عودة إلى صفحة حقائق من التاريخ

 

بداية الإنحراف وبعض المشاكل التي واجهت أمير المؤمنين (عليه السلام)

الشهيد آية الله السيد محمد باقر الصدر

ان المتسلم للقيادة الفعلية، المتسلم لزمام التجربة بعد النبي (صلى الله عليه وآله) مباشرة كان من المحتوم أن يجنح إلى الإنحراف، لأنه كان يعيش رواسب جاهلية، وبالتالي لم يكن يُمثل الدرجة الكاملة للإِنصهار مع الرسالة، هذه الدرجة التي هي شرط أساسي لتزعم هذه التجربة، وهي التي يمكن أن تفسّر موقف الشيعة من إشتراطهم العصمة لقيادة هذه التجربة.

الفكرة في هذا الحديث تقوم على هذا الاساس، على أساس أن قيادة التجربة، يجب أن تكون على مستوى العبء، وهذا في الواقع ليس من مختصات الشيعة، ليس من مختصات الشيعة الإيمان، بأن الإمام يجب أن يكون معصوماً، بل هذا ما تؤمن به كل الاتجاهات العقائدية في العالم على الإطلاق.

أي إتجاه عقائدي في العالم، يريد أن يبني الإنسان من جديد في إطاره، ويريد أن ينشئ للإنسانية معالم جديدة، فكرية وروحية واجتماعية، يشترط لأن ينجح، وأن ينجز وأن يأخذ مجراه في خط التاريخ، يشترط أن يكون القائد الذي يمارس تطبيق هذا الاتجاه، معصوماً...

فالقائد في نظر الماركسية مثلاً بوصفها اتجاهاً عقائدياً، يريد أن يبني ويصنع الإنسان، ويبلوره في إطاره الخاص، يشترط فيه أن يكون معصوماً. إلا أن مقاييس العصمة تختلف.

الإتجاه الماركسي يجب أن يكون القائد الذي يمارس تطبيقه معصوماً بمقاييس ماركسية، والقائد الذي يمارس زعامة التجربة الإسلامية، يجب أن يكون معصوماً بمقاييس إسلامية، والعصمة في الحالتين بمفهوم واحد، هو عبارة عن الانفعال الكامل بالرسالة، والتجسيد الكامل لكل معطيات تلك الرسالة، في النطاقات الروحية والفكرية والعملية. هذه هي العصمة.

والشيعة لم يشذوا بإشتراط العصمة في الإمام، عن أي اتجاه عقائدي آخر، ولهذا نرى في الاتجاهات العقائدية الأخرى، كثيراً ما يتهم القائد الذي يمثل الاتجاه، بأنه ليس معصوماً، يوجه إليه نفس التهمة، التي نوجهها نحن المسلمون الواعون، أصحاب علي بن ابي طالب (عليه السلام) إلى الخلفاء الذين تولوا الخلافة بعد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله).

نفس هذه التهمد يوجهونها إلى القادة الذين يعتقدون بأنهم لم ينصهروا بأطروحاتهم ولم يتفاعلوا باتجاهاتها تفاعلاً كاملاً.

بالأمس القريب جزء كبير من الماركسية في العالم إنشطر على قيادة الاتحاد السوفيتي، وإتهم القيادة التي كان متمثلة في حكام روسيا، بأنهم أناس غير مهيئين لأن يكونوا قادة للتجربة الماركسية، يعني غير معصومين بحسب لغتنا.

إلا أن نفي العصمة عنهم بمقاييس ماركسية لا بمقاييسنا الخاصة، لا بمقاييس إسلامية.

فأصل الفكرة، تؤمن به كل الاتجاهات العقائدية، وإنما المقياس للعصمة يختلف بإختلاف طبيعة هذه الاتجاهات العقائدية.

نعم، العصمة في الإسلام، ذات صيغة أوسع نطاقاً من العصمة في الاتجاهات العقائدية الأخرى، وهذه السعة في صيغة العصمة تنبع من طبيعة سعة الإسلام نفسها، لأن العصمة كما قلنا، هي التفاعل الكامل والانصهار الشامل والتجاوب مع الرسالة في كل أبعاد الإسلام، والرسالة الإسلامية، تختلف عن أي رسالة أخرى في العالم، لأن أي رسالة أخرى في العالم تعالج جانباً واحداً من الإنسان، الماركسية التي تمثل أحدث رسالة عقائدية في العالم الحديث تعالج جانباً واحداً من وجود الإنسان وتترك الإنسان حينما يذهب إلى بيته، حينما يذهب الإنسان إلى مخبئه، حينما يخلو الإنسان بنفسه، تترك الإنسان، ليس لها أي علاقة معه في هذه الميادين، وإنما تأخذ بيده في مجال الصراع السياسي والاقتصادي لا أكثر.

فصيغة الرسالة بطبيعتها صيغة منكمشة محدودة، صيغة تعالج جانباً من الحياة الإنسانية، فالعصمة العقائدية التي لا بد أن تتوفر في قائد ماركسي، مثلاً هي العصمة في حدود هذه المنطقة التي تعالجها الرسالة العقائدية الماركسية.

اما الرسالة الإسلامية ألا هي رسالة السماء على وجه الأرض فهي تعالج الإنسان من كل نواحيه، وتأخذه بيده إلى كل مجالاته ولا تفارقه وهو على مخدعه في فراشه وهو في بيته بينه وبين ربه، بينه وبين نفسه، بينه وبين أفراد عائلته، وهو في السوق، وهو في المدرسة، وهو في المجتمع، وهو في السياسة، وهو في الاقصاد، وهو في أي مجال من مجالات حياته، ولهذا تكون الصيغة المحدودة من العصمة على أساس هذه الرسالة أوسع نطاقاً وأرحب افقاً واقسى شروطاً، و أقوى من ناحية مفعولها وامتدادها في كل أبعاد الحياة الإنسانية.

فعصمة الإمام عبارة عن نزاهة في كل فكرة وكل عاطفة وكل شأن، والنزاهة في كل هذا عبارة عن انصهار كامل مع مفاهيم واحكام الرسالة الإسلامية، في كل مجالات هذه الافكار والعواطف والشؤون.

هذا كان إستطراداً.

إذن فالعصمة التي هي شرط لمجموع الاتجاهات العقائدية، نحن أيضاً نؤمن بها كشرط في هذا الاتجاه.

وبطبيعة الحال فإننا عندما نقول، إن العصمة شرط في هذا الاتجاه، العصمة بحد ذاتها أيضاً ليست أمراً حتمياً غير قابل للزيادة والنقصان، والتشكيك، نفس العصمة إذا حولناها إلى مفهوم النزاهة والتجاوب الكامل مع الرسالة فيكون أمراً مقولاً بالتشكيك في الشدة والضعف، وبوصف أن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) المرتبة الأسمى والأكمل من هذه المراتب المقولة بالتشكيك المختلفه شدة وضعفاً.

ومن هنا نأتي إلى ما كان موضوع الحديث، موضوع الحديث إن هؤلاء الذين تسلموا أمر التجربة بعد النبي (صلى الله عليه وآله) لم يكونوا معصومين حتى بأدنى مراتب العصمة حتى بالحد الأدنى من مراتب النزاهة والتفاعل مع الرسالة الإسلامية، وحينئذ حيث أن التجربة تجربة تمثل إتجاهاً عقائدياً، واتجاهاً رسالياً، ليس إتجاه أناس يمثلون وجهة نظر معينة في الكون والحياة والمجتمع، يمثلون رسالة لتغيير الحياة على وجه الأرض وتغير التاريخ، إذن هذه التجربة العقائدية الضخمة على هذا المستوى، بحاجة إلى قيادة عقائدية معصومة تتوفر فيها فعالية عالية جداً من النزاهة والتجرد والموضوعية والانفعال بمعطيات هذه الرسالة فكيف إذا لم تكن هذه المواصفات موجودة في القيادة؟

قد يقال: إنها كانت موجودة في الأمة ككل، والأمة ككل، كانت تمارس المراقبة، وكانت تمارس التوجيه، وكانت تمارس المراقبة للحكم القائم حتى لا ينحرف، الأمة ككل كانت معصومة، وإذا كانت الأمة ككل معصومة، إذن فالعصمة قد حصلنا عليها عن طريق الوجود الكلي للأمة.

إلا أن هذه الفكرة غير صحيحة، نحن نؤمن بأن الأمة في وجودها لم تكن معصومة أيضاً، كما إن الخلفاء الذين تولوا الحكم بعد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله)، لم يكن يتوفر لديهم الحد الادنى من النزاهة المطلوبة لزعامة تجربة من هذا القبيل، الأمة بوصفها الكلي وبوجودها المجموعي أيضاً لم تكن معصومة، طبعاً إذا إستثنينا من ذلك الزعامة المعصومة الموجودة في داخل هذه الأمة الممثلة في إتجاه أمير المؤمنين (عليه السلام)، هذا بالرغم من إننا نعترف ونفتخر، ونمتلئ إعتزازاً بالإيمان بأن الأمة الإسلامية التي أسسها وحرسها النبي (صلى الله عليه وآله) ضربت أروع نموذج للأمة في تاريخ البشرية على الاطلاق، الأمة الإسلامية الي أمكن للنبي (صلى الله عليه وآله) بوقت قصير جداً، في مدة لا تبلغ ربع قرن، أن ينشئ أمة لها من الطاقة والإرادة، لها من المؤهلات اللازمة القدر الكبير، الذي لا يمكن أبداً أن يتخيل الإنسان الاعتيادي كيف أمكن إيجاده في ربع قرن أو أقل؟ هذه الأمة التي قدمت من التضحيات في أيام النبي (صلى الله عليه وآله) في سبيل رسالتها ما لم تقدم مثله أي أمة من أمم الأنبياء قبل النبي (صلى الله عليه وآله)، هذا التسابق على الجنة، التسابق على الموت، الايثار الذي كان موجوداً بين المسلمين، روح التآخى الذي شاع في المسلمين، المهاجرون والأنصار، كيف عاشوا كيف تفاعلوا، كيف انصهروا، انظروا إلى أهل بلد واحد ينزح إليهم أهل بلد آخر، فيأتون إليهم ليقاسموهم خيرات بلدهم، ومعاشهم، واموالهم، وهؤلاء يستقبلونهم برحابة صدر، ينطلقون معهم ينظرون إليهم على إنهم أخوة لهم، يعيشون مجتمعاً واحداً وكأنهم كانوا قد عاشوا مئات السنين، هذه الانفتاحات العظيمة في كل ميادين المجتمع التي حققتها الأمة بقيادة الرسول (صلى الله عليه وآله) هذه الانفتاحات، التي لا مثيل لها، بالرغم من كل هذا نقول أن الأمة لم تكن معصومة.

إن هذه الانفتاحات كانت قائمة على أساس الطاقة الحرارية التي كانت تمتلكها الأمة من لقاء القائد الأعظم، ولم تكن قائمة على أساس درجة كبيرة من الوعي الحقيقي للرسالة العقائدية. نعم كان الرسول (صلى الله عليه وآله) الأعظم، يمارس عملية توعية الأمة، وعملية الارتفاع بها إلى مستوى أمة معصومة، هذه العملية التي كانت مضغوطة، والتي بدأ بها النبي (صلى الله عليه وآله) لم ينجز شيئاً منها في الخط هذا، وإنما الشيء الذي أنجز في هذا الخط، خط عمل النبي (صلى الله عليه وآله) على مستوى الأمة ككل، هو إعطاء هذه الأمة طاقة حرارية في الإيمان بدرجة كبيرة جداً، مثل هذه الطاقة الحرارية التي تملكها الأمة يوماً بعد يوم، وشهراً بعد شهر، وفي كل لحظة من لحظات انتصارها أو إنكسارها، كانت هي المصدر وهي السبب في كل الانفتاحات العظيمة، روح القائد هي التي تجذب وهي التي تحصد، وهي التي تقود هؤلاء إلى المثل العليا والقيم الضخمة الكبيرة التي حددها الرائد الأعظم (صلى الله عليه وآله) بين أيديهم، إذن فهي طاقة حرارية وليست وعياً.

وقلنا أيضاً فيما سبق، إن الطاقة الحرارية والوعي قد يتفاعلان ويتفقان في كثير من الأحيان ولا يمكن أن نقارن في الحالات الاعتيادية بين أمة واعية، وبين أمة تملك طاقة حرارية كبيرة دون درجة كبيرة من الوعي، المظاهر تكون مشتركة في كثير من الأحيان، لكن في منعطفات معينة من حياة هذه الأمة في لحظات حاسمة في حياة هذه الأمة، في مواقف حرجة من تاريخ هذه الأمة، يتبين الفرق بين الوعي والطاقة الحرارية، يتبين الفرق بين الوعي والطاقة الحرارية في لحظات الانفعال الشديد، سواء كان إنفعالاً موافقاً لعملية الانتقال، أو انفعالاً معاكساً، لأن الوعي لا يتزعزع في لحظة الانفعال ويبقى صامداً ثابتاً، لا يلين ولا يتميع، وعي الإنسان، إيمان الإنسان باهدافه ومسؤولياته، فوق كل الانفعالات، فوق كل المشاكل، فوق كل الانتصارات. أي انتصار يحققه الإنسان، لا يمكن أن يخلق انفعالاً يزعزع وعيه، إذا كان واعياً وعياً حقيقياً يبقى على الخط، لا يشط ولا يشذ ولا يزيد أو ينقص.

