|
مؤتمر السقيفة الانقلابي ومواقف المعارضة الإسلامية |
|
يعتقد بعض العوام من أهل السنة بأن معارضة ما، لم تحدث لمقررات مؤتمر السقيفة الذي عقدته سنة إحدى عشر للهجرة في سقيفة بني ساعدة بالمدينة المنورة، زمرة من الصحابة الذين شملتهم آية (انقلبتم على أعقابكم)، تاركين جثمان الرسول الأعظم محمد (صلى الله عليه وآله) بلا تجهيز ولا دفن، لانتخاب الخليفة الأول. ولعل الكثير من هؤلاء لا يزال يظن بأن عملية تنصيب أبي بكر التي تمخض عنها ذلك المؤتمر، إنما تمت بحضور المسلمين كلهم أو بعض ممن يسمون بأهل الحل والعقد على أقل تقدير. أو لعله فهم أو فُهّم بأن الأمر قد تم بطريق التصويت والانتخاب الحر، أو إجماع أهل الرأي مثلا.. ولذلك فهو يحتج على من يناقش بهذا الموضوع أو يطرح فيه رأيا، على اعتبار أنه أمر مفروغ منه مرتفع عن المناقشة بل مسلمة من المسلمات. وهذا من أفحش الجهل وأقبحه، لأن الواقع التاريخي يكشف وبكل جلاء هزال أطروحة شرعية الخلافة التي أقرها مؤتمر السقيفة التآمري وهو لازال منذ عُقد إلى يومنا هذا، يواجه الأسئلة المحرجة التي لا يستطيع أحد الإجابة عليها خروجا من المأزق، ولا يزال يخوض المواجهات مع معارضيه من أصحاب الفكر الحر والعقيدة السليمة الخالية من التعصب، القائمة على أساس الحق والصدق مع الله والنفس والتاريخ. على أننا هنا نحاول استقراء وتحليل بعض مواقف المعارضة التاريخية التي جابهت اجتماع السقيفة التآمري، منذ يومه الأول، ليعيد النظر ويحسن التقويم من أراد بلوغ الحقيقة وكشف حجاب التعتيم عن وجهها، فلم يعد له مسوغ باتهام الآخرين بالمروق عن قوس الإسلام إذا ما أراد مناقشة في مسألة هي من أعقد وأهم المسائل التي عاشت نتائجها الأمة الإسلامية بمرارة ما أقساها!!
1- المعارضة الأنصارية: في بداية الأمر, ظهرت المعارضة الأنصارية قوية متماسكة. لكنها سرعان ما انهارت تحت وطأة الصراعات الخزرجية الداخلية, والخزرجية الأوسية. وكان رأس هذه المعارضة الأمير الخزرجي سعد بن عبادة. فمن هو سعد؟ وماذا كانت مواقفه من البيعة؟ وماذا كانت مواقف جماعة الحكم منه؟! جاء في (الاصابة): سعد بن عبادة, (سيد الخزرج, شهد العقبة, واختلف في شهوده بدرا, فأثبته البخاري, وقال ابن سعد, كان يتهيأ للخروج فنهس فأقام, وقال النبي (صلى الله عليه وآله): لقد كان حريصا عليها. قال ابن سعد: وكان يكتب بالعربية, ويحسن العلوم والرمي, فكان يقال له الكامل, وكان مشهورا بالجود هو وأبوه وجده وولده, وكان لهم أطم ينادى عليه كل يوم, وكانت جفنة سعد تدور مع النبي (صلى الله عليه وآله) في بيوت أزواجه. عن ابن عباس: كان لرسول الله (صلى الله عليه وآله) في المواطن كلها رايتان, مع علي راية المهاجرين, ومع سعد بن عبادة راية الأنصار. وعن قيس بن سعد: زارنا النبي (صلى الله عليه وآله) في منزلنا, فقال: السلام عليكم ورحمة الله... ثم رفع يده, فقال: اللهم اجعل صلواتك ورحمتك على آل سعد بن عبادة. ومن حديث جابر, قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): جزى الله عنا الأنصار خيرا لا سيما عبد الله بن عمرو بن حرام وسعد بن عبادة. روى ابن أبي الدنيا عن طريق ابن سيرين, فقال: كان أهل