|
الفصل الثاني الإسلام والسيف!!
أولاً: هل انتشر الإسلام بالسيف؟ جبل الكثيرون على اتهام الإسلام بأنه انتشر بالسيف مستعيناً بوسائل العنف والإرهاب، مستندين على ثمة روايات وأحداث تاريخية وبعض الآيات القرآنية الداعية للجهاد. إن قراءتنا للآيات القرآنية الآمرة بالجهاد وأسباب نزولها لم تأمر المسلمين بالاعتداء قط وإنما الدفاع عن الشريعة السمحاء فقط، أما ما حدث من تسلط واستيلاء على أموال الناس وأعراضهم لا يمكن اعتباره في خانة الجهاد والدين. وما يؤكد أن الحرب حالة استثنائية اضطرارية أن آثارها كانت قليلة إذ يذكر أحد الكتاب أن جميع القتلى من الطرفين (المسلمين والمشركين) لم يتجاوز ألفاً وبضعة أشخاص في كل الحروب التي خاضها الرسول (صلى الله عليه وآله) والتي كانت أكثر من ثمانين حرباً. بينما يذكر الدكتور محمد حميد الله في كتابه (محمد) أن محمداً (صلى الله عليه وآله) مع أنه استولى على أكثر من مليون ميل مربع مما يعادل كل أوربا باستثناء روسيا ومع أنه كان يسكن هذه المنطقة ملايين من البشر لم يقتل في كل حروبه (من طرف المسلمين) إلا مائة وخمسون مسلماً، إن هذا العدد يعادل قتيلاً واحداً في كل شهر تقريباً(1). بل إن التاريخ أثبت أن القبائل العربية دخلت الإسلام في زمن السلم أضعاف دخولها في زمن الحرب وما انضمام الأوس والخزرج بأكملها للإسلام دون حرب إلا دليل قاطع على قناعة الإسلام وقدرته على مخاطبة العقول. الإسلام والحرب: أن العقد الاجتماعي الذي يربط البشر بعضهم ببعض من قبيل عقد حبال المودة والألفة والتآخي كشعوب وقبائل والتلاقح وتبادل المنفعة شكلت أسس النمو البشري وأعطت طعماً فريداً للحياة، وتلاقحت مع العقد الاجتماعي للحقوق المباحة للبشر للتمتع بالحياة والاستجابة لمتطلبات التعايش بين البشر، هذا العقد الاجتماعي لا يتناسب تماماً مع ظاهرة الحرب التي تمحق الإنسان وكل ما من أجله كائن. إن كل نشاط يدعي خدمة الإنسان وتسيير الحياة ثم يدفع الأحياء للموت تحت شظايا النار لهو عمل يستقبحه العقل والمنطق ولا يتناسب مع طبيعة تكوين الحياة الإنسانية، إنها ظاهرة مرضية وإن اعتبرها البعض أنها سنة من سنن الاجتماع البشري ومظهر من مظاهر تنازع البقاء الذي أشار إليها تعالى بقوله: (ولولا دفع الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض)(2) لكن ذلك لا يعني أن تنحدر الحياة إلى مستوى تتدافع لحد الاقتتال والتنازع اللاعقلاني، لأن قبح الحرب أن أضرارها فادحة بالحياة والنوع البشري وظاهرة اجتماعية تمليها الغرائز الفاسدة (كتب عليكم القتال وهو كره لكم)(3). من هنا حرص الإسلام أشد الحرص على عدم نشوء ظاهرة الحرب إلا ضمن أطر ضيقة وظروف شاذة تقتصر على الدفاع عن النفس وحماية حقوق الآخرين وكراماتهم ومقدراتهم وأعراضهم وشرفهم وعندما تصبح العدالة والحرية معرضة للاغتيال. وحتى اللجوء للحرب الدفاعية تأتي بعد خيارات عدة: 1- الحياد من خلال عقد العهود والمعاهدات كما فعل رسول الله (صلى الله عليه وآله) مع الحبشة وكفار قريش في صلح الحديبية من أجل وقف إراقة الدم ونزيف الاعتداءات المتكررة. 2- إذا لم يكن حياداً ولا عهداً ولا إسلاماً فيأتي دور الجزية كما فعل (صلى الله عليه وآله) مع نصارى نجران والجزية مجرد حق مالي كما على المسلمين من حق الزكاة والخمس نظير الدفاع عن حقوقهم في الدولة الإسلامية. وقد أثبت التاريخ أن كل حروب رسول الله (صلى الله عليه وآله) دفاعية محضة ضمن ظروف تاريخية لا يسعنا ذكرها(4). استثناءات اللجوء للحرب في الوقت نفسه فإن ثمة حالات قصوى تبيح خوض الحرب في الإسلام نذكر منها: 1- الدفاع عن حق الإيمان والمعتقد، فحينما تصبح حرية المعتقد والدين جريمة لا تغتفر، يجب الدفاع عنها ودفع الظلم عن حق الحرية الدينية (أذن للذين يقاتلون بأنه ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير* الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله)(5)، حرية العقيدة الدينية (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيزي)(6). 2- دحر العدوان، فرد الظلم دحر للظلم بمعنى أن مقاتلة المعتدي ما هو إلا دفاع عن اللاعنف وقطع دابر المستبد الظالم بشرط أن لا يتمادى الرد ويتجاوز الحد المعقول (وقاتلوا في سبيل الله الذي يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين)(7). 3- انتشار الفتنة وإشاعة الكراهية والأحقاد في النفوس وبث الفرقة والتشجيع على العدوان وحث الأعداء على الاعتداء على الدولة والعمل على مساعدتهم بما يطلق عليه اليوم بـ(الخيانة). (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين)(8). ذلك أن الفتنة قد تشكل تحدياً أكبر من سفك الدماء والقتل مما يحتم دحرها لصالح سيادة السلام والطمأنينة في المجتمع (والفتنة أشد من القتل)(9)، (والفتنة أكبر من القتل)(10). 