محمد (صلى الله عليه وآله) هذا الرجل العظيم، يدخل إلى بيت اللّه الحرام منتصراً في لحظة، لم تزعزع هذه اللحظة من خلقه، لم تخلف فيه نشوة الانتصار، وإنما خلفت فيه ذل العبودية للّه شعر بذل العبودية للّه أكثر مما يشعر بنشوة الانتصار، هذا هو الذي يمثل الوعي العظيم، لكن المسلمين عاشوا نشوة الانتصار، في لحظات عديدة لحظات الصدمة، لحظات المشكلة، لحظات المأساة. الواعي يبقى ثابتاً، يبقى صامداً أمام المشكلة لا يتزعزع، لا يلين لا يكف لا يتراخى، يبقى على خطه واضحاً. النبي (صلى الله عليه وآله) لم يكن يبدو منه أي فرق بينه وهو حال دخوله إلى مكة فاتحاً، وهو مطرود بالحجارة من قبائل العرب المشركين، يتوجه إلى اللّه سبحانه وتعالى يقول له: لا يهمني ما يصنع هؤلاء إذا كنت راضياً عني، نفس الروح التي نجدها في لحظة انقطاعه، في لحظة مواجهته البشرية التي تحمل الوان الشرور، في لحظة تمرد الإنسان على هذا الوجه الذي جاء ليصلحه، لم تتبدل حالته في هذه اللحظة وبين حالته، والإنسانية تستجيب والإنسانية تخضع، والإنسانية تطأطئ رأسها بين يدي القائد العظيم (صلى الله عليه وآله) هذا هو الوعي.

أما الأمة لم تكن هكذا، ولا نريد أن نكرر الشواهد مرة أخرى حى يأتي البحث كاملاً، الشواهد على أن الأمة كانت غير واعية، وإنما هي طاقة حرارية مرت في الأيام السابقة، إذن فالأمة الإسلامية كانت تحمل طاقة حرارية كبيرة، ولم تكن أمة واعية بدرجة كبيرة فلم تكن العصمة متوفرة لا في القيادة، ولا في الأمة بوجودها المجموعي، ومن أجل هذا كان الإنحراف حتمياً، وهكذا بدأ الإنحراف بعد النبي (صلى الله عليه وآله)، وقلنا أن الخط الذي بدأه الأئمة (عليهم السلام) هذا الخط ينحل إلى شكلين:

الأول: خط محاولة القضاء على هذا الإنحراف بالتجربة، أليست التجربة تجربة المجتمع الإسلامي والدولة الإسلامية. هذه التجربة أنحرفت بإعطاء زمامها إلى أناس لا يؤمنون عليها وعلى مقدراتها، وعلى ممتلكاتها، الخط الأول كان يحاول أخذ هذه التجربة، تسلم زمام التجربة.

الثاني: هو الخط الذي كان يعلمه الأئمة (عليهم السلام) حتى في الحالات التي كانوا يرون إن ليس في الأمكان السعي وراء تلسم زمام التجربة، وهو خط الضمان لوجود الأمة مسقبلاً.

قلنا إن التجربة حينما انحرفت، كان من المنطقي في تسلسل الاحداث، أن يتعمق هذا الإنحراف، ثم يتعمق حتى تنهار التجربة، وإذا انهارت التجربة أمام أول غزو، أمام أول تيار، إذن فسوف لن تحارب عن إسلامها كأمة، فبعد أن تنهار الدولة والحضارة الحاكمة، وسوف تتنازل عن إسلامها بالتدريج لأنها لم تجد في هذا الإسلام المنحرف ما تدافع عنه، إذ ماذا جنوا من هذا الإسلام.

كيف نقدر أن نتصور أن الإنسان غير العربي يدافع عن الإسلام الذي يتبنى زعامة العربي لغير العربي؟ كيف يمكن ان نتصور أن الإنسان العربي والفارسي يدافع عن كيان يعتبر هذا الكيان هو ملك لأسرة واحدة من قبائل العرب وهي أسرة قريش؟! كيف يمكن أن نفرض أن هؤلاء المسلمين يشعرون بأنهم قد وجدوا حقوقهم قد وجدوا كرامتهم، في مجتمع يضج بكل الوان التفاوت والتمييز والاستئثار والاحتكار؟

إذن كانوا قد تنازلوا عن هذا الإسلام حينما تنهار التجربة بعد تعمق الإنحراف.

إلا أن الذي جعل الأمة لا تتنازل عن الإسلام، هو أن الإسلام له مثل آخر قدم له، مثل واضح المعالم، أصيل المثل والقيم، أصيل الأهداف والغايات، قدمت هذه الأطروحة من قبل الواعين من المسلمين بزعامة الأئمة من أهل البيت (عليهم السلام). ولنعرف مسبقاً قبل أن نأتي إلى التفاصيل، أن هذه الأطروحة التي قدمها الأئمة (عليهم السلام) للإسلام لم تكن تتفاعل فقط مع الشيعة المؤمنين بإمامة أهل البيت (عليهم السلام) فقط، هذه الأطروحة كان لها صدى كبير في كل العالم الإسلامي فالأئمة (عليهم السلام) كان لهم أطروحة للإسلام وكانت لهم دعوى لإمامة أنفسهم، صحيح أن الدعوى لإمامة أنفسهم لم يطلبوا لها إلا عدداً ضئيلاً من مجموع الأمة الإسلامية، ولكن الأمة الإسلامية بمجموعها تفاعلت مع هذه الأطروحة، إذن فكان الخط الكبروي للأئمة (عليهم السلام) هو تقديم الأطروحة الصحيحة للإسلام والنموذج والمخطط الواضح الصحيح الصريح، للإسلام، في كل مجالات الإسلام في المجالات الخاصة والمجالات العامة، في المجالات الاجتماعية، والسياسية والاقتصادية، والخلقية والعبادية، كانوا يقدمون هذه الأطروحة الواضحة، التي جعلت المسلمين على مر الزمن يسهرون على الإسلام ويقيمونه وينظرون إليه بمنظار آخر غير منظار الواقع الذي يعيشونه، غير مناظر التجربة الفريدة التي يعيشونها. هذا هو الخط الثاني الذي عمل عليه الأئمة (عليهم السلام).

والآن، نبدأ بتحليل الموقف عقيب وفاة النبي (صلى الله عليه وآله).

أمير المؤمنين حينما واجه الإنحراف في التجربة قام بعملية تعبئة فكرية في صفوف المسلمين الذين يذهب تفكيرهم إلى أن هذا الوضع الذي قام الآن جديداً وضع غير طبيعي، وضع منحرف عن الخط الإسلامي، واستعان بهذا السبيل ببنت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) الزهراء (عليها السلام) لأجل أن يستثير في نفوس المسلمين عواطفهم ومشاعرهم المرتبطة بأعز شخص يحبونه ويجلّونه، وهو شخص النبي (صلى الله عليه وآله). إلا أنه لم يستطع أن يستثير المسلمين بالدرجة التي تحول مجرى التجربة ويجعل هناك تبدلاً أساسياً في الخط القائم، لم يستطع ذلك، وهذا أمر طبيعي، يعني من الطبيعي أن ينتهي أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى عدم النجاح في القضاء على هذا الإنحراف، يكفي لأن نفهم هذا أن نلتفت إلى نفس ما أصاب النبي (صلى الله عليه وآله) وهو الرائد الأعظم (صلى الله عليه وآله) لهذه الرسالة من قلق وخوف وارتباك في سبيل تركيز خلافة علي بن أبي طالب (عليه السلام)، هذا النبي الذي لم يتلكأ، ولم يتوقف، ولم يتردد عن أي لون من ألوان التركيز والعمل في سبيل تلك المهمات، هذا النبي العظيم الذي لم يشعر بالخوف ولم يخفق قلبه بأي لون من ألوان الوساوس والشكوك، أو الضعف والإنهيار، هذا النبي العظيم، وقف حائراً أمام الأمر الإلهي في أن يبلّغَ إِمامة علي بن أبي طالب، حيث جاء ما جاء إلى النبي (صلى الله عليه وآله) من إنذاره بأن يبلّغ، وإلا فكأنه لم يبلّغ الرسالة. هذه الموانع التي كان تمنع النبي (صلى الله عليه وآله) عن تزعم علي بن أبي طالب (عليه السلام) للتجربة الإسلامية عميقة قوية واسعة، بدرجة أن النبي (صلى الله عليه وآله) نفسه كان يخشى من أن يعلن عن تشريع هذا الحكم، ليس عن تطبيقه بحسب الخارج بل عن تشريعه وإعلانه أمام المسلمين.

هذه جهة، والجهة الأخرى، حينما أراد أن يسجل هذا الحكم في كتاب المسلمين الأول مرة في تاريخ النبي (صلى الله عليه وآله).

هذا النبي الذي كان المسلمون يتسابقون إلى الماء الذي يتقاطر من وضوئه.

هذا النبي الذي ذهب رسول قريش يقول لهم: إني رأيت كسرى وقيصر وملوك الأرض، فما رأيت رجلاً انجذب إليه جماعته وأصحابه، وآمنوا به، وذابوا بوجوده كما ذاب أصحاب محمد (صلى الله عليه وآله) في محمد.

هؤلاء لا يشعرون بوجودهم أمام هذا الرجل العظيم (صلى الله عليه وآله) في مجلس النبي (صلى الله عليه وآله) فيقوم واحد منهم فيقول ما يقول، مما تعلمون، ثم لا يحصل بعد هذا أي رد فعل لهذا الكلام، فالنبي (صلى الله عليه وآله) عندئذ يقول: قوموا عني لا ينبغي الاختلاف في مجلس نبي.

المسألة بهذه الدرجة من العنف، الموانع بهذه الدرجة من الشمول.

يجب أن نعرف أن علياً (عليه السلام) لم يكن رئيساً حينما فشل، ولم يكن قاصراً حينما فشل، كل هذا لم يكن، لأن كل هذا غير محتمل في شخص هو قمة النشاط، وقمة الحيوية وقمة الحرص. ومع هذا كله، النبي (صلى الله عليه وآله) واجه هذه المشاكل والصعاب تجاه تشريع هذا الحكم، إذن فموقف الإمام (عليه السلام) كان حرجاً غاية الحرج تجاه هذه الموانع، أما ما هي صيغة هذه الموانع، هذه الموانع تحتاج إلى دراسة مفصلة لنفسية المجتمع الإسلامي في أيام الرسول (صلى الله عليه وآله). فهنالك عوامل كثيرة لها دخل في نسج خيوط هذه الموانع. يمكن أن نذكر بعضها على سبيل المثال.

العامل الأول: التفكير اللاإسلامي من ولاية علي بن ابي طالب (عليه السلام)، رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) جعل علياً بعده حاكماً على المسلمين، وإماماً للمسلمين ككل، المسلمون، ولنتكلم عن المسلمين المؤمنين باللّه ورسوله حقاً، هؤلاء المسلمون المؤمنون باللّه وبرسوله حقاً، قلنا أنهم لم يكونوا من الواعين بدرجة كبيرة، نعم كان عندهم طاقة حرارية تصل إلى درجة الجهاد، إلى الموت في سبيل اللّه هؤلاء الذين قاموا بعد النبي (صلى الله عليه وآله) ضد علي بن أبي طالب (عليه السلام)، أنا لا أشك بأنهم مر عليهم بعض اللحظات، كانوا على استعداد لأن يضحوا بأنفسهم في سبيل اللّه، وأنا لا أشك أن الطاقة الحرارية كانت موجودة عند هؤلاء، سعد بن عبادة الخزرجي مثلاً، هذا الذي عارض علي بن أبي طالب (عليه السلام) إلى حين، والذي فتح أبواب المعارضة على علي بن أبي طالب إلى

حين سعد هذا، كان مثل المسلمين الآخرين يكافح ويجاهد غاية الأمر لم يكن لديه الوعي، هؤلاء المسلمون المؤمنون باللّه ورسوله (صلى الله عليه وآله)، لم يكونوا على درجة واحدة من الوعي وكان الكثرة الكاثرة منهم أناساً يمكلون الطاقة الحرارية، بدرجة متفاوتة، ولم يكونوا يملكون وعياً، إذن فقد تبادر إلى ذهن عدد كبير من هؤلاء أن محمداً (صلى الله عليه وآله) يفكر أن يعلي مجد بني هاشم، أن يعلي كيان هذه الأسرة، أن يمد بنفسه بعده فأختار علياً، إختار ابن عمه، لأجل أن يمثل علي بن أبي طالب أمجاد أسرته، هذا التفكير كان تفكيراً منسجماً مع الوضع النفسي الذي يعيشه أكثر المسلمين كراسب الجاهلية، كراسب عرفوه ما قبل الإسلام، ولم يستطيعوا أن يتحملوا تحملاً تاماً، أبعاد الرسالة ألسنا نعلم... ماذا صنعوا في غزوة حنين، حينما وزع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) المال، وزع الغنائم على قريش ولم يعط الانصار، وزعه على قريش على أهل مكة، ولم يعط أهل المدينة، ماذا صنع هؤلاء ماذا صنع أهل المدينة، أخذ بعضهم يقول لبعض، إن محمداً لقي عشيرته فنسينا، لقي قريشاً ونسي الأوس والخزرج، هاتين القبيلتين اللتين قدمتا ما قدمتا للإسلام، إذن فكان هؤلاء على المستوى الذي تصوروا في هذا القائد الرائد العظيم، الذي كان يعيش الرسالة، آثر قبيلته بمال، فكيف لا يتصورون أنه يؤثر عشيرته بحكم، بزعامة، بقيادة على مر الزمن وعلى مر التاريخ.