الصفة إذا أمسوا انطلق الرجل بالواحد, والرجل بالاثنين, والرجل بالجماعة, فأما سعد بن عبادة فكان ينطلق بالثمانين. وروى الدار قطني في كتاب الأسخياء, عن طريق هشام بن عروة عن أبيه, قال: كان منادي سعد ينادي على أطمه: من يريد شحما ولحما فليأت سعدا؛ وكان سعد يقول: اللهم هب لي مجدا, لا مجد إلا بفعال, ولا فعال إلا بمال, اللهم إنه لا يصلحني إلا القليل ولا أصلح عليه). كانت راية الأنصار بيده يوم الفتح. وكان النبي استخلفه مرة في السنة الثانية عشرة للهجرة خمس عشرة ليلة, مدة غيبته عن المدينة. رفض سعد مبايعة أبي بكر. فتركوه(أياما ثم بعث إليه أن أقبل فبايع, فقد بايع الناس وبايع قومك فقال: أما والله حتى أرميكم بما في كنانتي من نبل وأخضب سنان رمحي, وأضربكم بسيفي ما ملكته يدي, وأقاتلكم بأهل بيتي ومن أطاعني من قومي فلا أفعل. وأيم الله لو أن الجن اجتمعت لكم مع الإنس ما بايعتكم حتى أعرض على ربي وأعلم ما حسابي). فلما أتي أبو بكر بذلك, قال عمر: لا تدعه حتى يبايع. فقال له بشير بن سعد: إنه قد لج وأبي, وليس بمبايعكم حتى يقتل, وليس بمقتول حتى يقتل معه ولده وأهل بيته وطائفة من عشيرته, فاتركوه فليس تركه بضارّكم, إنما هو برجل واحد. فتركوه وقبلوا مشورة بشير بن سعد, واستنصحه لما بدا لهم منه, فكان سعد لا يصلي بصلاتهم, ولا يجتمع معهم, ولا يحج ولا يفيض معهم بإفاضتهم. فلم يزل كذلك حتى توفي أبو بكر وولي عمر. ولما ولي عمر الخلافة, لقيه في بعض طرق المدينة, فقال له: إيه يا سعد؟! فقال له: إيه يا عمر؟! فقال له عمر: أنت صاحب المقالة؟ قال سعد: نعم! أنا ذلك! وقد أفضى إليك هذا الأمر! كان والله صاحبك أحب إلينا منك, وقد أصبحت والله كارها لجوارك! فقال عمر: من كره جوار جار تحول عنه! فقال سعد: ما أنا غير مستسر بذلك, وأنا متحول إلى جوار من هو خير منك! فلم يلبث قليلا حتى خرج إلى الشام في أول خلافة عمر. وفي الشام, التي كانت وقتئذ تحت حكم عمر, وجد سعد مقتولا. وقد اتفق كثير من كبار المؤرخين الإسلاميين على أن الجن قتلته). لكن(البلاذري) يرفض رواية (الجن) السابقة, فيقول: إن سعد بن عبادة لم يبايع أبا بكر وخرج إلى الشام, فبعث عمر رجلا, وقال: ادعه إلى البيعة واختل له, فإن أبي فاستعن بالله عليه! فقدم الرجل الشام, فوجد سعدا في حائط بحوارين [إحدى قرى الشام], فدعاه إلى البيعة, فقال: لا أبايع قرشيا أبدا! قال: فإني قاتلك! قال: وإن قاتلتني؟ قال: أ فخارج أنت مما دخلت فيه الأمة؟! قال: أما من البيعة فإني خارج! فرماه بسهم, فقتله!). وفي(تبصرة العوام), قيل إنهم(أرسلوا محمد بن مسلمة الأنصاري فرماه بسهم, وإن خالدا[ابن الوليد] كان في الشام يومذاك, فأعانه على ذلك). المعارض الأنصاري الشهير الآخر, كان الحباب بن المنذر وهو (خزرجي), قال ابن سعد: (شهد بدرا. وقصته في بدر معروفة. فقد قال للنبي: يا رسول الله, أهذا منزل أنزلكه الله ليس لنا أن نتعداه أم هو الرأي والحرب؟ فقال: بل هو الرأي والحرب. فقال الحباب: كلا ليس هذا بمنزل. فقبل منه النبي (صلى الله عليه وآله)). وإذا كان سعد بن عبادة قد دفع حياته ثمنا لمعارضته, فإن الحباب بن المنذر اختار أن يسالم, فاستسلم للضغوط, وبايع.
