف نشأة البشر حتى أن القرآن الكريم يؤكد على حتمية وجود الاختلاف والتفاوت بين أبناء أدم إذ يقول عز وجل: (ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة ولكن يدخل من يشاء في رحمته والظالمون ما لهم من ولي ولا نصير)(17).

(وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم فيما فيه يختلفون)(18).

(ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين* إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم)(19).

بل إننا نجد حتى في الأمور الواضحة والجلية يطال الاختلاف في الآراء والمعتقدات حتى في خالق الكون (أفي الله شك فاطر السماوات والأرض) ويمتد الاختلاف بين الناس في درجات الإيمان ما يمتد لمستوى المعرفة والوعي حيث تباين مدارك الناس وقدراتهم على الاستيعاب وفهم الحقائق ومتى تفاوتت درجات العلم والإدراك والوعي، تفاوتت المواقف والممارسات والعقائد.

يقول الدكتور يوسف القرضاوي: (إن من العبث كل العبث أن يراد صب الناس كلهم في قالب واحد في كل شيء وجعلهم نسخاً مكررة ومحو كل اختلاف بينهم، فهذا غير ممكن لأنه مخالف لفطرة الله التي فطر الناس عليها وغير نافع لو أمكن، لأنه لا نفع في مخالفة الفطرة بل من خالف الفطرة عاقبته عقاباً معجلاً. ثم أن الاختلاف إنما هو اختلاف وتنوع لا اختلاف تضاد، التنوع دائماً مصدر إثراء وخصوبة وهو آية من آيات الله الدالة على عظمة قدرته وبديع حكمته (ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين)(20)،(21).

من هنا جاءت الأحكام لتقرير حرية الفكر والمعتقد والرأي وتدحر أي شكل من أشكال التزمت والتعصب:

يقول الإمام علي (عليه السلام): (ألزموهم بما التزموا به).

وعن الإمام الصادق (عليه السلام): (كل قوم دانوا بشيء يلزمهم حكمهم).

وسيادة التعددية تخفض من درجة حدة الصراعات والالتجاء للتزمت والتطرف والعنف في الممارسات. بينما تزايد حدة الانتماءات العرقية والأثنية وارتفاع وتيرة اضطهاد الأقليات يسبب نشأة التوتر في ظل الحرمان وهدر الحقوق. ثم إن المركزية وحكم الفرد دائماً يعلي شأن الأقلية ويحجم من مساحة الحريات للأغلبية وهو باعث على العنف.

إن كفالة مبدأ التعددية لكافة بني آدم دون اعتبار للعنصر أو المذهب أو الطائفة أو الفئة أو الدين أو الجنس، انطلاقة لتسييد حرية الرأي والمعتقد في التعبير عن آرائهم وأفكارهم السياسية والاقتصادية والعقيدية وبالتالي نشر ثقافة التسامح الديني والثقافي كباعث جنيني لإزالة التوتر.

في الوقت ذاته علينا أن نقبل التعدد الحضاري، وعلى الغرب أن يفسح المجال للحضارات الأخرى أن تقول كلمتها في شؤون البشرية ويقبل حضارات الآخرين بين حضارته وأن يدرك أن لا مصلحة ولا صواب في نماء العالم وفق نموذج حضاري أوحد، بل لابد أن يشترك الجميع لحماية العالم من الفساد والدمار والمشكلات المتلاحقة.

6- تفعيل دور التعايش:

قرر الإسلام ضرورة احترام أصحاب الديانات الأخرى من مبدأ التعاون العالمي لتحقيق السلام حيث يؤكد تعالى في محكم كتابه المجيد (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يجب المقسطين)(22).

(وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون)(23).

بل نهى الإسلام بشدة الإكراه والفرض في الدين حيث يقول تعالى: (ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين)(24).

من جهة أخرى لابد من أن نستقبل أي مقاربة معاصرة من قبل الديانات الأخرى والنظرات الناضجة ذات الفهم الواعي على محمل من الترحيب والعمل الجاد على دعم هذه الطاقة الباعثة على الاستقرار والتآلف من أمثال الأمير تشارلز والبابا يوحنا بولس الثاني حيث يقول في كتابه: (عبور حدود الرجاء): (تكنّ الكنيسة الكاثوليكية احتراماً كبيراً للمسلمين الذين يعبدون الله الواحد الحي القيوم مما يبرهن المسلمون أنهم قريبون جداً من المسيحيين في نظرتهم إلى الله الواحد مغترفاً من القرآن الكريم قوله: (وآتيناه الإنجيل فيه هدىً ونور)(25). وقوله: (ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذي قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً وأنهم لا يستكبرون)(26).

