عودة إلى صفحة حقائق من التاريخ

 

فيما يتعلّق بالخلفاء الثلاثة أبو بكر وعمر وعثمان

محمد التيجاني السماوي

إنّ أهل السنّة والجماعة وكما قدّمنا لا يسمحون بنقد وتجريح أيّ صحابي من صحابته (صلى الله عليه وآله) ويعتقدون بعدالتهم جميعاً، وإذا كتب أي مفكر حرّ وتناول أفعال بعض الصّحابة، فهم يُشنّعون عليه بل ويكفّرونه ولو كان من علمائهم وذلك ما حصل لبعض العلماء المتحرّرين المصريين وغير المصريين أمثال الشيخ محمود أبو ريّة صاحب «أضواء على السنة المحمدية» وكتاب «شيخ المضيرة» وكالقاضي الشيخ محمد أمين الانطاكي صاحب كتاب «لماذا اخترت مذهب أهل البيت» وكالسيد محمد بن عقيل الذي ألّف كتاب «النصائح الكافية لمن يتولّى معاوية» ـ بل ذهب بعض الكتّاب المصريين إلى تكفير الشيخ محمود شلتوت شيخ الجامع الأزهر عندما أفتى بجواز التعبّد بالمذهب الجعفري.

وإذا كان شيخ الأزهر ومفتي الديار المصرية يشنّع عليه لمجرّد اعترافه بالمذهب الشيعي الذي ينتسب لأستاذ الأئمة ومعلّمهم جعفر الصادق (عليه السلام) فما بالك بمن اعتنق هذا المذهب بعد بحث وقناعة وتناول بالنقد المذهب الذي كان عليه وورثه من الآباء والأجداد. فهذا ما لا يسمح به أهل السنّة والجماعة ويعتبرونه مروقاً عن الدّين وخروجاً عن الإسلام وكأنّ الإسلام على زعمهم هو المذاهب الأربعة، وغيرها باطل. إنها عقول متحجّرة وجامدة تشبه تلك العقول التي يحدثنا عنها القرآن والتي واجهت دعوة النبي (صلى الله عليه وآله) وعارضته معارضة شديدة لأنّه دعاهم إلى التوحيد وترك الآلهة المتعدّدة قال تعالى: «وعجبوا أن جاءهم منذرٌ منهم وقال الكافرون هذا ساحرٌ كذّاب، أجعل الآلهة إلهاً واحداً إن هذا لشيء عجاب» [سورة ص: الآية 5].

ولكل ذلك فأنا واثقُ من الهجمة الشرسة التي سوف تواجهني من أولئك المتعصّبين الذين جعلوا أنفسهم قوّامين على غيرهم فلا يحقّ لأحد أن يخرج عن المألوف لديهم ولو كان هذا المألوف لا يمتّ للإسلام بشيء وإلاّ كيف يحكم على من انتقد بعض الصّحابة في أعمالهم بالخروج عن الدّين والكفر، والدّين بأصوله وفروعه ليس فيه شيء من ذلك.

بعض المتعصّبين كان يروّج في أوساطه بأنّ كتابي «ثم أهتديت» يشبه كتاب سلمان رشدي، ليصدّ الناس عن قراءته بل ويحّهم على لعن كاتبه.

إنّه الدسّ والتزوير والبهتان العظيم الذي سوف يحاسبه عليه ربّ العالمين وإلاّ كيف يقارن كتاب «ثم اهتديت» الذي يدعو إلى القول بعصمة الرسول (صلى الله عليه وآله) وتنزيهه والإقتداء بأئمة أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرّجس وطهّرهم تطهيراً بكتاب «الآيات الشيطانية» الذي يشتم فيه صاحبه الملعون الإسلام ونبي الإسلام (صلى الله عليه وآله) ويعتبر أنّ الدين الإسلامي هو نفثة الشياطين؟!

فالله يقول: «يا أيها الذين آمنوا كونوا قوّامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم» [سورة النساء: الآية 135].

ومن أجل هذه الآية الكريمة فأنا لا أبالي إلاّ برضاء الله سبحانه وتعالى ولا أخشى فيه لومة لائم ما دمت أدافع عن الإسلام الصحيح وأنزّه نبيّه الكريم عن كل خطأ ولو كان ذلك على حساب نقد بعض الصّحابة المقرّبين ولو كانوا من «الخلفاء الراشدين» لأن رسول الله (صلى الله عليه وآله) هو أولى بالتنزيه من كلّ البشر. والقارئ الحرُّ اللّبيب يفهم من كلّ مؤلّفاتي ما هو الهدف المنشود فليست القضية هي انتقاص الصّحابة والنيل منهم بقدر ما هو دفاع عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعصمته ودفع الشبهات التي ألصقها الأمويون والعباسيون بالإسلام وبنبيّ الإسلام خلال القرون الأولى التي تحكّموا فيها على رقاب المسلمين بالقهر والقوة وغيّروا دين الله بما أملته عليهم أغراضهم الدنيئة وسياستهم العقيمة، وأهواؤهم الخسيسة. وقد أثّرت مؤامرتهم الكبرى على كتلة كبيرة من المسلمين الذين اتّبعوا عن حسن نيّة فيهم وتقبّلوا كل ما رووه من تحريف وأكاذيب على أنها حقائق وأنها من الإسلام ويجب على المسلمين أن يتعبّدوا بها ولا يُناقشوها.

ولو عرف المسلمون حقيقة الأمر لما اقاموا لهم ولا لمروياتهم وزناً ثم أنّه لو كان التاريخ يروي لنا بأنّ الصّحابة كانوا يمتثلون أوامر رسول الله (صلى الله عليه وآله) ونواهيه ولا يناقشونه ولا يعترضون على أحكامه، وأنّهم لم يعصوه في أواخر أيام حياته في عدة أحكام، لحكمنا بعدَالتِهم جميعاً ولما كان لنا في هذا المجال بحثٌ ولا كلام.

أمّا وأنّ منهم مكذّبون ومنهم منافقون ومنهم فاسقون بنص القرآن والسنّة الثابتة الصحيحة.

أمّا وأنّهم اختلفوا بحضرته وعصوه في أمر الكتاب حتّى اتهموه بالهذيان ومنعوه من الكتابة. ولم يمتثلوا أوامره عندما أمّر عليهم أسامة، أما وإنّهم اختلفوا في خلافته (صلى الله عليه وآله) حتّى أهملوا تغسيله وتجهيزه ودفنه واختصموا من أجل الخلافة فرضي بها بعضهم ورفضها بعضهم الآخر ـ أمّا وأنهم اختلفوا في كل شيء بعده حتّى كفّر بعضهم بعضاً ولعن بعضهم بعضاً وتحاربوا فقتل بعضهم بعضاً وتبرّأ بعضهم من بعض أما وأنّ دين الله الواحد أصبح مذاهب متعدّدة وآراء مختلفة فلا بدّ والحال هذه أن نبحث عن العلّة وعن الخللّ الذي أرجع خير أمّة أخرجت للنّاس وأهوى بها إلى الحضيض فأصبحت أذلّ وأجهل وأحقر أمّة على وجه البسيطة تنتهك حرماتها وتحتلّ مقدساتها وتستعمر شعوبها وتشرّد وتطرد من أراضيها فلا تقدر على دفع المعتدين ولا مسح العار عن جبينها.

والعلاج الوحيد فيما أعتقد لهذه المعضلة هو النقد الذّاتي فكفانا التغنّي بأسلافنا وبأمجادنا المزيّفة التي تبخرت وأصبحت متاحف أثرية خالية حتى من الزّوار. والواقع يدعونا أن نبحث عن أسباب أمراضنا وتخلّفنا وتفرّقنا وفشلنا حتى نكتشف الدّاء فنشخّص له الدواء الناجع لشفائنا قبل أن يقضي علينا ويأتي على آخرنا.

هذا هو الهدف المنشود والله وحده هو المعبود وهو الهادي عباده إلى سواء الصراط.

وما دام هدفنا سليماً، فما قيمة اعتراض العترضين والمتعصّبين الذين لا يعرفون إلا السّباب والشتائم بحجّة الدفاع عن الصّحابة، وهؤلاء لا نلومهم ولا نحقد عليهم بقدر ما نرثى لحالهم لأنهم مساكين منعهم حسنُ ظنهم بالصّحابة وحجبهم عن الوصول للحقيقة فما أشبههم بأولاد اليهود والنّصارى الذين أحسنوا الظنّ بأبائهم وأجدادهم، ولم يكلّفوا أنفسهم جهد البحث في الإسلام معتقدين بمقالة أسلافهم بأنّ محمداً كذّابٌ، وليس هو بنبيّ. قال تعالى: «وما تفرّق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة» [سورة البيّنة: الآية 3]. وبمرور القرون المتتالية أصبح من العسير اليوم على المسلم أن يُقنع يهوديّاً أو نصرانيّاً بعقيدة الإسلام فما بالك بمن يقول لهم بأن التوراة والإنجيل اللذين يتدالونهما هما محرّفان ويستدل على ذلك بالقرآن، فهل يجد هذا المسلم آذاناً صاغية لديهم؟

وكذلك المسلم البسيط الذي يعتقد بعدالة كلّ الصّحابة ويتعصّب لذلك بدون دلل فهل يمكن لأحد من النّاس أن يقنعه بعكس ذلك؟

وإذا كان هؤلاء يطيقون جرح ونقد معاوية وابنه يزيد وأمثالهم كثير الذين شوّهوا الإسلام بأعمالهم القبيحة فما بالك إذا كلّمتهم عن أبي بكر وعمر وعثمان «الصديق والفاروق ومن تستحي منه الملائكة» أو عن عائشة أم المؤمنين زوجة النبي (صلى الله عليه وآله) وأبنة أبي بكر والتي تكلمنا عنها في فصل سابق بما رواه عنها أصحاب الصحاح المعتمدين عند أهل السنة وجاء الآن دور الخلفاء الثلاثة لنكشف عن بعض أفعالهم التي سجّلها عليهم صحاح السنّة ومسانيدهم وكتب التاريخ المعتمدة لديهم لنبيّن أوّلاً أن مقولة عدالة الصّحابة غير صحيحة وأن العدالة انتفت حتى عن بعض الصّحابة المقرّبين.

ولنكشف ثانياً لإخواننا من أهل السنة والجماعة بأنّ هذه الانتقادات لا تدخل في السبّ والشتم والانتقاص بقدر ما هي إزالة للحجب للوصول إلى الحق كما أنها ليست من مختلقات وأكاذيب الروّافض كما يدّعي عامة النّاس وإنّما هي من الكتب التي حكموا بصّحتها وألزموا أنفسهم بها.

أبو بكر الصدّيق في حياة النبي (صلى الله عليه وآله)

أخرج البخاري في صحيحه من الجزء السادس صفحة 46 في كتاب تفسير القرآن سورة الحجرات. قال: حدثنا نافع بن عمر عن أبن أبي مليكة قال كاد الخيران أن يهلكا ابا بكر وعمر رضي الله عنهما رفعا أصواتهما عند النبي (صلى الله عليه وآله) حين قدم عليه ركب بني تميم فأشار أحدهما بالأقرع بن حابس أخي بني مجاشع واشار الآخر برجل آخر قال نافع لا أحفظ أسمه فقال أبو بكر لعمر: ما أردت إلاّ خلافي قال ما أردت خلافك، فارتفعت أصواتهما في ذلك فأنزل الله «يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم» الآية. قال ابن الزبير: فما كان عمر يُسمع رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعد هذه الآية حتّى يستفهمه ولم يذكر ذلك عن أبيه يعني أبا بكر.

كما أخرج البخاري في صحيحه في الجزء الثامن صفحة 145 من كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة. باب ما يكره من التعمّق والتنازع. قال أخبرنا وكيع عن نافع بن عمر عن أبن أبي مليكة قال: كاد الخيّران أن يلهكا أبو بكر وعمر، لما قدم على النبي (صلى الله عليه وآله) وفد بني تميم، أشار أحدهما بالأقرع بن حابس التميمي الحنظلي أخي بني مجاشع وأشار الآخر بغيره، فقال أبو بكر لعمر: إنما أردت خلافي، فقال عمر: ما أردت خلافك فارتفعت أصواتهما عند النبي (صلى الله عليه وآله) فنزلت: «يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا اصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون، إن الذين يغضّون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجرٌ عظيم».

قال ابن أبي مليكة قال ابن الزبير: فكان عمر بعد ولم يذكر ذلك عن أبيه يعني أبا بكر إذا حدّث النبي (صلى الله عليه وآله) بحديث حدّثه كأخي السرار لم يسمعه حتّى يستفهمه.

كما أخرج البخاري في صحيحه من الجزء الخامس صفحة 116 من كتاب المغازي ـ وفد بني تميم قال: حدثنا هشام بن يوسف أن ابن جريج أخبرهم عن ابن أبي مليكة أنّ عبد الله بن الزبير أخبرهم أنّه قدم ركبٌ من بني تميم على النبي صلّى الله عليه وسلّم، فقال أبو بكر أمر القعقاع بن معبد بن زرارة: فقال عمر: بل أمِّر الأقرع بن حابس. قال أبو بكر ما أردت إلا خلافي، قال عمرك ما أردت خلافك فتمارياً حتّى ارتفعت أصواتهما فنزلت في ذلك: «يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله» حتى انقضت.

والظاهر من خلال هذه الروايات أنّ أبا بكر وعمر لم يتأدّبا بحضرة الرسول (صلى الله عليه وآله) بالآداب الإسلامية وسمحا لانفسهما بأن يقدّما بين يدي الله ورسوله بغير إذن ولا طلب منهما رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يبديا رأيهما في تأمير أحد من بني تميم، ثم لم يكتفيا حتى تشاجرا بحضرته وارتفعت أصواتهما أمامه من غير احترام ولا مبالاة بما تفرضه عليهما الأخلاق والآداب التي لا يمكن لأي أحد من الصّحابة أن يجهلها أو يتجاهلها بعد ما قضى رسول الله (صلى الله عليه وآله) حياته في تعليمهم وتربيتهم.

ولو كانت هذه الحادثة قد وقعت في بداية الإسلام لالتمسنا للشيخين في ذلك عذراً ولحاولنا أن نجد لذل بعض التأويلات.

ولكنّ الروايات تثبت بما لا يدع مجالاً للشكّ بأنّ الحادثة وقعت في أواخر أيّام النّبي (صلى الله عليه وآله) إذ أن وفد بني تميم قدم على رسول الله في السنة التاسعة للهجرة ولم يعش بعدها رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلاّ بضعة شهور كما يشهد بذلك كل المؤرخين والمحدّثين الذين ذكروا قدوم الوفود على رسول الله (صلى الله عليه وآله) والتي تحدث عنها القرآن الكريم في أواخر السور بقوله: «وإذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً».