2- المعارضة الهاشمية: كان بنو هاشم منشغلين (وحدهم تقريبا) بغسل النبي وتجهيزه حين كان الصراع على أشده حول خلافة أبي بكر بين المهاجرين والأنصار في سقيفة بني ساعدة. وبعد مبايعة أبي بكر,(أقبلت الجماعة التي بايعته تزفه إلى مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله), فصعد على المنبر فبايعه الناس حتى أمسى, وشغلوا عن دفن رسول الله حتى كانت ليلة الثلاثاء). (سمع العباس وعلي التكبير في المسجد ولم يفرغوا من غسل رسول الله (صلى الله عليه وآله). فقال علي: ما هذا؟ قال العباس: ما رؤي مثل هذا قط! أما قلت لك؟). (وجاء البراء بن عازب فضرب الباب على بني هاشم, وقال: يا معشر بني هاشم! بويع أبو بكر! فقال بعضهم لبعض: ما كان المسلمون يحدثون حدثا نغيب عنه ونحن أولى بمحمد! فقال العباس: فعلوها ورب الكعبة! وكان عامة المهاجرين وجل الأنصار لا يشكون أن عليا هو صاحب الأمر بعد رسول الله). (غضب رجال من المهاجرين في بيعة أبي بكر, منهم علي بن أبي طالب والزبير[بن العوام]و فدخلا بيت فاطمة ومعهما السلاح): لقد (اجتمعوا على أن يبايعوا عليا). (بلغ أبا بكر عمر بن الخطاب ليخرجهم من بيت فاطمة, وقال له: إن أبوا فقاتلهم). أما عن علي, فقد قال أبو بكر لعمر:(ائتني به بأعنف العنف). (انطلق عمر وخالد بن الوليد إلى بيت فاطمة),(حتى هجموا على الدار),(فخرج عليهم الزبير مصلتا بالسيف, فعثر, فسقط السيف من يده, فوثبوا عليه, فأخذوه). وكان الزبير, يقول: (لا أحد أولى بهذا الأمر من علي بن أبي طالب). وفي رواية أخرى, سأل عمر الزبير:(ما هذا السيف؟ قال: أعددته لأبايع عليا! وكان في البيت ناس كثير منهم المقداد وجمهور من الهاشميين, فاخترط عمر السيف وضرب به صخرة في البيت فكسره, ثم أخرجوا الزبير إلى خالد ومن معه, وكان معه جمع كثير, أرسلهم أبو بكر ردءا لعمر وخالد). ويقول اليعقوبي, أنهم (هجموا على الدار, وخرج علي ومعه السيف, فلقيتهم فاطمة, فقالت: يا ابن الخطاب! أ جئت لتحرق دارنا؟! قال: نعم! أو تدخلوا فيما دخلت فيه الأمة). وفي رواية أخرى أن فاطمة تلقفت عمر (على الباب, فقالت فاطمة: يا بن الخطاب! أتراك محرقا علي بابي؟! قال: نعم!). ويذكر عروة بن الزبير أن (أرهب بنو هاشم وجمع لهم الحطب لتحريقهم إذا هم أبوا البيعة في ما سلف). وأخيرا(دخلوا الدار, فخرجت فاطمة, فقالت: والله لتخرجن أو لأكشفن شعري ولأعجن إلى الله! فخرجوا وخرج من كان في الدار). في واقع الأمر, كان تهديد عمر عليا بالإحراق وسيلة لإجباره على المبايعة. فقد قال عمر لعلي: (والذي نفسي بيده لتخرجن إلى البيعة أو لأحرقن البيت عليكم). لكن عليا لم يرضخ للتهديد. فعاد, عمر, ليقول: (قم فبايع! فتلكأ[علي] واحتبس. فأخذ بيده, وقال: قم! فأبي. فحملوه, ودفعوه إلى خالد كما دفعوا الزبير؛ وساقهما عمر ومن معه من الرجال سوقا عنيفا, واجتمعت الناس ينظرون, وامتلأت شوارع المدينة بالرجال؛ فلما رأت فاطمة ما صنع عمر صرخت وولولت, واجتمع معها نساء كثيرات من الهاشميات وغيرهن, فخرجت إلى باب حجرتها, ونادت: يا أبا بكر! ما أسرع ما أغرتم على أهل بيت رسول الله لا أكلم عمر حتى ألقى الله).
