|
الفصل الثالث العنف.. الدوافع والأسباب
تقف خلف كل سلوك جملة دوافع وعوامل تفسر أسباباً كامنة تعلل انتهاج السلوك المعين. وظاهرة التطرف والعنف لها أسبابها ودوافعها وعلينا تحديدها بشكل واضح للوصول إلى جوهر الحلول وجذورها، ولا شك أننا سنكون في حالة إرباك إذا لم نعرف حقاً الأسباب التي تدفعنا وتسيرنا، من هنا علينا تحاشي الأحكام المتسرعة لظاهرة العنف. لكن هناك عدة ملاحظات منهجية في بحث مسألة الدوافع والأسباب: 1- إن العنف ظاهرة مركبة متعددة التغييرات، ولا يمكن تفسيرها بمتغير أو عامل واحد فقط. فالمؤكد أن هناك مجموعة من العوامل تتفاعل بل تتداخل وتترابط وتؤثر بعضها على بعض سلباً أو إيجاباً فيما بينها لتفجر أعمال العنف. 2- إنه يجب التمييز بين الأسباب المباشرة والموقفية التي تفجر أعمال العنف، وتلك العوامل غير المباشرة أو الكامنة التي تقف خلفها. فالأولى تعتبر بمثابة المناسبات والشرارات ولكنها ليست الأسباب والعوامل البنائية الكامنة التي تولد الظاهرة. فقيام حكومة ما برفع أسعار بعض السلع مثلاً يسبب عنفاً جماهيرياً فإنه لا يعد السبب الرئيسي للعنف حيث يرتبط غالباً بوجود أزمة تنموية تتمثل بعض أبعادها الاقتصادية في موجات التضخم والبطالة والعجز في ميزان المدفوعات والديون(1). وإذا كان مقتل شخصية سياسية يعد سبباً في اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975، فإنه من المحتم أن خلف هذه الحادثة تقف ثمة أسباب مباشرة لاندلاع العنف كان هذا الحدث شرارة نهوضها على أرض الواقع. 3- إنه على الرغم من تعدد وتداخل العوامل التي تؤدي إلى حدوث ظاهرة العنف، إلا أن التأثير النسبي لهذه العوامل ليس واحداً، بل يختلف من دولة إلى أخرى، طبقاً للاختلافات والتمايزات المرتبطة بالتركيب الاجتماعي والثقافي والبناء السياسي والظروف الاقتصادية. وفي بعض الحالات، يمكن القول بوجود عامل أو عوامل جوهرية أو مركزية تؤدي إلى أعمال العنف بينما يأتي تأثير العوامل الأخرى في مرتبة تالية. فعلى سبيل المثال، كانت تعتبر أزمة التكامل وتسييسها عاملاً محورياً للعنف السياسي في السودان والعراق بينما الأزمة الاقتصادية كانت عاملاً جوهرياً للعنف السياسي في لبنان وتونس في الثمانينيات(2). من هنا سنكون في طرحنا للأسباب الكامنة خلف ظاهرة العنف نحوم حول العموميات الفكرية والثقافية في تفسير نهوض العنف داخل أدمغة الناس، دون أن نتعمق في مسألة تفاوت الظرف والمكان، لإيماننا بأن العنف أمر نسبي متعدد الأوجه حيث أن هدفنا معالجة العنف في داخل العقول. والأسباب الفكرية الكامنة وراء ظاهرة العنف عديدة نذكر بعضها: أولاً: الثنائية الفكرية: تعتبر الثنائية الفكرية المتمثلة في رؤية الواقع محصوراً بين دفتي الحق والباطل، أو الحرمة والحلية، أو الصواب والانحراف، لكافة خصومنا، هي أبرز أسباب نشوء العنف، ويسمى العنف الفكري بالتعصب والتزمت، وفي لسان العرب لابن منظر يقول: تعصب الرجل أي دعا قومه إلى نصرته والتألب معه على من يناوئه سواء كان ظالماً أو مظلوماً. وجاء في الحديث: (العصيب هو من يعين قومه على الظلم). ويعرّف روجيه جارودي التزمت بأنه: إقامة مطابقة بين الإيمان الديني أو السياسي من جهة، وبين الصبغة الثقافية والمؤسساتية التي تلبسها في لحظة من لحظات الماضي ومن جهة أخرى. ويضيف (إن التزمت يعني إيقاف عجلة الحياة والتطور والاعتقاد بأنني كمسيحي مثلاً أو كيهودي امتلك الحقيقة المطلقة دون غيري)(3). ويقول الدكتور علي الدين هلال في ندوة بجامعة القاهرة حول التطرف الفكري عام 1994: (إن التطرف يبدأ بالعقل ثم ينتقل إلى السلوك)، ويضيف (إنها ظاهرة عالمية تتسم بمجموعة من السمات المشتركة أهمها توهم (احتكار الحقيقة) والتفكير القطعي ورفض الاختلاف والتعددية، واستخدام الألفاظ والمصطلحات السياسية الغليظة كالخيانة والكفر والفسوق.. الخ، وعدم التسامح). وقد حدد مفتي الجمهورية د. سيد طنطاوي في الندوة ذاتها الإنسان المتطرف بأنه (المتجاوز للحدود الشرعية في أي أمر من الأمور حتى في العبادة نفسها)(4). ومن الذين طرحوا رأياً متميزاً في مجال تعريف التطرف الدكتور سمير نعمي أحمد أستاذ ورئيس قسم اجتماع في جامعة عين شمس حيث قال: (إن التطرف ليس كما يشاع بأنه خروج عن المألوف فكل الأديان السماوية كانت خروجاً عن ما ألفه الناس، بل أنه مرادف للكلمة الإنجليزية (Dogmatism) أي الجمود العقائدي والانغلاق العقلي). ويستطرد الباحث بنظرة إلى معتقد المتطرف إذ تقوم على: 1- أن المعتقد صادق مطلقاً وأبدياً. 2- يصلح لكل زمان ومكان. 3- لا مجال لمناقشته ولا للبحث عن أدلة تؤكده أو تنفيه. 4- المعرفة كلها بمختلف قضايا الكون لا تستمد إلا من خلال هذا المعتقد دون غيره. 5- إدانة كل اختلاف عن المعتقد. 6- الاستعداد لمواجهة الاختلاف في الرأي أو حتى التفسير بالعنف. 