فهرس الكتاب

المكتبة الفكرية

مكتبة الموقع

الصفحة الرئيسية

 

الفصل الخامس

هل اللاعنف ثقافة انهزامية؟؟

 

أولاً: اللاعنف وترهل الحركة

يبدو أن إحدى أبرز ملامح تغلغل العنف في ضمير وفكر الحركات هي المخاوف المترتبة على إصابتها بالترهل والضعة وفقدان روح الهمة والمثابرة الثورية المطلوبة في أفراد الحركة مما قد يضعها في مصاف الحركات الانهزامية التي تتلبس فكراً مصلحياً انتهازياً أو ترتدي عباءة التبرير.

هذه المخاوف أضحت علامة على اعتناق الحركة الإسلامية فكر العنف واستحيائها من إعادة بلورة وعجن المفاهيم ضمن مناهجها الصحيحة. ولعل المخاوف تبرز أكثر عندما تفقد الحركة بعض عناصرها الفاعلة بمجرد التحاقها بفكر اللاعنف بذريعة هروبها من المواجهة واعتناقها فكراً استسلامياً متخاذلاً.

كما أن للظروف السياسية المحيطة بالحركة أثراً فاعلاً في صياغة فكر العنف في جسد الحركة فمظاهر فقدان الحريات والكبت السياسي والإسقاط المتعمد في واقع الجماهير والتشويه المعلن والعزل القسري عن الناس، إضافة إلى ممارسة كافة السبل لإرهاق الحركة وإقصائها من مثيل اعتقال نشطائها وقادتها وممارسة أساليب التعذيب والقهر والسجن وإلصاق تهم مزيفة، كل ذلك دفع الحركة الإسلامية - قسراً - للسقوط في شراك المواجهة مع السلطة وكرس من مفاهيم العنف السياسي والفكري والعقيدي في ثقافة الحركات.

وهنا يبرز تساؤل عريض: هو كيف تخرج الحركة من هذا المستنقع وكيف تعالج المخاوف الآنفة الذكر؟؟

وهل اللاعنف يمثل قوة رصينة تستطيع الحركة أن تتحصن به فيضيف إلى رصيدها قوة يجنبها الترهل وبالتالي تكون بديلاً ناجحاً عن الأساليب الأخرى للوصول إلى الأهداف المنشودة؟.

للإجابة على هذا الاستفسار هنالك جملة نقاط نذكر منها:

1- تعتمد الحركات - كل الحركات - على ثلاث منطلقات لبناء كادرها ونشطائها والحفاظ عليهم وبناء الثورية في نفوسهم وهي:

* تجاوز الذات بمعنى امتلاك الشجاعة العالية لبناء كيان إسلامي على أنقاض الكيان الجاهلي، وتجاوز الذات يعني بناء رجال مستعدين للمغامرة والتضحية وقت المحنة.

* تجاوز المشاكل بمعنى امتلاك روح وهمة عالية وإرادة فولاذية لكسر المشاكل وتسلق جدرانها دون كلل أو ملل.

* التفوق على العدو في الأسلوب والقوة وطريقة العمل والتقدم عليه كماً وكيفياً وهذا ما يدفع الحركة إلى امتلاك قوة تسليحية وأمنية كبيرة لممارسة هذه الشعائر الثورية.

ولكن كما يبدو فإن منهجية العمل هي التي تحدد معيار التسلق على العوامل آنفة الذكر، ومتى ما كانت الحركة متمكنة من عملية النهوض الحضاري وملتصقة بالفكر النهضوي فإن تلك العوامل ستكون سهلة المنال مع إرساء اللاعنف في العمل..

بل إن فكر اللاعنف يتيح مجالاً أوسع لترسيخ تلك المبادئ، وبقراءة عاجلة لتلك النصوص الدينية سنجد تأكيداً مطلقاً للمعاني السابقة:

- ففي نطاق تجاوز الذات قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (الرفق رأس الحكمة اللهم من ولي شيئاً من أمور أمتي فرفق بهم فأرفق به ومن شق عليهم فأشق عليه).

وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): (ليكن شيمتك الرفق فمن كثر خرقه قلّ عقله) وقال أيضاً: (لسان الجهل الخرق).

إن بناء الحكمة والعلمية والعقلانية في أنصار الحركة هو قمة الشجاعة وهو خير من بناء الفوضوية والثورية المفرطة التي لا تمت للتعقل بصلة.