هذا التصور كان يصل إلى هذا المستوى المتدني من الوعي، هؤلاء لم يكونوا قد أدركوا بعد أبعاد محمد (صلى الله عليه وآله) ولم يكونوا قد أدركوا أبعاد الرسالة الإسلامية، وكانوا بين حين وحين يطفو على أنفسهم الراسب الجاهلي وينظرون إلى النبي من منظار ذلك الراسب الجاهلي، ينظرون إليه كشخص يرتبط بالعرب ارتباطاً قومياً، ويرتبط بعشيرته ارتباطاً قبلياً ويرتبط بإبن عمه إرتباطً رحمياً، كل هذه الارتباطات كانت تراود أذهانهم بين حين وحين، وأنا أظن ظناً كبيراً أن علي بن أبي طالب (عليه السلام) لو لم يكن إبن عم النبي (صلى الله عليه وآله) لو أن الصدفة لم تشأ أن يكون الرجل الثاني في الإسلام لو لم يكن من أسرة محمد (صلى الله عليه وآله) لو كان من عدي، أو لو كان من تميم، لو كان من أسرة اخرى، لكان لهذه الولاية مفعولاً كبيراً جداً، لقضي على هذا التفكير اللاإسلامي..... لكن ما هي حيلة محمد إذا كان الرجل الثاني في الإسلام إبن عمه، لم يكن له حيلة في أن يختار شخصاً دون شخص آخر وإنما كان عليه أن يختار من اختاره الله سبحانه وتعالى، ومن اختاره اللّه هو الرجل الثاني في الإسلام، في تاريخ الرسالة، في كيان الرسالة، وفي الجهاد... في سبيل الرسالة، وفي الاضطهاد في سبيل الرسالة، كان من باب الاتفاق إبن عم محمد (صلى الله عليه وآله). هذا الاتفاق فتح باب المشاغبة على هؤلاء. هذا هو العامل الأول، هذا العامل يعيش في نفوس المؤمنين باللّه تعالى وبرسوله (صلى الله عليه وآله).

العامل الثاني: عامل يعيش في نفوس المنافقين، والمنافقون كثيرون في المجتمع الإسلامي، خاصة وأن المجتمع الإسلامي كان قد انفتح قبيل وفاة رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) انفتاحاً جديداً على مكة، وكانت قد دخلت مكة أيضاً داخل هذا المجتمع، ودخلت قبائل كثيرة في الإسلام قبيل وفاة رسول اللّه (صلى الله عليه وآله). وكان هناك أناس كثيرون قد دخلوا الإسلام نفاقاً، ودخلوه طمعاً، ودخلوه حرصاً على الجاه، ودخلوه إستسلاماً للأمر الواقع، لأن هذا مُسلّم، لأن محمداً فرض زعامته على العرب. لم يكن شخص يفكر في أن تزعزع هذه الزعامة، إذن فلا بد من الاعتراف بهذه الزعامة.

دخل كثير من الناس بهذه العقلية. وهؤلاء كانوا يدركون كل الإدراك أن علي بن أبي طالب (عليه السلام) هو الرجل الثاني للنبي (صلى الله عليه وآله) وهو الاستمرار الصلب العنيد للرسالة، لا الاستمرار الرخو المتميع لها. وهؤلاء كانوا مشدودين إلى أطماع وإلى مصالح كانت تتطلب أن تستمر الرسالة ويستمر الإسلام، لأن الإسلام إذا انطفأ معنى هذا انه سوف تنطفئ هذه الحركة القوية التي بنت دولة ومجتمعاً والتي يمكن ان تطبق على كنوز دولة كسرى وقيصر وتضم أموال الأرض كلها إلى هذه الأمة، كان من المصلحة أن تستمر هذه الحركة، لكن كان من المصلحة أن لا تستمر بتلك الدرجة من الصلابة والجدية، بل أن تستمر بدرجة رخوة هينة لينة، كما وصف الإمام الصادق (عليه السلام) حينما سئل، كيف نجح أبو بكر وعمر بقيادة المسلمين وفشل عثمان في هذه القيادة، قال: لأن علياً أرادها حقاً محضاً، وعثمان أرادها باطلاً محضاً، وابو بكر وعمر خلطا حقاً وباطلاً.

كان لابد وان تستمر الرسالة لكن تستمر بشكل لين هين، بشكل ينفتح على مطامح أبي سفيان، بشكل يمكن أن يتعامل معه ابو سفيان الذي جاء إلى علي (عليه السلام) في لحظة قاسية تلك اللحظة التي يشعر فيها الإنسان عادة بقدر كبير من المظلومية حيث يرى كيف أن الناس قد تنكروا لكل أمجاده وأنكروا كل جهاده حتى أخوته لرسول اللّه (صلى الله عليه وآله) في هذه اللحظة جاءه أبو سفيان يعرض عليه القيادة بين يديه، يعرض عليه أن يزعّمه في سبيل أن يكون هو اليد اليمنى للدولة الإسلامية، يأبى علي (عليه السلام) ذلك، يأبى وهو مظلوم، وهو متآمر عليه، وهو مضطهد حقه ثم يذهب أبو سفيان، أو بالأحرى نقول أن أبا بكر وعمر يذهبان إلى أبي سفيان، ويوليان أولاد أبي سفيان على بلاد المسلمين، وهذا هو الاستمرار الهين الذي كانت مصالح المنافقين تطلبه وقتئذ وبهذا كانت قيادة علي بن أبي طالب (عليه السلام) وزعامته تمثل خطراً على هذه المصالح فكان لابد في سبيل الحفاظ عليها من قبل المنافقين هؤلاء أن يخلقوا في سبيلها العراقيل ويقيموا الحواجز والموانع.

العامل الثالث: وهو مرتبط بمراحل نفسية خلقية، علي بن أبي طالب (عليه السلام) كان يمثل باستمرار تحدياً بوجوده التكويني، كان يمثل تحدياً للصادقين من الصحابة لا للمنحرفين من الصحابة، كان يمثل تحدياً بجهاده، بصرامته، بإستبساله، بشبابه، بكل هذه الأمور، كان يضرب الرقم القياسي الذي لا يمكن أن يحلم به أي صحابي آخر، كل هؤلاء كانوا يودون أن يقدموا خدمة للإسلام.

أتكلم عن الصحابة الصالحين. الصحابة الصالحون كانوا يودون أن يقدموا خدمة للإسلام ولكن علي بن أبي طالب (عليه السلام) كان يفوقهم بدرجة كبيرة، بدرجة هائلة، علي بن أبي طالب (عليه السلام) بالرغم من التفاوت الكبير في العمر بينه وبين شيوخ الصحابة، من أمثال أبي بكر وعمر وغيرهما، ممن عاش بعد النبي (صلى الله عليه وآله) بالرغم من هذا، أفلس أبو بكر وأفلس عمر، وأفلس هؤلاء كلهم، أمام رسوخ الإمام علي (عليه السلام) الذي كان يضرب بسيفين.

معاوية يقول في كتابه لمحمد بن ابي بكر بأن علياً كان في أيام النبي (صلى الله عليه وآله) كالنجم في السماء لا يطاول، الأمة الإسلامية كانت تنظر إليه كالنجم في السماء بالرغم من أن العدد الكبير منها لم يكن يحبونه، كان الإمام علي مجاهداً بدرجة لا يمكن أن يقاس به شخص آخر، كان صامداً زاهداً، بدرجة لا يمكن أن يقاس به شخص آخر، وهكذا في كل كمالات الرسالة الإسلامية، أذن فعلي كان تحدياً، كان إستفزازاً للآخرين، وهؤلاء الآخرون ليسوا كلهم يعيشون الرسالة فقط، بل جملة منهم يعيشون أنفسهم أيضاً، يعيشون أنانيتهم أيضاً، وحينما يشعرون بهذا الاستفزاز التكويني من شخص هذا الرجل العظيم الذي كان يتحداهم وهو لا يقصد أن تحداهم، بل يقصد أن يهديهم، وأن يبني لهم مجدهم، يبني لهم رسالتهم وعقيدتهم، لكن ماذا يصنع بأناس يعيشون أنفسهم.

فهؤلاء الأناس كانوا يفكرون في أن هذا تحد واستفزاز لهم. كان رد الفعل لهذا مشاعر ضخمة جداً ضد علي بن أبي طالب (عليه السلام).

يكفي مثال واحد ليتضح هذا الموقف. النبي (صلى الله عليه وآله) يسافر من المدينة إلى غزوة من الغزوات فيخلف علياً مكانه أميراً على المدينة، فهل تركه الناس، لا إنما أخذوا يشيعون بالرغم من أن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) في المرات السابقة كان يستخلف أحد الأنصار على المدينة غير علي، فكانوا يشيعون، بأنه ترك علياً لأنه لا يصلح للحرب؟! علي بن أبي طالب هذا الرجل الصلب، العنيد، المترفع، هذا الرجل الذي يقول: لا يزيدني إقبال الناس علي ولا ينقصني إدبارهم عني. هذا الرجل الصلب استفز الأعصاب إلى درجة أنه اضطر أن يلحق بالنبي (صلى الله عليه وآله)، فيسأله النبي (صلى الله عليه وآله) عن سبب تركه المدينة، فيقول: الناس يقولون بأنك طردتني لأني لا أصلح للحرب؟!

يمكن أن تنكر أية فضيلة من فضائل علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكن هل يمكن أن ينكر أن علي بن أبي طالب لا يصلح للحرب؟! انظروا الحقد كيف وصل عند هؤلاء المسلمين بأن اخذوا يفسرون إمارة علي بن أبي طالب (عليه السلام) على المدينة بأنه لا يصلح للحرب، فيقول رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) كلمته المشهورة، إن علياً مني بمنزلة هارون من موسى، إنه لا ينبغي أن أخرج من المدينة إلا وأنت فيها إثباتاً لوجودي ولتحمي المدينة.

هذا الموقف من هؤلاء لا يمكن أن يفسر إلا على أساس هذا العامل النفسي هذا العامل الثالث.

وهناك عوامل أخرى هذه العوامل كلها اشتركت في سبيل أن تجعل هناك موانع قوية جداً اصطدم بها النبي (صلى الله عليه وآله) عند تشريع الحكم، واصطدم بها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عند محاولة مقابلة الإنحراف وتعديل التجربة وإرجاعها إلى وضعها الطبيعي، ولهذا فشل في زعزعة الوضع القائم بعد النبي (صلى الله عليه وآله).

قلنا انه حينما وجد الإنحراف بعد وفاة الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله)، لم تكن الأمة على مستوى المراقبة بوصفها المجموعي، لم تكن قادرة على ضمان عدم وقوع هذا الحاكم المنحرف بطبيعته في سلوك منحرف، لأن كون الأمة على هذا المستوى من الضمان، إنما يكون فيما إذا وصلت الأمة بوصفها المجموعي إلى درجة العصمة، أي إذا أصبحت الأمة كأمة تعيش الإسلام عيشاً كاملاً عميقاً، مستوعباً مستنيراً منعطفاً على مختلف مجالات حياتها، هذا لم يكن، بالرغم من أن الأمة الإسلامية وقتئذ، كانت تشكل أفضل نموذج للأمة في تاريخ الإنسان على الإطلاق. يعني نحن الآن لا نعرف في تاريخ الإنسان، أمة بلغت في مناقبها، وفضائلها، وقوة إرادتها وشجاعتها وإيمانها وصبرها وجلالتها وتضحيتها ما بلغته هذه الأمة العظيمة حينما خلفها رسول اللّه (صلى الله عليه وآله).

الذي يقرأ التاريخ تاريخ هؤلاء الناس، الذي عاشوا مع النبي (صلى الله عليه وآله) تبهره أنوارهم في المجال الروحي والفكري والنفسي، في مجال الجهاد والتضحية في سبيل العقيدة. ولكن هذه الأنوار التي تظهر للمطالع لم تكن نتيجة وضع معمق تعيشه الأمة في ابعادها الفكرية والنفسية، بل كانت نتيجة طاقة حرارية هائلة إكتسبتها هذه الأمة بإشعاع النبي (صلى الله عليه وآله).

هذه الأمة التي عاشت مع أكمل قائد للبشرية، اكتسبت عن طريق الاشعاع من هذا القائد، درجة كبيرة من الطاقة الحرارية صنعت المعاجز، وصنعت البطولات والتضحيات التي يقل نظيرها في تاريخ الإنسان.

ولا أريد أن أتكلم عن هؤلاء الناس في أيام رسول اللّه (صلى الله عليه وآله). وإيثار كل واحد منهم للإسلام والعقيدة، إيثاره بكل وجوده وطاقاته بكل إمكانياته وقدراته. هذه النماذج الرفيعة إنما هي نتاج هذه الطاقة الحرارية التي جعلت

الأمة الإسلامية تعيش أيام رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) محنة العقيدة والصبر وتتحمل مسؤولية هذه العقيدة بعد وفاته (صلى الله عليه وآله) وتحمل لواء الإسلام بكل شجاعة وبطولة إلى مختلف أرجاء الأرض هذه هي طاقة حرارية وليست وعياً لذا يجب أن نفرق ونميز بين الطاقة الحرارية وبين الوعي:

الوعي: عبارة عن الفهم الفعّال: الإيجابي المحقق للإسلام في نفس الأمة، الذي يتأصل ويستأصل جذور المفاهيم الجاهلية السابقة استئصالاً كاملاً. ويحوّل تمام مرافق الإنسان من مرافق الفكر الجاهلي إلى مرافق الفكر الإسلامي والذوق الإسلامي.