دور العباس: بدا التحالف الهاشمي وكأنه يشكل عقبة فعلية في وجه خلافة أبي بكر, فما كان من الخليفة إلا أن راح يستفسر عن وسيلة يكسر بها هذا التحالف. هنا, قال له المغيرة بن شعبة: (الرأي أن تلقى العباس بن عبد المطلب فتجعل له في هذا الأمر نصيبا يكون له ولعقبه من بعده فتقطعون به ناحية علي بن أبي طالب وتكون لكما[أبو بكر وعمر] حجة على علي إذا مال معكم). فانطلق أبو بكر وعمر والمغيرة حتى دخلوا على العباس ليلا, فقال له أبو بكر: أن الناس (اختاروني عليهم واليا؛ وما أنفك يبلغني عن طاعن بقول الخلاف على عامة المسلمين يتخذكم لجأ؛ ولقد جئناك ونحن نريد أن نجعل لك في الأمر نصيبا يكون لك ويكون لمن بعدك من عقبك! على رسلكم يا بني هاشم! فان رسول الله منا ومنكم). مقابل محاولة الرشوة الاسترضائية السابقة, قال عمر بحزم, ضمن إطار لعبة الحمائم والصقور: (إنا لم نأتكم لحاجة إليكم, ولكن كرها أن يكون الطعن في ما أجمع عليه المسلمون منكم فيتفاقم الخطب بكم وبهم, فانظروا لأنفسكم). أجاب العباس: (أن كنت برسول الله طلبت, فحقنا أخذت, وان كنت بالمؤمنين أخذت, فنحن منهم. ما أبعد قولك من أنهم طعنوا عليك من قولك انهم اختاروك ومالوا إليك؛ وما أبعد تسميتك خليفة رسول الله من قولك خلى على الناس أمورهم ليختاروا فاختاروك. فأما ما قلت أنك تجعله لي, فإن كان حقا للمؤمنين فليس لك أن تحكم فيه[أو: فإن يكن حقا لك فلا حاجة لنا فيه], وإن كان لنا فلم نرض ببعضه دون بعض, وعلى رسلك! فإن رسول الله من شجرة نحن أغصانها وأنتم جيرانها). فخرجوا من عنده.
دور فاطمة الزهراء (عليها السلام): ما كاد ينتهي هجوم الحكم على بيت فاطمة بنت النبي ومحاولتهم إحراقه, حتى تفجرت أزمات جديدة, ساهمت في تعميق الهوة بين الزهراء والحكم. ولعب أبو بكر الدور الأبرز في خلق تلك الهوة, عن طريق خلق مصاعب أمام أطراف التحالف الهاشمي لدفعهم في النهاية إلى مبايعته. فعلى سبيل المثال, اختار أبو بكر, بعد وفاة النبي, أن يسقط سهم الرسول وسهم بني هاشم من الخمس. وكان النبي يخص ذاته بسهم من الخمس, ويخص أقاربه من بني هاشم بسهم آخر منه, ولم يعهد بتغيير ذلك حتى توفي. اعتمادا على الآية الكريمة:(اعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى). مثال آخر هو فدك. وفدك أرض كانت ملكا للنبي. (ولما مات رسول الله(صلى الله عليه وآله), ادعت فاطمة (عليها السلام) أنه كان ينحلها فدكا؛ فقال يجوز أن أحكم لك! فشهدت لها أم أيمن ومولى لرسول الله, فطلب منها أبو بكر الشاهد الذي يجوز قبول شهادته في الشرع, فلم يكن). أما المولى الذي تهيب الرازي عن ذكر اسمه, فهو علي بن أبي طالب(عليه السلام). مثال ثالث: مطالبة فاطمة بحصتها من خيبر وإرثها مما أفاء الله على الخليفة في المدينة. فرفض أبو بكر ذلك محتجا بحديث نبوي يقول إن الأنبياء لا يورثون, فما تركوه صدقة. لكن الزهراء احتجت عليه بآية قرآنية تقول عن لسان زكريا في حديثه عن ابنه يحيى: (يرثني ويرث من آل يعقوب). اجتمعت أمور كثيرة, أثارت سخط الزهراء, فجاءت إلى أبي بكر وعمر, وقالت: (نشدتكما الله, ألم تسمعا رسول الله (صلى الله عليه وآله), يقول: رضا فاطمة من رضاي وسخط فاطمة من سخطي, فمن أحب فاطمة فقد أرضاني ومن أسخط فاطمة فقد أسخطني؟ قالوا: نعم! سمعناه من رسول الله! قالت: فإني أشهد الله وملائكة أنكما أسخطتماني وما أرضيتماني, ولئن لقيت النبي لأشكونكما إليه). يبدو أن توالي النكبات على ابنة النبي سارع في وفاتها, فلم تعش بعد أبيها غير ستة أشهر, قضتها مخاصمة لأبي بكر, فلم تكلمه حتى ماتت, دفنها زوجها علي ليلا وصلى عليها, ولم يؤذن بها أبا بكر.