7- فرض المعتقد على الآخرين ولو بالقوة(5). إن احتكار الحقيقة والحق الأوحد في التمتع بالبقاء والحياة هو بمثابة الإرهاصات الأولية للمجازر التي شهدها ويشهدها عالمنا المعاصر، حيث تنشأ الاختلافات الدينية والعرقية والمذهبية المتعصبة وتتحول لمجادلات عقيمة وسلوكيات ثأرية ناقمة. وقد أثبت التحليل النفسي أن الثنائية الفكرية تقلص الحقل الذهني وتساهم في هبوط الاهتمامات من خلال الازدراء واللامبالاة تجاه كل ما لا يكون غرضاً من أغراض هواه وحماسه، ويقين لا يتزعزع في صواب فكره مما ينسل إلى إسقاط العدوانية على الآخر وممارسة أفعال ضد المحيط تقود إلى علاقة سادية مع هذا المحيط. إن المتعصب ذو الفكر الأحادي يعيش في قمقم نرجسية فكرية تحوم حوله هالة قدسية تصبغ حياته في طيف واحد منحوت بالإيمان والعدل والحق الخالد، وبفضل ذلك سيتوصل إلى تغيير العالم وإنقاذه من ويلاته على طريقة الفانوس السحري إلى اجتلاب الفردوس والنعيم لبني البشر، إن ذلك من شأنه أن ينهض فكرة إسقاطية في عقل المتعصب تريحه من كل شبهات الضعف والقصور البشري الذي يحيطه طالما ظل في هوس الظنون بالهيمنة الفكرية لمنطقه وفكره وعقيدته. لا شك أن النظرة الثنائية نابعة من حالة أن هناك حدوداً واضحة تفصل بين الذات والموضوع، والذات لا بد أن تدافع عن وجودها بأن تعلن صوابها وخطأ الآخر وتدافع عن ذلك الوجود باستماتة ولا ترى إمكانية أن يكون الوجود حقاً للطرفين، ولكن هذا المنظور تبدو خطورته عندما تبدأ السلوكيات والمواقف بالازدواجية والغموض وعندها تتولد ظاهرة التطرف والتعصب والعنف والتشدد. وقد ظهرت فرق كثيرة آمنت بمطلقية امتلاك الحقيقة، أبرزها الخوارج ومن الغلاة الذين وظفوا معتقداتهم لصالح هيمنتهم الأيدلوجية وبدا أن هناك نهوضاً لفتاوى التجريم والمروق عن الدين بدعوى مخالفتهم للدين وتكرست بشكل مفجع في التاريخ الإسلامي - وحتى زمننا المعاصر - لكل من يصبو نحو التغيير أو التطوير أو البحث الجاد. يقول أديب إسحاق (مفكر عربي ولد في لبنان وعاش في مصر في منتصف القرن التاسع عشر): (حد التعصب عند أهل الحكمة العصرية غلو المرء في اعتقاد الصحة بما يراه وإغراقه في استنكار ما يكون على ضد ذلك الرأي حتى يحمله الإغراق والغلو على اقتياد الناس لرأيه بقوة ومنعهم من إظهار ما يعتقدون ذهاباً في الهوى في إدعاء الكمال لنفسه وإثبات النقص لمخالفيه من سائر الخلق). ويضيف إسحاق: (إن التشبث بالرأي الأوحد وتأكيد صحته المطلقة هو خطأ كبير لأن الإنسان ولكونه إنساناً يعجز فهمه عن إدراك الكثير من أسرار هذا الوجود وأنه ككائن بشري ممتنع عن الكمال فقد كانت هناك (حقائق) في عصر ما تبين أنها (أوهام) في عصر آخر)(6). ويقول الزعفراني في الاستدلال على محدودية القدرة الإنسانية (كنت يوماً بحضرة أبي العباس ثعلب فسئل عن شيء فقال: لا أدري، فقيل: وكيف لا تدري وإليك تضرب أكباد الإبل؟ فقال: لو كان لأمك تمر بقدر ما أدري لاستغنت. وسئل الشعبي عن مسألة فقال: لا أدري. فقيل: له فبأي شيء تأخذ رزق السلطان؟ فقال: لأقول فيما لا أدري: لا أدري)(7). إن تعصب الاعتقاد هو من أخطر أنواع التعصب إذ أنه يمهد لإحداث سلسلة حافلة بالأخطاء ويعطي المبرر الشرعي والغطاء الرسمي لتكريس ظاهرة العنف تحت ذريعة المعتقد والمذهب والدين. والتعصب يمنح الأمان المعرفي وتوطيد النرجسية لمعتنقيه مما يبيح التوغل في العنف، وقد لوحظ أن الفرنسيين خلال الثورة الفرنسية كانوا كلما يريقون دماً كان يلزمهم الاعتقاد بمطلقية مبادئهم فالمطلقية وحدها كانت لا تزال قادرة على تبرئتهم في نظر أنفسهم وعلى دعم طاقة اليأس عندهم(8). في الوقت ذاته تتكرس مفاهيم المفاضلة والتميز عند المتطرف حيث يصبح مفهوم الطليعة والقيادة والريادة والأفضلية على (كل الآخرين ونفي حق وجود الآخرين من الأساس وليس هناك مكان للحديث عن الانفتاح والتواصل، هذه السلسلة من المفاهيم الفضفاضة تصبح جزءاً من البنية النفسية والشعورية داخل الفرد والجماعة التي ينتمي لها وعلى أساسها تتبلور بعض الأنماط السلوكية في التعامل مع الواقع الخارجي ومع الفئات والجماعات الأخرى يعبر عنها الدكتور القرضاوي نظرة الجماعة إلى نفسها: (على أنها جماعة المسلمين وأن معها الحق كله، وليس بعدها إلا الضلال، وأن دخول الجنة والنجاة من النار حكر على من اتبعها، وأنها وحدها الفرقة الناجية ومن عداها من الهالكين)(9). بل إن التزمت والتعصب يؤول إلى التحجر والجمود المضاد لكل تغير أو تطور وهذا من شأنه أن يضغط المتزمت إلى زوايا دحر الإصلاح أو تعديل مسلكيات تفكيره كيلا تتأقلم مع الظروف الجديدة حتى يصل إلى الاعتقاد أنه يستحيل استيعاب أن فكرته أو عقيدته تحت الشبهات!! ويرجع البعض إلى تنامي التعصب والعنف الفكري في الفرد حيثما يكون الفاعل مهووساً بشبكة تمثلات وتخيلات تؤول إلى إشغال كل الفضاء الذهني مع ابتعاد أي تطور يطرأ أو طرأ عليه، وتسيطر على الفرد نوعاً من الوهم بقدرته على محاكاة الجميع ضمن دائرة حقيقته المطلقة. ويفسر البعض انتحاء ضعاف العقول إلى فكر العنف نظراً لضيق الأفق وفقدان الوعي، لكن الدكتورة زبيدة محمد عطا أستاذة التاريخ الوسيط وكيل كلية الآداب في جامعة حلوان فندت هذا الرأي بدراسة متميزة بعنوان (الإرهاب الفكري بين تنظيمات الباطنية والتنظيمات الأصولية الحديثة) حيث أشارت إلى أن أغلب الدعاة كانوا من المفكرين وطبقة المثقفين، فقد درس الحسن بن الصباح - صاحب نظرية النزارية الداعية لمحاربة التنظيمات الإسماعيلية التي خالفته - فقه الإسماعيلية وانتقل إلى مصر ثم أعلن مذهبه وكان سيد قطب على قدر كبير من العلم وأيضاً صالح سرية مؤسس تنظيم الجهاد العسكري حاصل على دكتوراه في التربية وكان شكري مصطفى مؤسس جماعة التكفير والهجرة حاصلاً على بكالوريوس زراعة وكان عبد السلام فرج (أحد قيادات الجهاد ومدبر عملية اغتيال الرئيس المصري السابق أنور السادات) حاصل على بكالوريوس هندسة أما عمر عبد الرحمن مفتي الجهاد ومنظم الجماعة الإسلامية فهو أستاذ جامعي في كلية أصول الدين!!!)