اما الطاقة الحرارية: فهي عبارة عن توهج عاطفي حار، بشعور قد يبلغ في مظاهره نفس ما يبلغه الوعي في ظواهره بحيث يختلف الأمر، فلا يميز بين الأمة التي تحمل مثل هذه الطاقة الحرارية وبين أمة تتمتع بذلك الوعي إلا بعد التبصر.

إلا أن الفرق بين الأمة الواعية والأمة التي تحمل الطاقة الحرارية كبير، فإن الطاقة الحرارية بطبيعتها تتناقص بالتدريج بالإبتعاد عن مركز هذه الطاقة الحرارية.

والمركز الذي كان يمون الأمة بهذه الطاقة الحرارية هو شخص النبي (صلى الله عليه وآله) القائد. فكان طبيعياً أن تصبح طاقة الأمة بعده في تناقض مستمر، حال الشخص الذي يتزود من الطاقة الحرارية للشمس والنار، ثم يبتعد عنهما، فإن هذه الحالة تتنافص عنده بإستمرار.

هكذا كان، وتاريخ الإسلام يثبت أن الأمة الإسلامية كانت في حالة تناقص مستمر من هذه الطاقة الحرارية التي خلفها النبي (صلى الله عليه وآله) في أمته حين وفاته بخلاف الوعي فإن الوعي بذلك المعنى المركز الشامل المستأصل لجذور ما قبله ذلك الوعي من طبيعته الثبات والاستقرار، بل التعمق على مر الزمن، لأنه بطبيعته يمتد ويخلق له بالتدريج خيالات جديدة وفقاً لخط العمل وخط الاحداث، فالأمة الواعية هي أمة تسير في طريق التعمق في وعيها والأمة التي تحمل طاقة حرارية هائلة، هي الأمة التي لو بقيت وحدها مع هذه الطاقة الحرارية فسوف تتناقص طاقتها باستمرار.

وهناك فرق آخر: هو أن الوعي لاتهزه الانفعالات، يصمد امامها، أما الطاقة الحرارية فتهزها الانفعالات، الانفعال يفجر المشاعر الباطنية المستترة، يبرز ما وراء الستار، ما وراء سطح النفس كأن الطاقة الحرارية طاقة تبرز على سطح النفس البشرية، وأما الوعي فهو شيء يثبت في أعماق هذه النفس البشرية، ففي حالة الانفعال، سواء كان الانفعال إنفعالاً معاكساً، يعني حزناً وألماً أو كان انفعالاً موافقاً، أي فرحاً ولذة وانتصاراً، في كلا الحالتين سوف يتفجر ما وراء الستار ويبرز ما كان كامناً وراء هذه الطاقة الحرارية في الأمة المزودة بهذه الطاقة فقط، أما الأمة الواعية فوعيها يجمد ويتقوى على مر الزمن فكلما مر بها انفعال جديد أكدت شخصيتها الواعية في مقابل هذا الانفعال، وصبغته بما يتطلبه وعيها من موقف.

هذا هو الفرق بين الوعي والطاقة الحرارية.

نحن ندعي أن الأمة الإسلامية العظيمة التي خلفها القائد الأعظم (صلى الله عليه وآله) والتي ضربت أعظم مثل للكون في تاريخ الإنسان إلى يومنا هذا، هذه الأمة كانت تحمل طاقة حرارية كبيرة، ولم تكن تحمل وعياً مستنيراً مجتثاً لأصول الجاهلية فيها.

والدليل على هذا كله واضح من تاريخ الأمة نفسها وكشاهد على ذلك، علينا أن ننظر إلى غزوة حنين، غزوة هوازن بعد فتح مكة، ماذا صنعت هذه الأمة العظيمة بتلك الطاقة الحرارية في لحظة الانفعال، رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) خرج بجيش من الانصار ومن قريش من أهل مكة فانتصر في معركته وأخذ غنائم كثيرة، وكان قراره توزيع الغنائم كلها جميعاً على من خرج من مسلمي مكة، فوزعها كذلك، ولم يعط مسلمي الأنصار شيئاً منها، هذه لحظة انفعال نفسي، إن هؤلاء الأنصار يرون أنفسهم خرجوا مع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) من المدينة ليفتحوا مكة، وفتحوها وحققوا للأمة أعظم انتصاراتها في حياة النبي (صلى الله عليه وآله) وبعد هذا يدخل النبي (صلى الله عليه وآله) في الدين أناساً جدداً يستقلون بتمام الغنائم ويأخذونها. هذه لحظة إنفعال، في هذه اللحظة من لحظات الانفعال لاتكفي الأمة الطاقة الحرارية بل تحتاج الأمة إلى وعي يثبتها لتستطيع أن تتغلب على لحظة الانفعال، هل كان مثل هذا الوعي موجوداً...؟ الجواب انه لم يكن: فإن الأنصار اخذوا يثيرون ما بينهم الهمس القائل: بأن محمداً (صلى الله عليه وآله) لقي أهله وقومه وعشيرته، فنسي أنصاره وأصحابه، هؤلاء الذين شاركوه في محنته، هؤلاء الذين ضحوا في سبيله، هؤلاء الذين قاوموا عشيرته في سبيل دعوته، نسيهم وأهملهم وأعرض عنهم، لأنه رأى أحبائه وأولاد عمه، رأى عشيرته...

أنظروا إلى هذا التفسير، يبدو من خلاله الأنصار وكأن المفهوم القبلي متركز في واقع نفوسهم، إلى درجة يبدو معه لهم، أن محمداً (صلى الله عليه وآله) وهو الرجل الأشرف والأكمل، الذي عاشوا معه، وعاشوا تمام مراحل حياته الجهادية، ولم يبد في كل مراحله الجهادية أي لون من الألوان يعطي شعوراً قبلياً قومياً، بالرغم من هذا، وبالرغم من خلوه من أي شعور يشير إلى ذلك. في لحظة الانفعال قالوا، بأنه وقع تحت تأثير العاطفة القبلية والقومية. هذه العاطفة القبلية أو القومية هذا الترابط القبلي كيف كان قوياً في نفوسهم بحيث أنهم اصطنعوه تفسيراً للموقف في لحظة من لحظات الانفعال، رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) سمع بالهمس، اطلع على أن هناك بذور فتنة ضده في الأنصار، فأرسل على أبناء الأنصار من الأوس والخزرج، وجمعهم عنده ثم التفت إليهم (صلى الله عليه وآله) وقال ما معناه: لقد بلغني عن بعضكم هذا الموضوع أن محمداً نسي أصحابه وأنصاره حينما التقى بقومه، فسكت الجميع واعترف البعض بهذه المقالة. حينئذ أخذ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) يعالج الموقف والمشكلة وذلك بإعطاء المزيد من الطاقة الحرارية، لأن هذه المشكلة ذات حدين، حد آني وحد المدى الطويل، الحد على المدى الطويل يجب أن يعالح عن طريق التوعية على الخط الطويل، وهذا ما كان يمارسه (صلى الله عليه وآله)، والمشكلة بحدها الآني يجب أن تعالج أيضاً معالجة آنية، والمعالجة الآنية لا تكون إلا عن طريق إعطاء مزيد من هذه الطاقة الحرارية للسيطرة على لحظة الانفعال، ماذا قال (صلى الله عليه وآله)؟ كيف الهب عواطفهم، قال لهم: ألا ترضون أن يذهب أهل مكة إلى بلادهم بمجوعة من الأموال الزائفة، وانتم ترجعون إلى بلادكم بمحمد (صلى الله عليه وآله) برسول اللّه (صلى الله عليه وآله).

هذه كانت دفعة حرارية حولت الموقف في لحظة حيث أخذ هؤلاء الاوس والخزرج يبكون أمام رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) ويستغفرون ويعلنون ولاءهم واستعدادهم وتعلقهم به، أراد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) أن يعمق هذا الموقف العاطفي أكثر فعندما سكن بكاؤهم وهدأت عواطفهم قال لهم: ألا تقولون لي مقابل هذا، ثم أخذ يترجم بعض الأحاسيس المستترة في نفوسهم حتى يهيج عواطفهم تجاهه، ويتيح لذلك المجلس جواً عاطفياً وروحياً، بعد ذلك يتغلب على الموقف إلى آخر القصة.

هذه الأمة التي تحمل الطاقة الحرارية تنهار أمام لحظة انفعال.

شاهد آخر في لحظة انفعال أخرى أيضاً في تاريخ هذه الأمة:

الأمة بعد وفاة رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) تملكتها لحظة انفعال كبيرة، لأن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) راحل وكان رحيله (صلى الله عليه وآله) يشكل هزة نفسية هائلة بالنسبة إلى الأمة الإسلامية، التي لم تكن قد تهيأت بعد ذهنياً وروحياً لأن تفقد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله)، في هذه اللحظة من الانفعال أيضاً المشاعر التي كانت في الأعماق برزت على السطح.

المهاجرون: هناك تكلمنا عن الأنصار، وهنا نتكلم عن المهاجرين، ماذا قال المهاجرون في لحظة الانفعال...؟ هؤلاء المهاجرون الذين هاجروا من بلادهم، وتركوا دورهم وعوائلهم وقومهم في سبيل الإسلام، ماذا قالوا، وماذا كان موقفهم؟

قالوا إن السلطان سلطان قريش، إن سلطان محمد سلطان قريش، نحن أولى من بقية العرب، وبقية العرب أولى من بقية المسلمين.

هنا يبرز الشعور القبلي والشعور القومي، في لحظة انفعال، لأن هذه اللحظة من الانفعال تشكل صدمة بالنسبة إلى الطاقة الحرارية يصبح الإنسان معها في حالة غير طبيعية حيث لا يوجد عنده وعي فينهار أمام تلك الأفكار وهذه العواطف.

إذن لحظة الانفعال هي التي تحدد ان هذه الأمة تحمل وعياً، أو طاقة حرارية.

ماذا صنع المسلمون في لحظة الانتصار والاستيلاء على كنوز كسرى وقيصر، المسلمون في هذه اللحظة، اخذوا يفكرون في الدنيا أخذوا يفكرون في أن يقتنص كل واحد منهم أكبر قدر ممكن من حطامها.

والأزمة التي مرت بعمر بن الخطاب في تحقيق حال الأرض المفتوحة عنوة، وأن الأرض المفتوحة عنوة هل تقسم على المقاتلين أو أنها تجعل لبيت المال، وتجعل ملكاً عاماً، هذه الأزمة تبينّ، كيف ان هذه الأمة ترددت في لحظة الانفعال، لأن وجوه المهاجرين والأنصار، هؤلاء الأبرار المجاهدون هؤلاء الذين عاشوا كل حياتهم الكفاح والجهاد في سبيل اللّه، هؤلاء اخذوا يصرون إصراراً مستميتاً على أن هذه الأرض يجب ان توزع عليهم، وعلى أن كل واحد منهم يجب أن ينال أكبر قدر ممكن من هذه الأرض، إلى أن أفتى الإمام علي (عليه السلام) بأن الأرض للمسلمين جميعاً، لمن هو موجود الآن ولمن يوجد بعد اليوم إلى يوم القيامة.

هذه اللحظات لحظات انفعال، لحظات الانفعال الانخذالية، ولحظات الانفعال الانفصالية هي التي تحدد أن الأمة هل تحمل طاقة حرارية، أو تحمل وعياً.

إذن كان وعي الأمة يحمل وراءه قدراً كبيراً من الرواسب الفكرية والعاطفية والنفسية التي لم تكن قد استؤصلت بعد؟

وربما قيل: إذن ماذا كان يصنع النبي (صلى الله عليه وآله) إذا لم تكن قد استؤصلت هذه الرواسب؟

وجوابه: إن هذه الرواسب ليس من السهل استئصالها، لأن الدعوة الإسلامية التي جاء بها النبي (صلى الله عليه وآله) لم تكن مجرد خطوة إلى الأمام، بل كانت طفرة بين الأرض والسماء.

إذا لاحظنا حال العرب قبل الإسلام، ولاحظنا مستوى الرسالة الإسلامية نرى أن المستوى هو مستوى الطفرة بين الأرض والسماء، لا مستوى الحركات الاصلاحية التي توجد في المجتمعات العالمية، وهي مستوى الخطوة إلى الأمام، أي حركة إصلاحية تنبع من الأرض وتنبع من عبقرية الإنسان بما هو إنسان، تزحف بالمجتمع خطوة إلى الأمام لا أكثر، المجتمع كان قد وصل إلى الخطوة السابقة، في خط التقدم، وحينئذ من الممكن في زمن قصير أن تستأصل رواسب الخطوة السابقة، بعد الدخول في الخطوة التالية، لأن الفرق الكيفي، بين الخطوة السابقة والثانية مثلاً، فرق قليل ضئيل التشابه، بين الخطوتين تشابه كبير جداً هذا التشابه الكبير، أو ذاك التفاوت اليسير، يعطي في المقام إمكانية التحويل، إمكانية إجتثاث تلك الأصول الموروثة من الخطوة السابقة.

لكن ماذا ترون وما تقدرون، عندما جاء النبي (صلى الله عليه وآله) إلى مجتمع متأخر يعيش الفكرة القبلية بأشد ألوانها ونتائجها، وأقسى مفاهيمها وأفكارها، جاء فألقى فيها فكرة المجتمع العالمي، الذي لا فرق فيه بين قبيلة وقبيلة، وبين شعب وشعب، وبين أمة وأمة، وقال: إن الناس سواسية كأسنان المشط.

