عودة إلى صفحة حقائق من التاريخ     الصفحة الرئيسية

 

استخلاف النبي أبا بكر في الصلاة واقتداؤه به فيها

(القسم الثالث)

السيد علي الحسيني الميلاني

( 3 )
تأملات في متن الحديث ومدلوله

 قد عرفت أن الحديث بجميع طرقه وأسانيده المذكورة ساقط عن الاعتبار ...
فإن قلت : إنه مما اتفق عليه أرباب الصحاح والمسانيد والمعاجم وغيرهم، ورووه عن جمع من الصحابة،فكيف تقول بسقوطه بجميع طرقه ؟
 قلت : أولا : لقد رأيت في « النظر في الاسانيد والطرق » أن رجال أسانيده مجروحون بأنواع الجرح ولم نكن نعتمد في « النظر » إلا على أشهر كتب القوم في الجرح والتعديل ، وعلى كلمات أكابر علمائهم في هذا الباب .
 وثانيا : إن الذي عليه المحققون من علماء الحديث والرجال والكلام أن الكتب الستة فيها الصحيح والضعيف والموضوع ، وإن الصحابة فيهم العدل والمنافق والفاسق ... وهذا ما حققناه في بعض بحوثنا (126) .
 نعم ، المشهور عندهم القول بأصالة العدالة في الصحابة ، والقول بصحة ما أخرج في كتابي البخاري ومسلم ...
أما بالنسبة إلى حديث « صلاة أبي بكر » فلم أجد أحدا يطعن فيه ، لكن لا لكونه في الصحاح ، بل الاصل في قبوله وتصحيحه كونه من أدلة خلافة أبي بكر عندهم ، ولذا تراهم يستدلون به في الكتب الكلامية وغيرها :

من كلمات المستدلين بالحديث على الامامة :
قال القاضي عضد الدينا الايجي ـ في الادلة الدالة على إمامة أبي بكر ـ : « الثامن : إنه صلى الله عليه [ وآله ] وسلم استخلف أبا بكر في الصلاة وما عزله فيبقى إماما فيها ، فكذا في غيرها ، إذ لا قائل بالفصل ، ولذلك قال علي رضي الله عنه : قدمك رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم في أمر ديننا ، أفلا نقدمك في أمر دنيانا ؟ ! (127) .
وقال الفخر الرازي ـ في حجج خلافة أبي بكر ـ :
« الحجة التاسعة : إنه عليه السلام استخلفه على الصلاة أيام مرض موته وما عزله عن ذلك ، فوجب أن يبقى بعد موته خليفة له في الصلاة ، وإذا ثبت خلافته في الصلاة ثبت خلافته في سائر الامور ، ضرورة أنه لا قائل بالفرق » (128) .
وقال الاصفهاني :
« الثالث : النبي استخلف أبا بكر في الصلاة أيام مرضه ، فثبت استخلافه في الصلاة بالنقل الصحيح ، وما عزل النبي أبا بكر عن خلافته في الصلاة ، فبقي كون أبي بكر خليفة في الصلاة بعد وفاته ، وإذا ثبت خلافة أبي بكر بعد وفاته في الصلاة ثبت خلافة أبي بكر بعد وفاته في غير الصلاة لعدم القائل بالفصل » (129) .
وقال النيسابوري صاحب التفسير ، بتفسير آية الغار :
« استدل أهل السنة بالاية على أفضلية أبي بكر وغاية اتحاده ونهاية صحبته وموافقة باطنه وظاهره ، وإلا لم يعتمد عليه الرسول في مثل تلك الحالة . وإنه كان ثاني رسول الله في الغار . وفي العلم لقوله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم ما صب في صدري شيء إلا وصببته في صدر أبي بكر (130) . وفي الدعوة إلى الله ، لانه عرض الايمان أولا على أبي بكر فآمن ، ثم عرض أبو بكر الايمان على طلحة والزبير وعثمان بن عفان جماعة أخرى من أجلة الصحابة ، وكان لا يفارق رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم في الغزوات وفي أداء الجماعات وفي المجالس والمحافل .
وقد أقامه في مرضه مقامه في الامامة ... » (131) .
وقال الكرماني بشرح الحديث : « فيه فضيلة لابي بكر ، وترجيحه على جميع الصحابة ، وتنبيه على أنه أحق بخلافة رسول الله صلىالله عليه [ وآله ] وسلم من غيره » (132) .
وقال العيني :
« ذكر ما يستفاد منه ، وهو على وجوه : الاول : فيه دلالة على فضل أبي بكر . الثاني : فيه أن أبا بكر صلى بالناس في حياة النبي ، وكانت في هذه الامامة التي هي الصغرى دلالة على الامامة الكبرى . الثالث : فيه أن الاحق بالامامة هو الاعلم » (133).
وقال النووي :
« فيه فوائد : منها : فضيلة أبي بكر وترجيحه على جميع الصحابة وتفضيله وتنبيه على أنه أحق بخلافة رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم غيره ، وأن الامام إذا عرض له عذر عن حضور الجماعة استخلف من يصلي بهم ، وإنه لا يستخلف إلا أفضلهم . ومنها : فضيلة (134)عمر بعد أبي بكر لان أبا بكر لم يعدل إلى غيره » (135) .
وقال المناوي بشرحه :
« تنبيه : قال أصحابنا في الاصول : يجوز أن يجمع عن قياس ، كإمامة أبي بكر هنا ، فإن الصحب أجمعوا على خلافته ـ وهي الامامة العظمى ـ ومستندهم القياس على الامامة الصغرى ، وهي الصلاة بالناس بتعيين المصطفى » (136)
وفي « فواتح الرحموت ـ شرح مسلم الثبوت » في مبحث الاجماع :
« مسألة : جاز كون المستند قياسا . خلافا للظاهرية وأبن جرير الطبري ، فبعضهم منع الجواز عقلا ، وبعضهم منع الوقوع وإن جاز عقلا . والاحاد أي أخبار الاحاد قيل كالقياس اختلافا. لنا : لا مانع ... وقد وقع قياس الامامة الكبرى وهي الخلافة العامة على إمامة الصلاة ... والحق أن أمره إياه بإمامة الصلاة كان إشارة إلى تقدمه في الامامة الكبرى على ما يقتضيه ما في صحيح مسلم ...» (137) .
لكنك قد عرفت أن الحديث ليس له سند معتبر في الصحاح فضلا عن غيرها ، ومجرد كونه فيها ـ وحتى في كتابي البخاري ومسلم ـ لا يغني عن النظر في سنده ... وعلى هذا فلا أصل لجميع ما ذكروا ، ولا أساس لجميع ما بنوا ... في العقائد وفي الفقه وفي علم الاصول ...