(10). حتى أن الباحثين في الإطار الاجتماعي لحركات الإرهاب يلحظون وجود أبناء الطبقة المتوسطة والعليا مجندين لهذه الحركات مستعدين للانخراط فيها، حيث يتميزون في العادة بقدر متوسط أو عال في التعليم، ومستوى دخل معقول أو حتى مرتفع، وقدرة على التنظيم والعمل السري، ولا تتوافر هذه القدرة عادة إلا لأبناء الطبقات المتوسطة أو العالية في بلادنا. من هنا يبدو لنا أننا أقرب إلى تفسير ظاهرة انتحاء الفرد للعنف إلى انهيار المثل والقيم الحضارية في العقل تتسبب في إحداث خلخلة فكرية وأيدلوجية يضطرب معها العقل ويصاب بنوع من الهروب إلى العنف. وبقراءة عاجلة إلى أفكار سيد قطب التي تشكلت منبعاً هاماً نهلت منه الجماعات المتطرفة نجد أنه اعتمد على ثلاثيته المتمثلة في جاهلية المجتمع، والحاكمية لله، وتوصل إلى ثالثة الأثافي بإعلان الجهاد لفرض حاكمية الله على الفرد والمجتمع. وتبدو لنا أن الثلاثية خلقت اغتراباً نفسياً بين الداعية والمجتمع ضمن قيم مثلية تكرس نخبوية المؤمن بها، دافعة لثنائية فكرية تجعل الحياة ضمن نطاق آليتي الحق والباطل وحسب!! ولعل ثلاثية سيد قطب - رحمه الله - كانت تدعو فيما تدعو إلى صياغة فكرة الحقيقة المطلقة عند جماعة الإخوان المسلمين والتي تحتم جهل وفساد كل المجتمع غير المؤمن بنظريته في انجراف غير منطقي ومربك للعقل. ولسنا في صدد الغلو في تحليل موقف وسلوك المتطرف، لكننا بحاجة ماسة إلى فهم حقيقة أن الصح يمكن أن يكون أكثر من شكل وطيف، وأن الخطأ يمكن أن يكون أكثر من شيء وأن بين الصواب والخطأ درجات نسبية متفاوتة، وإننا مطالبون بالتخلي عن الثنائية الفكرية التي قد تجر الويلات على ديننا ومعتقداتنا وطريقة تفكيرنا، بل قد تمس إنسانيتنا ذات التعدد الذوقي والفكري والشعوري. ثانياً: التركيبة النفسية وتأثيرات البيئة: لا شك أن البيئة تفرض ضرورتها على الناس وتشكل طباعهم، إذ شكلت عنصراً مفصلياً في نشأة التطرف والتزمت حيث ساهمت البيئة في إحداث أزمات اقتصادية واجتماعية نتجت عنها جماعات الرفض للتعبير عن نوع من الإحباط والسخط كرد فعل للقهر الاقتصادي والتهمش الاجتماعي. يقول الدكتور محمد جابر الأنصاري: (في نظرتنا لمجتمعات التسامح يجب أن نفرق بين عربين، عرب البيئة الصحراوية الذين تعودوا الصراع اليومي من أجل البقاء بحيث يصبح التسامح هنا شيئاً من التهاون في حق الذات وحق الجماعة، وهناك عرب البيئات الحضرية أي الذين سكنوا تجمعات المدن الصغرى في الوديان والواحات وعلى حواف الصحراء، وكذلك عرب الطبيعة النهرية التي يتعامل فيها الناس مع نهر يمر عليهم بل أن يمر على غيرهم وعليهم جميعاً أن يتفاهموا على تقسيم هذه المياه، ولا بد أن يسود بينهم مناخ من التسامح والتآلف يفرضه انتظار الفيضان ومواقيت الغرس والبذر والحصاد)(11). فالإرهاب لا يلجأ إليه بذاته اللهم إلا تعبيراً عن حالة نفسية أو مرضية على المستوى الشخصي وهو ما يعرف بالـ(Pathological Terrorism). ولعل من يستقرئ حادثة اغتيال الإمام علي (عليه السلام) تتجلى أمامه حقيقة التأثيرات النفسية والبيئية التي تلف مدبر العملية عبد الرحمن بن ملم. فقد سأله الإمام بعدما طعنه: أبئس الإمام كنت لك؟ فأجابه: لا، ولكن أأنت تنقذ من في النار؟؟ كناية عن انحطاط نفسيته ونقمته على الواقع وحسده على نهوض شعبية الإمام في قلوب الكثيرين. والعنف يتولد من الحرمان النسبي الذي يفضي إلى التوتر الذي ينشأ عن التعارض بين ما ينبغي أن يكون وبين ما هو كائن بالفعل، فيما يتعلق بإشباع القيم الجماعية، الأمر الذي يدفع الأفراد إلى العنف. ولو تتبعنا مسيرة التاريخ لوجدنا أن تأثيرات البيئة كانت تشكل عاملاً حيوياً من عوامل استنهاض العنف. ففي فترة السبعينات وما قبلها بقليل ظهرت ظاهرة الانقلابات العسكرية في الدول العربية تركزت بشكل كبير في ليبيا والسودان والعراق وسوريا واليمنين وكانت مرجعها البنيان الاجتماعي لهذه المجتمعات وطبيعة التكوين الاجتماعي والسياسي للجيوش وما تضمنها من انقسامات أثنية وقبلية وطائفية. ثم انتقل الحال في الثمانينيات إلى بيئة تعادي الديمقراطية والليبرالية فنبتت الجماعات الإسلامية المتطرفة مستغلة هذه البيئة الخصبة. كما ظهرت جماعات إرهابية على نطاق واسع في الغرب وأوربا بالتحديد في أوائل القرن العشرين حيث شاعت