وينتقل البابا إلى موضوع السيد المسيح ويقول: إن القرآن الكريم يذكره باحترام كبير والأهمية الكبرى التي أسبغها القرآن الكريم على مريم العذراء لم تحظ بها في الإنجيل المقدس)(27).

إن ذلك يؤسس قاعدة قبول الآخر المختلف واحترام حقه في الوجود ومشاركته الحياة والتعايش المشترك على هذا الكون والعمل على فتح قنوات الحوار والانفتاح بغية المزيد من إذابة الجليد والعمل سوياً لإحلال العدالة والحرية ونشر الأخلاق والفضيلة والتسامح بين الشعوب.

إن مبدأ التعايش من ركائز إقامة المجتمع الإنساني السليم والمستقر ومفتاح تحقيق الأمن الذاتي للفرد والمجموعات فالتعايش يعني نبذ استخدام القوة والسلاح في العلاقة بين المجموعات المختلفة وهو أساس السلام الاجتماعي. ومن الضروري أن يبدأ الطرفان بإزالة الكراهية والخوف من الطرف الآخر وفتح قنوات التفاهم والحوار.

يذكر التاريخ أنه بعد أن وضعت الحرب أوزارها في خيبر بانتصار الإسلام على اليهود أتى المسلمون مجموعة من النساء كأسارى إلى رسول الله فسألهن عن سبب حزنهن وانكسارهن؟ فأجبن بحزن: قد مر بنا هذا العبد (أي بلال بن رباح) على مصارع قتلانا فتألم الرسول (صلى الله عليه وآله) وقل لبلال: هل نزع الله الرحمة من قلبك يا بلال حتى تمر بالنسوة على مصارع قتلاهن (وكان من بين الأسيرات صفية بنت أحد كبار اليهود وقد احترم عواطف اليهود ونواميسهم فأطلقها حرة ولما لم يجد لها وال ومعيل خطبها (صلى الله عليه وآله) لنفسه(28).

التنمية جوهر التعايش:

إننا إذا كنا مطالبين بتحقيق التعايش بين الشعوب فنحن – وكمحاولة أولية – لابد أن ننطلق نحو تحقيق تنمية عالمية تستند على مبدأ المساواة بين الشعوب في الحصول على التغذية وتوفير الخدمات الصحية بشكل كامل وضمان توفير التربية للجميع والوصول إلى المعرفة العلمية والتكنولوجية وضمان سلامة البيئة والتصدي لانتشار المخدرات وأسباب الهامشية والعزلة وخاصة في أوساط الشباب.

كما تقتضي التنمية (أن يكون هناك تكافؤ في الفرض وتشاطر عادل للموارد العلمية والتكنولوجية والمالية المتاحة. فالتنمية إذن تتعلق في آن معاً ببناء السلام والنمو الاقتصادي والاستدامة البيئية والعدالة الاجتماعية وأسلوب الحكم الديمقراطي وتراعي الحكمة الموروثة لكل مجتمع وشعب من الماضي وتحرص على رفاهية الأجيال المقبلة(29).

إن من الأهمية بمكان أن نجد نظاماً أخلاقياً للتنمية يعمل وبغض النظر عن نسبة الفائدة وطرق نقل التكنولوجيا وأسعار المواد الأولية والتذبذبات بأسعار العملات والحدود الجمركية، يعمل من أجل إيجاد سبل للتنمية تدعو للافتخار بها.

إن التنمية العالمية ليست مجرد حبراً على ورق بل هي خطة شاملة تقوم على تقليص المخصصات المالية غير المنتجة ومنها شراء الأسلحة والمعدات العسكرية وتخصيص المزيد من الموارد العالمية لأغراض التنمية الإنسانية ووضع سياسات جديدة للتعاون والتنمية بين الشعوب والدول.

إن 80% من ثروات العالم هي اليوم بأيد 20% من سكان الدول الأكثر غنى فيه، ومن غير المعقول أن نتمنى تحقيق تنمية إنسانية عالمية في ظل احتكار الثروات بيد القلة وحجبها عن الدول الفقيرة.