مواقف بني هاشم: كانت مواقف بني هاشم عموم تنم عن قناعتهم الراسخة بأن الخلافة لعلي, وأن أبا بكر أخذها منه عنوة. فكانت الزهراء, تقول على سبيل المثال: (ويحهم أنى زحزحوها عن رواسي الرسالة وقواعد النبوة؟ ألا ذلك الخسران المبين ما الذي نقموا من أبي الحسن؟ استبدلوا والله الذناب بالقوادم والعجز بالكاهل؟ ألا أنهم هم المفسدون ولكن لا يعلمون). أما ابن عباس فكان يرى أن النبي, أثناء مرضه الأخير, أراد أن يصرح باسم علي خليفة له من بعده, لكن عمر منعه عن ذلك. ويبدو هذا واضحا في قول ابن عباس لعمر: (كان[النبي] يربع في أمره وقتا, ولقد أراد في مرضه أن يصرح باسمه[علي] فمنعته من ذلك). كذلك كان عقبة بن أبي لهب يطالب بالخلافة لابن عمه, علي بن أبي طالب. لهذا لا نستغرب إذا وجدنا الحسن بن علي, يقول لأبي بكر, وهو على منبر النبي: (انزل عن مجلس أبي!). فيرد أبو بكر: (صدقت والله! انه لمجلس أبيك).
علي بن أبي طالب: الثابت والمتحولات: كان علي بن أبي طالب يؤمن بأحقيته في الخلافة, دون غيره, يستند في ذلك على نصوص نبوية عديدة, تبرز دون لبس, أن النبي اختاره خليفة له ووصيا. من تلك النصوص الشهيرة؛ نص يوم الإنذار في دار أبي طالب, حين دعا النبي عشيرته الأقربين, كما طلب إليه:(وأنذر عشيرتك الأقربين). وانتهى بأن أخذ بيد علي, وكان صبيا صغيرا, وقال: (هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم, فاسمعوا له وأطيعوا). ومن وجهة نظر دينية, يحتل هذا النص مكانة خاصة, بسبب سن علي آنذاك وأعمار أولئك الذين يوجه النبي كلامه إليهم. كذلك تذكر مصادر عديدة, أن النبي, قال لعلي:(لا ينبغي أن أذهب إلا وأنت خليفتي). من هنا, كان رفض علي الواضح لخلافة أبي بكر. فحين جاءوا إليه, وقالوا (له بايع! قال: أنا أحق بهذا الأمر منكم, لا أبايعك وأنتم أولى بالبيعة لي؛ أخذتم هذا الأمر من الأنصار, واحتججتم عليهم بالقرابة من رسول الله, فأعطوكم المقادة وسلموا إليكم الأمارة, وأنا أحتج عليكم بمثل ما احتججتم به على الأنصار, فانصفونا أن كنتم تخالفون الله من أنفسكم, واعرفوا لنا الأمر مثل ما عرفت الأنصار لكم, وإلا فبوءوا بالظلم وأنتم تعلمون. قال عمر: إنك لست متروكا حتى تبايع): يبدو أن عليا كان يفهم سبب إصرار عمر على المبايعة, فقد قال علي لعمر:(أحلب