عودة إلى صفحة حقائق من التاريخ

 

كانوا بشراً ..!!

سيد القمنى

عابوا علينا في مناقشتنا (حد الردة) في الأعداد الماضية أمورا ثلاثة :

أولها: أن فيها استهانة برموز الإسلام من كبار الصحابة والطعن عليهم، وهم من قال النبي بشأنهم "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدى عضوا عليها بالنواجذ" (مسند احمد 4/126،127 وسنن الترمذى /10/144،145).

وثانيها: ما تعلق برفض الخليفة أبى بكر إعطاء فاطمة الزهراء ميراث أبيها رسول الله (ص) وسهمها في خمس المغانم، لأن الحديث الذي احتج به أبو بكر في عدم توريثها.

"نحن معاشر الأنبياء لا نورث وما تركناه صدقة" (البخاري 3/37) هو من الأحاديث عالية الصحة.

العقيدة الإسلامية جاءت لتلغى كل التمائم والتعاويذ والرموز .. ولم يخبرنا الله عن وجوب تقديس أشخاص بعينهم

وثالثها: أن حرب أبي بكر على مانعي الزكاة ليست لمعارضتهم بيعته، وإنما لقتلهم سفرائه إليهم كما فعلت قبيلة (كندة).

ولنأخذها واحدة .. واحدة ..

المأخذ الأول: الطعن في رموز الإسلام، وهو قول غريب مع صريح العقيدة الإسلامية التي جاءت لتلغى من تاريخ البشرية كل التمائم والتعاويذ والرموز، وتسلخ كل الشفاعات إلى الله عدا العمل الصالح، كذلك الوساطات والمحسوبيات، فالإسلام لا قدسية فيه إلا لله وحده وما دون ذلك الكل سواء في مدارس المخلوقات، اللهم إلا عصمته لنبيه في مدارس إسلامية دون مدارس. ولم يخبرنا الله عن وجوب تقديس أشخاص بعينهم وأسمائهم واتخاذهم رموزا.

والحديث: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين) ظاهر الوضع والاختلاق، فلم يوصف الخلفاء الأربعة الأوائل بالراشدين إلا بعد قيام الملك العضود في الزمن الأموي ثم العباسي تمييزا لهؤلاء عن أولئك. والمعلوم أن هناك خلافات حادة حول أمور أساسية تتعلق بشرائع وفروض اختلف حولها هؤلاء الراشدون، ولا تدرى بأيهم يجب أن تقتدي، مما يسقط عن هذا الحديث لبوس الصحة والسلامة.

ما أوردناه من أحداث لم يكن تأليفا من جانبنا، بل استقينا مادته من أمهات المصادر .. وإذا كانت هناك ملامة فلتكن إلى تلك المصادر .. وهى عمدة تاريخ إسلامنا..

وغنى عن التذكير أننا لم نقصد إلى تلك الأحداث التاريخية الجسام في موضوعنا المطول السالف حول حد الردة قصدا، بغرض الاستهانة بمن يرونهم رمزا أو بهدف الطعن عليهم. فما لنا في ذلك من رغبة ولا انشغال، فهي حقائق مرصودة تملأ أرفف المكتبة الإسلامية لمن أراد المعرفة، إنما أردنا من إيراد تلك الأحداث بيان بطلان ما يسمى بحد الردة وما يرتبط به من إرهاب قاعدة (إنكار معلوم من الضرورة)، وإلا طالت الاتهامات والحدود صحابة كبار أجلاء ، وانهم خالفوا وأنفذوا رأيهم بسبب متغيرات أو شؤون سياسية أو درءا للفتن، وان ذلك يعطينا ضوءا أخضر إذا اقتضت مصالح البلاد والعباد رأيا جديدا حتى لو خالف معلوما من الدين بالضرورة، ويفتح أمامنا أبواب الاجتهاد اقتداء بالسلف الصالح.