- وفي نطاق تجاوز المشاكل فإن اللاعنف يتيح قدرة هائلة على العمل المتزن ويسمح لمزيد من التعقل والتفكير الهادئ لطبخ القرار بصورة حكيمة دون أن تكون تحت تأثير الفعل ورد الفعل أو تحت مؤثرات السلطة في جرها لمستنقعات الإرهاب.

يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): (الرفق ييسر الصعاب ويسهل الأسباب).

ويقول الإمام الصادق (عليه السلام): (ما أرتج أمر وأحجم عليه الرأي وأعيت به الحيل إلا كان الرفق مفتاحه).

- وفي مجال التفوق على العدو على الحركة أن تستبق الزمن في التفوق العلمي والتكنولوجي والميداني من خلال التحصن بالعلم والاستعانة بالتطورات التكنولوجية لتحقيق الأهداف مما يجعلها قوة رائدة قادرة على مجاراة الأحداث في حين أن التسلح والهروب خلف القوة العسكرية يعرضها لضربة شرسة في حال اكتشافها وقد يقصيها عن الساحة في الوقت الذي يمثل هذا التوجه استخفافاً وسذاجة في العمل، ألا يعتبر مقارعة السلطة بالتسلح غاية في البساطة في فهم الواقع!!

واللاعنف يفتح أبواب التحصن العلمي والتفوق النهضوي ويستقطب رجالاً أكثر نضجاً وتعقلاً.

يقول أمير المؤمنين (عليه السلام) لولده الحسين (عليه السلام): (يا بني رأس العلم الرفق وآفته الخرق).

ويقول أبو جعفر (عليه السلام): (إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما يعطي على العنف).

ويقول رسول الله (صلى الله عليه وآله): (إن الرفق لم يوضع على شيء إلا زانه ولا نزع من شيء إلا شانه).

ويقول أبو عبد الله (عليه السلام): (من كان رفيقاً في أمره نال ما يريد من الناس).

إن الوصول للأهداف المنشودة تكون أكثر فعالية في نطاق اللاعنف.

2- دعونا نفرق بين مصطلحين هما الثورية والعنف، حيث أن هناك ربطاً قسرياً بين المنحنيين مما قد يشوه الفكرتان ويخلق اضطراباً معرفياً، فإن كان يقصد بالثورية امتلاك أفراد الحركة للهمة والتضحية والمثابرة والتفاني في العمل فهو مطلوب في كل وقت وزمان، ولكن دعونا نطلق على الثورية مصطلح النهضوية حتى نبعد المصطلح من شبهات العنف المثارة حوله، وسبب ذلك أننا نؤمن بضرورة إنهاض وتيرة التفاني والتضحية في المؤمنين دون الحاجة لاستعمال العنف، فالثورية للأسف ارتبطت بمفهوم العنف وهو مصطلح شيوعي الأصل وأصبح دارجاً في الفكر الإسلامي في زمننا المعاصر حيث أخذت الكتابات تستخدم عبارة الثورة والثورية بشكل مفرط لدرجة أنه أعيد كتابة التاريخ ضمن هذه المفاهيم فنجد أنه كتب (ثورة زيد بن علي وثورة المختار) برغم أنها كانت تكتب سابقاً بخروج زيد بن علي وخروج المختار. كما أن مصطلح الثورية تعني تغيير نظام الحكم بالقوة تغييراً جذرياً كما نلحظ في تسميات الثورة الفرنسية والأمريكية وثورة ماوتسي تونغ والثورة البلشفية قد استخدم بطريقة خاطئة فأطلق على حركة الإمام الحسين بثورة الإمام الحسين برغم أنها في واقع الأمر كانت نهضة بكل ما تعني الكلمة من معنى.

إن الإسقاط القسري لمفهوم الثورية يجعلنا نتحاشى إطلاق مفهوم الثورية ونستعيضها بالنهضوية خاصة وأن النهضة لا ترتبط بتغيير الحكم فقط بل بتغيير النفس أولاً والمجتمع ثانياً.

3- يؤكد الكثيرون أن الانتحاء السريع للحركة نحو فكر اللاعنف يؤدي إلى ضياع الحركة لأهدافها أو تبدلها حيث تتراجع وتنسحب على مستوى هابط فيصبح هدفها مجرد إصلاح ثقافي أو سياسي أو تلهث خلف المشاركة في الحكم وقد تساهم السلطة في تحريف مسيرتها كما حدث لحركات كثيرة في الساحة كحركة فتح وحزب الاستقلال في المغرب أو حركة الإخوان في السودان.