حلبا لك شطره, والله ما حرصك على إمارته إلا ليؤثرك غدا). وفي نص آخر: (أحلب يا عمر حلبا لك شطره؛ أشدد له اليوم ليرد عليك غدا. لا والله لا أقبل قولك ولا أتابعه! فقال له أبو بكر[بأسلوبه اللين]: فإن لم تبايعني لم أكرهك. فقال له أبو عبيدة: يا أبا الحسن! إنك حدث السن وهؤلاء مشيخة قومك, ليس لك مثل تجربتهم ومعرفتهم بالأمور, ولا أرى أبا بكر ألا أقوى على هذا الأمر منك وأشد احتمالا واضطلاعا به؛ فسلم له هذا الأمر وارض به؛ فإنك إن تعش ويطل عمرك فأنت لهذا الأمر لخليق وعليه حقيق في فضلك وقرابتك وسابقتك وجهادك. فقال علي: يا معشر المهاجرين! لا تخرجوا سلطان محمد عن داره وبيته إلى بيوتكم ودوركم! نحن أهل البيت أحق بهذا الأمر منكم. فلا تتبعوا الهوى فتزدادوا عن الحق بعدا. فقال بشير بن سعد: لو كان هذا الكلام سمعته منك الأنصار يا علي قبل بيعتهم لأبي بكر ما اختلف عليك اثنان, ولكنهم قد بايعوا. وانصرف علي إلى منزله ولم يبايع). لكن يبدو أن الرياح كانت تسير بعكس ما يشتهي علي. وتخبرنا بعض المصادر, مثلا, أن جماعة اجتمعت (إلى علي بن أبي طالب يدعونه إلى البيعة, فقال لهم: اغدوا علي محلقين الرؤوس. فلم يغد إلا ثلاثة نفر. كذلك يخبرنا مرجع آخر, أن عليا كان (يحمل فاطمة على حمار,[ويسير] بها إلى بيوت الأنصار يسألهم النصرة, وتسألهم فاطمة الانتصار له, فكانوا يقولون: يا بنت رسول الله! قد مضت بيعتنا لهذا الرجل, ولو كان ابن عمك سبق إلينا أبا بكر ما عدلنا به. فقال علي: أ فكنت أترك رسول الله (صلى الله عليه وآله) ميتا لم أجهزه وأخرج إلى الناس أنازعهم في سلطانه؟! فقالت فاطمة: ما صنع أبو حسن إلا ما كان ينبغي له, ولقد صنعوا ما الله حسيبهم عليه. لعب أسلوب الترغيب(مثال العباس) والترهيب (مثال سعد بن عبادة), الذي استخدمته جماعة الحكم, دوره الأبرز في تقاعس الناس عن نصرة علي- أسلوب استمر طويلا بعد استقرار الحكم لأبي بكر في المدينة, فعلى سبيل المثال: رفض خالد بن سعيد بن العاص مبايعة أبي بكر, وانحاز إلى علي. لكنه خضع بعد ذلك لضغط الظروف, وبايع. (وبعث أبو بكر الجنود إلى الشام وكان أول من استعمل على ربع منها خالد بن سعيد, فأخذ عمر يقول: أتؤمره وقد صنع ما صنع وقال ما قال؟! فلم يزل بأبي بكر حتى عزله, وأمر يزيد بن أبي سفيان).