هذه الطفرة الهائلة بكل ما تضم من تحول فكري وانقلاب إجتماعي، وتغيير في المشاعر والمفاهيم والانفعالات هذه الطفرة لم تكن شيئاً عادياً في حياة الإنسان، وإنما كانت شيئاً هائلاً في حياته. إذن فكيف يمكن أن نتصور، أن هذا المجتمع الذي طفر بهذه الطفرة مهما كان هذا المجتمع ذكياً، وصبوراً على الكفاح ومهما كان قوياً ومؤمناً برسول اللّه (صلى الله عليه وآله) كيف يمكن أن نتصور في الحالات الاعتيادية، أنه يودع تمام ما كان عنده من الأفكار والمشاعر والانفعالات، ويقلب صفحة جديدة كاملة، دون أي اصطحاب لموروثات العهد السابق، هذا غير ممكن إلا في فترة طويلة جداً مع ان رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) لم يعش لمجتمع ودولة كمربي تربية كاملة في المدينة الا عشر سنوات فقط، علماً أن جزءاً كبيراً من المجتمع الإسلامي دخل الاحداث بعد وفاة رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) ومجتمع مكة الذي دخل في حظيرة الإسلام وقت فتح مكة، وقبل سنتين فقط من وفاة رسول اللّه (صلى الله عليه وآله).

فكيف يمكن أن نتصور من خلال هذه الأزمنة القصيرة ومع تلك الطفرة الهائلة الكبيرة إثبات تلك الأصول.

فالاصول إذن كان من المنطقي والطبيعي أن لا تبقى وكان من المنطقي والطبيعي أيضاً أن لا تجتث إلا في خلال أمد طويل، وخلال عملية تستمر مع خلفاء الرسول (صلى الله عليه وآله) بعده. إلا ان هذه العملية قطعت بالانحراف، بتحول خط الخلافة عن الإمام علي (عليه السلام). وهذا لا يثير استغراباً، أو يسجّل نقطة ضعف، بالنسبة إلى عمل الرسول (صلى الله عليه وآله) بل ينسجم مع الرسالة مع عظمتها وجلالتها ومع تخطيط النبي (صلى الله عليه وآله).

فهذه هي الأمة التي تحمل طاقة حرارية، أمة غير واعية وإذا كانت تحمل هذه الطاقة وهي غير واعية، فليست بقادرة على حماية التجربة الإسلامية وعلى وضع حد لانحراف الحاكم الذي تولى الحكم بعد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله)، إذ بالصيغة الاصولية التي قلناها، من أن الأمة بوصفها المجموعي ليست معصومة، ما دامت تحمل طاقة حرارية فقط، ولاتحمل وعياً مستنيراً بجتث أصول الجاهلية فيها. وما دامت كذلك فهي لا تقف في وجه هذا الانحراف. وقد قلنا بأنه حتى لو أخذنا الحاكم بغير المفهوم الشيعي، مع هذا تبقى طبيعة الاشياء وطبيعة الاحداث تبرهن على أن يكون هذا الحاكم عرضة للانحراف ولتحطيم التجربة الإسلامية، وبالتالي تحطيم جميع الأصول الموضوعية والأطار العالم لهذه التجربة الشريفة المباركة. فإن الحاكم أولاً هو جزء عادي من هذه الأمة التي قلنا بإنها لم تكن تحمل وعياً مستنيراً بل كانت تحمل طاقة حرارية، ولنفرض أن هذا الحاكم لم يكن شخصاً متميزاً من هذه الأمة بإنحراف خاص، وبتخطيط سابق، للاستيلاء على الحكم، أو بتصميم على قتل رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) في سبيل الاستيلاء على الحكم، لنفرض أن هذا لم يكن، وإنما هو جزء عادي من هذه الأمة تدل سوابقه على ذلك فمعنى كونه جزءاً من هذه الأمة أن الحاكم يستبطن قدراً كبيراً من الأفكار الجاهلية والعواطف الجاهلية والمشاعر الجاهلية، وهذا كان واضحاً من اللحظة الأولى في يوم السقيفة، وفي الحجج التي أوردها المهاجرون ضد الأنصار. وكان من الواضح أن تقييم الخلافة لم يكن تقييماً إسلامياً، فهذه الرواسب الفكرية والعاطفية للجاهلية سوف تعمل عملها في سلوك هذا الحاكم. وفي تخطيطه.

إذا أضفنا إلى هذا أن الحاكم كان يبدو منه في حياة الرسول (صلى الله عليه وآله) نزعة الاستقلال بالرأي وروح التمرد على التعبد، وهذا كان ظاهراً فيهم وخاصة الخليفة الثاني. حيث كانت تبدو فيه روح التمرد على جملة التعاليم التي جاء بها الرسول (صلى الله عليه وآله) لأنها تحدث عنده حالة تناقض بين الدعوة الجديدة التي دخل فيها وبين مفاهيمه وافكاره وعواطفه المسبقة التي صاغتها الجاهلية له، هذه النزعة نزعة التمرد، ونزعة التعويل على الرأي لم تكن تشكل خطراً في الوقت الذي كان هذا إنساناً عادياً في المجتمع الإسلامي، وكان الرسول (صلى الله عليه وآله) هو الحاكم في هذا المجتمع، وأما في الوقت الذي تولى فيه هذا الشخص وأصحابه زمام قيادة التجربة، قيادة هذه السفينة، هذه النزعة أصبحت تشكل خطراً في المقام، خطر أن هذا الحاكم، سوف يُعبِّر في جملة من قضاياه ومفاهيمه ومشاكله على وفق الموروثات الجاهلية، وعلى وفق رواسبه العاطفية والنفسية التي خلفها له آباؤه وأجداده، لا التي خلَّفها له رسول اللّه (صلى الله عليه وآله).

وإذا اضفنا الى ذلك ايضاً أن الحاكم لم يكن قد هيأ أبداً لأن يكون حاكماً، وللحاكم مشاكله الخاصة وسلوكه الخاص وثقافته الخاصة، الحاكم خاصة إذا كان حاكماً في صدر دعوة جديدة ذات حرارة خاصة وثقافة جديدة، فلا بد وأن يكون هذا الحاكم مهيأً بصورة مسبقة تهيؤاً ثقافياً وعلمياً وروحياً، لأن يكون حاكماً...؟

وقصدنا من عدم التهيؤ هو عدم التهيؤ الثقافي والعلمي، بمعنى أنه لم يكن قد أستوعب الإسلام عمر نفسه كان يقول: شُغِلنا أيام رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) في الأسواق والحرب؟. تأتيه مشكلة فلا يعرف الجواب عنها فيبعث للمهاجرين والأنصار ليستفتيهم مرة ثانية وثالثة ورابعة، حينما يتكرر هذا المطلب منه ويقف موقفاً سلبياً تجاه المشاكل من الناحية الدينية، فيعتذر عن ذلك فيقول شغلتنا أيام رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) الحرب والعمل في الأسواق.

رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) لم يهيؤ هذا الحاكم: نعم رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) لم يكن قد اشتغل لتهيئة مجموعة من الأمة لتحكم الناس وإنما هيأ قادة معينين من أهل البيت (عليهم السلام) ليحكموا.

كان رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) يعمل على خطين للتوعية: الخط الأول هو التوعية على مستوى الأمة، وهذه التوعية للأمة بوصفها رعية بالمقدار الذي تتطلبه الرعية الواعية من فهم وثقافة، وكان له خط عمل على مستوى آخر من التوعية، للصفوة التي اختارها الله سبحانه وتعالى حتى تخلفه لقيادة هذه التجربة كانت توعية على مستوى القيادة وعلى مستوى الحاكمية.

وهؤلاء الذين تولوا الحكم بعد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) لم يكونوا قد عاشوا على هذا المستوى للتوعية من الناحية الفكرية والثقافية، ألسنا جميعاً نعرف أن الصحابة في أيام عمر وأبي بكر اختلفوا في المسائل الواضحة جداً، اختلفوا في حكم سنَّةٍ كان يمارسها رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) أمام اعينهم مدة طويلة اختلفوا في حكم صلاة الجنائز، هذه المسألة العبادية الصرفة البعيدة عن كل مجالات الهوى والسياسة والاقتصاد، فالاختلاف هنا اختلاف ناشئ من الجهل حقيقة، لا اختلاف ناشئ من الهوى، ليس من قبيل الاختلاف في حكم الأرض وفي حكم الغنيمة وحكم الخمس.

كل هذا ينشأ من عدم التهيئة سابقاً ومن عدم الاستعداد لممارسة الحكم ولقيادة هذا التجربة يضاف إلى ذلك أن الأمة كانت تحمل طاقة حرارية ولم تكن واعية إلى أن الحاكم كان قاصراً أو مقصراً، يضاف إلى كل ذلك أن الإسلام كان على أبواب تحول كمي هائل، كان على أبواب أن يفتح احضانه لأمم جديدة، لم تر النبي (صلى الله عليه وآله) ولم تسمع آية من القرآن منه على الاطلاق. تلك الأمة التي خلفها النبي (صلى الله عليه وآله) كانت تحمل طاقة حرارية، لكن بعد أن اتسعت الأمة كمياً وضمَّت إليها شعوباً كثيرة، ضمت إليها الشعب العربي بأكمله تقريباً، في زمن عمر، وضمّت إليها من الشعوب الأخرى من الفارسية والتركية والكردية والهندية والافغانية والاوروبية وغيرها، ما بال هذه الشعوب. التي لم تكن قد رأت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) ولم تسمع منه كلمة من القرآن، هل يترقب أن يكون لها وعي، أو يترقب أن يكون لها طاقة حراراية؟ تلك الطاقة، كانت نتيجة كفاح مستمر مع أشرف قائد على وجه الأرض. إن هذه الشعوب التي دخلت حظيرة الإسلام، لم تكن قد عاشت هذا الكفاح المستمر مع القائد إذن فهذا الانفتاح الهائل على الشعوب الاخرى أيضاً ضعّف مناعة هذه الأمة، واضعَفَ من قدرتها على الحماية، وفتح بالتالي مجالات جديدة للقصور والتقصير أمام الحاكم.

الحاكم الذي لم يكن مهيأً نفسياً لأن يحكم في مجتمع المدينة. كيف يكون مهيأً نفسياً وفكرياً وثقافياً لأن يحكم بلاد كسرى وقيصر ويجتث أصول الجاهلية، الفارسية والهندية والكردية والتركية، إضافة إلى إجتثاث الجاهلية العربية، هذه الجاهليات التي كانت كل واحدة منها تحتوي على قدر كبير من الأفكار والمفاهيم الأخرى، جاهليات عديدة متضاربة فيما بينها عاطفياً وفكرياً، وكلها في مجتمع واحد وفي حالة عدم وجود ضمان لا على مستوى الحاكم، ولا على مستوى الأمة؟!

لئن كان أولئك الذين خلفهم رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) قد رأوا بأم أعينهم، في لحظة قصيرة، تجسيداً واقعياً حياً للنظرية الإسلامية للحياة وللمجتمع في أيام رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) ورأوا تصرفات رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) في المجال السياسي والاقتصادي والعسكري والاجتماعي، وسمعوا من رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) أنه يقول: الناس سواسية كأسنان المشط فإن هذه الشعوب التي دخلت في الإسلام جديداً، لم تكن قد سمعت كل هذا بل سمعت هذا من الحكام الجدد الذين كانوا يقودون زعامة التجربة فإذا كان أمينها حاكماً منحرفاً، وكانت الأمة غير قادرة على مواجهة هذا الإنحراف، وكانت على أبواب توسع هائل ضخم يضم شعوباً لا تعرف شيئاً أصلاً عن هذه النظرية الإسلامية للحياة الاجتماعية إنما تعرف الواقع الذي يتجسد خارجاً والذي عاشته كواقع وهو أن فاتحاً مسلماً سيطر على بلادها. إذن كان من المفروض ومن المنطقي بحسب طبيعة الأشياء، أن تتحول النظرية الإسلامية للحياة الاجتماعية إلى نظرية أخرى وفق خط الحاكم الموجود فعلاً والذي يجسد في سلوكه وتصرفاته، حقيقة بعيدة عن الحقيقة التي عمل رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) على تجسيدها في حياته فنظرية أبي بكر وعمر وعثمان للحكم وكما عاشوها واقعياً وسياسياً واقتصادياً كانت كفيلة بأن تطمس تلك الأطروحة الصالحة فكرياً وروحياً كما انطمست سياسياً واقتصادياً يوم السقيفة ولذا كان أمراً طبيعياً أن يعمل قادة أهل البيت (عليهم السلام) على التخطيط لحماية إسلامهم من أن يندرس، وذلك عن طريق الدخول في الصراع السياسي مع هؤلاء الخلفاء.

الأئمة (عليه السلام) دخلوا في صراع مع الخلفاء ومع الزعامات المنحرفة، دخلوا في الصراع يحملون في أيديهم مشعل تلك النظرية الإسلامية للحياة الاجتماعية بكل بهائها ونورها وجمالها وكمالها ولم يكونوا يستهدفون من هذا أن يعيدوا خط التجربة لأن المؤسف أن خط التجربة لم يكن بالامكان أن يعود مرة أخرى إلى الاستقامة بعد أن أنحرف، لم يكن الصراع السياسي يستهدف في المقام أن يعيد التجربة إلى خطها المستقيم أو على المدى الطويل الطويل، ولم يكن هذا هو الهدف الآني للصراع السياسي وإنما كان الهدف الآني للصراع هو أن يبثوا الوعي في المسلمين والشعوب الجديدة التي دخلت في الإسلام على النظرية الحقيقية للإسلام عن الحياة، عن المجتمع عن الدولة عن الاقتصاد وعن السياسة وعن الآخرة ويبينوا لهم بصدق ما هو مفهوم الإسلام في هذه المجالات وصولاً إلى ترسيخ هذه النظرية في أذهان الناس.