أيديولوجيات معينة تمجد بالعنف وخلقت بيئة تتقبل الإرهاب والعنف كعقيدة سياسية، فظهرت الأحزاب النازية أو الفاشية فيما استلهمت الجماعات اليابانية عقائد سياسية مماثلة. وحتى وقت قريب شاعت الأيديولوجية الديمقراطية لتكون بديلاً عن الأيديولوجية الفوضوية وحلت عقيدة جديدة أثرت على بيئة الغرب ومعتقداته شيئاً ما. من ناحية أخرى يلحظ أن الشباب من أكثر فئات الانخراط في العنف بحكم التكوين النفسي والفسيولوجي مما جعلهم (أكثر حساسية إزاء المشكلات الاجتماعية والاقتصادية، وأكثر استعداداً للاستجابة العنيفة. من هنا يتسم سلوكهم السياسي بالخيالية والمثالية ورفض الواقع والسعي إلى تغييره، وتشكل بعض مظاهر الأزمة المجتمعية التي تعانيها المجتمعات العربية، مثل أزمة الهوية وغياب القدوة السلوكية، واهتزاز القيم والمعايير، وتزعزع الثقة في النظم والحكام، وتزايد الإحساس بالفراغ الفكري والثقافي، هذه العوامل شكلت قوة دافعة لانخراط الشباب في الجماعات والتنظيمات الإسلامية التي تقدم بديلاً للإحساس بالأمن والهوية ولرفع راية الرفض والاحتجاج ضد النظم والأوضاع القائمة)(12). فيما يعتبر الطلبة شريحة أخرى من شرائح المجتمع القريب لمستنقع العنف. والسبب أن الطلبة هم أبناء مختلف طبقات المجتمع وفئاته ومن ثم فإن المشكلات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية تترك آثارها السلبية عليهم بدرجة أو بأخرى وبخاصة في ما يتعلق بارتفاع معدل البطالة ونقص فرص العمل وارتفاع كلفة الحياة وزيادة الإحساس بعجز النظم السياسية عن توفير متطلبات الحياة الكريمة، مما يجعل مواقفهم أقرب للقوى الرافضة للأوضاع والسياسات والنظم القائمة. كما أن تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية يزيد من إحباط الفئات الدنيا والمتوسطة في المجتمع مما يغلب طابع العنف على ردود أفعالهم. فقد لوحظ أن الشيعة مثلاً في دول الخليج كانوا أداة لممارسة العنف في فترة زمنية محددة عقب اندلاع الثورة الإسلامية في إيران نظراً لمعاناتهم وضعف أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية مقارنة ببقية مواطني تلك البلدان. من منظور آخر نلحظ أن أحد بواعث العنف التعبئة الاجتماعية كما يسميها الدكتور حسنين توفيق، المتمثلة بمجموعة التغيرات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية التي تحدث في البلدان والتي يتم على أثرها هدم بعض جوانب المجتمع القديم وبناء مجتمع جديد وما يتضمنه من تغيرات وتوترات قيمية وسلوكية واقتصادية واجتماعية تنجم عن زيادة الحراك الجغرافي والحراك الاجتماعي والمهني لقطاعات واسعة من المواطنين، هذا إلى جانب زيادة تعرضهم للمؤثرات الحديثة كأجهزة الإعلام وخلافها واحتكاكهم بها، ويمكن أن تكون عملية التعبئة الاجتماعية نتيجة تراكم عوامل داخلية تساهم - بدرجة أو بأخرى - في خلق حالة الانبعاث الداخلي وتدفع نحو التغيير. وقد تكون عوامل خارجية متمثلة في الاستعمار والتجارة والاحتكاك الثقافي والحضاري(13). ومما لا شك فيه فإن التعبئة الاجتماعية قد تكون باعثاً إيجابياً يدفع نحو النمو والتطور والنهوض بالمجتمع، إلا أنها لا تخلو من قدر كبير من العنف قد تأخذ أشكالاً من التغيير الثوري الشامل. إخفاقات التنمية يعرف الدارسون في مجال العلوم الاجتماعية ثلاث صور أساسية للعنف: أولها: العنف المؤسسي، الذي تعبر عنه ممارسات بعض الحكومات خروجاً عن الدساتير والمواثيق والشرعية التي ارتضتها لنفسها. وثانيها: المقاومة المسلحة. وثالثها: العنف الهيكلي الذي ينجم عن التفاوت في توزيع الدخول والثروات وفرص الحياة أو هو نتيجة الانقسام الطبقي داخل كل مجتمع. وحديثنا سينصب على الشكل الثالث، حيث دلت إحصائيات وتقارير التنمية العالمية أو توقعات الحياة في البلدان المتقدمة تزيد عنها في بلدان العالم الثالث بحوالي ربع قرن تقريباً. فبينما يعيش الفرد في المتوسط في البلدان المتقدمة حوالي ثلاث أرباع القرن، يعيش إنسان العالم الثالث غنيه وفقيره بمتوسط لا يتجاوز نصف القرن، وهكذا ينخفض كلما زادت الدول فقراً. إن التفاوت الاجتماعي يترتب عليه فقر وسوء تغذية وارتفاع معدلات الوفاة مقارنة بالمواليد وتفاوت شاسع في صورة المواصلات والأنظمة والمعلومات مما يشكل عنفاً هيكلياً تتحقق آثاره بطريقة غير مباشرة. ولا شك فإن العنف الهيكلي ينشأ نتيجة إخفاقات التنمية في المجتمعات المعاصرة، فمن ناحية الإخفاق السياسي يظهر غياب فرص التطور السياسي السلمي والديمقراطي وتطفو على السطح عسكرتارية تقود مجتمع مدني!! فلا وجود للتعددية السياسية ولا وجود لقدر من حرية التعبير، وليس هناك من تداول حقيقي للسلطة، أدى إلى حرمان القوى السياسية والاجتماعية من التعبير السياسي الشرعي وتجاهل أو قمع مطالب الأقليات فيما تسيطر التبعية للخارج جل السلوك السياسي والسلطوي، كلها تدفع إلى تجذّر التناقضات والاختلالات لتشكل نمو ظاهرة العنف. ويلاحظ أن النظم العربية تعطي اهتماماً متزايداً لأجهزة ومؤسسات القمع والقهر والمليشيات الحزبية وأجهزة الاستخبارات