مما لا شك فيه أن الأهداف المنشودة مرتبطة بطموحات الحركة وآلياتها ورجالها المخلصين الواعين أكثر مما يرتبط بأسلوب العمل سواءً كان عنقاً أو لا عنف، ومتى ما وجدت آليات عمل متزنة وناجحة ورجال صادقون ستجد أن الحركة لن تتنازل عن أهدافها وستسعى للاقتراب خطوة خطوة نحو الهدف.

إننا نبصر عكس ذلك إذ أن العنف والإرهاب يزج بالحركة في متاهات ضياع الأهداف والمبادئ ولا يوصل للمنطلقات الأصولية التي نهضت عليها القوى المخلصة. وأكبر شاهد أن الحركات التي توسلت بالقوة العسكرية والعنف ساهمت في رسوخ الأنظمة لا في زعزعتها وإسقاطها.

في الوقت نفسه لا بد من الإشارة إلى أن ظاهرة العنف في الحركة تنمو وتزدهر إثر طموحات حركية أقرب للمثالية، إذ أن القيمين عليها يوحون لكوادرهم إمكانية إزاحة الحكم والجلوس على كرسي السلطة بلمح البصر، فترسم صور خيالية تتوسل الهيبة والقوة والمكنة التي لا يضاهيها شيء، وإن رب العباد سيرسل ملائكته للنصرة متى دق القائد جرس الإنذار!! وتترافق مع هذه الحالة إثارة أجواء حماسية توقظ الهمم والمشاعر، لكن سرعان ما يتحول العمل الإسلامي إلى ممارسات روتينية جامدة تخمد الأجواء الحماسية وتعري الواقع، وبالتالي تذيب همم الأشخاص وتسقطهم في شراك الاسترخاء.

في حين أن اللاعنف صورة واقعية أكثر اتزاناً وصدقية للحالة العامة للحركة والأوضاع المحيطة حيث يتم وضع الأفراد والكوادر أمام حقائق معلنة عن مكامن القوة والقدرة كما يتوسم إيجاد صورة ماثلة للعدو دون الإغراق في ضعفه وتضعضه مما يجعل الأهداف المنشودة واضحة وسبل الوصول إليها قاطعة البيان ومسير تحقيق الأهداف منظماً ومنهجياً مما يفوت الفرصة لمن يسعى لجر الحركة لأهداف جزئية أو يسقطها في شراك الخديعة.

4- في الوقت الذي يولد العمل الثوري المفرط رجالاً ثوريين حماسيين متطلعين لغد أفضل ويثمر أفراداً مضحين متفانين يكونون رهن إشارة أوامر الحركة، كذلك فإن انسحابهم من الحركة سيكون رهين الظروف والأجواء المتغيرة التي تتلبد متى عصفت بها التغيرات، بل إن الانسحابات ستطال حتى معتدلي الحركة الثورية لما سيرونه من واقع مثالي مصطبغ لا يستحق التعب والوهن.

لكن اللاعنف يولد رجالاً أكثر اتزناً وتعقلاً إذ أنهم جاءوا في زمن الاسترخاء، لربما سيكونون أقل بكثير من انتماء الثوريين للحركة الثورية. لكن انسحاب الأفراد لن يكون بهذه السهولة، لأنهم انتموا عن قناعة وتعقل واتزان وضمن ظروف موضوعية.

من ناحية أخرى فإن تكرس فكر العنف في الحركة يرهق الكوادر والنشطاء حيث سيكونون دائماً على خط النار والمواجهة مع العدو، وبمرور الزمن سيؤدي لانسحابات نتيجة الإرهاق والكلل دون الوصول للهدف المنشود.

ثانياً: اللاعنف مجرد ثقافة استرضائية!!

في ظل إلغاء الحدود بين الشرق والغرب وسيادة عصر العولمة والتقارب الحضاري والتسارع التكنولوجي الرهيب تظل مساحة الحوار متقاربة إلى حد كبير.

لكن البعض ينتابه شعور من الهون حيث تطل أفكار التسامح واللاعنف والديمقراطية إذ يعتبرها رؤى مستمدة من نظريات وأيدلوجيات وثقافة الغرب وإننا مطالبون بضرورة الاستقلال الفكري والثقافي عن فكر العرق الأبيض!!