لا دلالة للاستخلاف في إمامة الصلاة على الخلافة :
وعلى فرض صحة حديث أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أبا بكر بالصلاة في مقامه ... فإنه لادلالة لذلك على الامامة الكبرى والخلافة العظمى ... لان النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا خرج عن المدينة ترك فيها من يصلي بالناس ... بل إنه استخلف ـ فيما يروون ـ ابن أم مكتوم للامامة وهو أعمى ، وقد عقد أبو داود في ( سننه ) بابا بهذا العنوان فروى فيه هذا الخبر ... وهذه عبارته : « باب إمامة الاعمى حدثنا محمد بن عبد الرحمن العنبري أبو عبد الله ، ثنا ابن مهدي ، ثنا عمران القطان ، عن قتادة ، عن أنس : أن النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم استخلف ابن أم مكتوم يؤم الناس وهو أعمى » (138) ... سفهل يقول أحد بإمامة ... ابن أم مكتوم لانه استخلفه في الصلاة ؟ !
ولقد اعترف بما ذكرنا ابن تيمية ـ الملقب بـ « شيخ الاسلام » ـ حيث قال : « الاستخلاف في الحياة نوع نيابة لا بد لكل ولي أمر ، وليس كل من يصلح للاستخلاف في الحياة على بعض الامة يصلح أن يستخلف بعد الموت ، فإن النبي استخلف غير واحد ، ومنهم من لا يصلح للخلافة بعد موته ، كما استعمل ابن أم مكتوم الاعمى في حياته وهو لا يصلح للخلافة بعد موته ، وكذلك بشير بن عبد المنذر وغيره » (139).
بل لقد رووا أنه صلى الله عليه وآله وسلم صلى خلف عبد الرحمن بن عوف وهو ـ لو صح ـ لم يدل على استحقاقه الخلافة من بعده ، ولذا لم يدعها أحد له ... لكنه حديث باطل لمخالفته للضرورة القاضية بأن النبي لا يصلي خلف أحد من أمته ... فلا حاجة إلى النظر في سنده .
وعلى الجملة ، فإنه لا دلالة لحديث أمر أبي بكر بالصلاة ، ولا لحديث صلاته صلى الله عليه وآله وسلم خلفه حتى لو تم الحديثان سندا ...
وأما سائر الدلالات الاعتقادية والفقهية والاصولية ... التي يذكرونها مستفيدين إياها من حديث الامر بالصلاة في الشروح والتعاليق ... فكلها متوقفة على ثبوت أصل القضية وتمامية الاسانيد الحاكية لها ... وقد عرفت أن لا شيء من تلك الاسانيد بصحيح ، فأمره صلى الله عليه وآله وسلم في مرضه أبا بكر بالصلاة في موضعه غير ثابت .. .

وجوه كذب أصل القضية :
بل الثابت عدمه ...
وذلك لوجوه عديدة يستخرجها الناظر المحقق في القضية وملابساتها من خلال كتب الحديث والتاريخ والسيرة ... وهي وجوه قوية معتمدة ، تفيد ـ بمجموعها ـ أن القضية مختلقة من أصلها ، وأن الذي أمر أبا بكر بالصلاة في مقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم في أيام مرضه ليس النبي بل غيره ...
فلنذكر تلك الوجوه باختصار :

1 ـ كون أبي بكر في جيش أسامة :
لقد أجمعت المصادر على قضية سرية أسامة بن زيد ، وأجمعت على أن النبي صلىالله عليه وآله وسلم أمر مشايخ القوم : أبا بكر وعمرو ... بالخروج معه ... وهذا أمر ثابت محقق ... وبه اعترف ابن حجر العسقلاني في « شرح البخاري » وأكده بشرح « باب بعث النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم أسامة بن زيد رضي الله عنهما في مرضه الذي توفي فيه » فقال : « كان تجهيز أسامة يوم السبت قبل موت النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم بيومين ... فبدأ برسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم وجعه في اليوم الثالث ، فعقد لاسامة لواء بيده ، فأخذه أسامة فدفعه إلى بريدة وعسكر بالجرب ، وكان ممن انتدب مع أسامة كبار المهاجرين والانصار منهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة وسعد وسعيد وقتادة بن النعمان وسلمة بن أسلم ، فتكلم في ذلك قوم ... ثم اشتد برسول الله وجعه فقال : أنفذوا بعث أسامة » .
وقد روي ذلك عن الواقدي وأبن سعد وأبن إسحاق وأبن الجوزي وأبن عساكر ....» (140) .
فالنبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم أمر بخروج أبي بكر مع أسامة ، وقال في آخر لحظة من حياته : « أنفذوا بعث أسامة » بل في بعض المصادر « لعن الله من تخلف عن بعث أسامة » (141) .

 

هذا اولا .
وثانيا : لقد جاء في صريح بعض الروايات كون أبي بكر غائبا عن المدينة ، ففي ( سنن أبي داود عن ابن زمعة ) : « وكان أبو بكر غائبا ، فقلت : يا عمر ، قم فصل بالناس » .
وثالثا : في كثير من ألفاظ الحديث « فأرسلنا إلى أبي بكر » ونحو ذلك ، مما هو ظاهر في كونه غائبا .
وعلى كل حال فالنبي الذي بعث أسامة ، وأكد على بعثه ، بل لعن من تخلف عنه ... لا يعود فيأمر بعض من معه بالصلاة بالناس ، وقد عرفت أنه صلى الله عليه [ وآله ] وسلم إذا غاب أو لم يمكنه الحضور للصلاة استخلف واحداً من المسلمين وإن كان ابن أم مكتوم الاعمى !

2 ـ التزامه بالحضور للصلاة بنفسه ما أمكنه :
وكما ذكرنا فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم ما كان يستخلف للصلاة إلا في حال خروجه عن المدينة ، أو في حال لم يمكنه الخروج معها إلى الصلاة ... وإلا فقد كان صلى الله عليه وآله وسلم ملتزما بالحضور بنفسه ... ويدل عليه ما جاء في بعض الاحاديث أنه لما ثقل قال : « أصلى الناس ؟ قلنا : لا ، هم ينتظرونك . قال : ضعوا لي ماء ... » فوضعوا له ماء فاغتسل ، فذهب لينوء فأغمي عليه (142) وهكذا إلى ثلاث مرات ... وفي هذه الحالة صلى أبو بكر بالناس ، فهل كانت بأمر منه ؟ !
بل في بعض الاحاديث أنه كان إذا لم يخرج لعارض حضره المسلمون إلى البيت فصلوا خلفه :
فقد أخرج مسلم عن عائشة ، قالت : « اشتكى رسول الله صلى الله عليه
[وآله ] وسلم فدخل عليه ناس من أصحابه يعودونه ، فصلى رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم جالساً فصلوا بصلاته قياماً » (143) .
وعن جابر : « اشتكى رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم فصلينا وراءه وهو قاعد وأبو بكر يسمع الناس تكبيره » (144) .
وأخرج أحمدعن عائشة : « أن رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم صلى في مرضه وهو جالس وخلفه قوم ...» (145) .
ويشهد لما ذكرنا ـ من ملازمته للحضور إلى المسجد والصلاة بالمسلمين بنفسه ـ ما جاء في كثير من أحاديث القصة من أن بلالا دعاه إلى الصلاة ، أو آذنه بالصلاة ، فهو كان يجيء متى حان وقت الصلاة إلى النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم ويعلمه بالصلاة ، فكان يخرج بأبي هو وأمي بنفسه ـ وفي أي حال من الاحوال كان ـ إلى الصلاة ويصلي بالناس .