الثقافة مقود التنمية:

تحتل الثقافة دوراً جوهرياً لقيام نظام اقتصادي تنموي عالمي لا يستند على مبدأ السيطرة بل إلى مبدأ اللقاء والحوار بين الثقافات والسياسي والتنموي، وأنه لا يمكن أن يحقق التعاون الاقتصادي العالمي نجاحاً دون أن يرتكز بصورة علمية وسليمة على حوار الثقافات.

إن التنمية اليوم قد اتسع مفهومها عندما أدرك الناس أن المعايير الاقتصادية وحدها لا يمكن أن تؤلف برنامجاً لكرامة الإنسان ورفاهيته، إذ أنها تتراوح بين الحرية السياسية الاقتصادية والاجتماعية والفرص المتاحة للفرد في أن يكون مبدعاً متعلماً منتجاً يحترم ذاته وينعم بحقوقه كإنسان.

ثم إن الثقافة حصن ووسيلة وملاذ للتصدي لقصور النظام العالمي، ذلك أن الثقافة تأصل قيم التسامح وبناء مفاهيم السلام بعيداً عن المصالح السياسية واللعب الغارقة في الحيف واختلال موازين العدل حيث تستطيع الثقافة أن تمارس دوراً فعالاً في تأصيل المفاهيم الإنسانية دون حدود جغرافية وموازين سياسية ومصلحية.

إن المطلوب لتحقيق تنمية ناجحة أن تتركز الوسائل الثقافية في تثقيف الشباب في مجال السلام والتعددية والديمقراطية واللاعنف والتسامح، وتحسين مفاهيم حقوق الإنسان والاعتراف بها وحمايتها، وتعزيز الحقوق الثقافية والإسهام في منع التمييز بكافة أشكاله. والإسهام في دعم الديمقراطية في كافة مناحي الحياة وتقوية المجتمع المدني من خلال تبادل المعلومات والخبرات وتوفير الخدمات الاستشارية والتقنية، كما يجب دعم التعددية الثقافية في المجتمعات المتعددة الثقافات وتعزيز قيم الحوار بين الثقافات المنتشرة في العالم.

إن الثقافة مسؤولة في بناء الثقة بين الشعوب والحضارات من أجل تعايش سليم.

كما أن من إحدى ركائز العملية التنموية تأكيد حرية الصحافة في العالم وتدفق المعلومات والأنباء بدون قيود، ذلك أن أفضل سبل قتل السلام هو اغتيال الكلمة والصوت. إن تأكيد حق كل شخص في التعبير عن رأيه واعتناق الآراء دون أي تدخل واستقاء الأخبار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون موانع الحدود الجغرافية ضرورة ملحة في تعزيز التعايش.

التربية عجلة التنمية:

إن تعزيز التربية تمثل واحدة من أبرز وسائل تنشيط التنمية في أي مجتمع، حيث تتكرس الممارسة النشطة للمواطنة وغرس المواقف الديمقراطية واحترام مبادئ حقوق الإنسان واللاعنف وذلك منذ نعومة الأظفار وتعهدها بالرعاية مدى الحياة.

والمدرسة هي أول وأهم مكان يتعلم الطفل كيفية ممارسة التسامح في الحياة اليومية وصقل الجيل على مشاعر الانفتاح على الآخرين واحترام الآخر مع الالتزام بمعنى التضامن والتقاسم والاحتفاظ بمشاعر الثقة بهويتهم.

إن الطالب لابد أن يتعلم أنه حر في التمتع بحقوقه دون أن نعتدي على حقوق الآخرين وحر في ممارسة طقوسه وتعبده دون أن نتنكر للآخرين بمثل هذه الحرية.

إن التنمية البشرية خلاصة النجاح في التنمية الشاملة، وليس بمقدورنا أن نواجه مشكلة الازدياد المتصاعد بعدد سكان العالم (الذي تقدره الإحصائيات العالمية أنه سيصل إلى سبعة مليارات أو ثمانية مليار شخص خلال الثلاثين سنة القادمة) بدون عمل تربوي عالمي، ذلك أنه لا يمكن التصدي للفقر المادي من دون التصدي لمواجهة الفقر الفكري والثقافي.