ويضيف هؤلاء بالقول: هل إننا مرغمون على تقديم ثقافة استرضائية لكي نكون مقبولين ومتحضرين وننال شهادة حسن السير والسلوك!! وأن الغرب لا يعطف علينا برضاه حتى نصبح نسخة مكررة منه لكي يعترف بحقنا في الحياة وهذا ما لا ترضاه أي أمة تحترم ثقافتها وخصوصيتها الحضارية.

أو أن تبنّي ثقافة اللاعنف تكتيك سياسي يضطر إليه البعض للخروج من القمقم، وأن عملية تكرير نقد العنف اجتهاد عصري اصطنع في هذا الزمان!!

ولكن هل اللاعنف مجرد ثقافة استرضائية لا سبيل إلا باعتناقها لنيل رضا الغرب المنشود؟!

للإجابة على ذلك ثمة نقاط هامة لا بد أن نضعها بين يدي القارئ:

1- إن العنف والمرونة مفيدان كلاهما إذا استخدما في وقتهما ومضران إذا أسيء استخدامهما أيضاً. وعملية نقد العنف لا يعني أن يتحول الفرد خائراً متواكلاً مضعضعاً ينال صفعات من الآخرين ويصمت!! إن اللاعنف فلسفة تقابلها وعي وفطنة في استيعاب متى وكيف يستخدم اللاعنف؟؟

(إن الله سبحانه وتعالى جعل هذين الأسلوبين، العنف والمرونة سبباً لتجربة الإنسان وتقييم قيادته بحيث يعرف متى يقدم غصن الزيتون، ومتى يشهر السلاح، وللأسف فإن هناك من الناس من يزعم أن على الإنسان أن يرفع دائماً الراية البيضاء، راية الاستسلام والتراجع والهزيمة، وعلى النقيض من ذلك فإن هناك من يرى أن على الإنسان المؤمن أن يشهر سلاحه دائماً في وجه الآخرين، في حين أن كلتا هاتين النظريتين مغلوطتان)(1).

وإلا فإن العنف مقبول في مواضع عدة، منها: رد العنف ذاته (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم)(2) ومن لا يفهم غير لغة البندقية لا يمكن أن تقدم له فروض الرحمة واللين والعطف!! ثم العنف في محاربة النفس والهوى والشهوة والغضب وكل صفات الرذيلة المتمترسة في داخل النفس الدنيئة تحث الفرد على إطلاق عنانها. بالإضافة إلى العنف ضد الطبيعة وقساوتها والتحمل من أجل مقارعة التحديات في الحياة.

هذه المواضع لا يمكن التسامح معها وتطبيق مفاهيم اللين واللطف، إذ أن القبول بما تفبركه النفس الأمارة بالسوء سيكون دافعاً نحو الرذيلة وكل صفات السوء والشر وليس من مجال إلا بتحديها ومقارعتها.

2- برغم الاختلافات الجوهرية بين الفكر الإسلامي والغربي إلا أن هناك قيماً مشتركة بين الطرفين تمثل منبع نشأة النوع البشري وأصل الوجود الإنساني التي قامت عليها كافة الحضارات السالفة والمعاصرة من مثيل احترام كرامة بني آدم واحترام حقوق الإنسان وحقه في الاختلاف والدفاع عن القيم الأخلاقية وتعاليم الأديان والعمل على حل المشكلات التي تواجه الإنسانية وتشجيع الفهم المتبادل والاحترام والثقة بين الطرفين وتشجيع الإغناء والتلاقح الحضاري لخدمة الإنسانية جمعاء بدلاً من التطاحن وهيمنة حضارة على أخرى. والسبيل إلى ذلك إجراء حوارات لتعميق الفهم المشترك وتأصيل التداول المعرفي بدلاً من القطيعة ورفض الآخر والعمل على دحر حقه في الحياة.