إضافة إلى تضخم ميزانيات التسليح وما يصاحبه من هدر وإنفاق مالي يسحب من مخصصات مجالات التنمية السياسية والاجتماعية والتربوية الأخرى. من ناحية أخرى تساهم علاقات التبعية والارتماء بأحضان القوى الصاعدة في وجود نظم تسلطية متدهورة الشرعية، يشكل أحد اختلالات المجتمع وتناقضاته ويخلق بيئة ملائمة لحدوث العنف السياسي. فأحداث الشغب التي عرفتها الأقطار العربية مثل مصر 1977، وتونس 1981، 1984 والمغرب 1984، والسودان 1981، 1985، كانت نتيجة قيام حكومات هذه الأقطار برفع أسعار السلع الأساسية وتخفيض الدعم وذلك تنفيذاً لتوصيات صندوق النقد الدولي(14)!! ومن ناحية الإخفاق الاجتماعي تتبلور فجوة عميقة نظراً للتخلف الحاد في مجالات التقنية والتطور التكنولوجي عند البلدان العربية مما تزلزل الأنماط والقيم الاجتماعية ويؤدي إلى صراع حاد بين أقطاب وشرائح كل مجتمع حول القيم الصالحة للاستمرار والقيم المسببة للتخلف. كما تظهر فرص عدم العدالة الاجتماعية المتمثلة في تفاوت توزيع الدخول والخدمات والمرافق الأساسية كالتعليم والصحة والإسكان والكهرباء بين الحضر والريف مما يحول الأرياف إلى حزمة فقر مدقع. فمعظم البلدان العربية والإسلامية تعيش تحت وطأة إخفاق مخططات التنمية وانتشار الفقر والبطالة وتدني مستوى المعيشة وسوء توزيع الثروة وتزايد مظاهر الاستفزاز الاجتماعي وانهيار قيمة العمل وتدني إنتاجيته وتدهور المرافق الحكومية والخدمات العامة وتكدس الأحياء العشوائية في المدن بفقراء المزارعين النازحين من القرى فضلاً عن زيادة أعداد الخريجين من المدارس والجامعات الذين لا يجدون فرص العمل، كما تمثل تيارات الغضب والعنف أحد أسبابها رد فعل نفسي للأوضاع المتردية التي تحياها المجتمعات العربية والإسلامية(15). أما إخفاق التنمية التربوية فيظهر بجلاء انحطاط المؤسسات والنشاطات الأكاديمية والمناهج التعليمية ووسائلها حيث تتكرس أهداف التعليم على التلقين والتكرار والحفظ دون أن تخلق رجلاً مبدعاً نامي العقل مفكراً مناقشاً، إنها نظم تعليمية لا تساعد على تنمية التعبير الحر عن الرأي مما يعبد طريق تربية اتجاهات اللجوء للعنف. ونظراً لغياب التخطيط التربوي السليم وفي ظل تفاوت المدخلات التعليمية عن مخرجاته، نشأت أزمة التعليم التي أدت إلى تهميش أعداد ضخمة من الشباب الذين لم ينالوا حظهم من التعليم أو لم ينالوا فرصهم في الحياة والعمل بعد التخرج مما لفظ التعليم أعداد لن تجد طريقها إلى الاندماج داخل دواليب الدولة والمؤسسات فاستشرت ظاهرة التبطل بين الشباب وتنامى شعور حاد بالإحباط وعدم الثقة من مجمل النظم والعمليات السياسية، وجعل هذه الفئات لقمة سائغة للانخراط في العنف. وهناك الإخفاق التنموي الاقتصادي والمتمثل في التفاوت الطبقي والحرمان الاقتصادي لبعض فئات المجتمع وهيمنة قوى المال والأعمال على كافة مناحي النمو الاقتصادي ومراكز سلطة اتخاذ القرار وعدم المساواة الاقتصادية والاجتماعية وتوزيع الثروات كلها تؤثر بصورة مباشرة في أنماط الإنتاج والاستهلاك وتخلق أزمة تنمية. وليس من قبيل الصدف أن نشهد فشل العديد من الأنظمة العربية في إشباع الحاجات الأساسية لقطاعات كبيرة من المواطنين. ويظهر الخلل التوزيعي الاقتصادي من مصدرين أولهما: النقص في مصادر الثورة والسلع والخدمات المادية، أي القيم المتنازع ليها بين أفراد المجتمع وهنا تبرز أهمية التنمية الاقتصادية. وثانيها: هو عدم العدالة في توزيع الثروة والأشياء ذات القيمة بين مختلف طبقات المجتمع وفئاته، نظراً لعدم كفاءة السياسات التوزيعية وانحيازها لصالح فئات دون أخرى(16). وقد ظهرت دراسات خلصت إلى وجود علاقات طردية بين عدم المساواة الاقتصادية والاجتماعية والعنف السياسي، أي كلما زادت درجة عدم المساواة زاد معدل العنف السياسي. فقد استنتج تانتر وميدلارسكي أن الحركات الثورية الناجحة خلال الفترة من عام 1955 - 1960 وقعت في مجتمعات عرفت درجة عالية من عدم المساواة في ملكية الأرض. وانتهت دراسة أخرى أجراها ميلر عام 1985 عن العلاقة بين عدم المساواة في توزيع الدخل والقهر الاجتماعي والعنف السياسي في 56 دولة خلال فترتين مختلفتين (1985 - 1967) و(1968-1977) إلى تأكيد العلاقة الطردية(17). كما لوحظ أن أعمال العنف التي كانت إما على شكل إضرابات أو تضاهرات أو أحداث شغب التي مارستها قطاعات وشرائح من العمال والطلبة وبعض الجماعات الإسلامية وحتى بعض القوى اليسارية في فترة السبعينيات والثمانينيات كانت مرتبطة أساساً بقضية العدل الاجتماعي والاحتجاج على الفجوات الاقتصادية والاجتماعية المجحفة والمطالبة بتوزيع الثروات توزيعاً عادلاً. ومرجع هذه الأزمة أنه كلما ساءت عملية التوزيع العادل للثروات وتضخمت التناقضات الاجتماعية والاقتصادية، ساد إحباط فردي وسخط جماعي يمهد لإحداث سلسلة من بؤر توتر وصراع يهدد بالانفجار متى سنحت الفرصة. واللافت للانتباه أن هناك علاقة تلازمية بين التنمية الاقتصادية والسياسية، فكلما تحدث تنمية اقتصادية لا بد أن يرافقها تطوير مؤسساتي وسياسي تلبية