وإذا كان الأمر كذلك فكيف يعتذر المعتذرون عن موقف أبي بكر وعمر بحضرة النبي (صلى الله عليه وآله) ولو اقتصرت الرواية على الموقف الذي مثله الصحابيّان فسحب لما وسعنا النقد ولا الاعتراض. ولكن الله الذي لا يستحي من الحق سجّلها وأنزل فيها قرآناً يتلى، فيه التنديد والتهديد لأبي بكر وعمر بأن يحبط الله أعمالهما إن عادا لمثلها، حتى أن راوي هذه الحادثة بدأت كلامه بقوله: كاد الخيّران أن يهلكا أبو بكر وعمر.

ويحاول راوي الحادثة بعد ذلك وهو عبد الله بن الزبير أن يقنعنا بأنّ عمر بعد نزول هذه الآية في شأنه إذا حدّث رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا يسمعه صوته حتى يستفهمه ورغم أنّه لم يذكر ذلك عن جدّه أبي بكر فالتاريخ والأحداث التي ذكرها المحدّثون تثبت عكس ذلك ويكفي أن تذكر رزيّة يوم الخميس قبل وفاته (صلى الله عليه وآله) بثلاثة أيام حتّى نجد بأن عمر نفسه قال قولته المشؤومة «إن رسول الله يهجر وحسبنا كتاب الله» فاختلف القوم فمنهم من يقول قرّبوا إلى الرسول يكتب لكم ومنهم من يقول مثل قول عمر فلمّا أكثروا اللّغط والاختلاف (1) قال لهم رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم: قوموا عنّي لا ينبغي عندي التنازع (2) فالمفهوم من كثرة اللغو واللغط والاختلاف والتنازع، أنهم تجاوزوا كل الحدود التي رسمها الله لهم في سورة الحجرات كما مرّ. ولا يمكن إقناعنا بأن اختلافهم وتنازعهم ولغطهم كان هَمْساً في الآذان بل يفهم من كل ذلك بأنهم رفعوا أصواتهم حتى أن النّساء اللاتي كن وراء الستر والحجاب شاركن في النّزاع وقلنَ قرّبوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) يكتب لكم ذلك الكتاب فقال لهن عمر: إنكنّ صويحبات يوسف إذا مرض عصرتنّ أعينكنّ وإذا صحّ ركبتنّ عنقه فقال له رسول الله: دعوهن فإنّهن خير منكم (3).

والذي نفهمه من كل هذا بأنهم لم يمتثلوا أمر الله في قوله: «يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله ولا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبيّ» ولم يحترموا مقام الرسول ولا تأدّبوا عندما طعنوه بكلمة الهجر.

وقد سيق لأبي بكر أن تلفّظ بكلام بذيء بحضرة النبي (صلى الله عليه وآله) وذلك عندما قال لعروة بن مسعود أمصَصْ ببظر اللاّب (4). وقال القسطلاني شارح البخاري معلّقاً على هذه العبارة، والأمر بمص البظر من الشتائم الغليظة عند العرب، فإذا كانت أمثال هذه الكلمات تقال بحضرته (صلى الله عليه وآله) فما هو معنى قوله تعالى: «ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض» ؟.

وإذا كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) على خلق عظيم كما وصفه ربّه وإذا كان أشدّ حياءً من العذراء في خدرها كما أخرج ذلك

البخاري ومسلم (5) وقد صرّح الشيخان البخاري ومسلم بأنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم يكن فاحشاً ولا متفحّشاً وكان يقول: «إنّ من خياركم أحسنكم أخلاقاً» (6) فما بال صحابته المقرّبين لم يتأثّروا بهذا الخلق العظيم؟

أضف إلى كل ذلك بأنّ أبا بكر لم يمتثل أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) عندما أمّر عليه أسامة بن زيد وجعله من جملة عساكره وشدّد النكير على من تخلّف عنه حتى قال: لعن الله من تخلّف عن جيش أسامة (7) وذلك بعدما بلغه (صلى الله عليه وآله) طعن الطاعنين عليه في مسألة تأمير أسامة التي ذكرها جلّ المؤرخين وأصحاب السير.

كما أنّه سارع إلى السّقيفة وشارك في إبعاد علي بن أبي طالب عن الخلافة، وترك رسول الله (صلى الله عليه وآله) مسجّى بأبي هو وأمّي ولم يهتمّ بتغسيله وتكفينه وتجهيزه ودفنه متشاغلاً عن كل ذلك بمنصب الخلافة والزعامة التي أشرأبّت لها عنقه، فأين هي الصّحبة المقرّبة والخلّة المزعومة وأين هو الخلق؟ وأنا أستغرب موقف هؤلاء الصّحابة من نبيّهم الذي قضى حياته في هدايتهم وتربيّتهم والنصح لهم «عزيز عليه ما عنّتم حريصٌ عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم..» فيتركونه جثّة هامدة ويسارعون للسّقيفة لتعيين أحدهم خليفة له. ونحن نعيش اليوم في القرن العشرين الذي نقول عنه بأنّه أتعس القرون وأنّ الأخلاق تدهورت والقيم تبخّرت ومع كل ذلك فإن المسلمين إذا ماتَ جارٌ لهم أسرعوا إليه وانشغلوا به حتّى يواروه في حفرته ممتثلين قول الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم: «إكرام الميّت دفنه».

وقد كشف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) عن تلك الوقائع بقوله: «أما والله لقد تقمّصها ابن أبي قحافة وإنه ليعلم أن محلّي منها محل القطب من الرّحا…» (8).

ثم بعد ذلك استباح أبو بكر مهاجمة بيت فاطمة الزّهراء (سلام الله عليها) وتهديده بحرقه إن لم يخرج المتخلّفون فيه لبيعته. وكان ما كان ممّا ذكره المؤرّخون في كتبهم وتناقله الرواة جيلاً بعد جيل. ونحن نضرب عن ذلك صفحاً وعلى من أراد المزيد أن يقرأ كتب التاريخ.

أبو بكر بعد حياة النّبي (صلى الله عليه وآله)

تكذيبه للصّديقة الطّاهرة فاطمة الزّهراء وغصبه حقّها

أخرج البخاري في صحيحه من الجزء الخامس صفحة 82 في كتاب المغازي باب غزوة خيبر قال: عن عروة عن عائشة أن فاطمة (عليها السّلام) بنت النبي (صلى الله عليه وآله) أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول الله (صلى الله عليه وآله) مما أفاء الله عليه بالمدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر فقال أبو بكر إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: لا نوّرث ما تركنا صدقة إنما يأكل آل محمد في هذا المال وإنّي والله لا أغيّر شيئاً من صدقة رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن حالها التي كان عليها في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولأعملنّ فيها بما عمل به رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئاً فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك فهجرته فلم تكلّمه حتّى توفّيت وعاشت بعد النّبي (صلى الله عليه وآله) ستّة أشهر، فلمّا توفّيت دفنها زوجها علي ليلاً وصلّى عليها ولم يؤذن بها أبا بكر وكان لعلي من النّاس وجهٌ في حياة فاطمة فلمّا توفيت استنكر عليّ وجوه النّاس فالتمس مصالحه أبي بكر ومبايعته ولم يكن يبايع تلك الأشهر… (9).

وأخرج مسلم في صحيحه من الجزء الثاني كتاب الجهاد باب قول النبي (صلى الله عليه وآله) لا نورث ما تركنا فهو صدقة.

عن عائشة عنها أنّ فاطمة (عليها السّلام) ابنة رسول الله (صلى الله عليه وآله) سألت أبا بكر الصديق، بعد وفاة رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) أن يقسم لها ميراثها مما ترك رسول الله (صلى الله عليه وآله) وممّا أفاء الله عليه فقال لها أبو بكر: إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: «لا نورث، ما تركنا صدقة» فغضبت فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) فهجرت أبا بكر، فلم تزل مهاجرته حتى توفيت وعاشت بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ستّة أشهر قالت: وكانت فاطمة تسأل أبا بكر نصيبها ممّا ترك رسول الله (صلى الله عليه وآله) من خيبر وفدك، وصدقته بالمدينة، فأبي أبو بكر عليها ذلك وقال: لست تاركاً شيئاً كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يعمل به إلاّ عملت به، فإنّي أخشى، إن تركت شيئاً من أمره أن أزيغ، فأمّا صدقته بالمدينة فدفعها عمر إلى علي والعبّاس، فأمّا خيبر وفدك فأمسكها عمر، وقال: هما صدقة رسول الله كانتا لحقوقه التي تعروه ونوائبه، وأمرهما إلى من ولي الأمر. فهما على ذلك إلى اليوم(10).

ورغم أنّ الشّيخين البخاري ومسلم اقتضبا هذه الروايات واختصراها لئلاّ تنكشف الحقيقة للباحثين، وهذه فنٌّ معروف لديهما توخياه للحفاظ على كرامة الخلفاء الثلاثة، (ولنا معهما بحث في هذا الموضوع إن شاء الله سنوافيك به عمّا قريب).

إلاّ أن الروايات التي نمّقوها كافية للكشف عن حقيقة أبي بكر الذي ردّ دعوى فاطمة الزّهراء، ممّا استوجب غضبها عليه وهجرانها له حتى ماتت (عليها السّلام) ودفنها زوجها سرّاً في اللّيل بوصية منها دون أن يؤذن بها أبا بكر، كما نستفيد من خلال هذه الروايات بأن علياً لم يبايع أبا بكر طيلة ستّة أشهر وهي حياة فاطمة الزّهراء بعد أبيها، وأنّه أضطرّ لبيعته اضطراراً لمّا رأى وجوه النّاس قد تنكّرت له فالتمس مصالحة أبي بكر.

والذي غيّره البخاري ومسلم من الحقيقة هو أدّعاء فاطمة (عليها السلام) بأنّ أباها رسول الله (صلى الله عليه وآله) أعطاها فدك نحلة في حياته فليس هي من الأرث، وعلى فرض أنّ الأنبياء لا يورثون كما روى أبو بكر ذلك عن النبي (صلى الله عليه وآله) كذّبته فاطمة الزّهراء (عليها السلام). وعارضت روايته بنصوص القرآن الذي يقول وورث سليمان داود، فإن فدك لا يشملها هذا الحديث المزعوم لأنّها نحلة وليست هي من الإرث في شيء.

ولذلك تجد كلّ المؤرخين والمفسّرين والمحدّثين يذكرون بأن فاطمة (عليها السّلام) ادّعت بأنّ فدك ملكاً لها فكذّبها أبو بكر وطلب منها شهوداً على دعواها فجاءت بعلي بن أبي طالب وأمّ أيمن فلم يقبل أبو بكر شهادتهما واعتبرها غير كافية. وهذا ما اعترف به ابن حجر في الصواعق المحرقة حيث ذكر بأنّ فاطمة ادّعت أنّه (صلى الله عليه وآله) نحلها فدكاً ولم تأتِ عليها بشهود إلاّ بعلي بن أبي طالب وأم أيمن فلم يكمل نصاب البيّنة (11).

كما قال الإمام الفخر الرّازي في تفسيره. فلما مات رسول الله (صلى الله عليه وآله) ادّعت فاطمة (عليها السّلام) أنّه كان ينحلها فدكاً، فقال لها أبو بكر: أنت أعزّ النّاس عليُّ وأحبّهم إليَّ غنى، لكنّي لا أعرف صحة قولك فلا يجوز أن أحكم لك، قال فشهدت لها أم أيمن ومولى لرسول الله فطلب منها أبو بكر الشاهد الذي يجوز قبول شهادته في الشرع فلم يكن (12).

ودعوى فاطمة (عليها السلام) بأنّ فدكاً أنحلها لها رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأنّ أبا بكر ردّ دعوتها ولم يقبل شهادة علي وأم أيمن معلومة لدى المؤرّخين وقد ذكرها كل من ابن تيمية وصاحب السيرة الحلبية وابن القيم الجوزية وغيرهم.

ولكنّ البخاري ومسلم اختصراها ولم يذكرا إلاّ طلب الزّهراء بخصوص الإرث حتّى يوهما القارئ بأنّ غضب فاطمة على أبي بكر في غير محلّه، ولم يعمل أبو بكر إلاّ بما سمعه من رسول الله (صلى الله عليه وآله) فهي ظالمة وهو مظلوم، كل ذلك حفاظاً منهما على كرامة أبي بكر فلا مراعاة للأمانة في النقل ولا لصدق الأحاديث التي كانت تكشف عن عورات الخلفاء وتنزيل الأكاذيب والحجب التي نمّقها الأمويون وأنصار الخلافة الراشدة، ولو كان ذلك على حساب النبي (صلى الله عليه وآله) نفسه أو بضعته الزّهراء (سلام الله عليها). ومن أجل ذلك حاز البخاري ومسلم على زعامة المحدّثين عند أهل السنة والجماعة واعتبروا كتبهما أصح الكتب بعد كتاب الله. وهذا تلفيق لا يقوم على دليل علمي وسنبحثه إن شاء الله في باب مستقل حتّى نكشف الحقيقة لمن يريد معرفتها.

ومع ذلك فإننا نناقش البخاري ومسلم اللّذين أخرجا في فضائل فاطمة الزّهراء (عليها السّلام) الشيء اليسير ولكن فيه ما يكفي لإدانة أبي بكر الذي عرف الزّهراء وقيمتها عند الله ورسوله (صلى الله عليه وآله) أكثر ممّا عرفه البخاري ومسلم ومع ذلك كذّبها ولم يقبل شهادتها وشهادة بعلها الذي قال فيه رسول الله: «عليّ مع الحقّ والحقّ مع علي يدور معه حيث دار» (13) ولنكتفِ بشهادة البخاري وشهادة مسلم في ما أقرّه صاحب الرّسالة (صلى الله عليه وآله) في فضل بضعته الزهراء.

فاطمة معصومة بنصّ القرآن

أخرج مسلم في صحيحه الجزء السّابع باب فضائل أهل البيت قالت عائشة: خرج النّبي (صلى الله عليه وآله) غداة وعليه مرط مرجل من شعر أسود فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثم جاء الحسين فدخل معه، ثم جاءت فاطمة فادخلها، ثم جاء علي فأدخله، ثم قال: «إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً» فإذا كانت فاطمة الزّهراء (عليها السّلام) هي المرأة الوحيدة التي أذهب الله عنها الرّجس وطهّرها من كلّ الذنوب والمعاصي في هذه الأمّة فما بال أبي بكر يكذّبها يطلب منها الشهود يا تُرى؟ فاطمة سيدة نساء المؤمنين وسيدة نساء هذه الأمّة.

