عودة إلى صفحة حقائق من التاريخ

    الصفحة الرئيسية

 

حروب الردة أم.. (حروب مانعي الزكاة)!!

مقالة منشورة في روز اليوسف بتاريخ ـ26 أكتوبر:1 نوفمبر

حد الردة والتجديد في الفكر الإسلامي

نواصل هنا الحديث عما سمي بحروب الردة. وهو ما نراه حروب (مانعي الزكاة) .. وكنت قد توقفت في الأسبوع الماضي عند ما رويته من تفاصيل هذه الحروب وما كان لدور خالد بن الوليد فيها.

في الإصابة 3/337 أن ثابت بن قاسم روى في الدلائل، أن خالد رأى امرأة مالك، وكانت فائقة الجمال، فقال مالك لامرأته: قتلتني - يعني سأقتل من أجلك ـ ومن الطبيعي كي تثبت ردة الرجل أن يقتل من كان معه من قومه الذين نهضوا عن الصلاة منذ هنيهات، وقبلوا الاستسلام لإخوانهم في الإسلام حتى يستوثقوا من أمرهم (فضرب عنقه وأعناق أصحابه). كما روى الطبري عن أبى بكر، ويؤكد (اليعقوبي) أن (خالد) لم يستمهل الأرملة الفاتنة أم تميم بنت المنهال لتستبرئ رحمها وتكمل عدتها، بل إنه امتطاها ودم زوجها لم يجف بعد (2/110)، واهتزت مشاعر المسلمين من الحدث البشع حتى قام (أبو نمير السعدي) ينعى مالكا يحكى ما حدث شعرا برواية (أبى الفدا /158):

ألا قل لحي أوطأوا بالسنابـــــك***تطاول هذا الليـــل بعـــد مالـــك

قضى خالد بغيا عليه لعروســه***وكان له فيها هوى قبل ذلـــــك

فأمضى هواه خالد غير عاطف***عنان الهوى عنها ولا متمالــك

فأصبح ذا أهل وأصبح مـــــالك***إلى غير أهل هالك في الهوالـك

وبينما خالد يأمر بالتمثيل بالجثث كان (أبو قتادة) يحث الخطى يدفعه الغضب والألم إلى المدينة (فلحق أبو قتادة بأبي بكر فأخبره الخبر، وحلف ألا يسير تحت لواء خالد لأنه قتل مالكا مسلما).

وأمر خالد برؤوس بعض القتلى لتنصب أثافي، ومنه رأس (مالك) والأثافي هي صخر (الكونكاريت ـ الزلط) كانت ثلاثا متجاورة وتوقد النار بداخلها لتسمح بمرور الهواء فتشتعل النار، ولتحمل قدور الطعام فوقها، ونضج طعام (خالد) ليأكله مع أم تميم ولم ينضج رأس زوجها بعد، والسبب فيما يروي الزبير بن بكار عن شهاب في الإصابة (أن مالك بن نويرة كان كثير شعر الرأس فلما قتل أمر خالد برأسه فنصب أثفية فنضج ما فيها قبل أن تخلص النار إلى شئون رأسه (الإصابة 3/337، وابن كثير 6/322،وأبو الفدا / 158)).

هذا ما كان يحدث في مضارب بني يربوع بينما كان يحدث في العاصمة حديث آخر فقد علم (عمر بن الخطاب) بالحدث العظيم فذهب ينتفض غضبا إلى الخليفة يهتف به (إن خالدا قد زنى فارجمه)، قال: ما كنت أقتله فإن تأول فأخطأ!! قال: فاعزله، قال: ما كنت أغمد سيفا سله الله عليهم / تاريخ أبي الفداء .. هذا بينما كان متمم بن نويره شقيق مالك قد تمكن من الهرب واللحوق بالمدينة فصلى وراء أبي بكر صلاة الصبح، فلما فرغ أبو بكر قام (متمم) وسط مسجد رسول الله (صلى الله عليه سلم) يرسل نواحه شعرا يمزق نياط الأكباد والقلوب، مقارنا بين شرف (مالك) وفروسيته وبين غدر (خالد) قائل:

نعم القتيل إذا الرياح تناوحــــــت***خلف البيوت قتلت يا ابـن الأزور

أدعوته بالله ثـــــــم غدرتـــــــه؟!***لو هو دعاك بذمة لم يغـــــــــدر!