للمطالب الجديدة التي برزت في فترة الازدهار الاقتصادي وتنامي الوعي في قطاعات الجماهير والمطالبة بالحقوق السياسية. هذا الاتساق لم تستوعبه الدول العربية بشكل جيد مما كان شرارة نهوض العنف حيث اتجهت بعض القوى السياسية لممارسة بعض أشكال العنف للتأثير على سلطة القرار والضغط عليها لإحداث تطوير سياسي. ثالثاً: غياب النقد الذاتي يبدو أن هناك الكثير من القضايا والمعتقدات والتصورات أصبحت من المسلمات والبديهيات الغير قابلة للنقض أخذت تستشري في أدبيات الفكر المعاصر، فأضحى النقد والمصارحة من الأمور المحرمة!! ولعل من المسبقات الفكرية للمتزمتين من أصالة فكرهم وكمالها لا تتيح استيعاب إمكانية مراجعة الأصول المنهجية والفقهية ما دامت فوق الشبهات. يقول قاموس لاروس الصغير عام 1966: (إن المتزمتين هم أشخاص يرفضون إصلاح عقيدتهم لكي تتأقلم مع الظروف الجديدة). ولنا أن نتصور كيف يصبح مفهوم النقد الذاتي في ظل العقليات. بل غاب عن الكثير من قضايا العمل الإسلامي التأصيل الشرعي وخاصة ظاهرة العنف التي تعتبر غائرة في الفهم الخاطئ للعمل الإسلامي فتجربة شكري مصطفى في مصر مثلاً أو عملية جهيمان في السعودية كانت تعتمد على منطلقات غير مؤصلة شرعياً وكلتا التجربتين لجأت للعنف سواء في البنى الفكرية أو السلوكية. فقد كانت جماعة شكري تتبنى إطلاق الاجتهاد دون حدود، وحرية تصحيح الحديث بلا ضوابط وكان شكري يقول في إحدى التحقيقات: (أعطوني قاموساً في اللغة العربية والقرآن وصحيح البخاري ويكفي الاجتهاد). وكذلك الحال بالنسبة للاجتهاد المفتوح من غير ضوابط شرعية أدت بجهيمان لتبني فكرة المهدي وأخذ البيعة عند الكعبة وما حدث من مآسي عند الحرم(18). إن من أشد الانحرافات خطورة أن تمتزج الرغبات والمصالح والطموحات الشخصية بمشجب الرأي الفقهي والشرعي، مما يستحيل معها إتاحة فرص الحوار والنقاش في مجمل الأفكار، ناهيك عن نقدها. أما كان عبد الله السماوي يروج لفكرة الاستحلال حيث أنه ما دام المجتمع جاهلياً وكافراً فبالتالي يجوز قتل الناس وسبي النساء ونهب الأموال، حيث يقول: (إن الله أباح للنبي سليمان عرش بلقيس بكفرها). وكان أمير جماعة الشوقيين في مصر يقول: (إن الله خلق المال لكي يستعين به المسلمون على طاعة الله، فإذا أخذ المشركون هذا المال واستعانوا به على معصية الله، وجب على المسلمين سلب هذا المال من أيدي المشركين ورده إلى أصحابه الأصليين)(19). إن إعادة النظر في المسلمات التي تحكم سلوكنا يعتبر مطلباً ملحاً وحاجة مهمة في نجاحنا مستقبلاً وهذا يتطلب المزيد من النقد الذاتي لمعتقداتنا وتصوراتنا وأفكارنا وتعرضها لمطارق النقد. رابعاً: ضيق قنوات الحوار لا زالت الأطر الديمقراطية في مجتمعاتنا العربية هشة مما يقلص إمكانية استقرار الدولة المدنية ويفضي إلى تكريس مفاهيم أقرب للديكتاتورية والعنف. ولعل أهم وأبرز الأطر الديمقراطية فتح قنوات قانونية للتعبير عن الرأي والفكر دون التعرض لهم أو إيجاد وصاية على إبداعهم، وكلما ضاقت هذه السبل نما الشعور بالظلم وعظمت مشاعر القنوط والسخط. وقد تنشأ تبعاً لذلك ظاهرة الفئات المهمشة اجتماعياً وسياسياً في ظل فقدان الأطر الديمقراطية المتاحة وإدماجهم في نسيج المجمع المدني وما يصاحبه استبعاد الأقليات أو الفئات المعارضة وحركات الرفض ما يكونوا مادة خامة للعمل السياسي العنيف، ألم يكن الطلبة والعمال نموذج الفئات المهمشة التي وجدت طريقها نحو العنف والشغب متى أتيحت الفرصة لذلك؟ يقول الأستاذ حافظ الشيخ: (إن مجرد العزل القسري للناس ومجود إقصائهم عن مجاري الشأن العريض العام هو في حد ذاته يخلق أفضل الظروف لنشأة التطرف وهكذا فإن التطرف يزداد مع الزمن ويشتد بفعل حالة العزل والإقصاء ومع الإمعان فيها)(20). لقد حاربت بريطانيا الجيش الجمهوري الايرلندي بكل وسائل الأمن والجيش وأحدث المعدات الحربية الاستخباراتية والإعلامية لدرجة حجب بث أصوات ممثليهم، لكن أصوات قنابلهم ضلت تلعلع في بريطانيا حتى اضطرت الحكومة العمالية الجلوس على طاولة الحوار للتفاهم. وإسبانيا ضلت عقوداً طويلة في حرب منهكة واستنزافية مع منظمة (إيتا) التي تطالب بانفصال إقليم الباسك (شمال غرب إسبانيا) حتى قبل الطرفان الحوار الهادئ بديلاً عن الرصاص. إن ضيق قنوات الحوار وغياب القنوات الوسيطة أو عدم فاعليتها - وهي التي تقوم بتجميع المطالب وتوصيلها وتنظيم علاقة الحاكم والمحكوم - وعدم الاعتراف بمبدأ المعارضة السياسية وغلق كل قنوات التعبير الشرعي يكون حافزاً لتحريك العنف لدى فئات عريضة من المجتمع. في الوقت ذاته فإن إغلاق منافذ الحوار يشكل حزمة تمنع القوى السياسية والاجتماعية من تنمية ذاتيتها الفكرية والاجتماعية بحيث تطرح بدائل عملية للإصلاح السياسي والنظم الفاسدة القائمة في المجتمع أو تقدم برامج لكيفية بناء السلطة وممارسة الحكم الصحيح وكيفية مواجهة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المتراكمة، حيث تظل منهكة في صراع وتحدي السلطة وردود الأفعال وتكتفي بإعلان المعارضة والاحتجاج والرفض