4- الدفاع عن معاهدات السلام وخاصة معاهدات الدفاع المشترك مع الأصدقاء، فإن تعرضت المعاهدات والاتفاقات للانتهاك فإنه يصبح من اللازم العمل على صونها وإن تطلب شن الحرب، فقد اعتدت قريش على قبيلة كانت مع المسلمين في معاهدة دفاع مشترك حتى نزلت الآية: (وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر)(11). والأمر يمتد لمن يستنجد بالمسلمين من معتدٍ وإن لم يكن متعاقداً ضمن معاهدة أو اتفاقية لأن الامتناع عن مد يد العون كمن يشارك في قتله (وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق)(12). وكما نلحظ فإن كل حالات شن الحرب الاستثنائية ما هي إلا دفاع عن خصيصة السلام واللاعنف والحرية بكافة أشكالها ودحر أي نمو لظاهرة العدوان والظلم والتجني على حقوق وحريات الآخرين، فالعدالة أحياناً لا تستتب إلا بدحر أعداء العدالة (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين)(13). ضوابط الحرب وإذا نشبت الحرب فإن هناك مئات الضوابط التي لا تجيز الإسراف والاعتداء والتجني في القتل وإباحة الدم، باعتبار أن الحرب ضرورة قصوى والضرورات تقدر بقدرها وهذه الضوابط عديدة نذكر منها: 1- لا تبدأ بقتال: يقول الإمام علي (عليه السلام) لعسكره قبل لقاء عدوه في صفين: (لا تقاتلوهم حتى يبدؤكم فإنكم بحمد الله على حجة وترككم إياهم حتى يبدؤكم حجة أخرى لكم عليهم) ويقول أيضاً لولده الحسن: (لا تدعونّ إلى مبارزة). 2- الاقتصار على القدر الضروري: حيث يحرم الغل والتمثيل والغدر، فقد أوصى رسول الله (صلى الله عليه وآله) عندما أراد أن يبعث سرية حيث أجلسهم بين يديه وقال: (سيروا بسم الله وبالله وفي سبيل الله وعلى ملة رسول الله لا تغلوا ولا تمثلوا ولا تغدروا ولا تقتلوا شيخاً ولا صبياً ولا امرأة ولا تقطعوا شجراً إلا أن تضطروا إليها وأيما رجل من أدنى المسلمين أو أفضلهم نظر إلى أحد من المشركين فهو جار حتى يسمع كلام الله فاتّبعكم، فأخوكم في الدين وإن أبى فأبلغوه مأمنه واستعينوا بالله). ويخطب (صلى الله عليه وآله) في سرية أخرى فيقول: (لا تغدروا ولا تغلوا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليداً ولا متبتلاً في شاهق ولا تحرقوا النخل ولا تغرقوه بالماء ولا تقطعوا شجرة مثمرة ولا تحرقوا زرعاً لأنكم لا تدرون لعلكم تحتاجون إليه ولا تعقروا البهائم ما يؤكل لحمه إلا ما لا بد لكم من أكله). وقد نهى رسول الله أن يلقى السم في بلاد المشركين كما يحرم سلب العدو لامة حربه أو ملبسه. وروى الكيني في الكافي والطوسي في التهذيب بسندهما عن الإمام علي بن الحسين (عليه السلام) قال: (إن علياً (عليه السلام) كتب إلى مالك الأشتر وهو على مقدمته في يوم البصرة بأن (لا يطعن في غير مقبل، ولا يقتل مدبراً، ولا يجهز على جريح ومن أغلق بابه فهو آمن)(14). وكان يحرص الإمام علي (عليه السلام) على إرسال رجال رحماء يرأفون بالناس في غزواتهم فقد روي أنه أوصى عامله على مصر بقوله: (وولّ من جنودك أنقاهم جيباً - أي أطهرهم قلباً - وأفضلهم حلماً ممن يُبطئ عن الغضب ويستريح إلى العذر ويرأف بالضعفاء وينبو على الأقوياء وممن لا يثيره العنف.. الخ)(15). 3- لا حرب مع إعطاء الأمان أو الصلح: عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (لو أن قوماً حاصروا مدينة فسألوهم الأمان فقالوا لا، فظنوا أنهم قالوا نعم، فنزلوا إليهم كانوا آمين). وقال الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام): (من ائتمن رجلاً على دمه ثم خان به فأنا من القاتل بريء وإن كان المقتول في النار). وليس هذا فقط بل إن الإيماءة الصادرة من رجال الخصم يعتبرها الإسلام إعطاءً للأمان يقول الإمام علي (عليه السلام): (إذا أومأ أحد من المسلمين إلى أحد من أهل الحرب فهو أمان). وفي عهد لرسول الله إلى علي (عليه السلام) قال: (وإياك والغدر بعهد الله والإظفار لذمته فإن الله جعل عهده وذمته أماناً أمضاه بين العباد برحمته والصبر على ضيق ترجو انفراجه خير من غدر تخاف تبعاته وسوء عاقبته)(16). ويقول الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) لعامله على مصر: (وإن عقد بينك وبين عدوك عقدة - أي ميثاقاً - أو ألبسته منك ذمة فحط عهدك بالوفاء وأرع ذمتك بالأمانة واجعل نفسك دون ما أعطيت - أي حافظ على ما أعطيت من عهدك بروحك - ولا تغدرن بذمتك ولا تخيسنّ بعهدك ولا تختلن عدوك - لا تخدعه -)(17). 4- وقف إطلاق النار في الأشهر الحرم وعدم استحلال دماء الآخرين فيها، يقول تعالى: (منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم) سورة التوبة، الآية: 36. 5- حرمة قتل الأسير: عن أبي عبد الله بن ميمون قال: أتي علي (عليه السلام) بأسير يوم صفين فبايعه فقال علي (عليه السلام): (لا أقتلك إني أخاف الله رب العالمين) فخلى سبيله وأعطاه سلبه الذي جاء به. 6- حرمة قتل المكره: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم بدر: (اللهم من استطعتم أن تأسروا من بني عبد المطلب فلا تقتلوهم فإنهم إنما أخرجوا كرهاً)(18). 7- عدم التعرض للنساء: عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: (لا تمثلوا بقتيل وإذا وصلتهم إلى رحال القوم فلا تهتكوا ستراً ولا تدخلوا داراً ولا تأخذوا شيئاً من أموالهم إلا ما وجدتم في عسكرهم ولا تهيجوا امرأة بأذى وإن شتمن أعراضكم وسببن أمراءكم وصلحاءكم فإنهن ناقصات القوى والأنفس والعقول وقد كنا نؤمر بالكف عنهن وهن مشركات وإن كان الرجل ليتناول المرأة فيعير بها وعقبه من بعده). 