أخرج البخاري في صحيحه من الجزء السّابع في كتاب الاستئذان في باب من ناجى بين يدي النّاس ولم يخبر بسرّ صاحبه فإذا مات أخبر به. ومسلم في كتاب الفضائل عن عائشة أم المؤمنين قالت: إنّا كنّا أزواج النّبي (صلى الله عليه وآله) عنده جميعاً لم تغادر منّا واحدة فأقبلت فاطمة (عليها السّلام) تمشي لا والله ما تخفى مشيتها من مشية رسول الله (صلى الله عليه وآله) فلمّا رآها رحّب بها قال مرحباً بابنتي ثم أجلسها عن يمينه أو عن شماله ثم سارّها فبكت بكاءً شديداً فلمّا رأى حزنها سارّها الثانية إذا هي تضحك فقلت لها أنا من بين نسائه: خصّك رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالسرِّ من بيننا ثم أنتِ تبكين فلمّا قام رسول الله (صلى الله عليه وآله) سألتُها عمّا سارّك؟ قالت: ما كنت لأفشي على رسول الله (صلى الله عليه وآله) سرّه، فلمّا توفي قلت لها عزمت عليك بما لي عليك من الحق لما أخبرتني قالت: أمّا الآن فنعم فأخبرتني قالت: أما حين سارّني في الأمر الأول فإنّه أخبرني أنّ جبرئيل كان يعارضه بالقرآن كل سنةٍ مرّة وأنه قد عارضني به العام مرّتين ولا أرى الأجل إلاّ قد اقترب فاتّقي الله واصبري فإنني نعم السّلف أنا لك قالت فبكيت بكائي الذي رأيت فلمّا رأى جزعي سرّني الثانية قال يا فاطمة ألا ترضين أن تكوني سيّدة نساء المؤمنين أو سيّدة نساء هذه الأمّة.

فإذا كانت فاطمة الزهراء (عليها السلام) وهي سيّدة نساء المؤمنين كما ثبت ذلك عن رسول الله، يكذّبها أبو بكر في أدّعائها فدك ولا يقبل شهادتها فأي شهادة تقبل بعدها يا ترى؟؟

فاطمة الزهراء سيّدة نساء أهل الجنّة

أخرج البخاري في صحيحه من الجزء الرابع في كتاب بدء الخلق باب مناقب قرابة رسول الله (صلّى الله عليه وآله). قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): فاطمة سيّدة نساء أهل الجنّة فإذا كانت فاطمة (عليها السلام) سيدة نساء أهل الجنّة ومعناه أنها سيدة نساء العالمين لأن أهل الجنة ليسوا أمّة محمّد وحدهم كما لا يخفى، فكيف يكذّبها أبو بكر الصديق؟ ألم يدّعوا بان لقب الصديق أحرزه لأنه كان يصدق كل ما يقوله صاحبه محمد! فلماذا لم يصدّقه فيما قاله بخصوص بضعته الزهراء؟؟ أم أن الأمر لم يكن يتعلّق بفدك وبالصّدقة والنّحلة بقدر ما يتعلق بالخلافة التي هي من حق علي زوج فاطمة، فتكذيب فاطمة وزوجها الذي شهد منها في قضية النّحلة أيسر عليه ليقطع بذلك عليهما الطريق للمطالبة بما وراء ذلك. إنه مكرٌ كبير تكاد تزول منه الجبال.

فاطمة بضعة النّبي (صلى الله عليه وآله) والرّسول يغضب لغضبها

أخرج البخاري في صحيحه من الجزء الرّابع من كتاب بدء الخلق في باب منقبة فاطمة (عليها السّلام) بنت النّبي (صلّى الله عليه وآله). قال: حدثنا أبو الوليد حدثنا ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن ابن أبي مليكة عن المسور بن مخرمة أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: فاطمة بضعة منّي فمن أغضبها أغضبني.

فاطمة بضعة مني يريبني ما أرابها ويؤذيني ما أذاها.

وإذا كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يغضب لغضب بضعته الزهراء ويتأذى بأذاها فمعنى ذلك أنها معصومة عن الخطأ وإلا لما جاز للنّبي (صلى الله عليه وآله) أن يقول مثل هذا، لأنّ الذي يرتكب معصية يجوز إيذاؤه وإغضابه مهما علت منزلته لأن الشرع الإسلامي لا يراعي قريباً ولا بعيداً، شريفاً أو وضيعاً غنيّاً أو فقيراً. وإذا كان الأمر كذلك فما بال أبي بكر يؤذي الزهراء ولا يبالي بغضبها بل يغضبها حتى تموت وهي واجدةٌ عليه بل ومهاجرته فلم تكلّمه حتى توفيت وهي تدعي عليه في كلّ صلاة تصلّيها كما جاء ذلك في تاريخ ابن قتيبة وغيره من المؤرّخين؟!

نعم إنها الحقائق المرّة، الحقائق المؤلمة التي تهزّ الأركان وتزعزع الإيمان لأن الباحث المنصف المتجرد للحق والحقيقة لا مناص له من الاعتراف بأن أبا بكر ظلم الزهراء واغتصب حقّها، وكان بإمكانه وهو خليفة المسلمين أن يرضيها ويعطيها ما ادّعت لأنها صادقة والله يشهد بصدقها والنّبي يشهد بصدقها، والمسلمون كلّهم بما فيهم أبو بكر يشهدون بصدقها، ولكنّ السيّاسة هي التي تقلّب كلّ شيء فيصبح الصّادق كاذباً والكاذب صادقاً.

نعم إنّه فصل من فصول المؤامرة التي حيكت لإبعاد أهل البيت عن المنصب الذي اختاره الله لهم وقد بدأت بإبعاد علي عن الخلافة واغتصاب نحلة الزّهراء وإرثها وتكذيبها وإهانتها حتّى لا تبقى هيبتها في قلوب المسلمين. وانتهت بعد ذلك بقتل علي والحسن والحسين وكل أولادهم وسبيت نساؤهم، وقتل شيعتهم ومحبّوهم وأتباعهم ولعلّ المؤامرة متواصلة ولا زالت حتى اليوم تفعل فعلها وتأتي بثمارها.

نعم أي مسلم حرّ ومنصف سوف يعلم عندما يقرأ كتب التاريخ ويمحّص الحق من الباطل بأن أبا بكر هو أول من ظلم أهل البيت، وكيفيه قراءة صحيح البخاري ومسلم فقط لتنكشف له الحقيقة إذا كان من الباحثين حقّاً.

فها هو البخاري وكذلك مسلم يعترفان عفواً بأنّ أبا بكر يصدّق أي واحد من الصّحابة العادّيين في ادّعائه، ويكذّب فاطمة الزهراء سيّدة نساء أهل الجنّة ومن شهد لها الله بإذهاب الرّجس والطّهارة وكذلك يكذّب علياً وأم أيمن! فاقرأ الآن ما يقوله البخاري ومسلم.

أخرج البخاري في صحيحه من الجزء الثالث من كتاب الشّهادات باب من أمر بإنجاز الوعد.

ومسلم في صحيحه من كتاب الفضائل باب ما سئل رسول الله (صلى الله عليه وآله) شيئاً قط فقال لا، وكثرة عطائه.

«عن جابر بن عبد الله قال: لمّا مات النبيّ (صلى الله عليه وآله) جاء أبا بكر مالٌ من قبل العلاء بن الحضرميّ فقال أبو بكر: من كان له على النّبيّ (صلى الله عليه وآله) دينٌ أو كانت له قِبله عدة فليأتنا، قال جابر فقلت: وعدني رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يعطيني هكذا وهكذا وهكذا، فبسط يديه ثلاث مرّات قال جابر، فعدّ في يديّ خمسمائة ثم خمسمائة ثم خمسمئائة.

فهل من سائل لأبي بكر يسأله لماذا صدّق جابر بن عبد الله في ادّعائه بأنّ النّبي (صلى الله عليه وآله) وعده أن يعطيه هكذا وهكذا وهكذا، فيملأ أبو بكر يديه ثلاثة مرّات بما قدره ألف وخمسمائة بدون أن يطلب منه شاهد واحد على ادّعائه؟ وهل كان جابر بن عبد الله أتقى لله وأبرّ من فاطمة سيّدة نساء العالمين؟ والأغرب من كل ذلك هو ردّ شهادة زوجها علي بن أبي طالب الذي أذهب الله عنه الرّجس وطهّره تطهيراً وجعل الصّلاة عليه فرضٌ على كل المسلمين كما يُصلّى على النّبي (صلى الله عليه وآله) والذي جعل رسول الله (صلى الله عليه وآله) حبّه إيمان وبغضه نفاق(14).

أضف إلى ذلك بأن البخاري نفسه أخرج حادثة أخرى تعطينا صورة حقيقية عن ظلم الزهراء وأهل البيت.

فقد أخرج البخاري في صحيحه في باب لا يحلّ لأحد أن يرجع في هبته وصدقته من كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها، قال: أنّ بني صهيب مولى ابن جذعان ادّعوا بيتين وحُجرة وأنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) أعطى ذلك صهيباً، فقال مروان: من يشهد لكُما على ذلك قالوا: ابن عُمر! فدعاه فشهد لأعطى رسول الله (صلى الله عليه وآله) صهيباً بيتين وحجرة، فقضى مروان بشهادته لهم (15).

أنظر أيها المسلم إلى هذه التصرّفات والأحكام التي تنطبق على البعض دون البعض الآخر، أليس هذا من الظلم والحيف، وإذا كان خليفة المسلمين يحكم لفائدة المدّعين لمجرّد شهادة ابن عمر فهل لمسلم أن يتساءل لماذا ردّت شهادة علي بن ابي طالب وشهادة أم أيمن معه؟ والحال أن الرجل والمرأة أقوى في الشهادة من الرجل وحده، إذا ما أردنا بلوغ النّصاب الذي طلبه القرآن. أم أنّ أبناء صهيب أصدق في دعواهم من بنت المصطفى (عليها السّلام)؟ وأنّ عبد الله بن عمر موثوق عند الحكّام بينما علي غير موثوق عندهم؟! وأمّا دعوى أنّ النّبي (صلى الله عليه وآله) لا يورّث، وهو الحديث الذي جاء به أبو بكر، وكذّبته فاطمة الزّهراء وعارضته بكتاب الله، وهي الحجة التي لا تدحض أبداً فقد صحّ عنه (صلّى الله عليه وآله) قوله: «إذا جاءكم حديث عنّي فاعرضوه على كتاب الله فإن وافق كتاب الله فاعملوا به وإن خالف كتاب الله فاضربوا به عرض الجدار».

ولا شكّ أنّ هذا الحديث تعارضه الآيات العديدة من القرآن الكريم فهل من سائل يسأل أبا بكر ويسأل المسلمين كافة، لماذا تُقبل شهادة أبي بكر وحده في رواية هذا الحديث الذي يُناقض النقل والعقل ويعارض كتاب الله. ولا تقبل شهادة فاطمة وعلي التي توافق النقل والعقل ولا تتعارض مع القرآن.

أضف إلى ذلك بأنّ أبا بكر مهما علتْ مرتبتُه ومهما انتحل له مؤيدوه والمدافعون عنه من فضائل. فإنّه لا يبلغ مكانة الزّهراء سيدة نساء العالمين ولا مرتبة علي بن أبي طالب الذي فضّله رسول الله (صلى الله عليه وآله) على كلّ الصّحابة في المواطن كلّها، أذكر منها على سبيل المثال يوم إعطاء الرّاية عندما أقرّ له النّبي (صلى الله عليه وآله) بأنّه يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله وتطاول لها الصّحابة كلّ يرجى أن يعطاها فلم يدفعها إلاّ إليه (16). وقال فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله) «إنّ عليّاً منّي وأنا منه وهو ليٌّ كل مؤمن بعدي» (17).

ومهما شكّك المتعصّبون والنّواصب في صحة هذه الأحاديث، فلن يشكّكوا في أنّ الصّلاة على علي وفاطمة هي جزء من الصّلاة على النبي (صلى الله عليه وآله) فلا تقبل صلاة أبي بكر وعمر وعثمان والمبشّرين بالجنّة وكل الصّحابة ومعهم كل المسلمين إذا لم يُصلّوا على محمد وآله محمد الذين أذهب الله عنهم الرّجس وطهّرهم كما جاء ذلك في صحاح أهل السنّة من البخاري ومسلم (18) وبقية الصّحاح حتّى قال الإمام الشافعي في حقّهم «من لم يصلّ عليكم لا صلاة له».

فإذا كان هؤلاء يجوز عليهم الكذب والادعاء بالباطل فعلى الإسلام السّلام وعلى الدنيا العفا. أمّا إذا سألت لماذا تقبل شهادة أبي بكر وترد شهادة أهل البيت؟ فالجواب: لأنه هو الحاكم وللحاكم أن يحكم بما يشاء والحقّ معه في كل الحالات، فدعوى القويّ كدعوى السّباع من النّاب والظّفر برهانها.

وليتبين لك أيها القارئ الكريم صدق القول فتعال معي لتقرأ ما أخرجه البخاري في صحيحه من تناقض بخصوص ورثة النّبي الذي قال حسبما رواه أبو بكر: «نحن معشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة» والذي يصدّقه أهل السنّة جميعاً ويستدلّون به على عدم استجابة أبي بكر لطلب فاطمة الزّهراء.

وممّا يدلك على بطلان هذا الحديث وأنه غير معروف، أن فاطمة (عليها السلام) طالبت بإرثها وكذلك فعل أزواج النّبي أمّهات المؤمنين فقد بعثن لأبي بكر يطالبنه بميراثهن (19). فهذا ما أخرجه البخاري وما يستدلّ به على عدم توريث الأنبياء. ولكنّ البخاري ناقض نفسه واثبت بأن عمر بن الخطاب قسّم ميراث النّبي على زوجاته. فقد أخرج البخاري في صحيحه من كتاب الوكالة من باب المزارعة بالشطر ونحوه. عن نافع أن عبد الله بن عمر عنهما أخبره عن النّبي (صلى الله عليه وآله) عامل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع، فكان يعطي أزواجه مائة وسق ثمانون وسق تمر وعشرون وسق شعير، فقسم عمر خيبر فخيّر أزواج النّبي (صلى الله عليه وآله) أن يقطع لهنّ من الماء والأرض، أو يمضي لهنّ، فمنهنّ من اختار الأرض ومنهنّ من اختار الوسق وكانت عائشة قد اختارت الأرض» (20).

وهذه الرواية تدلّ بوضوح بأنّ خيبر التي طالبت الزهراء بنصيبها منها كميراث لها من أبيها وردّ أبو بكر دعوتها بأن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، لا يورّث، وهذه الرواية تدلّ أيضاً بوضوح بأنّ عمر بن الخطّاب قسّم خيبر في أيّام خلافته على أزواج النّبي (صلى الله عليه وآله) وخيّرهن بين امتلاك الأرض أو الوسق وكانت عائشة ممن اختار الأرض ـ فإذا كان النّبي (صلى الله عليه وآله) لا يورّث، فلماذا ترث عائشة الزوجة. ولا ترث فاطمة البنت؟!