صحيح إن النظرية كانت موجودة في القرآن، وكانت موجودة في النصوص، ولكن هذا لا يكفي وحده للوصول إلى الهدف وذلك:

أولاً: لأن النظريات حينما تكون حبراً على ورق لا تكفي لأن تعطي صورة واضحة عن الحقيقة الصادقة في أذهان الناس.

ثانياً: لأن القرآن والسنة لم تكن قد فهمته هذا الشعوب الجديدة التي قد دخلت في الإسلام، السنة لم يكونوا قد سمعوا عنها شيئاً وإنما سوف يسمعون عنها عن طريق الصحابة. وأما القرآن الكريم لم يكونوا قد سمعوا شيئاً عن تفسيره أيضاً، وإنما بدأوا يسمعونه عن طريق الصحابة، فلا بد حينئذ من تجسيد حي لهذه النظرية الإسلامية، وحيث لم يكن بالامكان تجسيده عن طريق الحكم بعد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) مباشرة، كان من الضروري تجسيده عن طريق المعارضة للزعامات المنحرفة على يد الإمام علي (عليه السلام) والحسن والحسين (عليهم السلام) أئمة المرحلة الاولى.

 

ممارسة أئمة المرحلة الأولى للصراع السياسي:

في هذه المرحلة مارس هؤلاء الأئمة (عليهم السلام) الصراع السياسي، لأجل إعطاء هذه النظرية بكل وضوح، غاية الأمر أننا نرى أن أمير المؤمنين (عليه السلام) لم يقم بالصراع الحاد إلا بعد موت عمر بن الخطاب، نعم بعد السقيفة بأيام، سجل أمير المؤمنين (عليه السلام) للتاريخ رأيه في السقيفة وسجل ذلك الحواريون من أصحابه من امثال سلمان والمقداد وعمار. وهناك قالوا حكمهم، قالوا بأن هذا ليس تعدياً على علي (عليه السلام)، وانما هو تعد على الأمة الإسلامية، وعلى التجربة الإسلامية سلمان أخذ يصف حال المسلمين وماذا يكون عليه فيما لو ولّوا علياً.

والسيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام)، في كلام لها مع نساء المهاجرين والأنصار، وصفت أيضاً حالة المسلمين لو أنهم ولّوا علياً...

لكن بعد هذا، أمير المؤمنين (عليه السلام) لم يبد على مسرح الصراع بشكل مكشوف في أيام ابي بكر وعمر بالرغم من أن الإنحراف كان قد بدأ منذ خلافة أبي بكر لا الإنحراف في تغيير شخص الحاكم بل الإنحراف في تغيير مضمون الحكم وسياسة الحكم.

هذا الإنحراف بدأ في أيام ابي بكر واشتد في أيام عمر وأنجلى في أيام عثمان بصورة غير إسلامية، وكان الإنحراف يسير في خط منحن حتى وصل إلى الهاوية بعد ذلك.

نعم بدأ أمير المؤمنين (عليه السلام) معارضته لأبي بكر وعمر وعثمان وللزعامات المنحرفة جميعاً بشكل مكشوف وصريح، بعد وفاة عمر مباشرة، وقبل أن يتم الامر لعثمان عندما قال له عبد الرحمن بن عوف وكانوا ستة قد اجتمعوا للشورى قال له: مد يدك أبايعك على كتاب اللّه وسنة نبيه (صلى الله عليه وآله) وسنة الشيخين، وكان يريد عبد الرحمن من ذلك أن يجعل سيرة الشيخين ممثلاً شرعياً للنظرية الإسلامية للحياة الاجتماعية، لو كان علي قبِلَ ذلك لانتهى هذا التمثيل، لأنه لم يكن في مقابل اطروحة هذين الشيخين إلا علي بن أبي طالب (عليه السلام) ولو وافق على ذلك، لأصبح هو ذات النظرية السائدة، فقال: بايعني على كتاب اللّه وسنة رسوله (صلى الله عليه وآله) واجتهادي. أما سيرة الشيخين لا يمكن أن تقبل كممثل شرعي للنظرية الإسلامية وللحياة الاجتماعية.

هنا بدأ الإمام (عليه السلام) يشجب ويعارض هذه الزعامة المنحرفة، أمير المؤمنين (عليه السلام) رفض الخلافة والزعامة لأجل أن لا يدخل سيرة هذين الرجلين كجزء للنظرية الإسلامية.

قد يقال: إن هذا باب التزاحم وباب العناوين الثانوية ماذا كان يضره لو قال: نعم فيبايعه على كتاب اللّه وسنة رسوله (صلى الله عليه وآله) وسيرة الشيخين، ثم بعد هذا يقول ويعمل حسب رأيه وينقض عهده لعبد الرحمن لأن كل شرط خالف كتاب اللّه ورسوله مردود؟! ألم يكن هذا تكليفاً شرعياً بناءً على أن الوصول إلى الخلافة واجب، وتنحصر مقدمة هذا الواجب بأن يمضي هذا الشرط، فعليه يكون هذا واجباً بالعناوين الثانوية لأنه مقدمة للواجب...؟!

وجوابه: إنه لو قال الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) ذلك لتم هذا التخطيط، ثم أن النظرية الإسلامية للحياة هي النظرية التي قدمها هؤلاء المنحرفون في المقام، وما أشد ضياع الإسلام لو قال هذا، وقد قلنا وسوف نشرح إن عودة التجربة إلى الخط المستقيم على المدى البعيد البعيد، لم تكن بالامكان أصلاً حتى لو تولى أمير المؤمنين (عليه السلام) الخلافة بعد عمر، فماذا يكون إلا الخسارة إلا أن يعطي هذا الامضاء وهذا الصك للزعامات المنحرفة.

من هنا بدأ الإمام (عليه السلام) يصارع، ثم بعد هذا في أيام عثمان انفتح صراعه السياسي بشكل أوضح.

كان (عليه السلام) يعبر عن آلام الأمة وعن آمالها، ومظالمها أمام عثمان، ويعظه ويوبخه، ويذكره اللّه وأيام اللّه والآخرة ورسول اللّه (صلى الله عليه وآله) ولكن عثمان لم يكن يتعظ.

لماذا كان حريصاً كل الحرص على أن يبدو صراعه موضوعياً عقائدياً يستهدف النظرية لا الشخص يستهدف تثبيت دعائم نظرية حقيقية للإسلام، لاتدعيم شخصه، كان الإمام (عليه السلام) حريصاً على أن تكون التصورات والانعكاسات التي يعيشها الناس عن صراعه على مستوى أن صراعه صراع نظري عقائدي، وليس صراعاً شخصياً لأن هذا كان من أكبر الوسائل لتثبيت حقانية هذه النظرية التي يقدمها أليس هو يريد أن يثبت للذهنية الإسلامية أن النظرية الإسلامية للحياة الاجتماعية هذه لا تلك التي يطبقها الزعماء المنحرفون كيف يستطيع أن يرسخ هذا في الذهنية الإسلامية على أنه صراع عقائدي ونضالي في سبيل تثبيت النظرية، ولهذا انتظر أمير المؤمنين (عليه السلام) أن يبرز الإنحراف واضحاً ثم يبدأ الصراع. لأن هؤلاء الناس الغير الواعين لا يشعرون بمرارة الإنحراف إلا إذا دخل الإنحراف إلى بيوتهم، إلا إذا مس جلودهم، أما قبل هذا فلا يترقب من الأمة الغير الواعية، أن تشعر بالإنحراف.

الإنحراف بدأ في أيام ابن أبي قحافة وعمر، وكان إنحرافاً مستوراً، وكان عمر موفقاً جداً في أن يلبس هذا الإنحراف الثوب الديني المناسب. نحن لا نريد أن نعطي مفهومنا الخاص عن عمر بل نأخذ بمفهوم السنة عن عمر إن عمر حتى بحسب المفهوم الذي يحتمل أنه كان حقيقة في الإسلام على مستوى هذا الثوب الديني المصطنع نجد عمر فرط في العطاء بين الناس ووضع تركيباً قبلياً في المجتمع الإسلامي كما صنع عثمان، لكن فرق بينهما، لأن عمر جعل هذا التركيب القبلي الطبقي على أساس خدمة الإسلام، قال إن كل من كان أقرب للنبي (صلى الله عليه وآله) يعطيه أكثر، وهذا ثوب تقبله أمة غير واعية قبولاً اجماعياً، أكثر مما تقبل النظرية الإسلامية الحقيقية. قبل أن يلتفت إلى نتائج هذا التركيب القبلي من اللحظة الأولى، قبل أن يلتفت إلى ما سوف يتمخض عنه هذا التركيب الطبقي من بلايا وكوارث ومحن في المجتمع الإسلامي، تستسيغ هذا المطلب تستسيغ أن عم الرسول (صلى الله عليه وآله) أكثر الناس عطاءً أن يكون البدريون أكثر عطاءً من الاحديين. وأن يكون المهاجرون أكثر عطاءً من غيرهم وأن يكون العرب الموجودون أيام رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعاشوا الدعوة في مراحلها الأولى أكثر عطاء من غيرهم، وهكذا فلو كان علي يعارض هذا الإنحراف وقتئذ لفسر على مستوى تلك الذهنية بأنه صراع شخصي وليس صراعاً عقائدياً. لم يكن بإمكانه أن يفهم المسلمين ذلك ولهذا سكت لئلا يلبس صراعه الثوب الشخصي، وهذا هو يقول: سأسالم ما سلمت أمور المسلمين مادام التعدي علي أنا، فأنا ساكت مادام الناس يعيشون ويشعرون بأن الامور بخير فأنا ساكت حتي يصابوا بنيران الإنحراف.

فإعلانه بمخالفة سيرة الشيخين كان موقفاً عقائدياً ونضالياً، ولم يكن موقفاً شخصياً لأن المصلحة الشخصية تقتضي هنا أن يسكت فإن لم يكن بينه وبين وصوله إلى الخلافة إلا أن يقر بزعامة هؤلاء المنحرفين وهذا أمر مؤقت لا يمكن أن يفسر على أساس الصراع الشخصي، وإنما يفسر على أساس أن هذا الشخص يريد أن يمسك بيده نظرية جديدة للإسلام غير النظرية التي طبقها الشيخان، ثم بعدما تكشف الإنحراف في أيام عثمان إلى درجة لم يكن بحاجة إلى صعوبة لتشعر به الأمة الغير الواعية، شعرت الأمة الإسلامية بذلك خصوصاً في السنوات الاخيرة من أيام عثمان، فدخل الإمام (عليه السلام) في الصراع بشكل مكشوف ليثبت للتجربة الإسلامية دعائم النظرية الأخرى، فكان (عليه السلام) هو رمز نظرية إسلامية للحياة الاجتماعية تختلف عن النظرية المطبقة لواقع الحياة الاجتماعية على ما سوف نشرح أن شاء اللّه تعالى.

 

تولي أمير المؤمنين زعامة المسلمين:

انتهينا في خط العرض العام إلى تولي أمير المؤمنين (عليه السلام) لزعامة المسلمين سياسياً وإدارياً بعد مقتل عثمان، إلا أن أمير المؤمنين (عليه السلام) حينما تولى الخلافة بعد مقتل عثمان، أراد أن يشرح للمسلمين بطريقته الخاصة، إن المسألة ليست بالنسبة إليه تبديل شخص بشخص آخر، وليست مسألة فارق اسمي بين زعيم الأمس وزعيم اليوم، وإنما المسألة هي مسألة اختلاف شامل كامل للمنهج، وفي كل القضايا المطروحة.

إلا أنه لعلاجها وتصفيتها، كان يريد أن يبين للمسلمين ضرورة أن ينظر إليه بوصفه قائماً على الخط، وقيماً على المنهج وأميناً على الرسالة. وعنواناً لدستور جديد، يختلف عن الوضع المنحرف القائم بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله).

لأجل هذا امتنع عن قبوله الخلافة أول الأمر، فقال لهم فكروا في غيري، واتركوني وزيراً لمن تستخلفونه، فانا لكم وزير خير مني أمير، يعني على مستوى حياة الدعة والكسل، على مستوى الرخاء واليسر، على مستوى الحياة الفارغة من المسؤولية، على مستوى هذه الحياة أنا وزير خير مني أمير، لاني حينما أكون أميراً سوف ارهقكم، سوف اتعبكم سوف افتح أمامكم أبواب مسؤوليات كبرى تجعل ليلكم نهارا، وتجعل نهاركم ليلاً، هذه الهموم التي تجعلكم دائماً وأبداً تعيشون مشاكل الأمة في كل أرجاء العالم الإسلامي، هذه الهموم التي سوف تدفعكم إلى حمل السلاح - من دون حاجة مادية - لاجل تطهير الأرض الإسلامية من الإنحراف الذي قام عليها...؟

اتركوني وزيراً أكون أفضل لكم على مستوى هذه الحياة مني وانا أمير، لأني كوزير لا أملك أن ارسم الخط، أو أن أضع المخطط، وإنما انصح واشير.

وحينئذ يبقى الوضع الذي كان بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله) مستمراً، اصروا عليه بان يقبل الخلافة، ففرض عليهم الشروط فقبلوها اجمالاً دون أن يسألوه التوضيح، اعطاهم فكرة عن أن عهده هو عهد منهج جديد للعمل السياسي والاجتماعي والاداري، فقبلوا هذا العهد، وكان هذا سبباً في أن ينظر المسلمون من اللحظة الأولى، إلى أن علي بن أبي طالب (عليه السلام) بوصفه نقطة تحول في الخط الذي وجد بعد النبي (صلى الله عليه وآله)، لا بوصفه مجرد خليفة، فانتعشت مع هذا العهد الجديد آمال كثيرة.