إن دور التربية في تحقيق التنمية الإنسانية يقوم على إبراز عالمية بعض القيم كالتسامح، وانفتاح وتنوع الثقافات العالمية واحترامها، والدخول في حوار مثمر بناء من أجل خير وصالح البشرية.

من هنا يتأتى أهمية توفير التعليم للجميع والتعاون بين الشعوب والتداول الحر للأفكار وانتفاع كل فرد بثمار المعرفة وخاصة بتقدم العلوم والتقنيات كعامل هام في التعايش العالمي. كما يجب تعزيز التعليم المستمر أو ما يسمى بالتعليم المفتوح باعتباره عاملاً أساسياً من عوامل التنمية لما يمنح الفرد من الاستقلال ما يمكنه التغلب على التحديات المستقبلية.

7- تكريس مبادئ حقوق الإنسان:

لئن كان القرآن الكريم قد اكتفى بسرد ملامح حقوقية عامة من مثيل ضمان حرية الفكر والاعتقاد وحرية التعبير وكفل العدل والمساواة وأمر بحفظ الحياة للإنسان وصان كرامة الإنسان (ولقد كرمنا بني آدم) فإن الدوافع الإنسانية لمبادئ حقوق الإنسان تعتبر مطلباً حقيقياً في لجم العنف وأشكاله وأن القول بأن حقوق الإنسان مضمونة لمجرد أنها قد ذكرت في نصوص دينية أو ثانوية – فقهية – فإن الحقيقة الواقعية كانت مختلفة عن التنظير، مما يحتم عدم الاكتفاء بها في تدوينها في الدساتير دون ترجمتها إلى الواقع.

ولفهم مبادئ حقوق الإنسان في مجتمعاتنا لابد من التجديد الثقافي وتحرير التصورات التقليدية الإسلامية والغربية لتأصيل الحقوق العامة بعيداً عن التنظيرات التي تسلب بعض الحقوق.

كما أنه من الضروري تكريس الممارسات الحقوقية في مختلف مشارب الحياة العامة وهذا يتطلب أن تتدرج لكل مناحي الحياة من الأسرة إلى البيت إلى المدرسة إلى العمل لتجذير الحقوق وتطويرها وتحويلها إلى أطر مؤسساتية في المجتمع.

احترام الأقليات:

ولعل من أهم مبادئ حقوق الإنسان الباعثة على استتباب اللاعنف هو احترام الأقليات، حيث تمثل الأقليات بؤرة توتر نظراً للتمايزات السياسية والاقتصادية والأثنية التي تضخم من درجة المعاناة. فالملاحظ في الكثير من دول العالم أن مناطق الأقليات غالباً أكثر المناطق تخلفاً، كما أنها تحوز على نصيب متدنٍّ من ميزانيات وخطط التنمية الوطنية برغم أن بعض مناطقهم تشكل مصادر للثروات الطبيعية والنفطية كما في جنوب السودان أو مناطق الأكراد في العراق أو مناطق الشيعة في السعودية، ناهيك عن التمايز الثقافي واللغوي كالبربر في الشمال الإفريقي والأكراد في العراق أو الأقليات المسيحية واليهودية في بلاد الشام والمغرب العربي والعراق.

إن هذا من شأنه أن يخلق تمييزاً سياسياً ضدها حيث لا تمثيل لها في سلطة اتخاذ القرار والنخب الحاكمة ومؤسسات الدولة الرسمية وأجهزتها، إضافة إلى تنامي المطالب الاقتصادية بعدم الحصول على نصيب عادل من الثروة والخدمة في المجتمع وفي ظل الغبن المتزايد والظلم الثقافي من عدم التمكين في التعبير عن الخصوصيات الثقافية. هذه العوامل كافية لنمو الولاءات التحتية سواءً كانت قبلية أو عرقية أو طائفية أو دينية وهي مسألة وثيقة الصلة بالعنف السياسي والاجتماعي وباعثة على خلق بؤر توتر أو الدعوة لنيل الحكم الذاتي والانفصال عن الدولة.

والأخطر من ذلك محاولة استيعاب واحتواء الأقليات بطريقة الدمج القهري في المجتمع سواءً من خلال محاولة محو خصوصياتهم الثقافية أو إقحام سياسات جبرية تفرض نمطاً من التجهيل وضرب الهوية القومية والدينية لهم، إن لم تتطور لتصل إلى استخدام القوة والقمع لضرب حركاتهم وأنشطتهم أو تفتيت وجودهم وخلق الصراعات بينهم الأمر الذي يحولهم أداة طيعة بيد الحكام وأصحاب القوة والسلطة.