3- إن العودة للجذور التاريخية هام جداً في استيعاب ما يمثله التسامح من أصل عقيدي ومعرفي راسخ. أليس الأصل السلم، كما أكدته البصيرة القرآنية، والسيرة المطهرة (ادخلوا في السلم كافة)(3)، وإن العنف استثناء خارق للعادة كما أكدها القرآن الكريم في بحثنا السابق. ألم تذكر سير التاريخ عدم وجود حادثة واحدة أرغم المسلمون فيها غيرهم على الإسلام أو آذوهم لأنهم لم يقتنعوا بالإسلام حتى في الجهاد وفي ظل وجود دولة إسلامية وحاكم مسلم، في حين كانت غزوات الرسول تتسم بالدفاعية من أجل حماية العقيدة والشريعة والدولة حتى أن قتلى المسلمين والمشركين كما تذكر كتب السير لم يتجاوز الألف طوال حياة الرسول (صلى الله عليه وآله).

من أجل ذلك لا بد من إعادة قراءة التاريخ حيث يتضمن سيراً تختلط ما بين الدس والافتراء وبعضها تنجرف لمديح العنف وإقراره بشكل أو بآخر مما تتناقض مع الأصول القرآنية التي استقرت في ضمير التشريع.

من هنا فإن من السذاجة القول بأن اللاعنف مجرد ثقافة استرضائية في حين أن السير والأصول التشريعية أقرت أصالة السلم واللاعنف.

أما كان اللين والرحمة والرفق واللطف فضائل وخصائص الدعوة الإسلامية الناصعة؟ أما كان منهج الإسلام ينضح بدحر العنف في كل علاقة يقيمها المسلم مع ذاته ومع الآخرين ومع الطبيعة؟ أما قال رسول الإنسانية محمد (صلى الله عليه وآله): (هلك المتنطعون - أي ذوو الغلو والتشدد). و(لا تشددوا على أنفسكم فيشدد الله عليكم، فإن قوماً شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم، فتلك بقاياه في الصوامع والديارات، رهبانية ابتدعوها، ما كتبناها عليهم)(4).

ثم إننا غير مجبرين على تبرئة ساحتنا من الكذب والافتراء محاولين الخروج من قمقم وضعه حولنا غيرنا، إن المطلوب أن يخرج المفترون هم من عقدهم ويعالجوا ما علق في أدمغتهم من شوائب ويستلهموا من مصادر الإسلام الحقيقة الفكر الصافي إن ارتضوا لأنفسهم البحث عن الصدقية والحق.

فمن غير المعقول أن نظل نحن أسرى مغالطات غيرنا ثم نظل نصرخ ببراءتنا من الأكاذيب وكأن الحياة قد خلت من العقلاء وحملة الفكر والباحثين عن العدل والحق والإنسانية الكريمة الذين يجهدون جهدهم نحو الوصول إلى صلب الحقيقة.

ثالثاً: مغالطة في الأفق

تردد بعض الحركات الإسلامية (الحركة السلفية بالخصوص) مقولة (إن بقاء الحاكم الظالم أحسن عاقبة من استخدام العنف لتغييره)، فما مدى صحة ذلك؟؟

يبدو للناظر أن قصوراً في المنحنى الفكري والثقافي يصيب البعض مصحوباً بقصور في التأصيل الشرعي إضافة إلى ندرة البحوث والمؤتمرات لوضع تصور واضح لمفهوم اللاعنف.

وما هذه النظرية إلا لمحة للقصور الفكري، فالخروج على الظالم تبيحه كل الديانات والمعتقدات باعتباره حقاً مشروعاً للمظلوم، لكن ما هو أسلوب التحرك وكيفيته فهو منوط برجال التغيير، فبالإمكان القيام بحركة إصلاحية اجتماعية أو سياسية أو الدعوة لدحر الظلم من خلال صناديق الاقتراع واستتباب الديمقراطية كمشروع إصلاح شامل أو القيام بإضراب سلمي أو ما أشبه أما استخدام العنف فهو لا جدوى منه جملة وتفصيلاً.

إن مقولة كهذه تري العامل وتبسط له طريق الدعة والتكاسل والراحة، وتفتح له أنابيب المال والدعم من قبل السلطة، ولا تستهدف غير التمصلح والانتهازية، وإلا لا أساس لها في أحكام الإسلام إطلاقاً.

 

1- (المدرسي، محمد تقي - النهج الإسلامي تأملات في مسيرة الحركة الإسلامية).

2- سورة البقرة، الآية: 194.

3- سورة البقرة، الآية: 208.

4- (الركابي، زين العابدين - المنهج الكلي في نقض العنف كله صحيفة الشرق الأوسط العدد 6941 في 29/11/1997).