أفتونا في ذلك يا أولى الأبصار ولكم الأجر والثواب. أضف إلى ذلك أنّ عائشة ابنة أبي بكر استولت على بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) بأكلمه ولم تحظ أي زوجة أخرى بما حظيت به عائشة، وهي التي دفنت أباها في ذلك البيت ودفنت عمر إلى جانب أبيها ومنعت الحسين أن يدفن أخاه الحسن بجانب جدّه ممّا حدى بابن عبّاس أن يقول فيها: تجمّلت تبغّلت ولو عشت تفيّلت. لك التسع من الثمن وفي الكلّ تصرّفت وعلى كل حال فأنا لا أريد الإطالة في هذا الموضوع فإنّه لا بدّ للباحثين من مراجعة التاريخ ولكن لا بأس بذكر مقطع من الخطبة التي ألقتها فاطمة الزهراء عليها السّلام بمحضر أبي بكر وجلّ الصّحابة لهلك من هلك منهم عن بيّنة وينجو من نجا منهم عن بيّنة. قالت لهم:

«أعلى عمدٍ تركتم كتاب الله ونبذتموه وراء ظهوركم؟ إذ يقول «وورث سليمان داود» ، وقال فيما اقتصّ من خبر زكريّا «فهب لي من لدنك وليّاً يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله ربّ رضيّاً» وقال: «وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله» وقال: «يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين» وقال: «كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت أن ترك خيراً، الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقّاً على المتّقين» أفخصّكم الله بآية أخرج منها أبي؟ أم أنتم أعلم بخصوص القرآن وعمومه من أبي وابن عمّي. أم تقولون أهل ملّتين لا يتوارثان فدونكما مخطومة مرحولة تلقاك يوم حشرك فنعم الحكم الله والزعيم محمد والموعد القيامة وعند الساعة يخسر المبطلون.

أبو بكر يقتل المسلمين الذين امتنعوا عن إعطائه الزّكاة

أخرج البخاري في صحيحه كتاب استتابة المرتدّين باب قتل من أبى قبول الفرائض وما نسبوا إلى الردّة ومسلم في صحيحه كتاب الإيمان باب الأمر بقتال الناس. عن أبي هريرة قال: لما توفّي النّبي (صلى الله عليه وآله) واستخلف أبو بكر وكفر من كفر من العرب قال عمر: يا أبا بكر، كيف تقاتل النّاس وقد قال رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم): أمرت أن أقاتل النّاس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال لا إله إلا الله عصم منّي ماله ونفسه إلاّ بحقّه وحسابه على الله؟، قال أبو بكر: والله لأقاتلنّ من فرّق بين الصلاة والزّكاة فإنّ الزّكاة حقّ المال، والله لو منعوني عناقاً كانوا يؤدّونها إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) لقاتلتهم على منعها. قال عمر فوالله ما هو إلا أن رأيت أن قد شرح الله صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنّه الحقّ.

وليس هذا بغريب على أبي بكر وعمر اللّذَيْن هدّدا بحرق بيت الزّهراء سيّدة النّساء بمن فيه من الصّحابة المتخلّفين عن البيعة (21) وإذا كان حرق علي وفاطمة والحسن والحسين ونخبة من خيرة الصّحابة الذين امتنعوا عن البيعة، أمراً هيّناً عليهما فليس قتال مانعي الزّكاة إلاّ أمراً ميسوراً، وما قيمة هؤلاء الأعراب الأباعد مقابل العترة الطّاهرة والصّحابة الأبرار؟ أضف إلى ذلك أن هؤلاء المتخلّفين عن البيعة يرون أنّ الخلافة هي حقّ لهم بنصّ لرسول (صلى الله عليه وآله) وحتّى على فرض عدم وجود النّص عليهم فمن حقّهم الاعتراض والنقد والإدلاء بآرائهم إن كان هناك شورى كما يزعمون، ومع ذلك فإنّ تهديدهم بالحرق أمرٌ ثابتٌ بالتواتر ولولا استسلام علي وأمره للصّحابة بالخروج للبيعة حفاظاً على حقن دماء المسلمين ووحدة الإسلام لما تأخّر القائمون بالأمر، عن إحراقهم.

أمّا وقد استتب الأمر لهم وقويت شوكتهم ولم يعدْ هناك معارضة تذكرة بعد موت الزّهراء ومصالحة علي لهم. فكيف يسكتون عن بعض القبائل التي امتنعت عن دفع الزّكاة لهم بحجّة التريّث حتى يتبيّنوا أمر الخلافة وما وقع فيها بعد نبيهم (صلى الله عليه وآله) تلك الخلافة التي اعترف عمر نفسه بأنّها فلتة (22).

إذن ليس بالغريب أن يقوم أبو بكر وحكومته بقتل المسلمين الأبرياء وانتهاك حرماتهم وسبي نسائهم وذريتهم وقد ذكر المؤرّخون بأنّ أبا بكر بعث بخالد بن الوليد فأحرق قبيلة بني سليم (23) وبعثه إلى اليمامة، وغلى بني تميم وقتلهم غدراً بعدما كتّفهم وضرب أعناقهم صبراً وقتل مالك بن نويرة الصّحابي الجليل الذي ولاّه رسول الله (صلى الله عليه وآله) على صدقات قومه ثقة به، ودخل بزوجته في ليلة قتل زوجها. فلا حول ولا قوّة إلا بالله العلي العظيم.

وما ذنب مالك وقومه إلا أنهم لمّا سمعوا بما حدث من أحداث بعد موت النّبي (صلى الله عليه وآله) وما وقع من إبعاد علي وظلم الزّهراء حتى ماتت غاضبة عليهم وكذلك مخالفة سيّد الأنصار سعد بن عبادة وخروجه عن بيعتهم وما تناقله العرب من أخبار تشكّك في صحّة البيعة لأبي بكر. لكل ذلك تريّث مالك وقومه لإعطاء الزّكاة، فكان الحكم الصّادر من الخليفة وأنصاره بقتلهم وسبي نسائهم وذريتهم وانتهاك حرماتهم وإخماد أنفاسهم حتّى لا يتفشّى في العرب رأي للمعارضة أو المناقشة في أمر الخلافة.

والمؤسف حقّاً أنك تجد من يدافع عن أبي بكر وحكومته بل ويصحّح أخطاءه التي اعترف هو بها (24) ويقول كقول عمر: والله ما هو إلاّ أن رأيت أن قد شرح الله صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق.

وهل لنا أن نسأل عمر عن سرّ اقتناعه بقتال المسلمين الذين شهد هو نفسه بأنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) حرّم قتالهم بمجرّد قولهم لا إله إلا الله. وعارض هو نفسه أبا بكر بهذا الحديث فكيف انقلب فجأة واقتنع بقتالهم وعرف أنه الحق بمجرد أن رأى أن قد شرح الله صدر أبي بكر فكيف تمت عمليّة شرح الصّدر هذه وكيف رآها عمر دون سائر الناس؟ وإن كانت علمية الشرح هذه معنوية وليست حقيقيّة فكيف يشرح الله صدور قوم بمخالفتهم لأحكامه التي رسمها على لسان رسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم، وكيف يقول الله لعباده على لسان نبيّه من قال لا إله إلا الله حرامٌ عليكم قتله، وحسابه عليٌّ. ثم يشرح صدر أبي بكر وعمر قتالهم؟ فهل نزل وحيّ عليهما بعد محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم؟ أم هو الاجتهاد الذي اقتضته المصالح السيّاسية والتي ضربت بأحكام الله عرض الجدار؟

أمّا دعوى المدافعين، بأن هؤلاء ارتدّوا عن الإسلام فوجب قتلهم، فهذا غير صحيح ومن له أي اطّلاع على كتب التّاريخ يعلم علم اليقين أنّ مانعي الزكاة لم يرتدوا عن الإسلام، كيف وقد صلّوا مع خالد وجماعته عندما حلّوا بفنائهم. ثمّ إنّ أبا بكر نفسه أبطل هذه الدعوى الكاذبة بدفعه ديّة مالك من بيت مال المسلمين واعتذر عن قتله. والمرتد لا يعتذر عن قتله ولا تدفع ديّته من بيت المال. ولم يقل أحدٌ من السّلف الصالح أنّ مانعي الزكاة ارتدّوا عن الإسلام إلاّ في زمن متأخّر عندما أصبحت هناك مذاهب وفرق فأهل السنّة حاولوا جهدهم وبدون جدوى أن يبرّروا أفعال أبي بكر فلم يجدوا بدّاً من نسبة الارتداد إليهم لأنهم عرفوا أن سباب المسلم فسوقٌ وقتاله كفر. كما جاء في صحاح أهل السنّة (25) وحتّى أن البخاري عندما أخرج حديث أبي بكر وقوله: والله لأقتلن من فرّق بين الصلاة والزكاة جعل له باباً بعنوان: من أبى قبول الفرائض وما نسبوا إلى الردّة وهو دليل على أن البخاري نفسه لا يعتقد بردّتهم (كما لا يخفى).

وحاول البعض الآخر تأويل الحديث كما تأوّله أبو بكر بانّ الزكاة هي حقّ المال، وهو تأويل في غير محلّه. أوّلاً لأنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) حرّم قتل من قال لا إله إلا الله فقط، وفي ذلك أحاديث كثيرة أثبتها الصّحاح سنوافيك بها.

ثانياً: لو كانت الزكاة حق المال فهل الحديث يبيح في هذه الحالة أن يأخذ الحاكم الشرعي الزكاة بالقوة من مانعها بدون قتله وسفك دمه؟.

ثالثاً: لو كان هذا التأويل صحيحاً لقاتل رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثعلبة الذي امتنع عن أداء الزكاة له (القصّة معروفة لا داعي لذكرها).

رابعاً: إليك ما أثبته الصّحاح في حرمة من قال لا إله إلا الله وسأقتصر على البخاري ومسلم وعلى بعض الأحاديث روماً للاختصار:

(أ) أخرج مسلم في صحيحه في كتاب الإيمان باب تحريم قتل الكافر بعد أن قال لا إله إلا الله.

والبخاري في صحيحه في كتاب المغازي باب حدّثني خليفة عن المقداد بن الأسود أنّه قال لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: أرأيت إن لقيت رجلاً من الكفّار فاقتتلنا، فضرب إحدى يديَّ بالسّيف فقطعها؟ ثم لاذ منّي بشجرة، فقال: أسلمت لله، أأقتله يا رسول الله بعد أن قالها؟ فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: «لا تقتله» فقال: يا رسول الله إنه قطع إحدى يديَّ ثم قال ذلك بعدما قطعها، فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: «لا تقتله، فإن قتلته فإنّه بمنزلتك قبل أن تقتله، وإنّك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال».

هذا الحديث يفيد بأنّ الكافر الذي لا إله إلا الله ولو بعد اعتدائه على مسلم بقطع يده فإنه يحرم قتله. وليس هناك اعتراف بمحمّد رسول الله ولا إقامة الصّلاة ولا إيتاء الزكاة ولا صوم رمضان ولا حج البيت، فأين تذهبون وماذا تتأوّلون؟

(ب) أخرج البخاري في صحيحه من كتاب المغازي باب بعث النّبي (صلى الله عليه وآله) أسامة بن زيد إلى الحرقات من جهينة وصحيح مسلم في كتاب الإيمان في باب تحريم قتل الكافر بعد أن قال لا إله إلا الله عن أسامة بن زيد قال: بعثنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى الحرقة فصبحنا القوم فهزمناهم، ولحقت أنا ورجلٌ من الأنصار رجلاً منهم، فلمّا غشيناه، قال: لا إله إلا الله، فكفّ الأنصاري عنه، وطعنته برمحي حتّى قتلته، فلمّا قدمنا، بلغ النّبي (صلى الله عليه وآله) فقال: «يا أسامة أقتلته بعدما قال لا إله إلا الله؟» قلت: كان متعوذاً: فما زال يكرّرها حتّى تمنّيت أني لم أكنْ أسلمت قبل ذلك اليوم.

وهذا الحديث يفيد قطعاً بأنّ من قال لا إله إلا الله يحرم قتله ولذلك ترى رسول الله (صلى الله عليه وآله) يشدّد النّكير على أسامة حتى يتمنّى أسامة أنه لم يكن أسلم قبل ذلك اليوم ليشمله حديث «الإسلام يجبَّ ما قبله» ويطمع في مغفرة الله له ذلك الذنب الكبير.

(ت) أخرج البخاري في صحيحه من كتاب اللّباس، باب الثياب البيض. وكذلك مسلم في صحيحه كتاب الإيمان باب من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة.

عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه. قال: أتيت النبيّ (صلى الله عليه وآله) وعليه ثوبٌ أبيضٌ وهو نائم، ثم أتيته وقد استيقظ، فقال: «ما من عبدٍ قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلاّ دخل الجنّة» قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: «وإن زنى وإن سرق»، قلت وإن زنى وإن سرق؟ قال: «وإن زنى وإن سرق»، قلت وإن زنى وإن سرق؟ قال: «وإن زنى وإن سرق على رغم أنف أبي ذرٍّ».

وكان أبو ذرّ إذا حدّث بهذا الحديث قال: وإن رغم أنف أبي ذرّ. وهذا الحديث هو الآخر يثبت دخول الجنّة لمن قال لا إله إلا الله، ومات على ذلك فلا يجوز قتلهم. وذلك رغم أنف أبي بكر وعمر وكلّ أنصارهم الذين يتأوّلون الحقائق ويقبلونها حفاظاً على كرامة أسلافهم وكبرائهم الذين غيّروا أحكام الله.

وبالتأكيد أنّ أبا بكر وعمر يعرفان كل هذه الأحكام فهما أقرب منّا لمعرفتها وألصق بصاحب الرسالة من غيرهما ولكنّهما ومن أجل الخلافة تأوّلا جلّ أحكام الله ورسوله (صلى الله عليه وآله) على علم وبيّنة.

ولعلّ أبا بكر لمّا عزم على قتال مانعي الزّكاة وعارضه عمر بحديث الرّسول (صلى الله عليه وآله) الذي يحرم ذلك، أقنع صاحبه بأنّه هو الذي حمل الحطب ليحرق بيت فاطمة بنفسه وأنّ فاطمة أقل ما يقال بحقها أنّها كانت تشهد أن لا إله إلا الله، ثم أقنعه بأن فاطمة وعلي لم يعد لهما كبير شأن في عاصمة الخلافة بينما هؤلاء القبائل الذين منعوا الزكاة لو تركوهم واستشرى أمرهم في داخل البلاد الإسلامية فسيكون لهم تأثير كبير على مركز الخلافة. عند ذلك رأى عمر أن قد شرح الله صدر أبي بكر للقتال فاعترف بأنه الحقّ.