3 ـ استدعاؤه عليا عليه السلام :
فأبو بكر وغيره كانوا بالجرف ... الموضع الذي عسكر فيه أسامة خارج المدينة ...
وهو صلى الله عليه وآله وسلم كان يصلي بالمسلمين ... وعلي عنده ... إذ لم يذكر أحد أنه صلى الله عليه [ وآله ] وسلم أمره بالخروج مع أسامة ...
حتى اشتد به الوجع ... ولم يمكنه الخروج ... فقال بلال : « يا رسول الله ، بأبي وأمي من يصلي بالناس ؟ » (146) ...هناك دعا عليا عليه السلام ... قائلا : « أدعو لي عليا » قالت عائشة : « ندعو لك أبا بكر ؟ » وقالت حفصة : « ندعوا لك عمر ؟ » ...

فما دعي علي ولكن القوم حضروا أو أحضروا ! ! « فاجتمعوا عنده جميعا . فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : انصرفوا .فإن تك لي حاجة أبعث إليكم ، فانصرفوا » (147) .
إنه كان يريد عليا عليه السلام ولا يريد أحدا من القوم ، وكيف يريدهم وقد أمرهم بالخروج مع أسامة ، ولم يعدل عن أمره ؟ !

4 ـ أمره بأن يصلي بالمسلمين أحدهم :
فإذ لم يحضر علي ، ولم يتمكن من الحضور للصلاة بنفسه ، والمفروض خروج المشايخ وغيرهم إلى جيش أسامة ، أمر بأن يصلي بالناس أحدهم ... وذاك ما أخرجه أبو داود عن ابن زمعة فقال :
« لما استعز برسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم وأنا عنده في نفر من المسلمين دعاه بلال إلى الصلاة . فقال : مروا من يصلي بالناس » .
وفي حديث أخرجه ابن سعد عنه قال : « عدت رسول الله في مرضه الذي توفي فيه ، فجاءه بلال يؤذنه بالصلاة فقال لي رسول الله : مر الناس فليصلوا .
قال عبد الله : فخرجت فلقيت ناسا لا أكلمهم ، فلما لقيت عمر بن الخطاب لم أبغ من وراءه ، وكان أبو بكر غائبا ، فقلت له : صل بالناس يا عمر . فقام عمر في المقام ... فقال عمر : ما كنت أظن حين أمرتني إلا أن رسول الله أمرك بذلك ، ولولا ذلك ما صليت بالناس .
فقال عبد الله : لما لم أر أبا بكر رأيتك أحق من غيره بالصلاة » (148) .
وفي خبر عن سالم بن عبيد الاشجعي قال : « إن النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم لما اشتد مرضه أغمي عليه ، فكان كلما أفاق قال : مروا بلالا فليؤذن ، ومروا بلالا فليصل بالناس « (149) .
وقد كان من قبل قد استخلف ابن أم مكتوم وهو مؤذنه في الصلاة بالناس كما عرفت.

5 ـ قوله : إنكن لصويحبات يوسف :
وجاء في الاحاديث أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال لعائشة وحفصة : « إنكن لصويحبات يوسف ! » وهو يدل على أنه قد وقع من المرأتين ـ مع الالحاح الشديد والحرص الاكيد ـ ما لا يرضاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم ... فما كان ذلك ؟ ومتى كان ؟
إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما عجز عن الحضور للصلاة بنفسه ، وطلب عليا فلم يدع له ـ بل وجد الالحاح والاصرار من المرأتين على استدعاء أبي بكر وعمر ثم أمر من يصلي بالناس والمفروض كون المشايخ في جيش أسامة أغمي عليه ـ كما في الحديث ـ وما أفاق إلا والناس في المسجد وأبو بكر يصلي بهم ...فعلم أن المرأتين قامتا بما كانتا ملحتين عليه ... فقال : « إنكن لصويحبات يوسف » ثم بادر إلى الخروج معجلاً معتمداً على رجلين ، ورجلاه تخطان في الارض ... كما سيأتي .
فمن تشبيه حالهن بحال صويجبات يوسف يعلم ما كان في ضميرهن ، ويستفاد عدم رضاه صلى الله عليه وآله وسلم يفعلهن مضافاً إلى خروجه ...
فلو كان هو الذي أمر أبا بكر بالصلاة لما رجع باللوم عليهن ، ولا بادر إلى الخروج وهو على تلك الحال ...
ولكن شراح الحديث الذين لا يريدون الاعتراف بهذه الحقيقة ـ اضطربوا في شرح الكلمة ومناسبتها للمقام :
قال ابن حجر : « إن عائشة أظهرت أن سبب إرادتها صرف الامامة عن أبيها كونه لا يسمع المأمومين القراءة لبكائه ، ومرادها زيادة على ذلك هو أن لا يتشاءم الناس به ، وقد صرحت هي فيما بعد بذلك . وبهذا التقرير يندفع إشكال من قال : إن صواحب يوسف لم يقع منهن إظهار يخالف ما في الباطن » (150) .
قلت : لكنه كلام بارد ، وتأويل فاسد .
أما أولا : ففيه اعتراف بأن قول عائشة : « إن أبا بكر رجل أسيف فمر عمر أن يصلي بالناس » مخالفة للنبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم ، ورد عليه منها ، بحيث لم يتحمله النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقال هذا الكلام .
وأما ثانيا : فلانه لا يتناسب مع فصاحة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وحكمته ، إذ لم يكن صلى الله عليه وآله وسلم يشبه الشيء بخلافه ويمثله بضده ، وإنما كان يضع المثل في موضعه ... ولاريب أن صويحبات يوسف إنما عصين الله بأن أرادت كل واحدة منهن من يوسف ما أرادته الاخرى وفتنت به كما فتنت به صاحبتها ، فلو كانت عائشة قد دفعت النبي عن أبيها ولم ترد شرف ذلك المقام الجليل له ، ولم تفتتن بمحبة الرئاسة وعلو المقام ، لكان النبي في تشبيهها بصويحبات يوسف قد وضع المثل في غير موضعه ، وهو أجل من ذلك ، فإنه نقص ... وحينئذ يثبت أن ما قاله النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنما كان لمخالفة المرأة وتقديمها بالامر ـ بغير إذن منه صلى الله عليه وآله وسلم ـ لابيها ، لانها مفتونة بمحبة الاستطاعة والرغبة في تحصيل الفضيلة واختصاصها وأهلها بالمناقب كما قدمناه في بيان طرف من أحوالها .
وأما ثالثا : فقد جاء في بعض الاخبار أنه لما قالت عائشة : « إنه رجل رقيق فمر عمر » لم يجبها بتلك الكلمة بل قال : « مروا عمر » (151) ومنه يظهر أن السبب في قوله ذلك لم يكن قولها : « إنه رجل أسيف » .
وقال النووي بشرح الكلمة :
« أي : في التظاهر على ما تردن وكثرة إلحاحكن في طلب ما تردنه وتملن إليه ، وفي مراجعة عائشة : جواز مراجعة ولي الامر على سبيل العرض والمشاورة والاشارة بما يظهر أنه مصلحة وتكون تلك المراجعة بعبارة لطيفة ، ومثل هذه المراجعة مراجعة عمر في قوله : لا تبشرهم فيتكلوا . وأشباهه كثيرة مشهورة » (152) .
قلت : وهذا أسخف من سابقه ، وجوابه يظهر مما ذكرنا حوله ، ومن الغريب استشهاده لعمل عائشة بعمل عمر ومعارضته لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسلم في مواقف كثيرة ! !
ومما يؤكد ما ذكرنا من عدم تمامية ما تكلفوا به في بيان وجه المناسبة ، أن بعضهم ـ كابن العربي المالكي ـ التجأ إلى تحريف الحديث حتى تتم المناسبة ، فإنه على أساس تحريفه تتم بكل وضوح ، لكن الكلام في التحريف الذي ارتكبه ... وسنذكر نص عبارته فانتظر .