للنظم السياسية القائمة. من جهة أخرى نرى أن الكثير من دعاة العنف والتطرف والتزمت يفتقدون لمنهجية الحوار حيث لا يتيحوا لأنفسهم محاورة الآخرين في معتقداتهم وأفكارهم لما قد يسبب التشكيك بمنطلقاتهم الفكرية ويضعف ولاءهم وانتماءهم مما يدفعهم إلى الانضواء تحت مظلة العمل السري وانتهاج السبل القمعية. إن نقد هذا الفكر من خلال الحوار يزيل اللبس ويكشف الغموض وبالتالي فإن من يقدم على تبنيه واعتناقه يكون على بينة ومن يتصدى له ويحاربه يكون أيضاً على بينة بحقيقته ودوافعه، فلا ينقاد شاب متحمس وراء فكر طائش بعد أن تسلط الأضواء عليه ويكشف حقيقته. إن فتح قنوات الحوار أمر إيجابي في كلا الحالتين فهو يسحب دعاة التعصب من سراديب السرية ويضع أمامهم خيارات التفكير بصوت عالي من ناحية، ويضع فكر ومعتقدات التطرف تحت مطارق النقد والمصارحة والمكاشفة من ناحية أخرى. خامساً: التعالي السلطوي أثرنا أن نضيف هذه النقطة منفصلة عن النقاط السابقة برغم كونها لا تمس الدوافع الفكرية لنشأة العنف أو النظم الداخلية للتيارات السياسية والفكرية المختلفة، ذلك أنه من الصعب حصر التطرف في الأفراد والجماعات وتناسي القابضين على الحكم باعتبار أن التطرف والعنف هو في الغالب رد فعل. وعادة ما تكون الدولة هي المبتدئة بالعنف، فهي المؤهلة بسهولة للانزلاق إليه نظراً لضيق أفق الحاكمين وسعيهم الحثيث للحفاظ على الحكم واستغلال المكنة والقدرة التي تمنحهم الدولة في تكريس سطوتهم. وتقصد بذلك التطرف الذي يمارسه أصحاب الدولة لإضفاء الشرعية على حكمهم بتوظيف الدين توظيفاً سياسياً عندما لا تكون ثمة شرعية سياسية، فإنهم يلجئون إلى التعالي بالسياسة لجعل حكهم يعلو على كل شرعية بشرية. لنا في التاريخ السالف أمثلة عديدة ذات دلالة هامة في تكريس التعالي السلطوي نذكر بعضها ونحيل جلها إلى دفاتر التاريخ المليئة بحبر أسود تثير الشجون وحرقة القلوب على فداحة العبث بالدين والإسلام: * خطب زياد بن أبيه في أهل البصرة عندما قدمها عاملاً عليها لمعاوية فقال: (أيها الناس إنا أصبحنا لكم ساسة وعنكم ذادة نسوسكم بسلطان الله الذي أعطانا ونذود عنكم بفيء الله الذي خولنا) ليعبر عن تكريس أيديولوجية الجبر في الحكم. * وساهم الأمويون أيضاً في تكريس أيديولوجية الجبر طلباً للشرعية فأسبغوا على أنفسهم ألقاباً تجعل وجودهم من وجود الله، مثل خليفة الله في الأرض وأمين الله.. الخ. وهي الألقاب التي تنهض من قبل طبقة الشعراء والقصاص وخطباء الجمعة الرسميين، بل عمدوا إلى وضع أحاديث ترفع من شأنهم وتجعل مقامهم عند الله أسمى من مقام جميع البشر وهكذا نسبوا إلى النبي (صلّى الله عليه وآله) أنه قال: (الأمناء عند الله ثلاثة جبريل وأنا ومعاوية). كما نسبوا إليه حديثاً يقول: (اللهم علم معاوية الكتاب ومكن له في البلاد وقه العذاب). ولما توفي معاوية عمم خلفاؤه جملة ادعاءات فنسبوا إلى النبي أنه قال: (إن الله تعالى إذا استرعى عبداً رعيته كتب له الحسنات ولم يكتب له السيئات). وأنه قال أيضاً: (إن من قام بالخلافة ثلاثة أيام لم يدخل النار). وخطب هشام بن عبد الملك حين ولي الخلافة فقال: (الحمد لله الذي أنقذني من النار بهذا المقام وأحضر يزيد بن عبد الملك أربعين شيخاً شهدوا له أنه ما على الخلفاء حساب وعقاب)(21)!! إن السلطة والدولة بحكم امتلاكها المكنة المادية والقدرة تفضي إلى أن تكون سبباً مباشراً في تكريس العنف في الأفراد والجماعات. فبالإضافة إلى الإضفاء الشرعي وخلق الهيبة والقدسية على سلوكيات السلطة فإنها تمارس سياسات دكتاتورية من شأنها زج الجماهير قسراً للعنف من مثيل التمييز وسلب الحقوق السياسية والاجتماعية والسياسات الاقتصادية الخاطئة واضطهاد وتعذيب الشعوب وقمع الهوية الثقافية والدينية لشعب أو أمة ما، مما يكون سبباً رئيسياً لنشأة الأصولية. وعادةً ما تبدأ السلطات بممارسة العنف من خلال اتخاذ إجراءات وقائية كما يطلق عليها من مثيل حملات الاعتقال أو المحاكمات الاستثنائية، وهذا يمكن أن يخلق ردود أفعال مضادة. بل إن النظم السياسية ما برحت تفتأ تكدس مخازنها كافة الأسلحة الفتاكة والتجسسية والقمعية وتعطي اهتماماً متزايداً لأجهزة ومؤسسات القمع والقهر كالجيوش وقوات الأمن، وقوات الحرس الجمهوري والاستخبارات العسكرية والمدنية والمليشيات الميدانية وكأنها في حرب دائمة مع (الشعب) نفسه!! يقول الباحث الفرنسي فرانسو بورجا: (إن ما يطلق عليه العنف الديني يستتر وراءه - في معظم الأحيان - العنف الذي تمارسه النظم التي تفضل أن تقدم خصومها الذين يتحدونها في صورة الشيطان، وذلك لتتجنب مواجهة نتائج الانتخابات. وعندما تغلق الأنظمة - بهذه الطريقة - أبواب الوصول إلى الساحة السياسية الشرعية أمام الإسلام السياسي فهي تدفعه إلى ممارسة هذا العنف لكي تبرر لجوءها إلى القمع لحماية كيانها)(22). يقول الكاتب مصطفى حجازي: (ردود فعل السلطة عنيفة ومباشرة وتأخذ طابعاً مادياً. والبنية الاجتماعية التي تنتج عن هذه الوضعية جامدة متصلبة، لا تتضمن أي صمامات أمان أو أي تقنية