أبو بكر يمنع من كتابة السنّة النبوية وكذلك يفعل بعده عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان

إن الباحث إذا ما قرأ كتب التّاريخ وأحاط ببعض الخلفيّات التي توخّتها حكومة الخلفاء الثلاثة علم عِلم اليقين بأنّهم هم الذين منعوا من كتابة الحديث النّبوي الشريف وتدوينه بل منعوا حتى التحدّث به ونقله إلى النّاس لأنهم بلا شك علموا بأنّه لا يخدم مصالحهم أو على الأقل يتعارض ويتناقض مع الكثير من أحكامهم وما تأوّلوه حسب اجتهاداتهم وما اقتضته مصالحهم. وبقي حديث النبيّ (صلى الله عليه وآله) والذي هو المصدر الثاني للتشريع الإسلامي بل هو المفسّر والمبيّن للمصدر الأول ألا وهو القرآن الكريم. بقيّ ممنوعاً ومحرَّماً على عهدهم. ولذلك اتفقت كلمة المحدّثين والمؤرّخين على بداية جمع الحديث والتدوين في عهد عمر بن عبد العزيز أو بعده بقليل. فقد نقل البخاري في صحيحه في كتاب العلم باب كيف يقبض العلم قال: وكتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن حزم أنظر ما كان من حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله) فاكتبه فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء ولا يقبل إلا حديث النّبي (صلى الله عليه وآله) وليفشوا العلم وليجلسوا حتّى يعلّم من لا يعلم فإنّ العلم لا يهلك حتّى يكون سرّاً.

فهذا أبو بكر يخطب في النّاس بعد وفاة النّبي (صلى الله عليه وآله) قائلاً لهم: «إنّكم تحدثون عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أحاديث تختلفون فيها، والنّاس بعدكم أشد اختلافاً، فلا تحدّثوا عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) شيئاً، فمن سألكم فقولوا: بيننا وبينكم كتاب الله فاستحلّوا حلاله وحرّموا حرامه (26).

عجيبٌ والله أمر أبي بكر ها هو وبعد أيام قائل من ذلك اليوم المشؤوم الذي سمّي برزيّة يوم الخميس يوافق ما قاله صاحبه عمر بن الخطاب بالضّبط عندما قال إن رسول الله يهجر وحسبنا كتاب الله يكفينا.

وها هو يقول: لا تحدّثوا عن رسول الله شيئاً فمن سألكم فقولوا بيننا وبينكم كتاب الله فاستحلّوا حلاله وحرّموا حرامه. والحمد لله على اعترافه صراحة بأنّهم نبذوا سنّة نبيّهم وراء ظهورهم وكانت عندهم نسياً منسياً.

والسّؤال هنا إلى أهل السنّة والجماعة الذين يدافعون عن أبي بكر وعمر ويعتبرانهما أفضل الخلق بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) فإذا كانت صحاحكم كما تعتقدون تروي بأن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: «تركت فيكم خليفتين ما إن تمسكتم بهما لن تضلّوا أبداً كتاب الله وسنّتي» وعلى فرض أنّنا سلّمنا بصحّة هذا الحديث، فما بال أفضل الخلق عندكم يرفضان السنّة ولا يقيمان لها وزناً بل ويمنعان النّاس من كتابتها والتحدّث بها؟؟ وهل من سائل يسأل أبا بكر في أي آية وجد قتال المسلمين الذين يمنعون الزكاة وسبي نسائهم وذراريهم؟

فكتاب الله الذي بيننا وبين أب بكر يقول في حقّ مانعي الزكاة: «ومنهم من عاهد الله لئن أتانا من فضله، لنصدّقنّ ولنكوننّ من الصالحين، فلمّا أتاهم من فضله بخلوا به، وتولّوا وهم معرضون. فأعقبهم نفاقاً في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون» (سورة التوبة: الآيتان 75 ـ 77). وباتفاق جميع المفسّرين فإن هذه الآيات نزلت بخصوص ثعلبة الذي منع الزكاة على عهد النّبي (صلى الله عليه وآله) ـ أضف إلى ذلك بأنّ ثعلبة منع الزكاة وامتنع من أدائها إلى النبي (صلى الله عليه وآله) لأنه أنكرها وقال هي جزية. وقد شهد الله في هذه الآيات على نفاقه ومع ذلك فالنبي (صلى الله عليه وآله) لم يقاتله ولم يأخذ أمواله بالقوة وكان قادراً على كل ذلك. أمّا مالك بن نويرة وقومه فلم ينكروا الزكاة كفرض من فروض الدّين وإنّما أنكروا الخليفة الذي استولى على الخلافة بعد الرسول بالقوة والقهر وانتهاز الفرصة.

ثم أنّ أمر أبي بكر أغرب وأعجب عندما نبذ كتاب الله وراء ظهره وقد احتجّت به عليه فاطمة الزّهراء سيّدة نساء العالمين، وتلت على مسامعه آيات بيّنات محكمات من كتاب الله الذي يقرّ وراثة الأنبياء، فلم يقبل بها ونسخها كلّها بحديث جاء به من عنده لحاجة في نفسه، وإذا كان يقول: إنّكم تحدّثون عن رسول الله أحاديث تختلفون فيها، والنّاس بعدكم أشدّ اختلافاً، فلا تحدّثوا عن رسول الله شيئاً. فمن سألكم فقولوا: بيننا وبينكم كتاب الله فاستحلّوا حلاله وحرّموا حرامه فلماذا لم يفعل هو بما يقول عندما اختلف مع بضعة المصطفى الصدّيقة الطّاهرة، في حديث النّبي «نحن معشر الانبياء لا نورث» ولم يحتكم معها إلى كتاب الله فيحلّ حلاله ويحرّم حرامه؟ والجواب معروف، في تلك الحالة سوف تجد كتاب الله ضدّه، وسوف تنتصر عليه فاطمة في كل ما ادّعته ضدّه، وإذا ما انتصرت عليه يومها فسوف تحاججه بنصوص الخلافة على ابن عمّها وأنّى له عندئذ دفعها وتكذيبها، والله يقول بهذا الصدد: « يا أيها الذين آمنوا لِمَ تقولون ما لا تفعلون، كبُر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون» .

نعم لكلّ ذلك ما كان أبو بكر ليرتاح إذا ما بقيت أحاديث النّبي (صلى الله عليه وآله) متداولة بين النّاس يكتبونها ويحفظونها ويتناقلونها من بلد لآخر ومن قرية لأخرى وفيها ما فيها من نصوص صريحة تتعارض والسّياسة التي قامت عليها دولته. فلم يكن أمامه حلاًّ غير طمس الأحاديث وسترها بل ومحوها وحرقها (27). فها هي عائشة ابنته تشهد عليه. قالت: جمع أبي الحديث عن رسول الله، فكانت خمسمائة حديث، فبات يتقلب، فقلت يتقلّب لشكوى أو لشيء بلغه، فلما أصبح قال: أي بنيّة هلمّي الأحاديث التي عندك فجئته بها، فأحرقها… الحديث (28).

عمر بن الخطاب يتشدّد أكثر من صاحبه في الحديث عن رسول الله ويمنع النّاس من نقله

لقد رأينا سياسة أبي بكر في منع الحديث حتّى وصل به الأمر أن أحرق المجموعة التي جمعت على عهده وهي خمسمائة حديث لئلا تتفشّى عند الصّحابة وغيرهم من المسلمين الذين كانوا يتعطشون لمعرفة سنة نبيّهم صلّى الله عليه وآله وسلّم، ولما ولي عمر الخلافة بأمرٍ من أبي بكر، كان عليه أن يتوخّى نفس السّياسة ولكن بأسلوبه المعروف بالشدّة والغلظة، فلم يقتصر على حظر ومنع تدوين الحديث ونقله فحسب بل تهدّد وتوعّد وضرب أيضاً واستعمل فرض الحصار هو الآخر.

روى ابن ماجة في سننه من الجزء الأول باب التوقّي في الحديث. قال: عن قرظة بن كعب، بعثنا عمر بن الخطاب إلى الكوفة وشيّعنا فمشى معنا إلى موضع صرار، فقال: أتدرون لم مشيت معكم؟ قال: قلنا لحقّ صحبة رسول الله، ولحقِّ الأنصار، قال: لكنّي مشيت معكم لحديث أردت أن أحدّثكم به، فأردت أن تحفظوه لممشاي معكم، إنّكم تقدمون على قوم للقرآن في صدورهم هزيز كهزيز المرجل، فإذا رأوكم مدّوا إليكم أعناقهم، وقالوا أصحاب محمّد!. فأقلّوا الرواية عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم أنا شريككم.

فلما قدم قرظة بن كعب قالوا: حدّثنا، قال: نهانا عمر (29). كما روى مسلم في صحيحه في كتاب الآداب، باب الاستئذان بأن عمر هدّد أبا موسى الأشعري بالضرب من أجل حديث رواه عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله).

قال أبو سعيد الخدري كنا في مجلس عند أبي بن كعب فاتى أبو موسى الأشعري مغضباً حتى وقف فقال: أنشدكم الله هل سمع أحدٌ منكم رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: الاستئذان ثلاث فإن أذن لك وإلا فارجع قال أبي وما ذاك، قال: استأذنت على عمر بن الخطاب أمس ثلاث مرّات فلم يؤذن لي فرجعت، ثم جئته اليوم فدخلت عليه فأخبرته أنّي جئت بالأمس فسلمت ثلاثاً ثم انصرفت، قال: قد سمعناك ونحن حينئذ على شغل فلو ما استأذنت حتى يؤذن لك، قلت استأذنت كما سمعت رسول الله صلّى الله عيه وآله وسلّم: قال فوالله لأوجعنّ ظهرك وبطنك أو لتأتينَّ بمن يشهد لك على هذا، فقال أبي بن كعب فوالله لا يقوم معك إلا أحدثنا سنّاٌ قم يا أبا سعيد فقمت حتى أتيت عمر فقلت: قد سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول هذا.

وروى البخاري هذه الحادثة ولكنّه كعادته بترها وحذف منها تهديد عمر بضرب أبي موسى كعادته حفاظاً على كرامته (30). مع أن مسلم في صحيحه زاد قول أبي بن كعب لعمر: يا ابن الخطاب فلا تكوننّ عذاباً على أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم.

وقد روى الذهبي في تذكرة الحفاظ من جزئه الأول الصفحة الرابعة عن أبي سلمة قال: قلت لأبي هريرة: أكنت تحدث في زمان عمر هذا؟ فقال: لو كنت أحدّث في زمان عمر مثل ما أحدّثكم لضربني بمغفقته.

كما أن عمر بعد منع الحديث والتهديد بالضرب أقدم هو الآخر على حرق ما دوّنَهُ الصّحابة من الأحاديث. فقد خطب النّاس يوماً قائلاً: أيّها النّاس، إنّه قد بلغني أنّه قد ظهرت في أيديكم كتبٌ فأحبّها إلى الله أعدلها وأقومها فلا يبقيّن أحد عنده كتاباً إلاّ أتاني به فأرى فيه رأيي، فظنّوا أنّه يريد النّظر فيها ليقوّمها على أمر لا يكون فيه اختلاف، فأتوه بكتبهم فأحرقها بالنّار (31) كما أخرج ابن عبد البر في كتاب جامع بيان العلم وفضله، أن عمر بن الخطاب أراد أن يكتب السنّة ثم بدا له أن لا يكتبها ثم كتب إلى الأمصار من كان عنده شيء فليمحه.

ولمّا أعيته الحيلة ورغم تهديده ووعيده ومنعه وتحريمه وحرقه كتب الأحاديث بقي بعض من الصّحابة يحدثون بما سمعوا من رسول الله (صلى الله عليه وآله) عندما يلتقون في أسفارهم خارج المدينة بالنّاس اللذين يسألونهم عن أحاديث النّبي (صلى الله عليه وآله) رأى عمر أن يحبس هؤلاء النفر في المدينة ويضرب عليهم حصاراً وإقامة جبريّة. فقد روى ابن إسحاق عن بعد الرحمن بن عوف. قال: والله ما مات عمر حتّى بعث إلى أصحاب رسول الله فجمعهم من الآفاق: عبد الله بن حذيفة وأبي الدرداء وأبي ذر الغفاري وعقبة بن عامر. فقال: ما هذه الأحاديث التي قد أفشيتم عن رسول الله في الآفاق، قالوا: تنهانا؟ قال: لا أقيموا عندي، لا والله لا تفارقوني ما عشت (32).

ثم جاء بعده ثالث الخلفاء عثمان الذي اتّبع نفس الطريق وسلك ما سطّره له صاحباه من قبل. فصعد على المنبر وأعلن صراحة قوله: لا يحلّ لأحدٍ أن يروي حديثاً عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم أسمع به في عهد أبي بكر وعمر (33).

وهكذا دام الحصار طيلة حياة الخلفاء الثلاثة وهي خمسة وعشرون عاماً ويا ليته كان حصاراً في تلك المدّة فحسب ولكنّه تواصل بعد ذلك وعندما جاء معاوية للحكم صعد المنبر هو الآخر وقال: إيّاكم وأحاديث إلا حديثاً كان في عهد عمر فإنّ عمر كان يخيفُ الناس في الله عز وجلّ. الحديث أخرجه مسلم في صحيحه. في كتاب الزكاة باب النهي عن المسألة من جزئه الثالث.

ونهج الخلفاء الأمويون على هذا المنوال فمنعوا أحاديث الرسول الصحيحة وتفنّنوا في وضع الأحاديث المزوّرة والمكذوبة على رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتّى ابتلي المسلمون في كل العصور بالمتناقضات وبالأساطير والمخاريق التي لا تمتّ للإسلام بشيء، وإليك ما نقله المدائني في كتابه «الأحداث» قال: كتب معاوية نسخة واحدة إلى عمّاله بعد عام الجماعة: أن برئت الذمّة ممن روى شيئاً من فضل أبي تراب وأهل بيته (يقصد علي بن أبي طالب) فقام الخطباء في كل كورة وعلى كل منبر يلعنون عليّاً ويبرؤون منه ويقعون فيه وفي أهل بيته.

ثم كتب معاوية إلى عماله في جميع الآفاق: أن لا يجيزوا لأحد من شيعة علي وأهل بيته شهادة، ثم كتب إليهم: أن انظروا من قبلكم من شيعة عثمان ومحبّيه، وأهل ولايته والذين يروون فضائله ومناقبه فادنوا مجالسهم، وقربوهم وأكرموهم، واكتبوا إليّ بكل ما يروي كلّ رجل منهم واسمه واسم أبيه وعشيرته.

ففعلوا ذلك حتى أكثروا من فضائل عثمان ومناقبه، لما كان يبعثه إليهم معاوية من الصّلات والكساء والحباء والقطائع، ويفيضه في العرب منهم والموالي، فكثر ذلك في كل مصر وتنافسوا في المنازل والدنيا فلا يأتي أحد مردود من الناس عاملاً من عمّال معاوية، فيروي في عثمان فضيلة أو منقبة إلا كتب اسمه وقرّبه وشفّعه، فلبثوا بذلك حيناً. ثم كتب معاوية إلى عمّاله: أن الحديث في عثمان قد كثر وفشا في كل مصر وفي كل وجه وناحية، إذا جاءكم كتابي هذا فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصّحابة والخلفاء الأولين، ولا تتركوا خبراً يرويه أحد من المسلمين في أبي تراب إلا وتأتوني بمناقض له في الصّحابة، فإنّ هذا أحب إليّ وأقرّ لعيني وأدحض لحجة أبي تراب وشيعته وأشد عليهم من مناقب عثمان وفضله.