6 ـ تقديم أبي بكر عمر :
ثم إنه قد جاء في بعض تلك الاحاديث المذكورة تقديم أبي بكر لعمر ـ بل ذكر ابن حجر أن إلحاح عائشة كان بطلب من أبيها أبي بكر (153) ـ ... وقد وقع القول من أبي بكر قوله لعمر : صل بالناس ـ موقع الاشكال كذلك ، لانه لو كان الامر بصلاة أبي بكر هو النبي صلى الله عليه وآله وسلم فكيف يقول أبو بكر لعمر : صل بالناس ؟ ! فذكروا فيه وجوها :
أحدها : ما تأوله بعضهم على أنه قاله تواضعاً .
والثاني : ما اختاره النووي ـ بعد الرد على الاول ـ وهو أنه قاله للعذر المذكور ، أي كونه رقيق القلب كثير البكاء ، فخشي أن لا يسمع الناس !
والثالث : ما احتمله ابن حجر ، وهو : أنيكون فهم من الامامة الصغرى الامامة العظمى ، وعلم ما في تحملها من الخطر ، وعلم قوة عمر على ذلك فاختاره » (154) .
وهذه الوجوه ذكرها الكرماني قائلا : « فإن قلت : كيف جاز للصديق مخالفة أمر الرسول ونصب الغير للامامة ؟ ! قلت : كأنه فهم أن الامر ليس للايجاب . أو أنه قاله للعذر المذكور ، وهو أنه رجل رقيق كثير البكاء لا يملك عينه . وقد تأوله بعضهم بأنه قال تواضعا » (155) .
قلت : أما الوجه الاول فتأويل ـ وهكذا أولوا قوله عند ما استخلفه الناس وبايعوه : « وليتكم ولست بخيركم » (156) ـ لكنه ـ كما ترى ـ تأويل لا يلتزم به ذو مسكة ، ولذا قال النووي : « وليس كذلك » .
وأما الوجه الثاني فقد عرفتما فيه من كلام النبي .
وأما الوجه الثالث فأظرف الوجوه ، فإنه احتمال أن يكون فهم أبو بكر ! ! الامامة العظمى ! ! وعلم ما في تحملها من الخطر ؟ ! علمقوة عمر على ذلك فاختاره ! ولم يعلم النبي بقوة عمر على ذلك فلم يختره ! ! وإذا كان علم من عمر ذلك فعمر أفضل منه وأحق بالامامة العظمى ! !
لكن الوجه الوجيه أنه كان يعلم بأن الامر لم يكن من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وعمر كان يعلم ـ أيضا ـ بذلك ، ولذا قال له في الجواب : « أنت أحق بذلك » ، وقوله لعمر : « صل بالناس » يشبه قوله للناس في السقيفة : « بايعوا أي الرجلين شئتم » يعني : عمر وأبا عبيدة ...


7 ـ خروجه معتمدا على رجلين :
إنه وإن لم يتعرض في بعض ألفاظ الحديث إلى خروج النبي إلى الصلاة أصلا وفي بعضها إليه ولكن بلا ذكر لكيفية الخروج ... إلا أن في اللفظ المفصل ـ وهو خبر عبيدالله عن عائشة ، حيث طلب منها أن تحدثه عن مرض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ـ جاء : « ثم إن النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم وجد من نفسه خفة ، فخرج بين رجلين أحدهما العباس » .
وفي حديث آخر عنها : « وخرج النبي يهادى بين رجلين ، كأني أنظر إليه يخط برجليه الارض » .
وفي ثالث : « فلما دخل في الصلاة وجد رسول الله في نفسه خفة ، فقام يهادى بين رجلين ، ورجلاه تخطان في الارض حتى دخل المسجد » .
وفي رابع : « فوجد رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم من نفسه خفة ، فخرج وإذا أبو بكر يؤم الناس » .
وفي خامس : « فخرج أبو بكر فصلى بالناس ، فوجد رسول الله من نفسه خفة ، فخرج يهادى بين رجلين ورجلاه تخطان في الارض » .
أقول : هنا نقاط نلفت إليها الانظار على ضوء هذه الاخبار :
 

1 ـ متى خرج أبو بكر إلى الصلاة ؟
إنه خرج إليها والنبي في حال غشوة ، لانه لما وجد من نفسه خفة خرج معتمداً على رجلين ...
 

2 ـ متى خرج رسول الله ؟
إنه خرج عند دخول أبي بكر في الصلاة ، فهل كانت الخفة التي وجدها في نفسه في تلك اللحظات صدفة بأن رأى نفسه متمكنا من الخروج فخرج على عادته أو أنه خرج عندما علم بصلاة أبي بكر إما بإخبار مخبر ، أو بسماع صوت أبي بكر ؟ إنه لا فرق بين الوجهين من حيث النتيجة ، فإنه لو كان قد أمر أبا بكر بالصلاة في مقامه لما بادر إلى الخروج وهو على الحال التي وصفتها الاخبار !

3 ـ كيف خرج رسول الله ؟
لم يكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقادر على المشي بنفسه ، ولا كان يكفيه الرجل الواحد بل خرج معتمدا على رجلين ، بل إنهما أيضا لم يكفياه ، فرجلاه كانتا تخطان في الارض ... وإن خروجا كهذا ـ ليس إلا لامر يهم الاسلام والمسلمين ، وإلا فقد كان معذورا عن الخروج للصلاة جماعة ، كما هو واضح ... فإن كان خروج أبي بكر إلى الصلاة بأمر منه فقد جاء ليعزله ، كما كان فيقضية إبلاغ سورة التوبة حيث أمر أبا بكر بذلك ثم أمر بعزله وذاك من القضايا الثابتة المتفق عليها ، لكنه لم يكن بأمر منه للوجوه التي ذكرناها ...