وما أوردناه من أحداث لم يكن اختراعا من جانبنا ولا تأليفا، ولا حشونا في نصوصه حرفا، واستقينا مادتنا من أمهات المصادر، ولم نسقط منها ما يمكن أن يدور بالمعنى عن مراده إلا اختصارا بما يتناسب مع مساحة الدراسة ولا فسرنا حدثا على المزاج والهوى والعصبية المذهبية والمصالح النفعية كما يفعل بعض سادتنا المشايخ، إنما جعلنا الحدث ينطق بلسانه ويشهد الحدث ويسفره ويؤكده، والنص يوضح النص ويدعمه بأكثر من مصدر يتناول الحدث الواحد، بل والعبارة الواحدة، فإذا كانت هناك ملامة فليتم توجيهها إلى تلك المصادر، وهي عمدة تاريخ إسلامنا، ودونها لا يمكن فهم هذا التاريخ، بل ولا آيات القرآن ذاته، كما أنها سجل زمن الدعوة ودونها لا يكون لزمن الدعوة تاريخ فهي من لزوم ما يلزم لفهم القرآن والعبادات والعقيدة والشريعة. أو عليهم أن يتوجهوا بالملامة إلى الذات التي اعتادت الإسراف في تقديس البشر، فيسوؤها ويصدمها أي تنبيه إلى المسكوت عنه المغطى عليه، وهو الأمر الجدير بالكشف حتى لو كان صادما لأنه الباب إلى نقد الذات والتاريخ وتصحيح المواقف والمفاهيم والقيم المتداولة، لتحرير العقل من أوهام وتحريمات ما أنزل الله بها من سلطان.

(الزهراء) لم تنل حظها من ميراث أبيها كبقية الناس .. وكان حظها من الذكر في مؤلفات المسلمين أدنى الحظوظ رغم مكانتها في بيت النبوة وعلمها وقوة حجتها..

المأخذ الثاني: وهو المتعلق بمنع الخليفة أبى بكر ميراث الزهراء عنها، بحديث "نحن معاشر الأنبياء لا نورث.." والملحوظ الأول هنا أن هذا الحديث لم يروه سوى أبي بكر وحده (ابن أبي الحديد /4/82) . أما سياق الأحداث المعلوم فيؤكد انه كان للنبي أملاكه الخاصة، ومنها حوائط مخيريق وأرض العوالي في يثرب وأرض النضير وأرض وادى القرى، وان أبا بكر وضع يده على هذه الأملاك أو صادرها دون ورثته استنادا للحديث المذكور، مع حديث آخر يقول أن النبي قال: "إن الله إذا أطعم نبيا طعمة جعله للذي يقوم من بعده"، والذي قام من بعد النبي هو أبو بكر. أو في رواية أخرى قال الرسول: "هي طعمة أطعمني الله في حياتي فإذا مت فهي بين المسلمين" (كنز العمال /5/365). وهي الأملاك التي قامت الزهراء تطالب بها ميراثا، إضافة إلى سهمها من سهم ذوي القربى حسب نصوص الآيات "واعلموا إنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى".

وفى هذا أيضا قال أبو بكر "سمعت رسول الله يقول: سهم ذوى القربى في حياتي وليس لهم بعد موتى" (كنز العمال 5/367).

ولنا أن نلحظ دون جهد يذكر أن الزهراء لم تنل حظها من ميراث أبيها كبقية الناس ولا سهمها من المغانم فقط، بل كان حظها من الذكر في مؤلفات المسلمين من سير وأخبار وحديث هو أدنى الحظوظ، رغم مكانتها في بيت النبوة، وإنها كانت زوجة الإمام على كرم الله وجهه المعروف بورعه وتدينه وتقواه وجلال فعاله، بينما نجد لبنت الخليفة أبى بكر السيدة عائشة من الذكر ما يغطى مساحات واسعة في تراثنا، تليها حفصة بنت عمر بن الخطاب، وبينما لم يرو البخاري لفاطمة سوى حديث واحد فقد روي لعائشة 422 حديثا. ويذهب بعض الباحثين إلى اتفاق معلوم بين عائشة وحفصة للعمل على ما في مصلحة والديهما، مما أقصى الزهراء عن بؤرة الأحداث فلا تجدها تلعب دورها المهم اللائق بها في حياة أبيها، ولم تذكرها كتبنا إلا لماما (انظر جبران شامية / 59). ولكن هل كانت بنت النبي ضئيلة الشأن حقا إلى هذا الحد؟ سؤال نتركها تجيب عنه بنفسها على ندرة أخبارها، ولنستمع إليها تحاور الخليفة حول حقوقها، ونقرأ مدى علمه بدينه وشرائعه، ونقدر حجم بلاغتها وحسن منطقها وقوة حجتها إذ تقول للخليفة: "من يرثك إذا مت؟ فيقول: ولدي وأهلي، فتقول: فما بالك ورثت رسول الله دوننا؟ فيقول: يا بنت رسول الله ما ورثت أباك ذهبا ولا فضة. وهي الإجابة المداورة التي أجابتها فاطمة بالمباشرة "وسهمنا في خيبر وصافيتنا بفدك؟" إنك عمدت إلى فدك وكانت صافية لأبى فأخذتها، وعمدت إلى ما أنزل الله من السماء فرفعته عنا. (طبقات ابن سعد " /2/314/315 " فيرد أبو بكر بحديث: "الأنبياء لا يورثون"، فتسوق منطقها يقول "أفعلي عمد تركتم كتاب الله ونبذتموه وراء ظهوركم إذ يقول تبارك وتعالى: " وورث سليمان داود"، وقال تعالى فيما قص من خبر يحيى بن زكريا: "رب هب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب".