فقرأت كتبه على النّاس، فرويت أخباراً كثيرة في مناقب الصّحابة مفتعلة لا حقيقة لها، وجدّ الناس في رواية ما يجري هذا المجرى حتى أشادوا بذكر ذلك على المنابر، وألقي إلى معلّمي الكتاتيب فعلّموا صبيانهم وغلمانهم حتى رووه وتعلموه كما يتعلمون القرآن، وحتّى علمّوه بناتهم ونسائهم وخدمهم وحشمهم فلبثوا بذلك ما شاء الله.

ثم كتب إلى عمّاله نسخة واحدة إلى جميع البلدان:

«أنظروا من قامت عليه البينة أنه يحب علياً وأهل بيته، فأمحوا إسمه من الديوان واسقطوا عطاءه ورزقه» ثم شفع ذلك بنسخة أخرى: «من اتهمتموه بموالاة هؤلاء القوم فنكّلوا به، واهدموا داره» فلم يكن البلاء أشدّ ولا أكثر منه بالعراق ولا سيّما بالكوفة، حتّى أنّ الرّجل من شيعة علي ليأتيه من يثق به فيدخل بيته فيلقي إليه سرّه ويخاف من خادمه ومملوكه ولا يحدّثه حتى يأخذ عليه الأيمان الغليظة، ليكتمنّ عليه. فظهر حديث كثير موضوع وبهتان منتشر، ومضى على ذلك الفقهاء والقضاة والولاة، وكان أعظم النّاس بليّة القرّاء المراؤون والمستضعفون الذين يظهرون الخشوع والنسك فيفتعلون الأحاديث ليحظوا بذلك عند ولاتهم، ويقرّبوا مجالسهم ويصيبوا به الأموال والضياع والمنازل حتى انتقلت تلك الأخبار والأحاديث إلى أيدي الديّانين، الذين لا يستحلّون الكذب والبهتان، فقبلوها ورووها وهم يظنّون أنها حق، ولو علموا أنها باطلة لما رووها ولا تديّنوا بها» (34).

وأقول بأن المسؤولية في كل ذلك يتحمّلها أبو بكر وعمر وعثمان الذين منعوا من كتابة الأحاديث الصحيحة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) بدعوى خوفهم بأن لا تختلط السنة بالقرآن هذا ما يقوله أنصارهم والمدافعون عنهم وهذه الدّعوى تُضحك المجانين وهل القرآن والسنة سكر وملح إذا ما اختلطا فلا يمكن فصل أحدهما عن الآخر وحتى السّكر والملح لا يختلطان لأن كل واحد محفوظ في علبته الخاصّة به فهل غاب عن الخلفاء أن يكتبوا القرآن في مصحف خاص به والسنّة النّبوية في كتاب خاص بها كما هو الحال عندنا اليوم ومنذ دوّنت الأحاديث في عهد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه. فلماذا لم تختلط السنّة بالقرآن رغم أن كتب الحديث تعدّ بالمئات فصحيح البخاري لا يختلط بصحيح مسلم وهذا لا يختلط بمسند أحمد ولا بموطأ الإمام مالك فضلاً عن أن يختلط القرآن الكريم.

فهذه حجّة واهية كبيت العنكبوت لا تقوم على دليل بل الدليل على عكسها أوضح فقد روى الزهري عن عروة أن عمر بن الخطاب أرادَ أن يكتب السنن فاستفتى أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأشاروا عليه أن يكتبها فطفق عمر يستخير الله فيها شهراً، ثم أصبح يوماً فقال: إنّي كنت أريد أن أكتب السّنن، وإنّي ذكرت قوماً قبلكم كتبوا كتباً فأكبّوا عليها وتركوا كتاب الله، وإنّي والله لا أشوب كتاب الله بشيء أبداً (35).

أنظر أيها القارىء إلى هذه الرواية كيف أشار أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) على عمر بان يكتب السّنن، وخالفهم جميعاً واستبدّ برأيه. بدعوى أن قوماً قبلهم كتبوا كتباً فأكبّوا عليها. وتركوا كتاب الله، فأين هي دعوى الشورى التي يتشدّق بها أهل السنّة والجماعة، ثم أين هؤلاء القوم الذين أكبّوا على كتبهم وتركوا كتاب الله. لم نسمع بهم إلا في خيال عمر بن الخطاب وعلى فرض وجود هؤلاء القوم فلا وجه للمقارنة إذ أنّهم كتبوا كتباً من عند أنفسهم لتحريف كتاب الله فقد جاء في القرآن الكريم: «فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً فويلٌ لهم مما كتبت أيديهم وويلٌ لهم مما يكسبون» [البقرة: 79]. أمّا كتابة السنن فليست كذلك لأنها صادرة عن نبي معصوم لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحيّ يوحى وهي مبينة ومفسرة لكتاب الله. قال تعالى: «وأنزلنا إليك الذكر لتبيّن للنّاس ما نزل إليهم» [سورة النحل: الآية 44]. وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) «أوتيت القرآن ومثله معه» وهذا أمرٌ بديهي لكلّ من عرف القرآن فليس هناك الصّلوات الخمس ولا الزكاة بمقاديرها ولا أحكام الصّوم ولا أحكام الحجّ إلا كثير من الأحكام التي بيّنها رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولكل ذلك قال الله تعالى: «ما أتاكم الرّسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا» .

وقال: «قل إن كنتم تحبّون الله فاتبعوني يُحببكم الله».

وليت عمر عرف كتاب الله وأكبّ عليه ليتعلّم منه الامتثال إلى أوامر الرّسول ولا يناقشها ولا يطعن فيها(36).

وليته عرف كتاب الله وأكبّ عليه ليتعلّم منه حكم الكلالة (37) التي ما عرفها حتى مات وحكم فيها أيّام خلافته بأحكام متعدّدة ومتناقضة وليته عرف كتاب الله وأكبْ عليه ليتعلّم منه حكم التيمّم الذي ما عرفه حتّى أيام خلافته وكان يفتي بترك الصّلاة لمن لم يجد الماء (38) وليته عرف كتاب الله وأكبّ عليه ليتعلّم منه حكم الطّلاق مرّتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان والذي جعله هو طلقة واحدة (39) وعارض برأيه واجتهاده أحكام الله وضرب بها عرض الحائط.

والحقيقة التي لا مجال لدفعها هي أن الخلفاء منعوا من انتشار الأحاديث وهدّدوا من يتحدّث بها وضربوا عليها الحصار لأنها تفضح مخطّطاتهم وتكشف مؤامراتهم ولا يجدون مجالاً لتأويلها كما يتأولون القرآن، لأنّ كتاب الله صامتٌ وحمّالٌ أوجهٍ، أمّا السّنن النبويّة فهي أقوال وأفعال النّبي (صلى الله عليه وآله) فلا يمكن لأحد من النّاس دفعها. ولذلك قال أمير المؤمنين علي لابن عباس عندما بعثه للاحتجاج على الخوارج: «لا تخاصمهم بالقرآن، فإن القرآن حمّال ذو وجوه، تقول ويقولون، ولكن حاججهم بالسنّة، فإنهم لن يجدوا عنها محيصاً» (40).

أبو بكر يسلّم الخلافة لصحابه عمر ويخالف بذلك النصوص الصّريحة

يقول الإمام علي (عليه السّلام) في هذا الموضوع بالذّات «أما والله لقد تقمّصها ابن أبي قحافة، وإنّه ليعلم أنّ محلي منها محلّ القطب من الرّحى، ينحدر عني السّيل ولا يرقى إليّ الطير، فسدلت دونها ثوباً، وطويت عنها كشحاً، وطفقت أرتئي بين أن أصول بيدٍ جذّاء، أو أصبر على طخية عمياء، يهرم فيها الكبير، ويشيب فيها الصغير، ويكدح فيها مؤمن حتى يلقى ربّه، فرأيت أنّ الصبر على هاتا أحجى، فصبرت وفي العين قذى، وفي الحلق شجا أرى تراقي نهباً حتّى مضى الأول لسبيله فأدلى بها إلى ابن الخطاب بعده (شتان ما يومي على كورها ويوم حيّان أخي جابر).

فيا عجباً بينا هو يستقيلها في حياته إذ عقدها لآخر بعد وفاته لشدّ ما تشطّرا ضرعيها فصيّرها في حوزة خشناء يلغظ كلامها ويخشن مسّها ويكثر العثار فيها، والاعتذار منها…. الخطبة (41).

يعرف كل محقّق وباحث بأن رسول الله (صلى الله عليه وآله) نصّ بالخلافة وعيّن علي بن أبي طالب قبل وفاته كما يعرف ذلك أغلب الصّحابة وفي مقدمتهم أبو بكر وعمر (42) ولهذا كان الإمام علي يقول: وإنه ليعلم أنّ محلي منها محل القطب م الرحى ـ ولعلّ ذلك ما دعا أبو بكر وعمر أن يمنعا رواية الحديث عن النّبي (صلى الله عليه وآله) كما قدمنا في الفصل السّابق وتمسّكا بالقرآن لأن القرآن وإن كان فيه آية الولاية غير أنّ اسم علي لم يذكر صراحة كما هو الحال في الأحاديث النّبوية كقوله (صلى الله عليه وآله) «من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه» و«عليّ مني بمنزلة هارون من موسى» و«علي أخي ووصيّي وخليفتي من بعدي» و«عليّ منّي وأنا منه وهو ولي كلّ مؤمن بعدي» (43).

وبذلك نفهم مدى نجاح المخطّط الذي رسمه أبو بكر وعمر في منع وحرق الأحاديث النبويّة وجعل كمّامات على الأفواه حتى لا يتحدث الصّحابة بها كما قدّمنا في رواية قرظة بن كعب، واستمرّ ذلك الحصار ربع قرن وهي مدة الخلفاء الثلاثة حتى إذا جاء علي للخلافة نرى أنه استشهد الصّحابة يوم الرحبة على حديث الغدير فشهد له ثلاثون صحابيّاً منهم سبعة عشر بدريّاً (44).

وهذا يدلّ دلالة واضحة بأن هؤلاء الصّحابة وعددهم ثلاثون ما كانوا ليتكلموا لولا أن طلب منهم أمير المؤمنين ذلك فلو لم يكن عليّ خليفة وبيده القوة لأقعدهم الخوف عن أداء الشّهادة كما وقع ذلك فعلاً من بعض الصّحابة الذين أقعدهم الخوف أو الحسد عن الشهادة أمثال أنس بن مالك والبرّاء بن عازب وزيد بن أرقم وجرير بن عبد الله البجلي (45) فأصابتهم دعوة علي بن أبي طالب ولم ينعم أبو تراب عليه السلام بالخلافة فكانت أيامه كلّها محن وفتن ومؤامرات وحروب شنت عليه من كل حدب وصوب، وبرزت تلك الأحقاد والضغائن البدرية والحنينية والخيبرية حتى سقط شهيداً ولم تجد تلك السّنن النبوية أذاناً صاغية لدى الناكثين والقاسطين والمارقين والانتهازيين الذين ألفوا الفساد والرشوة وحب الدنيا أيام عثمان فلم يكن ابن أبي طالب ليصلح فساد وانحراف ربع قرن في ثلاث أو أربع سنوات إلا بفساد نفسه وهيهات منه ذلك وهو القائل: «والله إني لأعرف ماذا يصلحكم، ولكن لا أصلحكم بفساد نفسي».

ولم تطل المدة حتى إعتلى سدّة الخلافة معاوية بن أبي سفيان فواصل المخطّط كما قدّمنا في منع الأحاديث إلا ما كان في زمن عمر. وذهب شوطاً أبعد من ذلك فانتدب من الصّحابة والتّابعين زمرة لوضع الأحاديث فضاعت سنّة الرّسول (صلى الله عليه وآله) في خضمّ تلك الأكاذيب والأساطير والفضائل المختلفة.

واستمرّ المسلمون على ذلك قرناً كامِلاً وأصبحتْ سنّة معاوية هي المتّبعة لدى عامّة المسلمين وإذا قلنا سنة معاوية فمعناه السنة التي ارتضاها معاوية من أفعال الخلفاء الثلاثة أبي بكر وعمر وعثمان وما أضافه هو وأتباعه من وضع وتزوير ولعن وسبّ لعلي وأهل بيته وشيعته من الصّحابة المخلصين.

ولذلك أعود وأكرر بأن أبا بكر وعمر نجحا في هذا المخطّط لطمس السّنن النبويّة بدعوى الرجوع إلى القرآن فإنك ترى اليوم وبعد مرور أربعة عشر قرناً إذا ما حاججت بالنّصوص النّبوية المتواترة التي تثبت بأنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) عيّن عليّاً خليفةً له، فسيقال لك دعنا من السنّة النبوية التي أختلف فيها وحسبنا كتاب الله، وكتاب الله لم يذكر بأنّ علياً هو خليفة النّبي، بل قال وأمرهم شورى.

وهذه هي حجّتهم فما كلّمت أحداً من علماء أهل السنّة إلا وكانت الشورى هي شعارهم وديدنهم.

ويقطع النّظر على أنّ خلافة أبي بكر كانت فلتة وقى الله المسلمين شرّها (46) فلم تكن عن مشورة كما يدّعي البعض بل كانت بالغفلة وبالقوة والقهر والتهديد والضرب (47) وتخلّف عنها وعارضها الكثير من خيرة الصّحابة وعلى رأسهم علي بن أبي طالب وسعد بن عبادة وعمّار وسلّمان والمقداد والزبير والعبّاس وغير هؤلاء كثيرون كما يعترف بذلك جلّ المؤرّخين لهذا الحدث، ولنغضّ الطّرف عنها ونأتي إلى استخلاف أبي بكر لعمر بعده ونسأل أهل السنة الذين يتشدقون بمبدأ الشورى، لماذا عيّن أبو بكر خليفة وفرضه على المسلمين بدون أن يترك الأمر شورى بينهم كما تدّعون؟

ولمزيدٍ من التّوضيح وكالعادة لا نستدل إلا بكتب أهل السنة أقدّم إلى القارىء كيفية استخلاف أبي بكر لصاحبه.

ينقل ابن قتيبة في كتابه تاريخ الخلفاء. في باب مرض أبي بكر واستخلافه عمر رضي الله عنهما. قال: … ثم دعا عثمان بن عفّان فقال: أكتب عهدي، فكتب عثمان وأملى عليه: «بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما عهد به أبو بكر بن أبي قحافة آخر عهده في الدنيا نازحاً عنها، وأوّل عهده بالآخرة داخلاً فيها، إنّي استخلفت عليكم عمر بن الخطاب، فإن تروه عدلاً فيكم فذلك ظنّي به ورجائي فيه، وإن بدّل وغيّر فالخير أردت، ولا أعلم الغيب ـ وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون».

ثم ختم الكتاب ودفعه، فدخل عليه المهاجرون والأنصار حين بلغهم أنه استخلف عمر، فقالوا: نراك استخلفت علينا عمر، وقد عرفته، وعلمت بواثقه فينا وأنت بين أظهرنا، فكيف إذا وليت عنّا، وأنت لاق الله عزّ وجلّ فسائلك، فما أنت قائل؟ فقال أبو بكر: لئن سألني الله لأقولن: استخلفت عليهم خيرهم في نفسي (48).