4 ـ على من كان معتمدا ؟
واختلفت الالفاظ التي ذكرناها فيمن كان معتمدا عليهما ـ مع الاتفاق على كونهما اثنين ـ فمنها : « رجلين أحدهما العباس » ومنها : « رجلين » ومنها : « فقال : أنظروا لي من أتكى عليه ، فجاءت بريرة ، ورجل آخر فاتكأ عليهما » . وهناك روايات فيها أسماء أشخاص آخرين ...
ومن هنا اضطربت كلمات الشراح ...
فقال النووي بشرح « فخرج بين رجلين أحدهما العباس » :
وفسر ابن عباس الاخر بعلي بن أبي طالب . وفي الطريق الاخر : فخرج ويد له على رجل آخر ، وجاء في غير مسلم : بين رجلين أحدهما أسامة بن زيد. وطريق الجمع بين هذا كله : إنهم كانوا يتناوبون الاخذ بيده الكريمة تارة هذا وتارة ذاك وذاك ، ويتنافسون في ذلك . وأكرموا العباس باختصاصه يبدو استمرارها له ، لما له من السن والعمومة وغيرها ، ولهذا ذكرته عائشة مسمى وأبهمت الرجل الاخر ، إذ لم يكن أحد الثلاثة الباقين ملازما في جميع الطريق ولامعظمه ، بخلاف العباس ، والله أعلم » (157) .
وفي خبر آخر عند ابن خزيمة عن سالم بن عبيد : « فجاءوا ببريرة ورجل آخر فاعتمد عليهما ثم خرج إلى الصلاة »(158) .
ترى أن « الرجل الاخر » في جميع هذه الطرق غير مذكور ، فاضطر النووي إلى ذكر توجيه لذلك ، بعد أن ذكر طريق الجمع بين ذلك كله ، لئلا يسقط شيء منها عن الاعتبار ! ! بعد أن كانت القضية واحدة ...
وروى أبو حاتم أنه خرج بين جاريتين ، فجمع بين الخبرين بأنه « خرج بين الجاريتين إلى الباب ، ومن الباب أخذه العباس وعلي ، حتى دخلا به المسجد » (159) .
لكن خبر خروجه بين جاريتين وهم صدر من الذهبي أيضا (160) .
وذكر العيني الجمع الذي اختاره النووي قائلا : « وزعم بعض الناس » ثم أشكل عليه بقوله : « فإن قلت : ليس بين المسجد وبيته مسافة تقتضي التناوب ...» فأجاب بقوله : « قلت : يحتمل أن يكون ذلك لزيادة في إكرامه أو لالتماس البركة من يده » (161).
وأنت تستشم من عبارته « وزعم بعض الناس » ثم من الاشكال والجواب عدم ارتضائه لما قاله النووي وكذلك ابن حجر رد ـ كما ستعلم ـ على ما ذكره النووي بما جاء في رواية معمر : « ولكن عائشة لا تطيب نفسا له بخير » ورواية الزهري : « ولكنها لا تقدر على أن تذكره بخير » .

والتحقيق : إن القضية واحدة ، و « الرجل الاخر » هو علي عليه السلام « ولكن عائشة ... » أما ما ذكره النووي فقد عرفت ما فيه ، وقد أورد العيني مافي رواية معمر والزهري ثم قال : « وقال بعضهم : وفي هذا رد على من زعم أنها أبهمت الثاني لكونه لم يتعين في جميع المسافة ولا معظمها » قال العيني : « أشار بهذا إلى الرد على النووي ولكنه ما صرح باسمه لاعتنائه به ومحاماته له » (162) .
قلت : والعيني أيضا لم يذكر اسم القائل وهو ابن حجر ، ولا نص عبارته لشدتها ، ولنذكرها كاملة ، فإنه كما لم يصرح باسم النووي كذلك لم يصرح باسم الكرماني الذي اكتفى هنا بأن قال : « لم يكن تحقيراً أو عداوة ، حاشاها من ذلك» (163) وهي هذه بعد روايتي معمر والزهري :
« وفي هذا رد على من تنطع فقال : لا يجوز أن يظن ذلك بعائشة ، ورد من زعم أنها أبهمت الثاني لكونه لم يتعين في جميع المسافة ... وفي جميع ذلك الرجل الاخر هو العباس ، وأختص بذلك إكراما له . وهذا توهم ممن قاله ، والواقع خلافه ، لان ابن عباس في جميع الروايات الصحيحة جازم بأن المبهم علي فهو المعتمد « (164) .
إلا أن من القوم من حملته العصبية لعائشة على أن ينكر ما جاء في رواية معمر والزهري ، وقد أجاب عن ذلك ابن حجر حاملاً الانكار على الصحة فقال : « ولم يقف الكرماني على هذه الزيادة فعبر عنها بعبارة شنيعة » (165) .

8 ـ حديث صلاته خلف أبي بكر :
وحديث أنه صلى الله عليه وآله وسلم اتم في تلك الصلاة بأبي بكر ـ بالاضافة إلى أنه في نفسه كذب كما سيأتي ـ دليل آخر على أن ، أصل القضية ـ أعني أمره أبا بكر بالصلاة ـ كذب ... وبيان ذلك :