وهنا تبدو المقارنة بين ذمة العرب المرعية المعتبرة التي تلزم أصحابها من فرسان الأشراف إذا دعوتهم بها فلا يغدرون، وبين دعوة أعلى هي دعوة الله لكن أصحابها رغم دعواهم بها فإنهم قد غدروا، وهو الأمر المفهوم مع غضب ( متمم بن نويرة) وهو يرى الخليفة يصر على عدم محاسبة خالد ولا عزله وناسبا ما حدث إلى قرار قدسي جاء على لسان نبيه أن خالدا هو سيف الله المسلول، ومقدما حجة ليست بحجم الحدث وجسامته بأنه قد تأول فأخطأ.

وبينما يحيل الخليفة استمرار سيف الله إلى الله فان عمر أبدا لم يقتنع بل أعلن يقينه أن الله من ذلك براء، ناعتا خالد بعدو الله قائلا: (عدو الله عدا على امرئ مسلم فقتله ثم نزى على امرأته ـ الطبري) وعاد خالد إلى المدينة مزهوا بفعاله يلبس دروع الحديد، وعلى رأسه عمامة غرس فيها أسهم المحاربين الأشراف متجها إلى مسجد الرسول (صلى الله عليه وسلم ) للقاء الخليفة، لكن ليلقاه عمر على الباب فينزع الأسهم عن عمامته ويكسرها قائلا له: (... أي فخر كاذب بأسهم الفرسان الأشراف؟)، ثم استمر يقول له: (قتلت امرأ مسلما ثم نزوت على امرأته، والله لأرجمنك بأحجارك) ولم يهتم خالد بعمر بل استمر في سيره ودخل المسجد على الخليفة واعتذر له فقبل الخليفة اعتذاره‘ فخرج خالد مزهوا اكثر مما دخل ليمر على عمر فيناجزه القول مستنفرا له مستفزا قائلا: (هلم إليٌ يا ابن أم شملة) فعلم عمر أن الخليفة قد عفا عنه وأن إصراره على إنزال العقاب به قد ذهب أدراج الرياح، فلم يرد على استفزاز خالد الشتام وانصرف إلى بيته وأغلقه عليه.

هذا حدث من أحداث وجسيم من جسام وطل من غيث وغيض من فيض ومثل من نماذج عديدة وعدة لما حدث باسم الله والإسلام في حق عباد الله من أهل الإسلام تحت عنوان (الردة)، والإسلام بعد في فجره بحق مسلمين كان لهم رأي سياسي عارضوا فيه عدم مشورتهم في اختيار خليفتهم، خالفوا السلطان ولم يخالفوا الديان، لكنهم بسيف الله ذبحوا وهم أسرى مستسلمين له، فماذا اليوم عمن هم مثل خالد على رأس العباد وإن كانوا في الشرف أقل وفي القيمة أدنى؟ هل تأولوا في شأن فرج فودة فأخطأوا فقتلوا؟! وهل سيظل اسم الله بيد التجار سيفا مسلولا فوق رؤوس العباد تحت بند الردة وإنكار ما هو معلوم من الدين بالضرورة؟ وما هو رأيك يا ولي الأمر؟ هل سيكون كرأي الخليفة مطلقا علينا به خوالدك وأزاورتك؟