وقال عز ذكره: " وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله " .. وزعمتم مع هذا أن لا حق ولا إرث لي من أبي ولا رحم بيننا، أفخصكم الله بآية أخرج نبيه منها؟ أم تقولون أهل ملتين لا يتوارثون؟ أولست أنا وأبي من أهل ملة واحدة؟ .. أفحكم الجاهلية تبغون؟". ولما رأت الزهراء إصرار الخليفة على منعها ميراثها وسهمها قررت أن تطلبه على علن وملأ من المسلمين، فجمعت نسوة من بنى هاشم أهلها ودخلت المسجد على الخليفة ورعيته تنادى " أنا فاطمة بنت محمد .. فإن تعزوه تجدوه أبي دون آبائكم، وهو أخ ابن عمى دون رجالكم ثم تزعمون ألا إرث لنا؟ أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون. يا ابن أبي قحافة أترث أباك ولا أرث أبي؟ لقد جئت شيئا فريا، فدونكها مخطومة مرحولة تلقاك يوم حشر فنعم حكم الله والموعد القيامة وعند الساعة يخسر المبطلون".

ثم تخص الأنصار بخطاب آخر أشد قسوة فيه من الوصف لهم وللخليفة ما لا يجرؤ على قوله إلا بنت النبي إذ تقول: ".. ما هذه الفترة عن نصرتي والونية عن معونتي؟ سرعان ما أحدثتم وعجلان ما أتيتم! ألأن رسول الله مات أمتم دينه؟ أضيع بعده الحريم وهتكت الحرمة أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم؟ " وتشدد الزهراء النكير وتحرض الأنصار على الخليفة تتهم حينا وتستنصرهم حينا مع نعوت للخليفة عظيمة، فتقول: (يا بنى قيلة، اهتضم تراث أبي وانتم بمرأى ومسمع، وفيكم العدد والعدة، وانتم نخبة الله التي تنتخب .. افتأخرتم بعد الإقدام؟ ونكصتم بعد الشدة ؟ وجبنتم بعد الشجاعة عن قوم نكصوا أيمانهم بعد عهدهم وطعنوا في دينكم. فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا إيمان لهم لعلهم ينتهون، ألا وقد أرى أن قد أخلدتم إلى الخفض وركنتم إلى الدعة .. وإن تكفروا ومن في الأرض جميعا فإن الله غنى حميد .." وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون" / بلاغات النساء من ص 12 ـ 17.

هكذا تحدثت الزهراء بنت نبي الأمة (ص) تركناها تقول بلسانها وتتحدث مع المسلمين والخليفة دوننا، دون تدخل من جانبنا في موقف تاريخي يشهد بذاته وينطق فصيحا بأحداثه. فهل من منزعج؟ .. وما زال في الجعبة الكثير وقد أوجزنا .. فهل من مدكر؟

المأخذ الثالث: إننا زعمنا فيما كتبنا أن مانعي الزكاة منعوها معارضة لتولية أبى بكر، ولم يذكر انه أرسل إليهم الرسل فقتلوا رسله وسفراءه، وهو ما كان إعلان حرب على الدولة استحقوا نتائجها المفزعة .. إذن تعالوا نقرأ الحدث مع قبيلة كندة التي قتلت الرسل ونفهم مجرى الوقائع بعيدا عن تزوير التاريخ وما لحق المسلمين بسببه من عار وسبة وتكفير.

إن قبيلة كندة بالذات وبالخصوص لم تمنع العاصمة صدقاتها ولم يمتنعوا رغم اعتراضاتهم الكلامية على تأمير أبى بكر، وعندما وصل رئيس الوفد زياد بن لبيد ديارهم أعطوه ما عليهم من ضريبة، لكن الأحداث المؤلمة بدأت عندما أخذ زياد ناقة عزيزة على صبي كندى أثيرة لديه، فرجاه أن يتركها ويأخذ غيرها فرفض زياد. فاستنجد الصبي بحارثة بن سراقة أحد أشراف كندة فذهب إلى زياد يتوسط له قائلا: " إن رأيت أن ترد ناقة هذا الفتى عليه وتأخذ غيرها فعلت منعما "، لكن زياد يصر على رفضه بحجة أنه قد ختمها بخاتم الدولة.