8- تحريم القتال على غير سنة: عن زيد بن علي عن آبائه (عليهم السلام) قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (إذا التقى المسلمان بسيفهما على غير سنة فالقاتل والمقتول في النار. قيل يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: لأنه أراد قتالاً). وفي عهد لرسول الله (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام) قال: (وإياك والتسرع إلى سفك الدماء لغير حلها فإنه ليس شيء أعظم من ذلك تبعة). 9- عدم قتل الذمي: روى جعفر بن أحمد القمي عن المطلب أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: (من قتل رجلاً من أهل الذمة حرم الله عليه الجنة التي توجد ريحها مسيرة أثني عشر عاماً). 10- عدم قتل الأطفال: فقد ورد أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) صادق على حكم سعد حيث أمر أن لا يقتل من لم يبلغ الحلم من رجال اليهود. إن رسول الإنسانية انتزع السيادة والسلطة في أقصى بيئة من غير استخدام القوة، بل استمرأ الرسول في الدفاع عن حرية الاختيار بين بني البشر لكن الفتنة التي أشار إليها القرآن نقضت مبدأ حرية الاختيار لأنها لم تكن سوى وسيلة قهر لتعذيب الناس حتى يتركوا دينه، فالجهاد ما هو إلا منع إكراه الناس على دين معين (أنلزمكموها وأنتم لها كارهون)(19). ولتحقيق الجهاد بالقتال شرطان: شرط في المجاهد أن يكون قد وصل إلى الحكم برضا الناس وإقناعهم. وشرط في المجاهَد ضده (بفتح الهاء) أن يكره الناس على دين معين أو يفتنهم عن دينهم(20). يقول ابن تيمية: (إذا كان الكتاب فوق السيف فهو الإسلام، وإذا صار السيف فوق الكتاب فهو المنكر). ويقول أيضاً: (القتال في الإسلام ليس لأجل الكفر بل لأجل الظلم) لأن الكفر يبقى وله حق أن يبقى، والظلم أكبر ما يكون في مصادرة الرأي وممارسة الإكراه في الدين (وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذي يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك ولياً واجعل لنا من لدن نصيراً)(21). 11- عدم قطع الماء والأشجار: فقد روي أن رسول الله نهى عن قطع الشجر المثمر أو إحراقه كما ورد أنه لما أراد غزو خيبر دله بعض اليهود على ماء كان يجري لهم وقالوا له: إن قطعت الماء عنهم استسلموا فقال (صلى الله عليه وآله): (لا أفعل ذلك). فلم يقطع الماء عنهم كما أن علياً لم يقطع الماء عن أصحاب معاوية. في الوقت نفسه نجد أن الإسلام يشترط إذن الوالدين لولدهما حين خروجه للحرب كما يسقط الجهاد عن المرأة والقاعدين من المؤمنين الذين لا يطيقون الحرب من أجل ضمان عدم استثارة الشحناء والبغضاء والضغينة نتيجة لتأثيرات عاطفية سلبية قد تنشأ جراء هذا السلوك المؤثر على النفس. الجهاد والعنف إن إشكالية انتشار الإسلام بالسيف أحدثت خلطاً جوهرياً في مفهوم الجهاد حينما ربطت قهرياً بمفهوم العنف وممارسة كافة أساليب القوة. فالجهاد هو استخدام القوة بعد الوصول إلى الحكم برضا الناس لمنع الإكراه في الدين إن لم يكن منعه من ذلك بغير قتال. فقد التزم الرسول (صلى الله عليه وآله) في سيرته بالدعوة إلى الحكمة والموعظة الحسنة حتى وصل إلى الحكم برضا الناس وقناعاتهم (قوة الإقناع والفكر) واستقبله أهل المدينة حيث بدأ هناك الجهاد وقتال من يفتن الناس عن دينهم (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة)(22). ثم إن الجهاد له أبعاد متشعبة فهو جهاد النفس وجهاد المال وجهاد الكد على العيال بينما العنف استخدام القوة فقط، في حين أن الجهاد مصطلح قرآني يقصد به الدفاع وحماية العقيدة والدولة ولا علاقة له بالعنف جملة وتفصيلاً. أصالة السلام إن الحرب حالة استثنائية طارئة تحتمها الظروف والمتغيرات الواقعة والتبدلات السياسية ضمن أطر تقتضيها المصلحة والحاجة الملحة التي لا فكاك ولا مهرب منها، وإلا فالسلم حكم أولي وأصل ثابت في الإسلام إذ يقول تعالى: (يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان)(23)، (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله)(24). إن الأمن والأمان وسيادة الاستقرار الاجتماعي سلسبيل الحياة ومادة الاستقرار والتكامل والنمو، وإن سيادة السلام ضرورة ملحة لتكريس حضارة متنامية تتصاعد مع مرور الزمن. يقول الإمام علي (عليه السلام): (إن الله خلقكم حرماً في أرضه وأمناً بين خلقه وجمع ألفتكم فنشرت النعمة عليكم جناح كرامتها وأسالت لكم جداول نعيمها). فالحرب مجمع الرذائل ومكمن الدمار وإذا أقبلت شبهت حيث يتيه الحق بالباطل وتهدر القيم وتنسال المفاهيم في لهوات التشابك فتلتبس المعاني وتختلط كل القيم والسبيل الوحيد هو العمل على إقصاء الحرب عن الحياة لتعود للقيم جذوتها وتبقى للحياة معناها وأصالتها. ثانياً: التاريخ الإسلامي.. شواهد دموية!! لم يخل التاريخ الإسلامي من شواهد دموية حتى في العصر الذهبي للإسلام ففي عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذكر التاريخ أن سعد بن معاذ حكم في بني قريظة وأمر بقتل مقاتليهم وسبي