وحينما بويع الإمام علي (عليه السلام)، كانت أكثر الصعاب التي واجهها بعد بيعته، هو انشقاق معاوية وتخلف الشام بكامله لابن ابي سفيان عن الانضمام إلى بيعته. هذا التناقض، شق المجتمع الإسلامي في الدولة الإسلامية إلى شقين، ووجد في كل منهما جهاز سياسي واداري لايعترف بالآخر. ومنذ البدء، كان هناك فوارق موضوعية واضحة، بين وضع علي بن أبي طالب (عليه السلام) السياسي والاداري، ووضع معاوية السياسي والإداري، تجعل هذه الفوارق معاوية، احسن موقفاً واثبت قدماً، واقدر على الاستمرار في خطه من إمام الإسلام (عليه السلام).

هذه الفوارق الموضوعية لم يصنعها الإمام (عليه السلام) وإنما كانت نتيجة تاريخ:

فأولاً: كان معاوية يستقل باقليم من أقاليم الدولة الإسلامية، ولم يكن لعلي أي رصيد أو قاعدة شعبية في ذلك الاقليم على الاطلاق، لأن هذا الاقليم، قد دخل في الإسلام بعد وفاة رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) وانعزال علي عن خط العمل، وكان هذا الاقليم، قد دخل ودشن حياته الإسلامية بولاية يزيد أخي معاوية، ثم بعد بولاية معاوية، وعاش الإسلام من منظار آل أبي سفيان، ولم يسمع لعلي (عليه السلام)، ولم يتفاعل مع الوجود الإسلامي والعقائدي، هذا الإمام العظيم لم يكن يملك شعاراً له رصيد أو قاعدة شعبية في المجتمع الذي تزعمه معاوية، وحمل لواء الانشقاق فيه، في حين، العكس فان شعار معاوية كان يملك رصيداً قوياً وقاعدة قوية في المجتمع الذي تزعمه الإمام (عليه السلام) لأن معاوية، كان يحمل شعار الخليفة القتيل، والمطالبة بدمه والخليفة هذا كان أمير المجتمع الذي تزعمه علي (عليه السلام)، وكان لهذا الخليفة القتيل اخطبوط في هذا المجتمع وقواعد. وهكذا كان شعار ابن أبي سفيان يلتقي مع وجود قاعدة ورصيد في داخل محتمع أمير المؤمنين (عليه السلام) بينما لم يكن شعار الإمام علي يلتقي مع قاعدة ورصيد في داخل مجتمع معاوية.

وثانياً: كانت طبيعة المهمة تميز معاوية عن علي بن أبي طالب (عليه السلام)، لأن أمير المؤمنين (عليه السلام) بوصفه الحاكم الشرعي، والمسؤول عن الأمة الإسلامية كان يريد أن يقضي على هذا الانشقاق الذي وجد في جسم الأمة الإسلامية وذلك بشخصية هؤلاء المنحرفين، واجبارهم بالقوة على انضمامهم إلى الخط الشرعي، وكان هذا يستدعي الدخول في الحرب، التي تفرض على الإمام علي (عليه السلام) الطلب من العراقي أن يخرج من العراق، تاركاً امنه ووحدته واستقراره، ومعيشته ورخائه، ليحارب أناساً شاميين لم يلتق معهم بعداوة سابقة، وإنما فقط بفكرة أن هؤلاء انحرفوا، ولا بد من إعادة أرض الشام للمجتمع الإسلامي والدولة الإسلامية، فكان موقف الإمام علي (عليه السلام) يتطلب ويفترض ويطرح قضية الهجوم. على أناس لا يملكون - في غالبيتهم - الوعي لخطورة تراخيهم على قمع هذا الإنحراف، انطلاقاً من عدم استيعابهم لابعاده؟!

في حين أن معاوية بن أبي سفيان، يكتفي من تلك المرحلة، بأن يحافظ على وجوده في الشام، ولم يكن يفكر (مادام أمير المؤمنين) أن يهاجم أمير المؤمنين، وأن يحارب العراق ويضم العراق إلى مملكته، وإنما كان يفكر فقط، في أن يحتفظ بهذا الثغر من الثغور للمسلمين، حتى تتهيأ له الفرص والمناسبات والظروف الموضوعية، بعد ذلك يتآمر على الزعامة المطلقة في كل ارجاء العالم الإسلامي. فمعاوية لم يكن يقول للشامي، اترك استقرارك ووحدتك، وأذهب إلى العراق محارباً، لأن هذا الشخص خارج عن طاعتي، ولكن كان الإمام علي (عليه السلام) يقول هذا للعراقي، لأن علياً (عليه السلام) كان يحمل بيده مسؤولية الأمة ، ومسؤولية إعادة وحدة المجتمع الإسلامي، بينما كان كل مكسب معاوية وهمّه أو قصارى أمله، أن يحافظ على هذا الانشقاق ويحافظ على هذه التجزئة التي أوجدها في جسم المجتمع الإسلامي. وشتان بين قضية الهجوم حينما تطرح وقضية الدفاع.

وثالثاً كان هناك فرق آخر بين معاوية والإمام (عليه السلام) وهو أن معاوية، كان يعيش في بلد لم يكن قد نشأت فيه زعامات سياسية طامحة إلى الحكم والسلطان من ناحية ولم يكن فيه أناس ذوو سابقة في الإسلام، ممن يرى لنفسه الحق أن يساهم في التخطيط وفي التقدير، وفي حساب الحاكم، وفي رسم الخط، لم يكن هكذا، الشام اسلمت على يد معاوية وأخيه، كلهم كانوا نتيجة لإِسلام معاوية ولإِسلام أخي معاوية، ولإِسلام من استخلف معاوية على الشام ولم يكن قد مني بتناقضات من هذا القبيل.

أما علي (عليه السلام) كان يعيش في مدينة الرسول (صلى الله عليه وآله) كان يعيش في حاضرة الإسلام الأولى التي عاش فيها الرسول (صلى الله عليه وآله) وعاش بعد ذلك ابو بكر، وعاش بعد ذلك عمر وعثمان، حتى قتلا، ومن ناحية كان يواجه كثيراً ممن يرون أن من حقهم أن يساهموا في التخطيط ، وأن يشتركوا في رسم الخط، كان يواجه الإمام علي (عليه السلام) اشخاصاً كانوا يرونه نداً لهم، غاية الأمر أنه ند أفضل، ند مقدم، لكنهم صحابة كما أنه هو صحابي عاش مع النبي (صلى الله عليه وآله) وعاشوا مع النبي (صلى الله عليه وآله).

طبعاً إننا نعلم أيضاً، بان خلافة الإمام علي كانت بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله) بعشرين سنة، وهذا معناه، أن ذلك الامتياز الخاص الذي كان يتمتع به أمير المؤمنين في عهد الرسول (صلى الله عليه وآله) كالنجم لا يطاول، ذاك الامتياز الخاص كان قد انتهى مفهومه وتضاءل أثره في نفوس المسلمين، الناس عاشوا عشرين سنة يرون علياً مأموماً، يرونه منقاداً، يرونه جندياً بين يدي أمير هذا الاحساس النفسي خلال عشرين سنة أذهب تلك الآثار التي خلفها عهد النبوة، وهكذا كان الإمام علي (عليه السلام) يُنظر إليه بشكل عام، عند الصحابة الذين ساهموا في حل الأمور وعقدها وكانوا يمشون في خط السقيفة، هؤلاء الصحابة الذين قدموا للإسلام في صدر حياتهم، وكانوا قد قدر لهم بعد هذا أن يمشوا في خط الإنحراف وفي خط السقيفة، هؤلاء كانوا ينظرون إلى الإمام علي الأخ الأكبر، الزبير صحيح كان يخضع لعلي (عليه السلام) لكن كان يخضع له كالاخ الاكبر لا يرى أن إسلامه مستمد منه، هذه الحقيقة الثانية الثابتة التي كانت واضحة على عهد النبي (صلى الله عليه وآله) حُرفت خلال عهد الإنحراف، خلال عهد أبي بكر وعمر وعثمان، ولهذا كان الزبير يعترف بأن علياً أفضل منه، لكنه لا يرى نفسه مجرد آلة ومجرد تابع يجب أن يؤمر فيطيع، فكان هناك أناس من هذا القبيل، هؤلاء يريدون أن يشتركوا في التخطيط ويشتركوا في رسم الخط، في ظرف هو أدق ظرف وابعده عن عقول هؤلاء القاصرين.

رابعاً كانت توجد هناك الاطماع السياسية والاحزاب السياسية التي تكونت في عهد ابن الخطاب، واستفحلت بعده نتيجة للشورى، هذه الاحزاب السياسية كان يفكر في أمرها ويفكر في مستقبلها ويفكر في أنه كيف يستفيد أكبر قدر ممكن من الفائدة في خضم هذا التناقض، وهذا بخلاف معاوية لم يكن قد مني بصحابة أجلاء يعاصرونه ويقولون له نحن صحابة كما أنت صحابي، بل كل أهل الشام مسلمون نتيجة لإسلامه وإسلام اخيه، لم ير أحد منهم رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) ولم يسمع أحد القرآن إلا عن طريق معاوية، إذن كانت حالة الاستسلام في المجتمع الشامي بالنسبة إليه لا يوجد ما يناظرها بالنسبة إلى الإمام (عليه السلام) في مجتمع المدينة والعراق.

خامساً: كان هناك فرق آخر بين الإمام (عليه السلام) ومعاوية، وحاصل هذا الفرق هو أن الإمام (عليه السلام) كان يتبنى قضية هي في صالح الاضعف من أفراد المجتمع، وكان معاوية يتبنى قضية هي في صالح الاقوى من أفراد المجتمع، أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يتبنى الإسلام بما فيه من قضايا العدالة الاجتماعية التي يمثلها النظام الاقتصادي للإسلام، وهذه القضايا لم تكن في صالح الاقوى، بل كانت في صالح الاضعف، ومعاوية كان يمثل الجاهلية بفوارقها وعنفوانها وطبقاتها، وهذا لم يكن في صالح الاضعف بل كان في صالح الاقوى، وذلك أنه بعد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) حينما دخل العراق والشام وبقية البلاد في داخل المجتمع الإسلامي، لم يقدر الخلفاء الذين تزعموا زعامة المسلمين على تذويب التنظيم القبائلي الذي كان موجوداً في هذه البلاد، بل بقي التنظيم القبائلي سائداً وبقي زعيم كل قبيلة هو الشخص الذي يرتبط كهمزة الوصل بين قبيلته وبين السلطان. وهذا التنظيم القبائلي بطبيعته، يخلق جماعة من الزعماء ومن شيوخ هذه القبائل الذين لم يربِّهم الإسلام في المرتبة السابقة ولم يعيشوا أيام النبوة عيشاً صحيحاً مما جعل من هؤلاء طبقة معينة ذات مصالح، وذات أهواء وذات مشاعر في مقابل قواعدها الشعبية مما يوفر لهم أسباب النفوذ والاعتبار.

الآن تصوروا مجتمعاً إسلامياً تركه الخلفاء المنحرفون وهو يعم بالتقسيمات القبلية بمعنى أن كل قبيلة كانت تخضع إدارياً وسياسياً لزعامة تلك القبيلة التي تشكّل كما قلنا همزة وصل بين القبيلة وبين الحاكم الذي يسهل عليه أن يرشي رؤساء هذه القبائل بقدر الامكان وهذا ما كان يفعله غير الإمام علي (عليه السلام) من الحكام وكان عاملاً من عوامل القوة بالنسبة إلى معاوية، هذه الظروف الموضوعية لم يصنعها الإمام (عليه السلام) وإنما هي صنعت خلال التاريخ وأوجدت لمعاوية مركزاً قوياً ووجد للإِمام مركز ضعف ولولا براعة التضحية وكفاءته الشخصية ورصيده الروحي في القطاعات الشعبية الخاصة الواسعة، لولا ذلك لما استطاع (عليه السلام) أن يقوم بما مرّ به نفسه من حروب داخلية خلال أربع سنوات...

هكذا بدأ الإمام بخلافته ودشن عهده، وبدأ الانقسام مع هذا العهد على يد معاوية بن أبي سفيان، وأخذ الإمام يهيئ المسلمين للقيام بمسؤولياتهم الكبيرة للقيام بدورهم في تصفية الحسابات السابقة، في تصفيتها على مستوى مالي، على المستوى الاقتصادى، على المستوى الاجتماعي على المستوى السياسي والإداري أيضاً، كل ذلك كان يحتاج إلى الكفاح والقتال فأخذ يدعو الناس إلى القتال وخرجوا إليه فعلاً. لقد درسنا إلى هنا علياً مع معاوية بحسب ظروفه الموضوعية، فلا بد وأن ندرس الذهنية العامة للمسلمين أيضاً، كيف كان يفسر هذا الخلاف الموجود بين الإمام علي ومعاوية.