9 ـ وجوب تقديم الاقرأ :
هذا ، وينافي حديث الامر بالصلاة منه صلى الله عليه وآله وسلم ما ثبت عنه من وجوب تقديم الاقرأ في الامامة إذا استووا في القراءة ، وفي الصحاح أحاديث متعددة دالة على ذلك ، وقد عقد البخاري « باب إذا استووا في القراءة فليؤمهم أكبرهم » (166) .
وذلك لان أبا بكر لم يكن الاقرأ بالاجماع ... وهذا أيضا من المواضع المشكلة التي اضطربت فيها كلماتهم :
قال العيني : « اختلف العلماء فيمن هو أولى بالامامة فقالت طائفة : الأفقه ، وقال آخرون : الاقرأ » فأجاب عن الاشكال بعدم التعارض : « لانه لا يكاد يوجد إذ ذاك قارىء إلا وهو فقيه » قال : « وأجاب بعضهم بأن تقديم الاقرأ كان في صدر الاسلام » (167) .
وقال ابن حجر بشرح عنوان البخاري المذكور :
« هذه الترجمة منتزعة من حديث أخرجه مسلم من رواية أبي مسعود الانصاري وقد نقل ابن أبي حاتم عن أبيه أن شعبة كان يتوقف في صحة هذا الحديث . ولكن هو في الجملة يصلح للاحتجاج به عند البخاري .قيل : المراد به الافقه . وقيل : هو على ظاهره .
وبحسب ذلك اختلف الفقهاء ، قال النووي قال أصحابنا : الافقه مقدم على الاقرأ ، ولهذا قدم النبي أبا بكر في الصلاة على الباقين ، مع أنه صلى الله عليه [ وآله ] وسلم نص على أن غيره أقرأ منه ـ كأنه عنى حديث : أقرؤكم أبي ـ قال : وأجابوا عن الحديث بأن الاقرأ من الصحابة كان هو الافقه » .
قال ابن حجر : « قلت : وهذا الجواب يلزم منه أن من نص النبي على أنه أقرأ من أبي بكر كان أفقه من أبي بكر ، فيفسد الاحتجاج بأن تقديم أبي بكر كان لانه الافقه » .
قال : « ثم قال النووي بعد ذلك : إن قوله في حديث أبي مسعود : فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة ، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم في الهجرة . يدل على تقديم الاقرأ مطلقاً . إنتهى » .
قال ابن حجر : « وهو واضح للمغايرة » (168) .
أقول : فانظر إلى اضطراباتهم وتمحلاتهم في الباب ، وما ذلك كله إلا دليلا على عجزهم عن حل الاشكال ، وإلا فأي وجه لحمل حديث تقديم الاقرأ على « صدر الاسلام » فقط ؟ أو حمله على أن المراد هو « الافقه » ؟ ! وهل كان أبو بكر الافقه حقاً ؟ !
وأما الوجه الاخر الذي نسبه النووي إلى أصحابه فقد رد عليه ابن حجر ... وتراهم بالتالي يعترفون بوجوب تقديم الاقرأ أو يسكتون ! !
إن المتفق عليه في كتابي البخاري ومسلم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان هو الامام في تلك الصلاة . وكذا جاء في حديث غيرهما ... فهذه طائفة من الاخبار صريحة في ذلك ...
وطائفة أخرى فيها بعض الاجمال ... كالحديث عند النسائي : « وكان النبي بين يدي أبي بكر ، فصلى قاعدا ، وأبو بكر يصلي بالناس ، والناس خلف أبي بكر » .والاخر عن ابن ماجة : « ثم جاء رسول الله حتى جلس إلى جنب أبي بكر حتى قضى أبو بكر صلاته » .
وطائفة ثالثة ظاهرة أو صريحة في صلاته خلف أبي بكر ، كالحديث عند النسائي وأحمد : « إن أبابكر صلى للناس ورسول الله في الصف » والحديث عند أحمد : « صلى رسول الله خلف أبي بكر قاعدا » وعنده أيضا : « وصلى النبي خلفه قاعدا ».
ومن هنا كان هذا الموضع من المواضع المشكلة عند الشراح ، حيث اضطربت كلماتهم واختلفت أقوالهم فيه ...قال ابن حجر : « وهو اختلاف شديد » (169).
فابن الجوزي وجماعة اسقطوا ما أفاد صلاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خلف أبي بكر عن الاعتبار ، بالنظر إلى ضعف سنده ، وإعراض البخاري ومسلم عن إخراجه (170) قال ابن عبد البر : « الاثار الصحاح على أن النبي هو الامام » (171) وقال النووي : « كان بعض العلماء زعم أن أبا بكر كان هو الامام والنبي مقتد به ، لكن الصواب أن النبي كان هو الامام وقد ذكره مسلم » (172) .
لكن فيه : أنه إن كان دليل الرد ضعف السند ، فقد عرفت أن جميع ما دل على أمره أبا بكر بالصلاة ضعيف ، وإن كان دليل الرد إعراض الشيخين فقد ثبت لدى المحققين أن إعراضهما عن حديث لا يوهنه ، كما أن إخراجهما لحديث لا يوجب قبوله . نعم ، خصوم ابن الجوزي وجماعته ملتزمون بذلك .
وعبد المغيث بن زهير وجماعة قالوا : كان أبو بكر هو الامام أخذا بالاحاديث الصريحة في ذلك قال الضياء المقدسي وابن ناصر : « صح وثبت أنه صلى خلفه مقتدياً به في مرضه الذي توفى فيه ثلاث مرات ، ولا ينكر ذلك إلا جاهل لا علم له بالرواية » (173) .

لكن فيه : أنها أحاديث ضعيفة جدا ، ومن عمدتها ما رواه شبابة بن سوار المدلس المجروح عند المحققين ... على أن قولهما : « ثلاث مرات » معارض بقول بعضهم « كان مرتين » وبه جزم ابن حبان (174) وأما رمي المنكرين بالجهل فتعصب ...
والعيني وجماعة على الجمع بتعدد الواقعة ، قال العيني : « روي حديث عائشة بطرق كثيرة في الصحيحين وغيرهما ، وفيه اضطراب غير قادح .
وقال البيهقي ، لاتعارض في أحاديثها ، فإن الصلاة التي كان فيها النبي إماما هي صلاة الظهر يوم السبت أو يوم الاحد ، والتي كان فيها مأموما هي صلاة الصبح من يوم الاثنين وهي آخر صلاة صلاها حتى خرج من الدنيا .
وقال نعيم بن أبي هند : الاخبار التي وردت في هذه القصة كلها صحيحة وليس فيها تعارض ، فإن النبي صلى في مرضه الذي مات فيه صلاتين في المسجد ، في إحداهما كان إماماً وفي الاخرى كان مأموماً » (175) .

قلت :
أولا : إن كلام البيهقي في الجمع أيضا مضطرب ، فهو لا يدري الصلاة التي كان فيها إماما أهي صلاة الظهر يوم السبت أو يوم الاحد ! ؟ وكأن المهم عنده أن يجعل الصلاة الاخيرة ـ يوم الاثنين ـ صلاته مأموماً كي ثبت الامامة العظمى لابي بكر بالامامة الصغرى ! !
وثانيا : إن نعيم بن أبي هند ـ الذي حكم بصحة كل الاخبار ، وجمع كالبيهقي بالتعدد لكن من غير تعيين لجهله بواقع الامر ! ـ رجل مقدوح مجروح لا يعتمد على كلامه كما تقدم في محله .
وثالثا : إنه اعترف بوجود الاضطراب في حديث عائشة ، وكذا اعترف بذلك ابن حجر ، ثم ذكر الاختلاف ، وظاهره ترك المطلب على حاله من دون اختيار ، ثم أضاف أنه « اختلف النقل عن الصحابة غير عائشة ، فحديث ابن عباس فيه : أن أبا بكركان مأموما وحديث أنس فيه : أن أبا بكر كان إماما . أخرجه الترمذي وغيره » (176)