ويحتدم الخلاف والجدل ويتحول إلى شحناء فيقول الشريف الكندي للصبي:

"اذهب خذ ناقتك فإن كلمك أحد سأحطم أنفه بالسيف "، ثم تفصح النفوس عما فيها رغم الطاعة ويستمر حارثة قائلا: "إنما أطعنا رسول الله (ص) إذ كان حيا أما ابن أبى قحافة فما له في رقابنا طاعة ولا بيعة "، ليتبعه شريف آخر من أشراف كندة هو الحارث بن معاوية يقول لعامل الخليفة: " إنك لتدعو إلى طاعة رجل لم يعهد إلينا ولا إليكم في عهد .. وما يستقر في قلبي أن رسول الله خرج من الدنيا ولم ينصب للناس علما يتبعونه، فارحلوا عنا فإنكم تدعوننا إلى غير رضى".

وتتداعى الأحداث مع غضب أبى بكر بعدما عاد سفيره زياد وأخبره ما سمع من أشراف كندة في بيعته وإمارته، فأرسل زياد مع جيش عظيم إلى ديار كندة في طريقه إلى حضرموت فقتل وسبى النساء والأطفال والمال، حتى تصدت جموع كندة بقيادة الأشعث بن قيس واسترجعت أهلها ومالها وهرب رجال الخليفة.

ومع تصريح كندة بالحرب أرسل الخليفة للأشعث رسالة مصالحة، لكن بعد قتل الرجال وسبى نساء المسلمين عارا، وهو ما ترك جروحا غائرة بين الكنديين، فقال الأشعث لرسول الخليفة: "إن صاحبك أبا بكر يلزمنا الكفر بمخالفته ولا يلزم زياد بن لبيد الكفر بقتله قومي وبني عمي"، فيرد رسول الخليفة " نعم يلزمك الكفر أنك خالفت جماعة المسلمين"، فيقوم إليه كندي ويقتله لتكفيرهم وهم مسلمون، هذا هو السفير المقتول وسر قتله، بعد أن قتل جيش الخليفة من كندة التي كانت مملكة عزيزة في زمن الجاهلية مئات الشهداء لأنهم أعلنوا أن اتهامهم بالكفر ليس بكفر بالدين ولكن لأنهم خالفوا الخليفة " يلزمنا الكفر بمخالفته" ، ولم يخالفوا الرحمن.

ورغم هذا كان عقابهم شديدا فقد عاد الخليفة وأرسل لهم جيشا بقيادة رأس من رؤوس الطلقاء هو عكرمة بن أبي جهل فحاصرهم وطلبوا منه الصلح فرفض وأعمل السيف فيهم قتلا وذبحا بعد أن استسلموا له أسرى، وأخذ من بقي من الأحياء مع الأطفال والنساء والأموال إلى الخليفة الذي أصر على توزيع النساء سبايا بين مسلمي العاصمة والأطفال عبيدا لولا تدخل عمر بن الخطاب يذكره:

"يا خليفة رسول الله إن القوم على دين الإسلام يحلفون بالله، ما رجعوا عنه " فحبسهم أبو بكر في حبسه حتى أطلقهم عمر في خلافته (انظر فتوح البلدان للبلاذري من 139 ـ 145).

فهلا راجع اللائمون أرفف المكتبة الإسلامية المزدحمة قبل أن يلوموا؟ ليعلموا أن في هذه الشؤون خطوبا جليلة كثيرة لا يسعها المقام هنا، ولا يشغلنا أمرها إلا بما تؤديه من غرض لحاضرنا، وبكشفها عن كون الصحابة إنما هم من بنى الإنسان، وان العلة هي الإسراف في التقديس لبشر أم يكونوا أبدا كذلك، وأن الشأن كان شأن سياسة ودنيا وإمارة، فيها الصراع والنوازع البشرية، رغم أن كل طرف لبس رداء الإسلام ليمارس به سياسة الدنيا، وهو ما كان ظلما دائما عبر التاريخ لدين المسلمين، الذي آن أوان توقيره والكف عن استخدامه انتهازيا لأنه يجب أن يكون أكرم علينا من ذلك. ولله الأمر من قبل ومن بعد، وهو الأعلم بالصواب.

* مجلة روز اليوسف العدد ( 3888) 20/12/2002 – سيد القمنى.