وقد يصل أحياناً إلى خلق ثمة هواجس وأوهام ملفقة باتهامات عدم الولاء للدولة الوطنية، مما يبرر ممارسة التمييز ضدهم وسلب كافة حقوقهم.

إن احترام الأقليات يمثل مبدأً هاماً من مبادئ حقوق الإنسان من خلال المساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين، والاتجاه لخلق سياسات تنموية متوازنة تنزع عن الأقليات الغبن والحيف وفتح كافة منافذ الحياة العامة من توظيف وفصول الدراسة ونيل المناصب القيادية دون اعتبار للمذهب أو القومية أو الطائفة أو العرق خاصة في ظل التعدد الأثني في كل بلد العالم وبالخصوص العالم العربي.

8- المراجعة الجديدة للتاريخ:

يمثل التراث الديني أحد أبرز مناحي سوء فهم الأدبيات والمنطلقات الفكرية التي ينطلق منها فكر العنف ولعل أبرز هذه الملامح التناقض الصارخ إلى حد التلازم بين مفهومي الجهاد والعنف أو بين الانتحار والاستشهاد أو الانفتاح على الحضارات الأخرى أو كما يحلو للبعض تسميتها بالتبعية، مما يتسبب في خلق أزمة ثقافية عميقة تتطلب إعادة قراءة التاريخ بمنظر مختلف وروح ناقدة ومراجعة مستحدثة.

ومما لا شك فيه أن معضلة التراث التاريخي هي معضلة السلطة نفسها، حيث كان المؤرخ رواية أو مصنف أو راوي يقترب في وظيفته من دور الشاعر، مما يحيله إلى مجرد قطعة أثاث في بلاط الحاكم ليتفادى بطش الدولة، حتى ظهر في التاريخ نمط من الروايات لم تكن سوى مجرد تصفيق لسياسة الأمراء وتماهي وتواطؤ مع السلطة وتأييد لمنهجية حكمها. ومن غير المعقول في ظل هذه الضبابية أن نستغفل التلفيق والدس والتدليس في صفحات التاريخ. في الوقت ذاته كان التاريخ دائرة مستهدفة يسعى لها الكثيرون من أجل توظيفها لصالح أيديولوجية معينة، فكان الاستشراق وكان التزييف السلطاني وكان العدو المترصد لهذا الدين البازغ نوره فوق العلياء.

ثم أن الأزمة أحياناً لم تكن في التاريخ ذاته، ولكن في طبيعة الكتابة التاريخية الناظرة للحقل التاريخي وأنه مرتعاً للأهواء والرغبات والطموحات الجانبية والمسلكيات العنصرية الإقليمية المنحرفة، فانصبت عليه كل سيئات الماضي وصراعاته وسلبياته ومشاكله المستعصية، مما فقدت نكهة منهجية وموضوعية المؤرخ والتاريخ قد تمدنا قدراً من المعرفة.

في حين كانت عقدة (التاريخ للبطل) واحدة من أبرز أزمات التاريخ المتأثرة بالعقلية الشرقية التي تعشق تجسيد البطل وأوصافه ونعوته وخلق هالة مقدسة حوله، باعتباره سوبرمان يحول اللاشيء إلى شيء. هذه الرؤية كانت كفيلة في الوقت ذاته – وكمطلب طبيعي ملحق بالسابق – أن تُقصي الفئات التي وقفت في وجه البطل من جبين التاريخ مما شوه كل معاني الموضوعية والعلمية والصدقية في الكتابة التاريخية. ناهيك عن معضلة اختفاء الوثيقة واندراس الخبر فيظل هيمنة أيديولوجية تحجب كل مضاد لفكرها، وبالتالي فإنه يصبح من المستحيل استعادة المادة التاريخية بعد هذه المدة الطويلة التي تفصلنا بالتاريخ.

إن عملية تحرير التاريخ من تبعات التزوير والمفارقات يعتبر هدفاً جوهرياً لمعالجة أزمات سوء فهم التاريخ من أجل مزيد من الوضوح في المادة العملية والعقلانية في الفكر السياسي الإسلامي النير.