مناقشة نصوص السقيفة: قال عمر بن الخطاب: (كانت بيعة أبي بكر فلتة وقي الله شرها).- لماذا؟ لقد لاحظنا أولا أن أبا بكر وعمر بن الخطاب تثاقلا عن المضي في سرية أسامة بن زيد لشعورهما, على الأرجح, بدنو أجل النبي وخوفهما بالتالي من أن يتوفى النبي ويعين الخليفة في غيابهما. من ناحية أخرى, أراد النبي, وقد رأى أن خطته بإنفاذ هؤلاء في سرية أسامة بن زيد لم تكتمل, أن يملي على المسلمين وصيته التي كانت ستتضمن حتما أشياء لن تعجب عمر بن الخطاب- كان أبو بكر غائبا- فاحتج عمر بقوله, إن النبي يهذو. غاب بنو هاشم عن سقيفة ومجريات الأمور فيها لانشغالهم بغسل النبي وتجهيزه. لكن الأنصار, الذين لم ينتظروا حتى يدفن النبي ويكتمل حضور الجماعة الإسلامية الأولى, اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة لاختيار خليفة للنبي منهم. وحين سمعت مراكز القوى القرشية بذلك, تدافعت إلى السقيفة كي تحبط مسعى الأنصار. بدا الموقف الأنصاري ضعيفا منقسما منذ البداية الأولى. يضاف إلى ذلك الحس القبلي عند بعض الأنصار, الذي كان يقول, إن الأنصار, رغم أنهم هم الذين أعزوا الني وأصحابه وجاهدوا أعداءه حتى استقامت العرب, إلا أن قريش أهله وعشيرته, وهم الأحق بخلافته؛ لذلك أقترح في البداية أن يكون أمير أنصاري وأمير قرشي, فرد سعد بن عبادة: هذا أول الوهن. مقابل ذلك, بدا الموقف القرشي, في غياب بني هاشم, متراصا خلف عمر بن الخطاب. وحين حضر القرشيون إلى السقيفة, احتج أبو بكر بأن قريش أولياء النبي وعشيرته وأحق الناس بالخلافة من بعده؛ وحاول استرضاء الأنصار, بالقول: نحن الأمراء وأنتم الوزراء؛ فوقف الحباب بن المنذر, وقد أضعف وضع سعد بن عبادة الصحي موقف الأنصار, ليحتج على القرشيين, بالقول, إن البلاد بلاد الأنصار, وطالب بإجلاء قريش عن المدينة. بعدها, جاء أول تنازل أنصاري والذي جر وراءه تنازلات كثيرة: منا أمير ومنكم أمير. لكن عمر رفض ذلك بحسم, محتجا أيضا بالحس القبلي ذاته: نحن أولياء النبي وعشيرته. فجاء رد الحباب العنيف: أجلوهم عن هذه البلاد, فبأسيافكم دان لهذا الدين من لم يكن يدين به. لكن التنافس الأوسي الخزرجي من جهة, والتنافس الخزرجي من جهة أخرى, قضيا على أي أمل للأنصار في تسلم سدة الحكم. فقد كانت ذكرى حرب البعاث, التي لم يكن قد مضى عليها سنوات كثيرة, بين الأوس والخزرج, ماثلة ي البال. لذلك خاف الأوس من سلطة الخزرج؛ وخافوا أكثر من أنهم إذا دعموهم للوصول إلى سدة الحكم, أن لا يجعلوا لهم فيه نصيبا, وتكون لهم بذلك فضيلة. فوقف بالتالي زعيم الأوس, أسيد بن حضير, أبرز منافسي سعد بن عبادة وحساده, ليطالب بمبايعة أبي بكر, دون أن ننسى طبعا العلاقة المميزة التي كانت تربط أسيد بن حضير بأبي بكر وعمر. ومن ناحية أخرى, فقد بايع بشير بن سعد الخزرجي أبا بكر, حتى لا تذهب الخلافة إلى ابن عمه ومنافسه سعد بن عبادة. وعلل ذلك بقوله إنه يكره منافسة قوم (حقا جعله الله لهم)؛ رغم هذا, كان موقف بشير غير مستقر, يتذبذب بين تأييد أبي بكر والانتصار لعلي (عليه السلام). أخيرا, كان لمجيء قبيلة (أسلم), التي (ملأت شوارع المدينة), وبايعت أبا بكر, أثره الحاسم في دعم موقف جماعة الحكم ضد الأطراف الأنصارية المعارضة.