والتحقيق :
إن القصة واحدة لا متعددة ، فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم خرج في تلك الواقعة إلى المسجد ونحى أبابكر عن المحراب ، وصلى بالناس بنفسه وكان هو الامام وصار أبو بكر مأموما ...
هذا هو التحقيق بالنظر إلى الوجوه المذكورة ، وفي متون الاخبار ، وفي تناقضات القوم ، وفي ملابسات القصة ... ثم وجدنا إمام الشافعية يصرح بهذا الذي انتهينا إليه ... قال ابن حجر :
« صرح الشافعي بأنه صلى الله عليه [ وآله ] وسلم لم يصل بالناس في مرض موته في المسجد إلا مرة واحدة ، وهي هذه التي صلى فيها قاعدا ، وكان أبو بكر فيها أولا إماما ثم صار مأموما يسمع الناس التكبير »(177) .
ثم إن هذا الذي صرح به الشافعي من أن أبا بكر « صار مأموما يسمع الناس التكبير » مما شق على كثير من القوم التصريح به ، فجعلوا يتبعون أهواءهم في رواية الخبر وحكاية الحال ، فانظر إلى الفرق بين عبارة الشافعي وما جاء مشابها لها في بعض الاخبار ، وعبارة من قال :
« فكان أبو بكر يصلي بصلاة رسول الله وهو جالس ، وكان الناس يصلون بصلاة أبي بكر » .
ومن قال :
  فكان أبو بكر يصلي قائما ، وكان رسول الله يصلي قاعدا ، يقتدي أبو بكر بصلاة رسول الله ، والناس مقتدون بصلاة أبي بكر » .
ومن قال :
« فصلى قاعدا وأبو بكر يصلي بالناس ، والناس خلف أبي بكر » .
ومن قال :
« فكان أبو بكر يأتم بالنبي والناس يأتمون بابي بكر » .
ومن قال :
« جاء رسول الله حتى جلس إلى جنب أبي بكر حتى قبض أبو بكرصلاته » .
إنهم يقولون هكذا كي يوهموا ثبوت نوع إمامة لابي بكر ! ! وتكون حينئذ كلماتهم مضطربة مشوشة بطبيعة الحال ! ! وبالفعل فقد وقع التوهم ... واختلف الشراح في القضية وتوهم بعضهم فروعا فقهية ، كقولهم بصحة الصلاة بإمامين ! ! :
فقد عقد البخاري : « باب الرجل يأتم بالامام ويأتم الناس بالمأموم » وذكر فيه الحديث عن عائشة الذي فيه : « وكان رسول الله يصلي قاعدا ، ويقتدي أبو بكر بصلاة رسول الله ، والناس مقتدون بصلاة أبي بكر » (178) .
وقال العيني بعد الحديث وفيه : « قيل للاعمش : وكان النبي يصلي وأبو بكر يصلي بصلاته والناس يصلون بصلاة أبي بكر ؟ فقال برأسه : نعم ! » .
قال : « استدل به الشعبي على جواز ائتمام بعض المأمومين ببعض وهو مختار الطبري أيضا ، وأشار إليه البخاري ـ كما يأتي إن شاء الله تعالى ـ .
ورد بأن أبابكر كان مبلغا ، وعلى هذا فمعنى الاقتداء اقتداؤه بصوته ، والدليل عليه أنه صلى الله عليه [ وآله ] وسلم كان جالسا وأبو بكر كان قائما ، فكانت بعض أفعاله تخفى على بعض المأمومين ، فلاجل ذلك كان أبو بكر كالامام في حقهم » (179) .
أقول : ولذا شرح السيوطي الحديث في الموطأ بقوله :
« أي يتعرفون به ما كان النبي يفعله لضعف صوته عن أن يسمع الناس تكبير الانتقال ، فكان أبو بكر يسمعهم ذلك » (180) .
ويشهد بذلك الحديث المتقدم عن جابر : « اشتكى رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم فصلينا وراءه وهو قاعد ، وأبو بكر يسمع الناس تكبيره » .
بل لقد عقد البخاري نفسه : « باب من أسمع الناس تكبير الامام » وأخرج الحديث تحته (181) ! !

10 ـ لا يجوز لاحد التقدم على النبي :
هذا كله بغض النظر عن أنه لا يجوز لاحد أن يتقدم على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وأما بالنظر إلى هذه القاعدة المسلمة كتابا وسنة فجميع أحاديث المسألة باطلة ، ولقد نص على تلك القاعدة كبار الفقهاء ، منهم : إمام المالكية وأتباعه ، وعن القاضي عياض إنه مشهور عن مالك وجماعة أصحابه ، قال : وهو أولى الاقاويل (182) وقال الحلبي بعد حديث تراجع أبي بكر عن مقامه : « وهذا استدل به القاضي عياض على أنه لا يجوز لاحد أن يؤمه صلى الله عليه [ وآله] وسلم ، لانه لا يصح التقدم بين يديه ، في الصلاة ولا في غيرها ، لا لعذر ولا لغيره ، وقد نهى الله المؤمنين عن ذلك ، ولا يكون أحد شافعا له ، وقد قال : أئمتكم شفعاؤكم . وحينئذ يحتاج للجواب عن صلاته خلف عبد الرحمن بن عوف ركعة ، وسيأتي الجواب عن ذلك » (183) .
قلت : يشير بقوله : « وقد نهى الله المؤمنين عن ذلك » إلى قوله عزوجل : ( يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله ) (184) وقد تبع في ذلك إمامه مالك بن أنس كما في فتح الباري (186) لكن من الغريب جدا قول ابن العربي المالكي : « قوله تعالى ( لا تقدموا بين يدي الله ورسوله ) أصل في ترك التعرض لاقوال النبي ، وإيجاب أتباعه والاقتداء به ، ولذلك قال النبي في مرضه : مروا أبابكر فليصل بالناس . فقالت عائشة لحفصة : قولي له : إن أبابكر رجل أسيف ، وإنه متى يقم مقامك لا يسمع الناس من البكاء ، فمر عليا (186) فليصل بالناس ، فقال النبي : إنكن لانتن صواحب يوسف ، مروا أبابكر فليصل بالناس .
يعني بقوله : صواحب يوسف الفتنة بالرد عن الجائز إلى غير الجائز » (187)
أقول : إن الرجل يعلم جيدا بأن النبي صلىالله عليه وآله وسلم لم يتمثل بقوله : « إنكن صواحب يوسف » إلا لوجود فتنة من المرأتين ، فحرف الحديث من « فمر عمر » إلى « فمر عليا » ليتم تشبيه النبي المرأتين بصويحبات يوسف ، لان المرأتين أرادتا الرد عن الجائز « وهو صلاة أبي بكر » إلى غير الجائز « وهو صلاة علي ! » .
إذن ، جميع أحاديث المسألة باطلة.
أما التي دلت على صلاة النبي خلف أبي بكر فواضح جدا .
واما التي دلت علىأنه كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو الامام فلاشتمالها على استمرار أبي بكر في الصلاة ، وقد صح عنه أنه في صلاته بالمسلمين عندما ذهب رسول الله إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم .. لما حضر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو في الصلاة « استأخر » ثم قال : « ما كان لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله » ...
وهذا نص الحديث عن سهل بن سعد الساعدي :