ويذكر بعض المؤرخين كالطّبري وابن الأثير أنّ أبا بكر لما استدعى عثمان ليكتب عهده أغمي عليه أثناء الإملاء فكتب عثمان اسم عمر بن الخطاب ـ فلمّا أفاق قال: اقرأ ما كتبت فقرأ وذكر اسم عمر، فقال: أنى لك هذا؟ قال: ما كنت لتعدوه، فقال أصبت.

فلما فرغ من الكتاب دخل عليه قوم من الصحابة منهم طلحة، فقال له: ما أنت قائل لربّك غداً وقد وليت علينا فظّاً غليظاً، تفرق منه النّفوس وتنفضّ عنه القلوب؟

فقال أبو بكر: اسندوني وكان مستلقياً. فأسندوه فقال لطلحة: أبا لله تخوّفني إذا قال لي ذلك غداً قلت له: وليت عليهم خير أهلك (49).

وإذا كان المؤرّخون يتّفقون على استخلاف أبي بكر لعمر بدون استشارة الصّحابة فلنا ان نقول بأنّه استخلفه رغم أنف الصّحابة وهم له كارهون وسواء أقال ابن قتيبة، دخل عليه المهاجرون والأنصار فقال: قد علمت بواثقه فينا، أو كما قال الطبري دخل عليه قوم من الصّحابة منهم طلحة فقال له: ما أنت قائل لربّك وقد وليت علنيا فظّاً غليظاً تفرق منه النفوس وتنفضّ عنه القلوب فالنتيجة واحدة وهي أن الصّحابة لم يكن أمرهم شورى ولم يكونوا راضين عن استخلاف عمر وقد فرضه عليهم أبو بكر فرضاً بدون استشارتهم والنتيجة هي التي تنبأ بها الإمام علي (عليه السلام) عندما شدّد عليه عمر بن الخطاب ليبايع أبا بكر فقال له: أحلب حلباً لك شطره واشدد له اليوم أمره يردده عليك غداً.

وهذا بالضبط ما قاله أحد الصّحابة لعمر بن الخطاب عندما خرج بالكتاب الذي فيه عهد الخلافة: فقال له ما في الكتاب يا أبا حفص؟ قال: لا أدري، ولكني أول من سمع وأطاع. فقال الرّجل: لكني والله أدري ما فيه، أمّرته عام أول، وأمّرك العام (50).

وبهذا يتبيّن لنا بوضوح لا شكّ فيه بأنّ مبدأ الشورى الذي يطبّل له أهل السنة لا أساس له عند أبي بكر وعمر أو بتعبير آخر أن أبا بكر هو أوّل من هدم هذا المبدأ وألغاه وفتح الباب أمام الحكّام من بني أميّة أن يعيدوها ملكية قيصرية يتوارثها الأبناء عن الآباء، وكذلك فعل بنو العبّاس من بعدهم وبقيت نظرية الشورى حلماً يراود أهل السنة والجماعة لم ولن يتحقق.

وهذا يذكّرني بمحاورة دارت بيني وبين عالم من علماء الوهّابية السعوديين في مسجد نيروبي بكينيا، على مشكلة الخلافة وكنت من أنصار النّص على الخليفة وأن الأمر كله لله يجعله حيث يشاء ولا دخل لاختيار الناس في ذلك.

وكان هو ن أنصار الشورى ويدافع عنها دفاعاً مستميتاً وكان حوله مجموعة من الطّلبة الذين يأخذون العلم عنه وهم يؤيّدونه في كل ما يقول بدعوى أن حجّته من القرآن الكريم إذ يقول تعالى لرسوله (صلّى الله عليه وآله): «وشاورهم في الأمر» ويقول: «وأمرهم شورى بينهم» .

ولمّا عرفت أنّني مقهور مع هؤلاء لأنهم تعلّموا من أستاذهم كل الأفكار الوهّابية، كما عرفت أنهم غير قابلين للاستماع إلى الأحاديث الصّحيحة وهم يتشبثون ببعض الأحاديث التي يحفظونها وأغلبها من الموضوعات، عند ذلك استسلمت لمبدأ الشورى وقلت لهم ولأستاذهم.

هل لكل أن تقنعوا حكومة جلالة الملك عندكم بمبدأ الشورى حتّى يتنازل عن عرشه ويقتدي بسلفكم الصّالح ويترك للمسلمين في الجزيرة العربية حريّة اختيار رئيساً لهم وما أظنه يفعل ذلك فآباؤه وأجداده لم يملكوا الخلافة فحسب بل والجزيرة العربية أيضاً أصبحت من ممتلكاتهم حتّى أطلقوا على أرض الحجاز كلها أسم المملكة السعودية.

وعندئذ تكلّم سيّدهم العالم ليقول: نحن لا شغل لنا في السيّاسة، ونحن في بيت الله الذي أمر أن يذكر فيه أسمه وأن تقام فيه الصّلوات.

قلت: وكذلك لطلب العلم، قال: نعم وهو كذلك نحن نعلّم الشباب هنا ـ قلت: كنا في بحث علمي! قال: لقد أفسدته بالسيّاسة.

خرجت مع مرافقي وأنا أتحسّر على شباب المسلمين الذين استولت الوهّابية على أفكارهم بكل الطّرق فأصبحوا حرباً على آبائهم، وكلّهم من معتنقي المذهب الشافعي وهو أقرب المذاهب إلى أهل البيت على ما أعتقد. وكان للشيوخ احترام ووقارٌ لدى المثقفين وغير المثقفين باعتبار أن أغلبهم من السّادة المنحدرين من السّلالة الطّاهرة، فجاء الوهابيون للشباب واستغلّوا فقرهم فأغروهم بالأموال والإمكانيات الماديّة، وقلّبوا نظرتهم بأنّ ما يفعلونه من احترام للسّادة هو شرك بالله لأنه تقديس للبشر، فأصبح الأبناء نقمة على الآباء. وهذا ما يحدث في كثير من البلدان الإسلاميّة في أفريقيا. للأسف.

ونعود لوفاء أبي بكر لنجد أنه وقبل موته ندم على ما اقترفت يداه، فقد نقل ابن قتيبة في تاريخ الخلفاء قوله: أجل والله ما آسى إلا على ثلاث فعلتهن ليتني كنت تركتهن ـ فليتني تركت بيت علي وفي رواية لم أكشف بيت فاطمة عن شيء وإن كانوا قد أعلنوا عليّ الحرب، وليتني يوم سقيفة بني ساعدة كنت ضربت على يد أحد الرجلين أبي عبيدة أو عمر فكان هو الأمير وكنت أنا الوزير، وليتني حين أتيت ذي الفجاءة والسلمي أسيراً أني قتلته ذبيحاً أو أطلقته نجيحاً ولم أكن أحرقته بالنار (51).

ونحن نضيف، ليتك يا أبا بكر لم تظلم الزهراء ولم تؤذها ولم تغضبها وليتك ندمت قبل موتها وأرضيتها، هذا بخصوص بيت علي الذي كشفته وأبحت حرقه.

أما بخصوص الخلافة فليتك تركت صاحبيك وعضديك أبا عبيدة وعمر وضربت على يد صاحبها الشرعي الذي استخلفه صاحب الرسالة فكان هو الأمير. إذاً لكان العالم اليوم غير ما نشاهده ولكان دين الله هو الذي يسود الكرة الأرضية، كما وعد الله ووعده حق.

وأمّا بخصوص الفجاءة السلمي الذي أحرقته بالنّار، فيا ليتك لم تحرق السّنن النبويّة الّتي جمعتها ولكنت تعلّمت منها الأحكام التشريعية الصحيحة وما التجأت إلى الاجتهاد بالرأي.

وخيراً وأنت على فراش الموت ليتك إذا فكّرت في الاستخلاف أرجعت الحقّ إلى نصابه إلى من كان محلّه منها محلّ القطب من الرّحى فأنت أعلم النّاس بفضله وفضائله وزهده وعلمه وتقواه وأنه كان كنفس النّبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، وخصوصاً أنّه سلّم لك الأمر ولم يناجزك حفاظاَ على الإسلام، فكان حريّاً بك أن تنصح لأمّة محمد (صلى الله عليه وآله) وتختار لها من يصلح شأنها ويلمّ شعثها ويوصلها إلى ذروة المجد.

وندعو الله سبحانه وتعالى أن يغفر لك ذنوبك ويرضي عنك فاطمة وأباها وزوجها وبنيها فقد أغضبت بضعة المصطفى والله يغضب لغضبها ويرضى لرضاها. كما وأن من آذى فاطمة فقد آذى أباها بنص حديثه (صلى الله عليه وآله) والله تعالى يقول «والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم».

ونعوذ بالله من غضب الله ونسأله أن يرضى عنّا وعن جميع المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات.

عمر بن الخطّاب يعارض كتاب الله باجتهاده

إنّ للخليفة الثاني عمر تاريخاً حافلاً من اجتهاده مقابل النّصوص الصريحة من القرآن الكريم والسنة النبويّة الشريفة.

وأهل السنة يجعلون ذلك من مفاخرة ومناقبه التي يمدحونه لأجلها والمنصفون منهم يلتمسون لذلك أعذاراً وتأويلات باردة لا يقبلها عقل ولا منطق. وإلا كيف يكون من يعارض كتاب الله وسنّة نبيّه من المجتهدين، والله يقول: «وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعصي الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً» [سورة الأحزاب: الآية 36].

وقال عز من قائل: «ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون… ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون…» [سورة المائدة: الآيات 44 ـ 45 ـ 47].

وأخرج البخاري في صحيحه كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة في باب ما يذكر من ذمِّ الرأي وتكلّف القياس ولا تقف ولا تقل ما ليس لك به علم. قال النّبي (صلى الله عليه وآله) إنّ الله لا ينزع العلم بعد أن أعطاهموه انتزاعاً ولكن ينتزعه منهم مع قبض العلماء بعلمهم فيبقى ناسٌ جهّال يستفتون فيفتون برأيهم فيضلّون ويضلّون (52).

كما أخرج البخاري في صحيحه من نفس الكتاب في الباب الذي يليه «ما كان النّبي (صلى الله عليه وآله) يسئل مما لم ينزل عليه الوحي فيقول: لا أدري، أو لم يجب حتّى ينزل عليه الوحي ولم يقل برأي ولا قياس لقوله تعالى: «بما أراك الله» (53).

وقد قال العلماء قديماً وحديثاً قولاً واحداً: أنّه من قال في كتاب الله برأيه فقد كفر» ـ وهذا بديهي من خلال الآيات المحكمات ومن خلال أقوال وأفعال الرّسول (صلّى الله عليه وآله).

فكيف تنسى هذه القاعدة إذا ما تعلّق الأمر بعمر بن الخطّاب أو بأحد الصّحابة أو أحد أئمة المذاهب الأربعة، فيصبح القول بالرّأي في معارضة أحكام الله اجتهاداً يؤجر عليه صاحبه أجراً واحداً إن أخطأ وأجران إن أصاب.

ولقائل أن يقول: إنّ هذا ما اتّفقت عليه الأمّة الإسلامية قاطبة سنّة وشيعة للحديث النّبوي الشريف الوارد عندهم.

أقول: هذا صحيح ولكن اختلفوا في موضوع الاجتهاد، فالشيعة يوجبون الاجتهاد في ما لم يرد بشأنه حكم من الله أو من رسوله (صلّى الله عليه وآله). أما أهل السنة فلا يتقيّدون بهذا، واقتداءً بالخلفاء والسّلف الصالح عندهم لا يرون بأساً في الاجتهاد مقابل النّصوص، وقد أورد العلامة السيد شرف الدّين الموسوي في كتابه «النص والاجتهاد» أكثر من مائة مورد خالف فيه الصّحابة وعلى رأسهم الخلفاء الثلاثة، النّصوص الصريحة من القرآن والسنّة، فعلى الباحثين مطالعة ذلك الكتّاب.

وما دمنا في هذا الموضوع بالذّات فلا بدّ لنا من إيراد بعض النّصوص التي خالف فيها عمر صريح النّص، وذلك إمّا جهلاً منه بالنّصوص، وهذا أمرٌ عجيبٌ لأنّ الجاهل ليس له أن يحكم فيحلّل ويحرّم من عند نفسه، قال تعالى: «ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب، هذا حلال وهذا حرامٌ، لتفتروا على الله الكذب، إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون» [سورة النحل: الآية 116].

وليس للجاهل أن يتقلّد منصب الخلافة لقيادة أمّةٍ بأكملها قال تعالى: «أفمن يهدي إلى الحقّ أحقّ أن يتّبع أمّن لا يهدي إلا أن يهدى ما لكم كيف تحكمون» [سورة يونس: الآية 35].

وإمّا أنّه لا يجهل النّصوص ويعرفها ولكنّه يتعمّد الاجتهاد لمصلحة اقتضاها الحال حسب رأيه الشخصي. لا يعد أهل السنة هذا كفراً ومروقاً، كما لابد أن يكون جاهلاً بوجود من يعرف الأحكام الصحيحة من معاصريه. وهذا باطل لمعرفته بإلمام علي عليه السلام بالكتاب والسنة إلماماً تاماً وإلا لما استفتاه في كثير من المعضلات حتى قال فيه: «لولا علي لهلك عمر»، فلماذا يا ترى لم يستفته في المسائل التي اجتهد فيها برأيه الذي يعرف قصوره؟

وأعتقد بأنّ المسلمين الأحرار يوافقون على هذا لأن هذا النوع من الاجتهاد هو الذي أفسد العقيدة وأفسد الأحكام وعطّلها وتسبّب في اختلاف علماء الأمّة وتفريقها إلى الفرق والمذاهب المتعدّدة ومن ثم النزاع والخصام، فالفشل وذهاب الرّيح والتخلّف المادّي والروحي.

ولنا أن نتصوّر حتّى بوجود أبي بكر وعمر على منصّة الخلافة وإزاحة صاحبها الشرعي، نتصوّر لو أن أبا بكر وعمر جمعا السنن النبويّة وحفظاها في كتاب خاص بها لوفرا على أنفسهما وعلى الأمة الخير العميم ولما دخلت في السنّة النبويّة ما ليس منها ولكان الإسلام بكتابه وسنّته واحداً،

ملة واحدة وأمة واحدة وعقيدة واحد ولكان لنا اليوم كلام غير هذا.

أمّا وأنّ السّنن قد جمعت وأحرقت ومنعت من التدوين ومن النّقل حتى شفوياً فهذه هي الطّامة الكبرى وهذه هي البائقة العظمى فلا حول ولا قوى إلا بالله العلي العظيم.

وإليك بع النّصوص الصريحة التي اجتهد فيها عمر بن الخطاب في مقابل القرآن.

(أ) يقول القرآن: «وإن كنتم جنباً فأطّهروا، وإن كنتم مرضى أو على سفر، أو جاء أحدٌ منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمّموا صعيداً طيّباً…» [سورة المائدة: الآية 6].