إن علاقتنا الحميمة بالتراث والتصاق الناس بقدسيته هو أنموذج مشرف لديننا وقيمنا، ومن غير المعقول أن نبرأ منه أو نلفظه لمجرد رغبتنا في اللحاق بالحضارات الإنسانية الأخرى ونهضة التكنولوجية، ولكن في الوقت ذاته لابد أن يكون التاريخ جسراً للحاضر يلهمنا بناء المستقبل من خلال الارتقاء بالناس إلى مصاف الوعي والتجلي العقلي.

لئن كان كذلك فلابد من العمل على قراءة التراث من جديد من أجل تأسيس العوامل النفسية والاجتماعية والثقافية الكامنة وراء تجديد رؤيتنا إلى موروثنا الثقافي واستنطاقه لحاضرنا وتحديث واقعنا المعاش وفق منظومات وقيم جديدة في ظل التحديات الراهنة التي تشكل تهديداً لوجودنا على ساحة المستقبل.

كما يجب أن نلاحظ ثمة أمر مفصلي لتحركنا الحضاري المتمثل في مباركة الجهود الإنسانية في مختلف الحقول والجوانب لاستمرار حركة الإبداع وإن لم تكن جزءاً من تأصيلنا التراثي، وليس عيباً أن نجد ثمة إبداعاً فكرياً وثقافياً وإنسانياً مستحدثاً في واقعنا ونقوم بربطه بتراثنا في عملية إضافة مستحدثة، فإن كان التسامح مثلاً فكراً إنسانياً رائداً يمكننا تكريسه في مبضع واقعنا المعاش فما المانع لو قمنا بتبنيه دون الحاجة إلى عملية عجن فكري وعصر مستميت للبحث في أفران التراث، إن لم تكن لنا حصيلة تراثية قيمية.

 

1- (فاينانشال تايمز، ليس واقعياً أن تحارب الديمقراطية بعضها البعض – صحيفة السياسية الكويتية العدد 9738).

2- (صحيفة الاتحاد الإماراتية 9 نوفمبر 1997).

3- (النائيني، الشيخ محمد حسين، تنبيه الأمة وتنزيه الملة ص 97).

4- (ظاهرة العفن والتطرف، منتدى التنمية 1996).

5- (اليوسف، عبد الله، حق الاختلاف ومشروعية الرأي الآخر – مجلة الكلمة العدد 6).

6- سورة الأنبياء، الآية: 22.

7- سورة الأنبياء، الآية: 24.

8- سورة المؤمنون، الآية: 91.

9- (أومليل، د. علي، العنف والسياسة في الوطن العربي – منتدى الفكر العربي عمان 1987).

10- (النفيسي، د. عبد الله الحركة الإسلامية رؤية مستقبلية أوراق في النقد الذاتي ص 30).

11- (إبراهيم، د. حسنين توفيق – ظاهرة العنف السياسي في النظم العربية – مركز دراسات الوحدة العربية بيروت 1992).

12- (إبراهيم، د. حسنين توفيق – ظاهرة العنف السياسي في النظم العربية – مركز دراسات الوحدة العربية بيروت 1992).

13- (نهج البلاغة شرج محمد عبده ج 2 ص 469 دارة البلاغة – بيروت).

14- (اليوسف، عبد الله – حق الاختلاف ومشروعية الرأي الآخر مجلة الكلمة العدد 6).

15- (رواه مالك والبخاري ومسلم وابن داود والترمذي).

16- (صحيفة الشرق الأوسط اللندنية العدد 6940- 28/11/97).

17- سورة الشورى، الآية: 8.

18- سورة يونس، الآية: 19.

19- سورة هود، الآيتان: 118-119.

20- سورة الروم، الآية: 22.

21- (الصحوة الإسلامية بين الاختلاف المشروع المذموم ص 64).

22- سورة الممتحنة، الآية: 8.

23- سورة التوبة، الآية: 6.

24- سورة يونس، الآية: 99.

25- سورة المائدة، الآية: 46.

26- سورة المائدة، الآية: 82.

27- (أبو زيد، شفيق – الإسلام والمسيحية في الكتاب الجديد للبابا صحيفة الحياة اللندنية في 9/12/1994).

28- (الشيرازي، محمد مهدي الحكومة الإسلامية في عهد أمير المؤمنين ص 66).

29- (اليونسكو مهمة بناء حصون السلام في عقول البشر – صحيفة الاتحاد الإماراتية 9 نوفمبر 1997).