مرة أخرى لا عبرة هنا مطلقا بأكاذيب سيف بن عمر التي يلجأ لها سادتنا من السدنة لتقديس الصحابة، وتبرئتهم من الحدث الهائل، ومثله كثير من الأحداث الفواجع وهي حجج أوهى من بيت العنكبوت، فسيف يبرئ خالدا بغلطة تاريخية لغوية حيث كانت ليلة الأسر في ديار اليرابعة باردة قارصة، فقام بحنين قلبه على أسراه الذين صلوا وصاموا وأعلنوا إسلامهم أمامه ينادي رجال جيشه: (أدفئوا أسراكم) وكانت في لغة كنانة (اقتلوا أسراكم) فقتلوهم ..هكذا ..؟! وان خالد لما عرف الخطأ العظيم قال: (إذا أراد الله أمرا أصابه)، كل مصيبة تنسب إلى الله وكل تزوير ينسب إلى الحق تعالى وكل غرض خبيث يتذرعون وراءه بالله وكلماته، ويخالف الراوي غير المحترم، ولا المخلص للناس ولا الدين، يخالف الجميع ويقول أن خالدا لم يطأ الأرملة إلا بعد أن استبرأ رحمها .. ورحماك يا الله ... عندما نعلم أن الخطأ قد تم علاجه بأن أرسل الخليفة لأهل القتلى ديات قتلاهم!! وانتهت المشكلة البسيطة الهينة؟!

فإذا كانوا غير مسلمين فلماذا الديات؟!! وإذا كانت خطأ لسانيا فلماذا اعتبرها الخليفة تأولا خاطئا، ولماذا أصر عمر على القصاص؟ وإذا كان الخطأ لنطقه بلغة كنانة فكيف جاز ذلك و (خالد) مخزومي من قريش وكيف فهمها (ابن الازور) كنانية وهو ثعلبي أسدي وكيف تآمرت أسماع وإفهام الجيش كله مع تلك اللغة الكنانية النشاز على الجميع، وكلهم إما مهاجر قرشي أو أنصاري مدني؟ وإذا كان الأمر خطأ في اللغة، وان الزمن قد تآمر فأصيب الجميع بغتة بلغة كنانة في الألسن وفي الإفهام، فلماذا تم وضع رؤوس القتلى أثافي لقدور طعام اللذة ومتعة الجسد بنار رأس القتيل ونار جسد أرملته؟

هذه نتائج ما سمي بحرب الردة التي أصر عليها الدكتور (رأفت عثمان) كحجة بيده يطلب بها دم أي مختلف اليوم أو خارج، وهي الحروب التي يتم تزويرها على أبنائنا في المدارس وعلى المسلمين في التمثيليات التلفازية وأحاديث المشيخة اعتمادا على كذب سيف بن عمر أمام منطق واضح وأحداث أوضح، فيعلمون المسلمين الكذب والخداع أو هم يخدعونه من حيث لا يدري أم يخدعون الله؟ وما يخدعون إلا أنفسهم دون أن يقدموا مرة على فضيلة الصدق مع الذات ومع الناس ومع التاريخ ومع الدين ومع الله الذي هو تواب وهو أيضا أعلم العالمين، دون أن يتراجعوا أنملة عما هم فيه من غواية التقديس لأشخاص غير مقدسين، بخطاب متفق يغطي على حقائق واضحة لكل من يملك ضميرا صادق اليقين بدين لا بسلطان على العباد. وهو ما يشكك في هذا الضمير المراوغ ولغته المختالة حتى لو أخطأ السيف مئات المرات بحق عباقرة الأمة منذ هذا التاريخ الأول مرورا بالحسين بن الحلاج والسهروردي المقتول حتى يومنا هذا، وحتى لو أخطأ هذا السيف مئات المرات في حروب مذهبية طاحنة علت كل منها آيات الله تتهم الآخر بالردة والخروج عن المعلوم من الدين بالضرورة .. كان منها هذا الموجز المكثف الذي رويناه لحديث عن مسلمين عبروا عن رأيهم السياسي بمنع الزكاة وظلوا مسلمين، ووصموا في تاريخنا زورا وبهتانا بالارتداد عن الدين كله، وما زالت الوصمة تلاحقهم عبر التاريخ حتى اليوم دون أن يقوم من مشايخنا رجل رشيد يسجل موقفا يحسبه له الناس والتاريخ ليعلن اعتذارا واضحا عما حدث لهم ولغيرهم عبر تاريخنا لتنظيف هذا التاريخ من عاره ووصماته.