ذراريهم وأمر بكشفه فمن أنبت فهو من المقاتلين ومن لم ينبت فهو من الذراري وقد صوبه رسول الله (صلى الله عليه وآله). فكيف يصوب رسول الله وسيلة من وسائل العنف؟! كما أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمر باغتيال كعب بن الأشرف الذي كان يهودياً!! مما يعني أن هذا السلوك يؤيد مشروعية الاغتيالات السياسية للمناوئين ولو كانت بالقتل والعنف؟؟! لا يخالنا أدنى شك أن الدقة في قراءة السير والأحداث التارخية يجنبنا الكثير من المتاعب والمشاكل التي ربما قد تزدحم لتشكل توليفة فكرية ثقافية حافلة بالأخطاء، لم نتفحص التاريخ وسيره بالتوازي مع القرآن الكريم المنبع الأساس في الحكم الإسلامي. فقصة بني قريظة مثلاً مختلفة تماماً وما يدل على ذلك اختلاف الروايات وعدد المقتولين بين سبعمائة وستمائة وأربعمائة وهكذا أربعين، واختلاف الروايات بهذه الشدة من شواهد الاختلاق. ثم أين قبور هؤلاء وهل من المعقول أن جماعة كثيرة من البشر يقتلون ويدفنون ولا قبور لهم ولا أسماء ولا سائر ما يرتبط بهذه الأمور مع تسجيل خصوصيات الرسول (صلى الله عليه وآله) سواءً في طرف المسلمين أو في طرف الكفار، هذا كله مضافاً إلى أنه لا سند معتبر لهذه الروايات. بالنسبة لحادثة اغتيال كعب بن الأشرف فإن الأحاديث الدالة على أمر الرسول (صلى الله عليه وآله) بالاغتيال كلها من صنع اليهود ولا سند لها كما يظهر لمن يراجع التاريخ(25). أما بالنسبة إلى مجتمع صدر الإسلام وما حدث من أحداث مفجعة ودموية وقتال وفتن فإنه لا بد أن لا نفسر الأحداث بمعزل عن التحول الاقتصادي والاجتماعي للمجتمع وخصوصاً في الأمصار الإسلامية الكبرى مثل الكوفة والبصرة، (وما أفرزه ذلك التحول من فئات اجتماعية مهمشة ومن تلك الفئات الموالي والزط والسبابجة والأحابيش وغيرها من الفئات، وقد أصبحت هذه الفئات بسرعة - نتيجة التطور الديموغرافي والعمراني السريع الذي عرفته المدن الإسلامية بصفة خاصة - تمثل التربة الخصبة للحركات الدينية السياسية التي قامت بانتفاضات متعددة ومتكررة بلغت شأواً بعيداً في استعمال العنف وسفك الدماء. ثم إن جميع حركات الفئات الاجتماعية المهمشة، وحركات الدعوات الدينية التي عرفها التاريخ العربي الإسلامي في العصر الوسيط اصطبغت بالصبغة الدينية، وهو أمر طبيعي بالنسبة لتلك العصور، ولكن هذه الصبغة الدينية لا تنفي أبدأ المحتوى الاجتماعي لكثير من تلك الحركات)(26). إلا أنه بالعودة إلى التاريخ الشيعي نجد أن الثورات الشيعية التي ثارت في عهد الأئمة (عليهم السلام) كانت على يد أبناء الأئمة وبتأييد كامل منهم وقد خصصت كتابات واسعة في تحليل ظاهرة الثورات كقراءات قهرية لمفهوم الثورية. وبطبيعة الحال فإن بعضها كانت حركات مارست العنف والإرهاب والقسوة كما في ثورة المختار الثقفي الذي قتل وعذب من ساهم في قتل الحسين (عليه السلام) وبعضها كانت بشعة وصوبها الإمام زين العابدين (عليه السلام) حيث سجد شكراً لله حينما سمع بما قام به المختار؟! للإجابة على هذه الشبهة نقول أن التاريخ اجتهادات رجاله وأبطال الحدث وهو ليس قرآناً ولا بد من الاعتراف بأن بعضه تجني وبعضه سقوط في الخطأ وهو أمر طبيعي إذا جردنا التاريخ من نفحة القدسية. من هنا فنحن مأمورون باتباع كتاب الله العزيز وسيرة نبي الرحمة محمد (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته وأخذ الدين منهم، وليس لنا أن نأخذ بكليات السير لأفعال مارسها غيرهم، هذا أولاً.. وثانياً: فإن التاريخ يشهد أن الأئمة لم يمارسوا العنف إطلاقاً لعدم مشروعيته وتأييد إمام ما لحركة لا يعني تأييد العنف بل تأييد أهدافها ومنطلقاتها، حتى أن رواية سجود الإمام السجاد (عليه السلام) شكراً لسماعه بفعل المختار يردها بعض المؤرخين لما فيها من تناقض وتردد. ثالثاً: إن تفسيرات التاريخ ما هي إلا قراءات للتاريخ وقد لا تكون صحيحة بالحتم. رابعاً: من غير المعقول أن نرتمي للتاريخ ويرتسم أمامنا قرآن كريم يصدح بقول السلم دائماً وأبداً وأينما تعارض فعلينا أن نرتمي للقرآن ونضرب بغيره عرض الحائط. ثالثاً: نصوص الدم القرآنية!! لكن نصوص القرآن واضحة وصريحة بشأن القتل وإباحة الدماء منها: * (فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد)(27). * (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون)(28). * (واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم)(29). * (فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم)(30). في البدء لا بد أن نستوضح عدة أمور حول مفاهيم القرآن وتعاليمه ولغة الخطاب المتبعة فيه. كتاب الله العزيز يتميز بقدرته الحلزونية على طرح المفاهيم والتعبير عنها بوضوح وكفاية علمية قد تتيه على المشوش معانيها، ففيه الأحكام والثوابت وفيه المتغيرات والمنسوخات، كما فيه السنن والرؤى المتجددة، فيما يضم بين دفتيه الأصول والعموم أو المستثنيات. وفي هذه الآيات يصفها المفسرون أنها من آيات العموم بمعنى أنها مرتبطة بجو الحدث وظرف الزمان حيث كان غبار المعارك مشتداً على أوجه بين المسلمين والمشركين فكانت نداءات إشعال فتيل