والمعروف في السنّة النبويّة بأنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) علّم الصّحابة كيفية التيمّم وبحضور عمر نفسه.

أخرج البخاري في صحيحه في كتاب التيمّم في باب الصّعيد الطيّب وضوء المسلم يكفيه عن الماء. قال: عن عمران قال: كنا في سفرٍ مع النّبي (صلى الله عليه وآله) وإنّا أسرينا حتّى إذا كنّا في آخر الليل وقعنا وقعةً ولا. وقعة أحلى عند المسافر منها. فما أيقظنا إلا حرّ الشمس، وكان أول من استيقظ فلانٌ ثم فلانٌ يسمّيهم أبو رجاءٍ فنسي عوفٌ ثم عمر بن الخّطاب الرّابع وكان النّبي (صلى الله عليه وآله) إذا نام لم يوقظ حتى يكون هو يستيقظ لأنّا لا ندري ما يحدث له في نومه، فلمّا استيقظ عمر ورأى ما أصاب النّاس وكان رجلاً جليداً فكبّر ورفع صوته بالتكبير فما زال يكبّر ويرفع صوته بالتكبير حتى استيقظ بصوته النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم، فلمّا استيقظ شكوا إليه الذي أصابهم، قال: لا خير ولا يضير ارتحلوا، فارتحل فسار غير بعيد ثم نزل فدعا بالوضوء فتوضّأ ونودي بالصّلاة فصلّى بالنّاس فلمّا انفتل من صلاته إذا هو برجل معتزل لم يصلّ مع القوم. قال: ما منعك يا فلان أن تصلى مع القوم؟ قال: أصابتني جنابة ولا ماء! قال: عليك بالصّعيد فإنه يكفيك… (54).

ولكنّ عمر يقول معارضة لكتاب الله وسنّة رسوله من لم يجد الماء لا يصلّ.. وهذا مذهبه سجّله عليه أغلب المحدّثين. فقد أخرج مسلم في صحيحه ج1 من كتاب الطّهارة باب التيمّم أنّ رجلاً أتى عمر فقال إنّي أجنبت فلم أجد ماء فقال: لا تصلّ فقال عمّار: أما تذكر يا أمير المؤمنين إذ أنا وأنت في سرية فأجنبنا فلم نجد ماءً فأمّا أنت فلم تصلّ وأما أنا فتمعكت في التراب وصلّيت فقال النبيّ (صلى الله عليه وآله) إنّما كان يكفيك أن نضرب بيديك الأرض ثم تنفخ ثم تمسح بهما وجهك وكفّيك، فقال عمر: اتّق الله يا عمّار! قال: إن شئت لم أحدِّث به (55).

سبحانه الله! لم يكتف عمر بمعارضته للنّصوص الصريحة من الكتاب والسنّة حتى يحاول منع الصّحابة من معارضته في رأيه. ويضطّر عمّار بن ياسر أن يعتذر للخليفة بقوله: إن شئت لم أحدث به وكيف لا أعجب ولا تعجبون من هذا الاجتهاد وهذه المعارضة وهذا الإصرار على الرأي رغم شهادة الصّحابة بالنّصوص فإن عمر لم يقتنع إلى أن مات وهو مصرٌ على هذا الاعتقاد وقد أثر مذهبه هذا في كثير من الصحابة الذين كانوا يرون رأيه ـ بل ربّما كانوا يقدمونه على رأي رسول الله فقد أخرج مسلم في صحيحه في كتاب الطّهارة باب التيمّم من جزئه الأول صفحة 192 قال: عن شقيق: كنت جالساً مع عبد الله وأبي موسى فقال أبو موسى: يا أبا عبد لرحمن أرأيت لو أنّ رجلاً أجنب فلم يجد الماء شهراً كيف يصنع بالصّلاة؟ فقال عبد الله: لا يتيمّم وإن لم يجد الماء شهراً!

فقال أبو موسى: فكيف بهذه الآية في سورة المائدة: «فلم تجدوا ماءً فتيمّموا صعيداً طيّباً» فقال عبد الله: لو رخّص لهم في هذه الآية لأوشك إذا برد عليهم الماء أن يتيمّموا بالصّعيد.

فقال أبو موسى لعبد الله: ألم تسمع قول عمّار: بعثني رسول الله صلّى الله عليه وآله ولم في حاجة فأجنبت فلم أجد الماء فتمرّغت في الصّعيد كما تمرغ الدّابة، ثم أتيت النبي (صلى الله عليه وآله) فذكرت ذلك له فقال: إنّما يكفيك أن تقول بيديك هكذا ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة ثم مسح الشمال على اليمين وظاهر كفيه ووجهه.

فقال عبد الله: أو لم تر عمر لم يقنع بقول عمّار (56). ونحن إذا تأمّلنا في هذه الرواية التي أثبتها البخاري ومسلم وغيرهم من الصّحاح نفهم من خلالها مدى تأثير مذهب عمر بن الخطاب على الكثير من كبار الصّحابة ومن هذا نفهم أيضاً مدى تناقض الأحكام، وتهافت الروايات وتضاربها، ولعلّ ذلك هو الذي يفسّر استخفاف الحكّام الأمويين والعبّاسيين بالأحكام الإسلامية ولا يقيمون لها وزناً، ويسمحون بتعدّد المذاهب المتعارضة في الحكم الواحد ولسان حالهم يقول لأبي حنيفة ومالك وأحمد والشافعي: قولوا ما شئتم بآرائكم فإذا كان سيّدكم وإمامكم عمر يقول برأيه ما شاء (57) مقابل القرآن والسنّة فلا لوم عليكم فما أنتم إلاّ تابعون وأتباع التابعين ولستم مبتدعين.

والأعجب من كل ذلك قول عبد الله بن مسعود لأبي موسى: لا يتيمّم وإن لم يجد الماء شهراً. وعبد الله بن مسعود من أكابر الصّحابة يرى أن المجنب إذا لم يجد الماء يترك الصّلاة شهراً كاملاً ولا يتيمّم ويبدو أن أبا موسى حاول إقناعه بالآية الكريمة النّازلة بخصوص هذا الموضوع في سورة المائدة، فأجابه بأنه: لو رخّص لهم في هذه الآية لأوشك إذا برد عليهم الماء أن يتيمّموا بالصّعيد.

ومن هذا نفهم أيضاً كيف يجتهدون في النّصوص القرآنية على حسب ما يرونه، وما يرونه مع الأسف هو الشدّة والتعسير على الأمة في حين يقول الله: «يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر» [سورة البقرة: الآية 185].

يقول هذا المسكين: لو رخّص لهم في هذه الآية لأوشك إذا برد الماء أن يتيمّموا. فهل وضع نفسه مبلّغاً عن الله ورسوله؟ وهل هو أحرص وأرأف على العباد من خالقهم ومربّيهم؟

وبعد ذلك يحاول أبو موسى أن يقنعه بالسنّة النبويّة التي رواها عمّار وكيف علّمه رسول الله التيمّم. فيردّ عبدالله هذه السنّة النبويةّ المشهورة بأنّ عمر بن الخطّاب لم يقنع بقول عمّار !

ومن هنا نفهم أن قول عمر بن الخطاب هو الحجّة المقنعة لدى بعض الصحابة وأنّ قناعة عمر بالحديث أو الآية هي المقياس الوحيد لصحّة الحديث أو لمفهوم الآية وإن تعارض مع أقوال وأفعال الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم. ولذلك نجد أن كثيراً من أفعال الناس اليوم تتناقض مع القرآن والسنّة سواء في الحليّة والحرمة، لأن اجتهاد عمر في مقابل النصوص أصبح مذهباً متبعاً ولمّا رأى بعض المتزلّفين ومن لهم دراية بأنّ الأحاديث التي منعت في عهد الخلفاء، قد دوّنت فيما بعد وسجّلها الرواة والحفاظ وهي تتعارض مع مذهب عمر بن الخطاب، اختلقوا روايات أخرى من عندهم ونسبوها إلى الرسول (صلى الله عليه وآله) ليؤيدوا بها مذهب أبي حفص كمسألة زواج المتعة وصلاة التراويح وغيرها فجاءت الروايات متناقضة وبقيت حتّى اليوم محل خلاف بين المسلمين وستبقى ما دام هناك من يدافع عن عمر لأنه عمر ـ ولا يريد البحث من أجل الحق وأن ثقول لعمر أخطأت يا عمر فإن الصّلاة لا تسقط بفقدان الماء. وأن هناك آية التيمّم مذكورة في كتاب الله وهناك حديث التيمم مذكور في كل كتب السنّة فجهلك بهما لا يسمح لك باعتلاء منصة الخلافة ولا قيادة أمّة وعلمك بهما يكفّرك إذا عارضت أحكامهما فما كان لك إن كنت مؤمنا، إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لك الخيرة. فتحكم بما تشاء وتردّ ما تشاء وأنت أعلم منّي بأنّ من يعصي الله ورسوله فقد ضلّ ضلالاً مبيناً.

(ب) قال الله تعالى: «إنّما الصّدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلّفة قلوبهم وفي الرّقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السّبيل، وفريضة من الله والله عليم حكيم» [سورة التوبة: الآية 60].

وكان من السنة النبوية المعروفة أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) يخصّ المؤلّفة قلوبهم بسهمهم الذي فرضه الله لهم كما أمره الله تعالى ولكنّ عمر بن الخطاب أبطل هذا العطاء المفروض في خلافته واجتهد مقابل النّص وقال لهم: لا حاجة لنا بكم فقد أعزّ الله الإسلام وأغنى عنكم. بل لقد عطّل هذا الحكم في خلافة أبي بكر إذ جاءه المؤلفة قلوبهم جرياً على عادتهم مع رسول الله فكتب لهم أبو بكر بذلك فذهبوا إلى عمر ليأخذوا نصيبهم ـ فمزّق عمر الكتاب وقال لهم: لا حاجة لنا بكم فقد أعزّ الله الإسلام وأغنى عنكم فإن أسلمتم وإلا فالسّيف بيننا وبينكم، فرجعوا إلى أبي بكر فقالوا: أأنت الخليفة أم هو؟ فقال: بل هو إن شاء الله. وتراجع أبو بكر فيما كتب موافقاً لرأي صاحبه عمر (58).

والعجيب أيضاً أنّك تجد حتّى اليوم من يدافع عن عمر في هذه القضية ويعتبرها من مناقبه وعبقريّاته ومن هؤلاء الشيخ محمد المعروف بالدواليبي إذ يقول في كتابه أصول الفقه في ص239: «ولعل اجتهاد عمر رضي الله عنه في قطع العطاء الذي جعله القرآن الكريم للمؤلفة قلوبهم كان في مقدمة الأحكام التي قال بها عمر تبعاً لتغير المصلحة بتغير الأزمان

رغم أن النّص القرآني في ذلك لا يزال ثابتاً غير منسوخ. ثم أخذ بعد ذلك يعتذر لعمر بأنّه نظر إلى علّة النصّ لا إلى ظاهره. إلى آخر كلامه الذي تفهمه العقول السّليمة، ونحن نقبل شهادته بأن عمر غيّر الأحكام القرآنية تبعاً لرأيه بأنّ المصلحة تتغير بحسب الأزمان. ونرفض تأويله بأنّ عمر نظر إلى علّة النّص ولم ينظر إلى ظاهره ونقول له ولغيره بأنّ النّصوص القرآنية والنّصوص النبوية لا تتغيّر بتغيّر الأزمان، فالقرآن صريح بأن رسول الله (صلى الله عليه وآله) نفسه ليس من حقّه أن يبدّل قال تعالى: «وإذا تتلى عليهم آياتنا بيّنات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدّله قل ما يكون لي أن أبدّله من تلقائي نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي إنّي أخاف إن عصيت ربّي عذاب يوم عظيم» [سورة يونس: الآية 15]. والسنة النبويّة الطّاهرة تقول: حلال محمد حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة.

ولكن على زعم الدواليبي ومن يرى رأيه من أنصار الاجتهاد فإنّ الأحكام تتغير بتغير الزمان ولا لوم إذن على بعض الحكّام الذين غيّروا أحكام الله بأحكام الشعب وبأحكام وضعيّة اقتضتها مصالحهم وهي مخالفة لأحكام الله فمنهم من قال: أفطروا لتقووا على عدوّكم ولا حاجة بالصّوم في الوقت الحاضر الذي نجاهد فيه التخلف والفقر والجهل. والصّوم يقعدنا عن الإنتاج ومنع تعدد الزوجات لأنه يرى في ذلك ظلماً وتعدّياً على حقوق المرأة وقال: بأن في زمن محمّد كانت المرأة تعتبر «شقفة بول» أمّا الآن فقد حرّرناها وأعطيناها حقوقها كاملة.

ونظر هذا الرئيس إلى النّص من حيث العلّة ولم ينظر إلى ظاهره كما نظر عمر فقال: إنّ الميراث يجب أن يقسم الآن للذكر والأنثى على حدّ سواء، لان الله أعطى للرجل سهمين باعتبار أنّه هو الذي يعول الأسرة في حين كانت المرأة معطّلة، أمّا اليوم وبفضل جهود فخامته أصبحت المرأة تشتغل وتعول أسرتها وضرب للشعب مثلاً بزوجته التي أنفقت على أخيها وأصبح وزيراً بفضلها وعنايتها.

كما وأنّه أباح الزنا واعتبره حقّاً شخصياً لمن بلغ سنّ الرشد ما لم يكن غصباً أو حرفةً للعيش، وفتح دوراً لحضانة الأطفال الذين يولدون من الزنا معلّلاً ذلك بأنه رحيمٌ بأولاد الزنا الذين كانوا يدفنون أحياء خوف العار والفضيحة، إلى غير ذلك من اجتهاداته المعروفة والغريب أنّ هذا الرئيس كان لحدٍ ما معجباً بشخصية عمر فقد ذكره مرّة بإعجاب وذكره مرّة بأنّه لم يتحمّل المسؤولية حيّاً وميّتاً بينما هو «الرئيس» سيتحمّلها حيّاً وميتاً، ومرّة أخرى وكأنه بلغه بان المسلمين انتقدوا اجتهاداته فقال: إن عمر بن الخطاب كان من أول وأكبر المجتهدين في عصره فلماذا لا أجتهد أنا في عصري الجديد فقد كان عمر رئيس دولة وأنا أيضاً رئيس دولة.

والأغرب أن هذا الرئيس كان عندما يذكر محمّد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ترى في كلامه سخرية واستهزاء فقد قال في خطابه بأنّ محمداً كان لا يعرف حتّى الجغرافيا فقد قال: «أطلبوا العلم ولو كان في الصين» ظنّاً منه بأنّ الصين هي آخر الدنيا، فما كان محمد يتصوّر بأنّ العلم سيصل إلى هذه الدرجة وأن أطناناً من الحديد ستطير في الهواء فما بالك لو قيل له أو حدّثوه عن الأورانيوم ـ والبو