الهاشميون: بدا أن القرشيين- عدا بني هاشم- والأنصار كانوا منشغلين بصراعات الحكم إلى درجة أنهم نسوا غسل النبي وتجهيزه, رغم استمرار ذلك من الاثنين حتى عصر الثلاثاء. بل إن انشغال أبي بكر وعمر بأفراح التنصيب منعهما من حضور مراسم ودفن النبي. لم يعلم بنو هاشم, وبينهم علي, بمجريات الأمور في السقيفة وما بعد, حتى تعالت أصوات الفرح بمبايعة أبي بكر في المسجد: كان بنو هاشم منشغلين بتجهيز النبي للدفن. وبعد استقرار البيعة لأبي بكر, حاولت جماعة الحكم, فرض الأمر على علي وبني هاشم بالقوة: لكنهم فشلوا. وكان لفاطمة الزهراء, ابنة النبي الوحيدة آنذاك, بما تشكل من ثقل معنوي كبير, أبرز الأثر في إفشال مخطط جماعة الحكم. لذلك, كانت محاولاتهم المتكررة للضغط على الزهراء (عليها السلام): 1- حرمان بني هاشم من الخمس, الذي كان سيتيح لهم فرصة الاستقلال المادي عن جماعة الحكم ويساعدهم بالتالي على الاستقلال الفكري العقائدي أيضا. 2- رفضهم إعطاء فاطمة حقها من الإرث في فدك؛ وقد فسر علي بن الفارقي المعتزلي الأمر كما يلي: (لو أعطاها اليوم فدكا بمجرد دعواها لجاءت إليه غدا وادعت لزوجها الخلافة وزحزحته عن مقامه ولم يمكنه حينئذ الاعتذار بشيء لأنه قد سجل على نفسه بأنها صادقة فيما تدعي كائنا ما كان, من غير الحاجة إلى بينة والى شهود). - هذا يقودنا إلى السؤال المشروع التالي: هل يعقل أن يطالب أبو بكر, فاطمة الزهراء, ابنة النبي وخديجة وزوجة علي وأم الحسن والحسين, بتقديم أدلة على صحة أقوالها أيا كانت؟ وإذا كانت فاطمة بحاجة إلى دلائل على صحة أقوالها, فمن هو ذا, في طول التاريخ الإسلامي وعرضه, الذي سنصدق أقواله دون دلائل قاطعة؟! إن التناقضات تحتل صدر الصورة في النصوص المتعلقة بفاطمة الزهراء (عليها السلام) في كتب التراث. فقد نقلت تلك الكتب عن أبي بكر قوله, فيما يتعلق بالإرث النبوي, إن الأنبياء لا يورثون؛ ونسب هذا القول للنبي ذاته. مع ذلك فاحتجاج الزهراء بالقرآن الكريم: (يرثني ويرث من آل يعقوب), يفتح باب التناقض على مصراعيه: فإذا افترضنا أن المقصود بالإرث في الآية الكريمة هو الإرث المادي, فذلك يعني أن لفاطمة الحق الكامل في الإرث النبوي؛ وإذا كان المقصود بذلك الإرث المعنوي, لكان لها أيضا الحق الكامل في هذا الإرث المعنوي: الخلافة. كذلك فإن رفض أبي بكر شهادة علي بن أبي طالب (عليه السلام) في قضية الميراث يتناقض تماما مع قول النبي عن علي, إن الحق معه, يدور حيثما دار. أما التناقض الأبرز فيبدو صارخا في تضارب الأقوال التالية, الذي لا سبيل إلى حله: نقل عن النبي قوله لابنته الزهراء وعنها: (الله يغضب لغضبك ويرضى لرضاك)؛ (فاطمة بضع مني يؤذيني ما آذاها ويريبني ما رابها)؛ (فاطمة بضعة مني يغضبني ما أغضبها. وقال النبهاني: وفي رواية فمن أغضبها أغضبني), (فاطمة بضعة مني يقبضني ما يقبضها ويبسطني ما يبسطها). من ناحية أخرى, جاء في أمهات الكتب الإسلامية أن فاطمة (وجدت على أبي بكر فهجرته فلم تكلمه حتى ماتت)؛ وجاء أيضا: ( غضبت فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) فهجرت أبا بكر, فلم تزل مهاجرته حتى توفيت)؛ وأيضا: (غضبت فاطمة على أبي بكر فهجرته, فلم تكلمه حتى ماتت). مقابل ذلك, تنسب تلك الكتب إلى النبي أقوالا, مثل: (من كره من أميره شيئا فليصبر, فإنه من خرج من السلطان شبرا مات ميتة جاهلية)؛ (من رأى من إمامه شيئا فليصبر, فإنه من فارق الجماعة شبرا فمات, مات ميتة جاهلية.. ليس أحد خرج من السلطان شبرا فمات عليه, إلا مات ميتة جاهلية). يبقى السؤال: من كان الله ورسوله غاضبين عليه؛ ومن الذي مات ميتة جاهلية؟!!
|