الحماس مطلوبة، لكن أصول التعامل مع الآخر المختلف، أرساها القرآن ضمن قاعدة الأصول والسنن العامة التي لا تتغير ومنها: * (ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين)(31). * (إنه لا يحب المعتدين)(32). * (ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعانوا على الإثم والعدوان)(33). * (وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر)(34). * (ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً فأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين)(35). * (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي)(36). يتضح لنا من هذه السلسلة من الآيات المباركة أن جوهر الإسلام في موقفه من المخالفين له، المسالمة والحماية وطلب النصح له والرشد، وأن لا إكراه في أي أمر من أمور الحياة حتى ولو تعلق بالشك في خالق الكون وهو رب العالمين. ثم تأتي جملة الآيات الحربية الأخرى التي هي بمثابة رد الظلم ودفع الأخطار ووقف نزيف الاعتداء على حقوق البشر، ثم إن الحروب الدفاعية لم تكن غرضها فرض الدين عليهم بقدر تبيان شوكة الإسلام واستظهار القوة والعزيمة والعمل على الدفاع عن المقدسات الإسلامية وإلا فإنه من غير المعقول أن يقول القرآن اقتلوهم من حيث ثقفتموهم وهو يرغب في جبر خاطرهم نحو الإسلام!! أو ينادي (لا إكراه في الدين) ثم يعلن أن السبيل لذلك هو القتل حيثما كانوا!! أليس في ذلك تناقض. ثم لاحظ عزيزي القارئ أن كل الآيات آنفة الذكر الموجهة ضد قتل المشركين جاءت كردود أفعال، (فإذا انسلخ الأشهر الحرم) حيث كان المشركين مترصدين للدين فانطلقوا لقتالهم وهكذا، أي أنها ارتبطت بثمة أحداث سياسية وعسكرية محددة، ولم تكن من نصوص الثوابت والسنن التي تكون عادة مغتربة عن أجواء الحدث التي وقعت في حينها ومنفصلة عن أجواء المعارك مما يؤكد لنا أن هذه النصوص من المتغيرات، وآيات السلم من الثوابت. رابعاً: هل تطبق العقائد بالقوة؟؟ يثار تساؤل آخر يثير زوبعة تشكيك في الفكر الإسلامي. والسؤال هو: إن عدم استخدام القوة يعني التوقف عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من خلال حديث (صلى الله عليه وآله): (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) وإن عدم قطع يد السارق مثلاً ومعاقبة المجرم سيعطل حدود الله؟؟ فكيف ظنك بأمر الجهاد الذي يعتبر من أخطر الأمور؟؟ إن تنفيذ حدود الله أولاً لا بد أن يترافق مع سيادة أحكام الله، فكيف نريد قطع يد السارق الذي يعيش في مجتمع لا يرفل بحكم الإسلام، أو أنه يتحلل من هذه الأحكام، أو قد يكون ذلك السارق يعيش تحت شظف العيش مما قد يفقد شرائط قطع اليد، هكذا واجب القتال لن يخضع في مجتمع لم يخضع للإسلام. إن على المسلم التزام الدعوة والبيان ولا يتجاوزها إلى تطبيق الحدود حتى يسلم المجتمع له. ثم إنه لا يكون تطبيق أحكام الله بالفوضى، وإلا فدليل حرمة قتل إنسان، لفظ الإسلام ولو باللسان ذلك الحديث الشريف: (هلا شققت قلبه) الذي زجر (صلى الله عليه وآله) من قتل كافراً في المعركة برغم أنه تشهد الشهادتين خوفاً، وقول القرآن الكريم: (يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا إن الله كان بما تعملون خبيرا)(37). إن الآية صريحة بتوبيخ واتهام من لا يكبح دوافع العدوان حيث اتهمهم الله بسوء القصد بأنهم يبتغون عرض الحياة الدنيا. عن ابن عباس أن عبد الرحمن بن عوف وأصحاباً له أتوا النبي (صلى الله عليه وآله) بمكة فقالوا: يا نبي الله كنا في عزة ونحن مشركون، فلما آمنا صرنا أذلة قال: (إني أمرت بالعفو فلا تقاتلوا القوم)(38). وثانياً: من أعطانا الحق في تنفيذ أحكام الله بهذه الصورة، فإن اجتمع بعض الأفراد سراً وأصدروا حكم الإعدام بالبعض وأعطوا لأنفسهم سلطة تنفيذ مثل هذه الأحكام لا يكونون في الواقع قد خدموا الإسلام وأيدوه، لأن الإسلام لا يعطي أمر إصدار مثل هذا الحكم وتنفيذه حتى في القصاص من القاتل المعتدي لأي فرد عادي في المجتمع الإسلامي، ولا لبعض الأفراد الذين لم يسلم لهم المجتمع بذلك. إن الخطأ ناشئ في فقه القضية ونقص في إدراك الإسلام وتجلياته. ثم إن تنفيذ حدود الله منوط بالاستطاعة للمنكِر - بكسر الكاف - ومنوط بالمصلحة للمنكَر - بفتح الكاف - فمن استطاع أن يغير بيده يقوم بذلك بشرط ألا يترتب عليه منكر أكبر منه، ولا يدخل في هذه المسألة الدماء لأن الدماء يحتاط لها الشرع احتياطاً عظيماً. كما يجب دراسة الواقع المعاش وتحديد أساليب التغيير في المجتمع، لا بد أن تترافق ضمن إطار المصلحة والظروف المحيطة. يقول الدكتور فتحي يكن في تفسيره لحديث (من رأى منكم منكراً): هذا الحديث واضح الدلالة على أن تغيير المنكر مناط بالاستطاعة وعدم جلب مفسدة، وتعدد درجات التكليف يفيد عدم العنت والمشقة ويفيد التيسير لا التعسير. ثم إن الحالة الإسلامية اليوم ليست مدعوة لإزالة منكرات صغيرة في ظل أوضاع وأنظمة ونظم وقوانين منكرة، والدعوة الحكيمة هي تلك التي تعمد إلى التغيير على أساس بناء المجتمع - كل المجتمع - بناءً سليماً. فتحطيم متجر لبيع الخمور - مثلاً - لا يحل مشكلة ما