للعدوانية التي لا بد أن تتراكم، ولذلك فإن هذه العدوانية لا بد أن تتفجر في الداخل والخارج تبعاً للظروف)(23). والأدهى من ذلك أنها أحياناً - ومن خلال أجهزتها وعناصرها الاستخبارية تتسلل داخل القوى الوطنية والمعارضة لتدفع تلك القوى نحو ممارسة أعمال عنف وشغب وتحدي أو تشعل فتيل الفتنة بين عناصرها أو تمارس نشاطاً تخريباً مرعباً تنسبه لتلك القوى، وحينها تصبح عملية ضربها وتفتيتها أمراً مبرراً وشرعياً تتبجح به أمام محطات التلفاز. إن هناك ثمة سمات مشتركة تشترك بها أغلب النظم العربية، فهي أولاً نظم انتقالية لم تستقر بعد، أي أنه لا يوجد اتفاق عام داخل المجتمعات العربية حول شكل النظم السياسية ومضمونها. ومن ثم نظم تمر بعملية تغير وتبدل على مستوى أبنيتها التنظيمية والمؤسسية وعلى مستوى أسسها الاقتصادية والاجتماعية. وثانياً هي نظم تابعة، أي تتحكم في إطار التبعية لقوى خارجية أو ضمن فلك مصالحها. وهي ثلاثاً نظم تسلطية تقوم على احتكار السلطة فلا تسمح بتعددية سياسية حقيقية أو أطر ديمقراطية. وهي رابعاً نظم محدودة الفاعلية، إذ أنها تعثرت - بدرجات مختلفة - في إنجاز مهام ما بعد الاستقلال(24). هذه السمات - التي شرحناها سلفاً بإفراد - تخلق مناخاً مواتياً لتفريخ العنف وتناميه في الجماهير بشكل مطّرد وخطير للغاية. إن هناك فارقاً شاسعاً بين عنف الضحية وعنف الجلاد، فبرغم نقدنا لعنف الضحية سواءً كانت حركة أو مجموعة أو كتلة عمالية أو مهنية، فإن عنف الجلاد يشكل انتهاكاً صارخاً يتضمن ممارسات وحشية لا تقل قسوة عن أزمنة العصور الوسطى إن لم تتجاوزها تفنناً وتقنيةً وبشاعةً. والمفارقة الهامة في البحث أن للبشر حاجات أساسية ونفسية تساهم بشكل مباشر في صياغة حياته وشخصيته والحفاظ على كيانه وكلما انتهكت هذه الحاجيات أدى إلى الانتقاص من آدميته وأضرت بحقوقه وأصبحت الفرصة مهيأة لانتحاء الأشخاص نحو ممارسة سبل أقرب للعنف وهذه الحاجيات هي المرتبطة بالقيم التالية: 1- نبذ كافة أشكال العنف والحاجة للأمن. 2- الرخاء الاقتصادي. 3- التوازن البيئي. 4- العدل الاجتماعي. 5- المشاركة. 6- التسامح. ومتى ما أُخليت هذه القيم في مجتمع ما، كان عرضة لبروز التعصب وسيادة منطق القوة!! وتبدو أن السلطة هي الأقرب لانتهاك هذه القيم لسطوتها على مكنونات السلطة وقدرتها على توفير حاجيات الناس العامة. ولمعالجة ظاهرة التطرف والعنف هناك ثمة أولويات لا بد العمل عليها: 1- تكريس الأصول المعرفية بمفاهيم الحرية والتعددية والانفتاح ولفت نظر المتطرفين بها. 2- ممارسة النقد الذاتي للتكيف مع روح العصر وملاحقة العلل والمثالب. 3- فتح حوار مع المتطرفين والتعاون معهم في المجالات السياسية والاجتماعية والدينية كسبيل لوقف تماهي التطرف فيهم. 4- يتعين الدفاع عن الحضارة في مواجهة الفرد بمعنى تكريس مفهوم المؤسساتية والعمل الجماعي المنظم لتطوير مفهوم الدولة للحماية من نزوات البشر العادية. والسؤال: كيف يمكن تكريس التسامح في المجتمع فذلك بحث آخر سنتطرق له في فصل لاحق.
1- (إبراهيم، د. حسنين توفيق ظاهرة العنف السياسي في النظم العربية – مركز دراسات الوحدة العربية 1992). 2- (المصدر السابق). 3- جارودي، روجيه: الحركات الأصولية بين التزمت والاعتدال. 4- (صحيفة الوطن الكويتية 12/2/1992). 5- (ظاهرة العنف والتطرف، منتدى التنمية مايو 1996). 6- (الرميحي، د. محمد مجلة العربي العدد 332 سبتمبر 1995). 7- (المصدر السابق). 8- (سيكولوجية التعصب اندريه هاينال - ميكلوس مولنار - جيرار دي بوميج دار الساقي 1990). 9- (مجلة الكلمة، العدد 18، منتدى الكلمة للدراسات والأبحاث بيروت 1998). 10- (صحيفة السياسة الكويتية العدد 9880 في 29/5/1996). 11- (الرميحي، د. محمد مجلة العربي العدد 442). 12- (إبراهيم، د. حسنين توفيق ظاهرة العنف السياسي في النظم العربية - مركز دراسات الوحدة العربية 1992). 13- (إبراهيم، د. حسنين توفيق ظاهرة العنف السياسي في النظم العربية - مركز دراسات الوحدة العربية 1992). 14- (إبراهيم، د. حسنين توفيق ظاهرة العنف السياسي في النظم العربية - مركز دراسات الوحدة العربية 1992). 15- (الزميع، د. علي رؤية في الآفاق المستقبلية لتجديد الفكر الإسلام - ندوة الفكر الإسلامي المعاصر بين الهدم والبناء يناير 1995). 16- (إبراهيم، د. حسنين توفيق ظاهرة العنف السياسي في النظم العربية - مركز الدراسات الوحدة العربية 1992). 17- (المصدر السابق) 18- (زكي، د. عيسى مجلة المجتمع العدد 1081). 19- (صحيفة القبس الكويتية 29/3/1994). 20- (الشيخ، حافظ صحيفة الوطن الكويتية في 9/1/1994). 21- (الجابري، محمد عابد صحيفة الشرق الأوسط العدد 5223 في 7/3/1993). 22- (إبراهيم، د. حيدر، ظاهرة العنف والتطرف - منتدى التنمية - اللقاء السابع عشر يناير 1996). 23- (التخلف الاجتماعي، سيكولوجية الإنسان المقهور بيروت معهد الإنماء العربي الطبعة الخامسة ص203). 24- (إبراهيم، د. حسنين توفيق ظاهرة العنف السياسي في النظم العربية - مركز دراسات الوحدة العربية 1992). |