الذهنية العامة للمسلمين بدأت تفسر هذا الخلاف، بأنه بين خط خلافة راشدة، وبين شخص يحاول الخروج على هذه الخلافة، كانوا ينظرون إلى الإمام علي بشكل عام على أنه هو الخليفة الراشد، الذي يريد أن يحافظ على الإسلام، ويحافظ على خط القرآن في حين أن معاوية يحاول أن يتأمر هذا المفهوم. استطاع أمير المومنين (عليه السلام) أن يثبت هذا الانطباع، بالرغم من كل الظروف الموضوعية التي قلناها، في ذهن القاعدة الشعبية الواسعة، في كل ارجاء العالم الإسلامي، عدا القطر الذي كان يرتبط بمعاوية، وهذه الذهنية هي التي كانت تصبغ المعركة بين علي ومعاوية بطابع الرسالة، كأن تعطيه معنى رسالياً. وكانت تفسر هذه المعركة بأنها معركة بين الجاهلية، بين فكرين، بين هدفين، وليست بين زعامتين وشخصيتين، إلا أن الأمر تطور إلى الأسوأ حيث إن المسلمين بدأوا يشكون شكاً واسع النطاق، بأن المعركة بين أمير المؤمنين (عليه السلام) وبين معاوية بن ابي سفيان معركة رسالية.

من الصعب جداً أن نتصور أنه كيف يمكن للمسلمين أن يشكوا في أن المعركة القائمة بين إمام الورع والتقى والعدالة، وبين شخص خائن جاهلي منحرف عدو رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) كانت معركة رسالية إلا إني لا أشك في أن عدداً كبيراً من المسلمين على مر الزمن في عهد خلافة أمير المؤمنين بدأ يشك في أن هذه المعركة أهي رسالية حقيقية أو غير رسالية وهنا يجب أن نعرف أن المسلمين الذين شكوا من هم. إنهم اولئك الذين عرفناهم عقيب وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله)، هم اولئك المسلمون الذين خلفهم الرسول فكانت خير أمة أخرجت للناس، على مستوى إيمانهم وطاقتهم الحرارية واشعاعهم وشحنهم من النبي (صلى الله عليه وآله) بشخص المبادئ التي طرحها (صلى الله عليه وآله)، ولكن لم يكن لهم من الوعي العقائدي الراسخ إلا شيء قليل، هذا المعنى شرحناه وبيناه وبينا جهاته وقلنا إن الأمة لم تكن على مستوى الوعي وإنما كانت على مستوى الطاقة الحرارية، إذن فنحن سوف لن نتوقع فيها أن تبقى مشتعلة، وتبقى على جذوتها وحرارتها بعد وفاة رسول اللّه (صلى الله عليه وآله)، يبقى هذا أيضاً غير منطقي، إذن يجب أن نفكر في أن هذه الطاقة الحرارية قد تضاءلت بدرجة كبيرة وحتى تلك الصبابة من الوعي تلك الجذور من الوعي التي كان رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) قد بدأ بها كي يواصل بعد هذا خلفاؤه المعصومون عملية توعية الأمة، حتى تلك البذور قد فتتت، واخفقت ومنع بعضها عن الاثمار، وبقي بعضها الآخر بذوراً منقسمة أيضاً. وحينما نتصور الأمة الإسلامية بهذا الشكل، من ناحية أخرى يجب أن نتصور مفهوم المسلمين عن معاوية، نحن الآن ننظر إلى معاوية بعد أن استكمل خطه من الدنيا، وبعد أن دخل الكوفة وصعد على منبر علي بن ابي طالب (عليه السلام) وقال إني لم أحاربكم لكي تصوموا أو تصلوا وإنما حاربتكم لان أتأمر علكيم، بعد أن أعلن بكل صراحة ووقاحة عن هدفه، وبعد أن طرح بكل برودة شعار الخليفة المظلوم وشعار الخليفة القتيل، دخل عليه أولاد عثمان بن عفان وقالوا له: لقد جعلنا هذا الامر وتم الأمر لك يا أمير المؤمنين، فما بالك لا تقبض على قتلة أبينا، قال: أولاً يكفيكم أنكم صرتم حكام المسلمين.

نحن ننظر إلى معاوية بعد أن ارتكب الفظائع وغير أحكام الشريعة وأبدع في السنة، ننظر إلى معاوية بعد أن استخلف يزيد ابنه على أمور المسلمين، وبعد أن قتل مئات من الأبرار والأخيار، ننظر إلى معاوية بعد أن تكشفت أوضاعه، لكن فلنفرض أن شخصاً ينظر إلى معاوية قبل أن تكشف له هذه الأوضاع، لنفترض أن أولئك الأشخاص يعيشون في إطار الأمة الإسلامية وقتئذ -، معاوية ماذا كان يكشف عن أوضاعه وقتئذ على المسلمين، الذين كانوا يدورون في فلك السقيفة، وحكومات السقيفة، ماذا كان من أوراق معاوية مكشوفاً وقتئذ؟ كان معاوية شخصاً قد مارس عمله الإداري والسياسي بعد وفاة رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) بأقل من سنة، خرج إلى المدينة وذهب إلى الشام كعامل عليها، وبقي معاوية هناك مدللاً محترماً معززاً من قبل ابن الخطاب، الذي كان ينظر إليه بشكل عام في المجتمع الإسلامي، بنظرة الاحترام والتقدير، حتى أن عمر بن الخطاب، حينما أراد أن يؤدب ولاته، استثنى معاوية من هذا التأديب، وحينما أراد أن يقاسم أموال ولاته استثنى معاوية من ذلك؟! فمعاوية كان والياً موثوقاً به معززاً من الناحية الإسلامية عند ابن الخطاب، وبعد هذا جاء عثمان فوسع من نطاق ولاية معاوية، وضم إليه عدة بلاد أخرى، إضافة إلى الشام، ولم يطرأ أي تغيير في ابن أبي سفيان، فمعاوية لم يكن شخصاً مكشوفاً بل كان شخصاً عنوانه الاجتماعي إنه حريص على كرامة الإسلام، وأنه هو الشخص الذي استطاع أن يدخل في قلب الخليفة الخشن الذي يعاتب ويعاقب، الذي كان يضرب ابنه بحد الخمر حتى يموت، هذا الخليفة لم يضرب معاوية، ولم يعاقبه، معاوية كان نتيجة الترويجات من قبل الحكام والخلفاء المنحرفين، وكان يتمتع بسمعة طيبة وبمفهوم طيب، هنا دخل الصراع لأول مرة شعار الأخذ بالثأر لدم عثمان، هذا الشعار الذي أخذه معاوية وكان يبدو للبسطاء من الناس وكثير من المغفلين، كان شعاراً له وجهة شرعية، كان يقول بأن عثمان قتل مظلوماً، وعثمان بالرغم من أنه خان الأمانة من أستهزاء بالإسلام، وبالرغم من أنه صير الدولة الإسلامية إلى دولة عشيرة وقبيلة، وبالرغم من أنه ارتكب الجرائم التي ادنى عقابها القتل، بالرغم من هذا، ابن أبي سفيان يقول: قتل عثمان مظلوماً. وليس هناك من يعرف بأن عثمان يستحق القتل، كثير من الناس البسطاء أيضاً يقولون: عثمان قتل مظلوماً. فلا بد من القصاص، فيا علي إن كنت قادراً فاعطنا قاتليه، وإن كنت عاجزاً، فانت عاجز عن أن تطبق أحكام الإسلام فاعتزل الحكم لأن الخليفة يشترط فيه القدرة على تطبيق أحكام الإسلام.

هذا هو الشعار الذي أبرزه معاوية في مقابل الإمام (عليه السلام)، والإمام (عليه السلام) في مقابل هذا الشعار لم يكن يريد بأن يصرح بأن عثمان كان جديراً بأن يقتل، أو كان يجب أن يقتل، لأنه لو صرح بهذا، لتعمق إتهام معاوية وطّور التهمة من قول أعطني، إلى قول: إنك قتلت عثمان، فبقي شعار معاوية شعاراً مضللاً إلى حد كبير.

ثم لا بد وأن نلاحظ الجهود والأتعاب والتضحيات التي قام بها المسلمون في كنف الإمام علي (عليه السلام) لا أدري هل أن أحداً جرّب أو لم يجرب هذا الإيحاء النفسي، حينما تكون المهمة صعبة على الإنسان وثقيلة، حينئذ توسوس له نفسه بالتشكيك في هذه المهمة بمختلف التشكيكات، فحينما يصعب عليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حينئذ يأخذ بالوسوسة، من قال بأن هذا الرجل مبطل، من قال أنه قادر على هذا الكلام من قال إن شروط الأمر بالمعروف تامة، وهكذا يوسوس لأجل أن يستريح من هذه المهمة، لأجل أن يلقي عن ظهره هذا العبء الكبير، كل إنسان يميل بطبعه إلى الدعة، إلى الكسل إلى الراحة إلى الاستقرار، فإذا وضعت أمامه مهام كبيرة، حينئذ، إذا وجد مجالاً للشك في هذه المهمة فسوف يكون عنده دافع نفسي إلى أن يشك، يشك لاجل أن يريد أن يشك ويشك لأجل أنه من مصلحته أن يشك، وهذا كان موجوداً على عهد الإمام (عليه السلام).

العراقيون قدموا من التضحيات شيئاً كثيراً بذلوا أموالهم ونفوسهم ودماءهم في حروب ثلاثة، آلاف من العراقيين ماتوا وقتلوا، عشرات من الأطفال يتموا آلاف من النساء أصبحن أرامل، آلاف من البيوت والعوائل تهدمت، كثير من المدن والقرى غارت عليها جيوش معاوية، كثير من هذه المآسي والويلات حلَّت بهؤلاء المسلمين، نتيجة ماذا ولأجل ماذا، لاجل أن يزداد مالهم، لا، لأجل أن يزداد جاههم، لا، وإنما لحساب الرسالة، لحساب الخط، لحساب المجتمع الإسلامي، لاجل هذا الهدف الكبير،وهذا هدف كبير أعز من كل النفوس وأعز من كل الدماء وأعز من الأموال، لكن نحن يجب أن نقدر موقف هؤلاء الذين ضحوا وبذلوا وقدموا، ثم أصبحوا يشككون لأن من مصلحتهم أن يشككو، وأصبح الإمام يدفعهم فلا يندفعون، يحركهم، فلا يتحركون، لماذا، لأن من مصلحتهم أن يعطوا للمعركة مفهوماً جديداً، وهو أن القصة قصة زعامة علي أو معاوية ، ما بالنا وعلي ومعاوية، أما أن يكون هذا زعيماً وأما أن يكون ذلك رعيماً، نحن نقف على الحياد ونتفرج، فأما أن يتم الأمر لهذا أو لذاك، هذا التعبير بداياته، وهذا التفسير الذي اوحت مصلحة هؤلاء وهؤلاء هو الذي كان يشكل عقبة دون أن يتحركوا دون أن يتحرك هؤلاء من جديد إلى خط الجهاد، هذا التعبير هو الذي جعل أمير المؤمنين (عليه السلام) يبكي من على المنبر، وينعي أصحابه الذين ذهبوا، اولئك الذين لم يشكوا في خطه وفيه لحظة اولئك الذين آمنوا به إلى آخر لحظة، اولئك الذين كانوا ينظرون إليه كامتداد لرسول اللّه (صلى الله عليه وآله)، من قبيل عمار وأمثاله، هذا عمار الذي وقف بين الصفين، ووضع سيفه على بطنه، وقال: واللّه إنك تعلم لو كان رضاك أن تغمد هذا في بطني حتى أخرجته من ظهري لفعلته، واللّه إنك تعلم أني لا أعلم رضا إلا في قتال هؤلاء المائعين المنحرفين، كان يبكي لأمثال عمار، لأن عماراً وامثاله كانوا قد ارتفعوا فوق هذه الشكوك، قد طلقوا مصالحهم الشخصية لمصلحة الرسالة، كانوا قد غضوا النظر عن كل الاعتبارات الخاصة في سبيل حماية كيان الإسلام، وفي سبيل إعادة مجد المجتمع الإسلامي ووحدة المجتمع الإسلامي إلى هؤلاء.

أصبح هؤلاء الذين كانوا يفكرون في الهموم الكبيرة يفكرون في الهموم الصغيرة، أصبحوا يفكرون في قضاياهم، يجب أن لانعتب عليهم، نحن اسوأ منهم فنحن لم نرتفع لحظة هكذاً، نهبط وهؤلاء أرتفعوا لحظة ثم هبطوا. هؤلاء خرجوا من بلادهم وطلقوا نساءهم وأطفالهم وأموالهم في سبيل اللّه، وفي سبيل قضية ليس لهم ربح مادي فيها. هؤلاء فعلوا هذا ساعة ثم أدركهم الشيطان، أما نحن لا ندري إذا وقفنا مثل هذا الموقف هل نصمد ولو ساعة أو نبقى مكاننا، على أي حال هؤلاء كانوا ثلة، لم يكونوا عمار بن ياسر، هؤلاء بدأ الشك يتسرب إلى نفوسهم، بدأوا يشكون في هذا الإمام (عليه السلام) الصالح حتى تمنى الموت، لأن الإمام (عليه السلام) أصبح يحس أنه أنقطع عن هؤلاء، وأصبح منفصلاً عنهم. إنهم أصبحوا لا يفهمون أهداف رسالته. ومن أمرّ ما يمكن أن يقاسيه زعيم أو قائد أن يعيش في جماعة لا تتفاعل معه فكرياً، ولا تعيش مع أهدافه ولا مع خطه، مع إنسان يبذل كل ما لديه في سبيلهم، وهم لا يحسون أن كل هذا في سبيلهم، وإنما يشكون فيه، في نيته، هذا هو الامتحان العسير الذي قاساه أفضل الصلاة والسلام عليه، لكن بالرغم من كل هذا الامتحان يحاول أن يبث من روحه الكبير في هذا المجتمع المتفتت الذي بدأ يشك، والذي بدأ يتوقف. كان يحاول أن يبث فيهم من روحه الكبير، إلى أن خر شهيداً في مسجد الكوفة.