دامت القوانين تسمح بذلك، من هنا كانت السنة الربانية الكونية في التغيير تعتمد على تغيير الأساس لا الذي ترتب عليه وتوالد منه، ناهيك عن أن الانشغال بفروع المنكر من شأنه أن يشغل الدعاة عن الانشغال بأصوله ومنابعه إلى أن يستدرجوا على معارك جانبية تستنزف جهودهم وتحبط أعمالهم وتوقف مسيرتهم وتجهض مشروعهم(39). هذا لا يعني أن كل أشكال تنفيذ أحكام الإعدام والنهي عن المنكر مرفوضة بل إن من موجبات الدفاع عن السلام قتل المفسد الظالم (ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب)(40)، ذلك أن الطبيب إذا أراد أن لا يتسبب في زيارة آلام المريض أو وفاته يلجأ إلى بتر العضو الفاسد، إلا أن تطبيق أحكام الله لا تتم بالفوضى بل بطرق متسامحة ومنجية وضمن أصول منطقية، وهذا بالتحديد أمر منطقي ومعقول عند كافة الحضارات المعاصرة، فلماذا أضحى أمراً مستهجناً عند الإسلام؟؟ حكم المرتد وشبهاتها ولكن ماذا بشأن حكم المرتد والتي تدعو الإسلام لقتله، ألا تعبر عن تناقض مع الدعوة لحرية الفكر والعقيدة؟؟ لا شك أن الإسلام لا يجيز إجبار أحد على اعتناقه أو اعتناق أي ديانة أخرى (لا إكراه في الدين) بل إنه لا يقبل إسلام المُجبَر ولا يعده مسلماً. لكن مسألة الارتداد لا تتصل بقضية الحرية في العقيدة بقدر اتصالها بقضية الانتماء للهوية الإسلامية بحيث يشكل رفضه لها خللاً في النظام العام (فالمرفوض شرعاً هو الإعلان عن الرفض الذي يؤدي للتمرد على النظام العام، وليس الطرح الفكري في النطاق الموضوعي. لأن الإسلام لا يريد للإنسان أن يكفر من دون أساس للكفر كما لا يريد له أن يؤمن من دون أساس في الإيمان)(41). المشكلة في قضية الارتداد إطلاق الحكم على عواهنه حتى على من يشكك في الشبهات المتصلة بقضايا الدين مما تثير جدلاً عقيماً تسبب هذا التشويه لأصول الدين، ذلك أن الكثير من قضايا الدين لم تحسم وتركت في مناطق فراغ للاجتهاد، بل إن التقليد في أصول الدين غير مباح مما يفتح باباً مشرعة لمناقشة الكثير من الشبهات وتداول الآراء وتوسعها. يقول الإمام الشيرازي: (أما المستثنى - من الحكم بالقتل - الارتداد لشبهة واقعية فإنه لا يعقل عقابه لا في الدنيا ولا في الآخرة ويضيف قائلاً: إن الإنسان الشاك لا يعقل أن يكلف باليقين لأنه تكليف بما لا يملكه وذلك محال عقلاً ودل الدليل على عدمه). ويقول الشيخ محمد مهدي شمس الدين بحكم قتل المرتد: (إذا لم يكن الإنكار عن شبهة وهو ما دلت عليه روايات كثيرة وصرح بهذا كثير من الفقهاء المسلمين واعتبره علماء الكلام من البديهيات)(42). ولو استقرأنا النص القرآني لوجدنا أن الله تعالى يقرر أن جزاء المرتد أن تحبط أعماله في الدنيا ويخلد في نار جنهم خالداً، وأن جُل جزاءات المرتد ترتبط بقراره سبحانه وحده ولا علاقة للبشر في تنفيذه. ذلك أن قضيتي الإيمان والكفر أمر يخص الله وحده، وليس من حق أحد من البشر أن يقرر لما ليس له، حيث لم يطرح القرآن أي نوع من أنواع هدر دم المرتد في عدة مواضع منها: * (كيف يهدى الله قوماً كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات والله لا يهدي القوم الظالمين* أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين * خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون * إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم * إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفراً لن تقبل توبتهم وأولئك هم الضالون * إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً ولو افتدى به أولئك لهم عذاب أليم وما لهم من ناصرين)(43). * (إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفراً لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلاً)(44). * (ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون)(45). وما دام النص القرآن واضح وحاسم فلا حاجة للشبهة فيه ولا معنى للعودة إلى مصادر أخرى. لكن يدعي البعض أن رواية الرسول (صلى الله عليه وآله): (من بدل دينه فاقتلوه) دليلاً على جواز قتل المرتد؟؟ لكن هذا الحديث فيه الكثير من الشبهات ذلك أن نص الحديث - إن صح - يدعو لقتل كل من بدل دينه في مجتمع الإسلام حتى وإن كان يهودياً أو مسيحياً أو هندوسياً بل وحتى لو اختار الإسلام ديناً له بدلاً من دينه الذي ارتضى تغييره، وهذا خلاف المنطق والعقل. وقد جاء أعرابي إلى رسول الله طالباً بيعته وبايع الرسول (صلى الله عليه وآله) على الإسلام، ثم أصابته وعكة فتشاءم الرجل من الإسلام وذهب إلى الرسول يطلب رد بيعته فرفض الرسول (صلى الله عليه وآله) لأنه لا يملك هذا الحق، فالبيعة بين الإنسان والله تعالى (إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله) وقد قرر الرجل أن يترك الإسلام ويغادر المدينة، وفعلاً تركه الرسول يذهب بحاله. وفي صلح الحديبية وافق الرسول (صلى الله عليه وآله) على أن من يأتي إلى المدينة من أهل مكة فإن المسلمين يلتزمون برده إلى مكة، ولكن إذا ارتد أحد من المسلمين وذهب إلى مكة فإن أهل مكة لا يلتزمون برده إلى المسلمين، فهل من الممكن أن يوافق رسول الله على أمر يتناقض مع تعاليم السماء!! حتى أن الحروب التي أعقبت وفاة رسول الله أطلق عليها خطأً بالردة، وإلا فإن دوافع نشوبها لم تكن بسبب ارتداد المسلمين من أمثال سجاح ومسيلمة الكذاب وطليحة بن خويلد والأسود العنسي مدعي النبوة أو قبائل عبس وذيبان، بل كانت بسبب ما جناه هؤلاء من جرام وانتهاكات مفجعة وخراب في المدينة إضافة إلى تهديدهم لأركان الكيان الإسلامي ودولته، ناهيك عن انحرافاتهم الدينية حيث حذفوا السجود من الصلاة بحكم أن فيها مشقة وتعباً وأعفوا قبائلهم من الزكاة، ثم أغاروا على المدينة المنورة وأقاموا الأحلاف لمحاربة الحكومة وحاولوا فرض شروطهم بقوة السلاح على الخليفة الأول مما تسبب في فساد كبير وفوضى عارمة لا يمكن وقفها من دون مواجهة. يقول محمد إقبال في كتابه (قصة الإسلام): (إن المتمردين عذبوا المسلمين أشد العذاب، فمن استطاع أن يفلت من أيديهم ذهب إلى المدينة المنورة، ولم يكتف المرتدون بذلك بل أعدوا العدة لشن الغارة على مركز الخلافة الإسلامية. المدينة المنورة). إن دافع الحروب إذن لم يكن سبب الارتداد وإلا فإن الإسلام لا يحارب المرتد على ارتداده(46). خامساً: مشروعية العنف تبرز أمامنا ثمة تساؤلات مشروعة وإشكاليات تناهض مفهوم اللاعنف وترفع شعار المشروعية لممارسة العنف مما تجعلنا في حاجة ملحة لوضع اليد على جوهر الأمور والإجابة المنطقية لمجمل الإشكاليات. العنف.. هل هو غريزة إنسانية؟ يفسر البعض إلى اعتبار العنف انتماء الفرد لرد الفعل (الطبيعي) حيث يلعب نفس الدور الوظائفي في شؤون الطبيعة الذي تلعبه الغرائز الغذائية والجنسية في الصيرورة الحيوية لأفراد والأنواع ويتحرك انطلاقاً لاحتياجات جسدية ضاغطة؟ فالعنف ضمن هذه الرؤية التعريفية تصور مشروع وطبيعي... ما يقصد بذلك الحالات القصوى التي يباح بها العنف لرد العنف من التلميح بالسلاح أمام اللصوص والقتلة الذين ينوون الاعتداء أو رد المعتدي والدفاع عن النفس وغير ذلك فهو من باب الرفض. ذلك أن العنف لرد العنف هو دفاع عن اللاعنف أساساً، لأن الهدف هو الدفاع عن اللاعنف. فالمسألة إذن ليست حمل سلاح أو عدمه، أما كان الإمام علي (عليه السلام) يرسل عدة رسائل لمعاوية لوقفه عن الحرب، لأنه كان يدافع عن اللاعنف. من ناحية أخرى فإن كان الانتحاء نحو العنف تعبيراً عن حاجة طبيعية، فإن توفير درجات الإشباع لحاجيات أخرى أكثر أهمية، فالحاجة للأمن والانتماء والحب والحاجة للتقدير وتحقيق الذات والحاجات الجمالية وحاجة الإنسان للمعرفة والفهم كلها متطلبات تهيئ الأجواء لسيادة السلم والأمن. اللاعنف، سلاح روحي يثار تساؤل آخر وهو.. ما جدوى الالتزام باللاعنف مع من لا يلتزم به؟؟ إنه مثل من يلتزم بالأخلاق مع من لا يعترف بها؟ فهل علينا أن نقف مكتوفي الأيدي تجاه إسرائيل مثلاً التي لا تعرف المواثيق والأعراف وتمارس العنف ليل نهار؟ من المؤكد أن العنف هو مجرد سلاح جسدي مادي بينما اللاعنف سلاح روحي يجسد كل المعاني الأخلاقية والقيم المثلى وبطبيعة الحال فإن سلاح الروح أقوى وأمضى من سلاح الجسد. إضافة إلى ذلك فإن المؤمن بطرح الشبهة السابقة يتجافى قيم الحق والأخلاق كسلاح في كفاح البشر لترسيخ حضارة ناهضة، وإلا فما ينبغي أن يقول الباري عز وجل: (ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن)(47). فلو كان الاعتراض السابق صحيحاً لما أمكن التفريق بين المعتدي والمظلوم ولفقدنا الثقة بالعقل الإنساني في التمييز بين المصلح والمبطل، ثم أن تفادي مثل هذا الأمر لا يتم بتقليد الباطل في أسلوبه وطريقته وإنما بالتزام الأخلاق في كل الظروف وهذا ما يمتاز به الإسلام عن الانتهازية التي تتقولب ولا تثبت على مبدأ. لقد نجح غاندي في طريقته المتسامحة مع المحتل البريطاني الذي لم يكن يؤمن بسوى العنف، كما أن العصيان المدني في الكثير من البلدان نجح في ترحيل الحكام الديكتاتوريين كالشاه في إيران مثلاً وسوهارتو في إندونيسيا، بل تذكر التقارير أن العصيان المدني في الكويت خلال غزوها من قبل جيش طاغية العراق كان يؤرق المحتل أكثر من المواجهة المسلحة. حتى أن السود في جنوب أفريقيا التزموا اللاعنف شياً ما ونجحوا في الوصول للحكم. القرآن الكريم يبرع في استنطاق الرفق في مشهد القصاص الدرامي حيث ينص على قتل من قتل أحد من أقربائك ولكنه يردف ليقول: (وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم)(48) ليثبت نظرية أن اللاعنف يفيد على المدى البعيد. هل نهرول نحو العنف؟؟ يؤكد الكثيرون أن الدعوة لمفهوم اللاعنف دعوة الضعفاء والمنهزمين الباحثين عن الدعة والضعة والراحة كما أن بعض من يتجنب العنف بسبب أنه غير متيسر، حيث يحتاج إلى إمكانيات مادية وبشرية وميليشيات ومخازن أسلحة ومتى ما توفرت الإمكانيات سيهرول للعنف عاجلاً؟؟!! بادئ القول لا بد أن نلج إلى أصل نشأة العنف، لأن العنف مرفوض أساساً فمن يعتقد برجحان منطقه وفكره وأن خصمه وما يحمل من فكر لا يمكن نقاشه أو قبوله فإن ذلك تمهيداً لبزوغ فكرة العنف، حيث لا يستطيع الفرد الرقي لمحاورة خصمه ومناقشته فتتحول أفكاره إلى مسلمات وبديهيات غير قابلة للنقض. والسؤال الذي لا بد أن نجد إجابة له: هل العنف وسيلة استحقاقية للوصول إلى الأهداف المرجو؟؟ هل يوصلك للهدف أسرع وهل هناك تجربة تاريخية واحدة تؤكد ذلك؟؟!! لقد تكشف التاريخ لنا عن أحداث كارثية أكدت عكس ما يظن البعض فقد أدى العنف في الجزائر مثلاً على حصد أكثر من 45 ألف ضحية دون جدوى ولو سنحت فرصة إقامة انتخابات جديدة فلن تحصل جبهة الإنقاذ الإسلامية - التي كسبت الانتخابات البرلمانية بجدارة والتي بسببها ألغيت الانتخابات وسببت أزمة سياسية عاصفة نحت نحو العنف - لن تحصل على ربع ما حصلت عليه سابقاً، وفي العراق خلال انتفاضة شعبان بعد حرب تحرير الكويت سيطرت المعارضة على ثكنات عسكرية ولكن لم تنتصر... بل إن العنف يؤدي بأصحابه إلى الانطلاق حتى على الأصدقاء ورفقاء الدرب. فبمجرد اختلاف في وجهات النظر ينحى الصراع إلى منحى دموي بشع حيث يصبح صديق الأمس غادراً عميلاً، فتنصب المشانق وتحصد الرقاب كما حدث في أفغانستان!! إن العنف يفقد أصحابه مبادئ حقوق الإنسان والفكر المدني وهو انتحار كبير لقيم المجتمع الإنساني. وفوق ذلك فإن القول بخواء وضعف دعاة اللاعنف تشكيك بسيرة الأنبياء والمرسلين والمصلحين بل وتشكيك بالقرآن الكريم الذي ما برح يبشر بالتسامح. اللاعنف ونيل المصداقية الكثير من الإسلاميين يؤمنون باللاعنف لكنهم ينتشون لأحداث إرهابية ويصفقون لها لمجرد أنها أصابت كبد عدوهم وغريمهم. ألا يشكل هذا المنحى شكلاً من التناقض الغريب؟؟! إن نيل المصداقية في العمل تتطلب التزاماً واقعياً بمفهوم اللاعنف والعمل بالمبادئ التي يبشر بها العاملون. فلا يجوز للحركة الإسلامية أن تحرم على الناس ما تحلله لنفسها ولا توجب عليهم ما تتملص منه، إن من واجبها أن تكون صادقة في إلزام أتباعها بالمفاهيم والقيم الرائدة. إن التماس المصداقية تتم بالاهتمام بجوهر العاملين في الساحة وأهم مصاديق تطبيق اللاعنف هو إقصاء العنف من قلب وصدر البشر أما قال الإمام علي (عليه السلام): (أحصد الشر من صدر غيرك بقلعه من صدرك). ويقول أيضاً في وصية يوصي بها عامله في مصر: (ولا تكونن عليهم سبعاً ضارياً تغتنم أكلهم فإنهم صنفان إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق، فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب أن يعطيك الله من عفوه وصفحه ولا تندمن على عفو ولا تبجحن بعقوبة)(49). إن سقوط الحركات في مستنقع العنف والتصفيق لأحداث إرهابية وتأييدها سيان ودليل جلي على خواء الشعارات والوعود مما قد يفقدهم ثقة الجماهير ويسقط مصداقيتهم في الساحة، ولا سبيل حين رفع شعار إلا بالتأكيد على ثقتنا من القدرة على تنفيذه والتصميم على وضعه على أرض الواقع.
1- (المويس، عبد الله محمد، الحرية الفكرية في الإسلام، مجلة البصائر العدد 51). 2- سورة البقرة، الآية: 251. 3- سورة البقرة، الآية: 216. 4- (لمزيد من الإطلاع راجع كتاب الصياغة الجديدة لآية الله الشيرازي ص351). 5- سورة الحج، الآيتان: 39-40. 6- سورة الحج، الآية: 40. 7- سورة البقرة، الآية: 190. 8- سورة البقرة: الآية: 193. 9- سورة البقرة، الآية: 191. 10- سورة البقرة، الآية: 217. 11- سورة الأنفال، الآية: 72. 12- سورة الأنفال، الآية: 72. 13- سورة الحجرات، الآية: 9. 14- (وسائل الشيعة 11: 55 وفروع الكافي 1: 226، والتهذيب 2: 51). 15- (جرداق، جورج - علي وحقوق الإنسان ص224). 16- (الشيرازي، محمد مهدي - الصياغة الجديدة). 17- (جرداق، جورج علي وحقوق الإنسان ص 226). 18- (الشيرازي، محمد مهدي - الصياغة الجديدة ص380). 19- سورة هود، الآية: 28. 20- (سعيد، جودت - مذهب ابن آدم الأول الطبع الخامسة ص43). 21- سورة النساء، الآية: 75. 22- سورة البقرة، الآية: 193. 23- سورة البقرة، الآية: 208. 24- سورة الأنفال، الآية: 61. 25- (الشيرازي، محمد مهدي إجابة لاستفسارات رفعها المؤلف لفضيلته). 26- (الجنحاني، د. الحبيب - العنف والسياسة في الوطن العربي - منتدى الفكر العربي عمان 1987). 27- سورة التوبة، الآية: 5. 28- سورة التوبة، الآية: 29. 29- سورة البقرة، الآية: 191. 30- سورة البقرة، الآية: 194. 31- سورة البقرة، الآية: 190. وسورة المائدة، الآية: 87. 32- سورة الأعراف، الآية: 55. 33- سورة المائدة، الآية: 2. 34- سورة الكهف، الآية:29. 35- سورة يونس، الآية: 99. 36- سورة البقرة، الآية: 256. 37- سورة النساء، الآية: 94. 38- (الجنحاني، د. الحبيب - العنف والسياسة في الوطن العربي - منتدى الفكر العربي عمان 1987). 39- (يكن، فتحي - فقه القوة والعنف والإرهاب مجلة المجتمع الكويتية العدد 1171). 40- سورة البقرة، الآية: 179. 41- (المويس، عبد الله الحرية الفكرية في الإسلام - مجلة البصائر العدد 15). 42- (المصدر السابق). 43- سورة آل عمران، الآيات: 86-91. 44- سورة النساء، الآية: 137. 45- سورة البقرة، الآية: 217. 46- (باقتباس: ثابت، مصطفى - محكمة الفكر - الشركة العالمية للنشر والتوزيع - تورنتو 1997). 47- سورة فصلت، الآية: 34. 48- سورة التغابن، الآية: 14. 49- (جرداق، جورج - علي وحقوق الإنسان منشورات دار الحياة بيروت ص206). |