« إن رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم ذهب إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم ، فحانت الصلاة ، فجاء المؤذن إلى أبي بكر فقال : أتصلي للناس فأقيم ؟ قال : نعم .فصلى أبو بكر . فجاء رسول الله والناس في الصلاة ، فتخلص حتى وقف في الصف ، فصفق الناس ، وكان أبو بكر لا يلتفت في صلاته .
فلما أكثر الناس التصفيق التفت فرأى رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم ، فأشار إليه رسول الله أنامكث مكانك . فرفع أبو بكر يديه فحمد الله على ما أمره به رسول الله من ذلك ، ثم استأخر أبو بكر حتى استوى في الصف ، وتقدم رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم فصلى .
فلما انصرف قال : يا أبابكر ما منعك أن تثبت إذ أمرتك ؟ فقال أبو بكر : ما كان لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله ...».
وقد التفت ابن حجر إلى هذا التعارض فقال بشرح الحديث :
« فصلى أبو بكر . أي : دخل في الصلاة ، ولفظ عبد العزيز المذكور : وتقدم أبو بكر فكبر . وفي رواية المسعودي عن أبي خازم : فاستفتح أبو الصلاة وهي عند الطبراني .
وبهذا يجاب عن الفرق بين المقامين ، حيث امتنع أبو بكر هنا أن يستمر إماماً وحيث استمر فيمرض موته صلى الله عليه [ وآله ] وسلم حين صلى خلفه الركعة الثانية من الصبح كما صرح به موسى بن عقبة في المغازي . فكأنه لما أن مضى معظم الصلاة حسن الاستمرار ، ولما أن لم يمض منها إلا اليسير لم يستمر » (188) .
وهذا عجيب من ابن حجر ! !
فقد جاء في الاحاديث المتقدمة : « فصلى » كما في هذا الحديث الذي فسره بـ « أي : دخل في الصلاة » : فانظر منها الحديث الاول والحديث السابع من الاحاديث المنقولة عن صحيح البخاري .

بل جاء في بعضها : « فلما دخل في الصلاة وجد رسول الله في نفسه خفة » فانظر الحديث الثامن من أحاديث البخاري .
لكن بعض الكذابين روى في هذا الحديث أيضا : « فصلى رسول الله خلف أبي » قال الهيثمي : « رواه الطبراني وفي إسناده عبد الله بن جعفر بن نجيح وهو ضعيف جدأ » (189) .
فظهر إن لا فرق ... ولا يجوز لابي بكر ولا لغيره من أفراد الامة التقدم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا في الصلاة ولا في غيرها ...

11 ـ رأي ميرالمؤمنين عليه السلام في القضية :
وبعد أن لاحظنا متون الاخبار ومداليلها ، ووجدنا التعارض والتكاذب فيما بينها ، بحيث لا طريق صحيح للجمع بينها بعد كون القضية واحدة ... واستخلصنا أن صلاة أبي بكر في مرض النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم تكن بأمر منه قطعا .... فلنرجع إلى مولانا أميرالمؤمنين عليه السلام لنرى رأية في أصل القضية فيكون شاهدا على ما استنتجناه ، ولنرى أيضا أن صلاة أبي بكر بأمر من كانت ؟ ؟
لقد حكى ابن أبي الحديد المعتزلي عن شيخه أبي يعقوب يوسف بن إسماعيل اللمعاني حول ما كان بين أمير المؤمنين وعائشة ، جاء فيه :
« فلما ثقل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مرضه ، أنفذ جيش أسامة وجعل فيه أبا بكر وغيره من أعلام المهاجرين والانصار ، فكان علي عليه السلام حينئذ بوصوله إلى الامر إن حدث برسول الله حدث أوثق ، وتغلب على ظنه أن المدينة لو مات لخلت من منازع ينازعه الامر بالكلية ، فيأخذه صفوا عفوا ، وتتم له البيعة فلا يتهيأ فسخها لو رام ضد منازعته عليها . فكان من عود أبي بكرمن جيش أسامة بإرسالها إليه وإعلامه بأن رسول الله يموت ما كان ، ومن حديث الصلاة بالناس ما عرف .
فنسب علي عليه السلام إلى عائشة أنها أمرت بلالا ـ مولى أبيها ـ أن يأمره فليصل بالناس ، لان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما روي قال : « ليصل بهم أحدهم » ولم يعين ، وكانت صلاة الصبح ، فخرج رسول الله وهو في آخر رمق يتهادى بين علي والفضل بن العباس ، حتى قام في المحراب كما ورد في الخبر ثم دخل ، فمات ارتفاع ، الضحى ، فجعل يوم صلاته حجة في صرف الامر إليه ، وقال : أيكم يطيب نفسا أن يتقدم قدمين قدمهما رسول الله في الصلاة ؟ ! ولم يحملوا خروج رسول الله إلى الصلاة لصرفه عنها ، بل لمحافظته على الصلاة مهما أمكن . فبويع على هذه النكتة التي اتهمها علي عليه السلام على إنها أبتدأت منها .
وكان علي يذكر هذا لاصحابه في خلواته كثيرا ويقول : إنه لم يقل صلى الله عليه وآله وسلم إنكن لصويحبات يوسف إلا إنكاراً لهذه الحال وغضباً منها ، لانها وحفصة تبادرتا إلى تعيين أبويهما ، وإنه استدركها بخروجه وصرفه عن المحراب ، فلم يجد ذلك ولا أثر ، مع قوة الداعي الذي كان يدعو إلى أبي بكر ويمهد له قاعدة الامر وتقرر حاله في نفوس الناس ومن اتبعه على ذلك من أعيان المهاجرين والانصار ...
فقلت له رحمة الله : أفتقول أنت : إن عائشة عينت أباها للصلاة ورسول الله لم يعينه ؟ !
فقال : أما أنا فلا أقول ذلك ، ولكن عليا كان يقوله ، وتكليفي غير تكليفه ، كان حاضراً ولم أكن حاضرا ....» (190)

نتيجة البحث :
لقد استعرضنا أهم أحاديث القضية وأصحها ، ونظرنا أولا في أسانيدها ، فلم نجد حديثا منها يمكن قبوله والركون إليه في مثل هذه القضية ، فرواة الاحاديث بين « ضعيف » و « مدلس » و « ناصبي » و « عثماني » و « خارجي » ... وكونها في الصحاح لا يجدي ، وتلقي الكل إياها بالقبول لا ينفع ....
ثم نظرنا في متونها ومداليلها بغض النظر عن أسانيدها ، فوجدناها متناقضة متضاربة يكذب بعضها بعضها .... بحيث لا يمكن الجمع بينها بوجه ... بعد أن كانت القضية واحدة ، كما نص عليه الشافعي ومن قال بقوله من أعلام الفقه والحديث ..
ثم رأينا أن الادلة والشواهد الخارجية القويمة تؤكد عل استحالة أن يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو الذي أمر أبابكر بالصلاة في مقامه .
وخلاصة الامر الواقع : أن النبي لما مرض كان أبو بكر غائبا بأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم حيث كان مع أسامة بن زيد في جيشه ، وكان النبي يصلي بالمسلمين بن بنفسه ، حتى إذا كانت الصلاة الاخيرة حيث غلبه الضعف واشتد به المرض طلب عليا فلم يدع له ، فأمر بأن يصلي بالناس أحدهم ، فلما التفت بأن المصلي بهم أبو بكر خرج معتمدا على أميرالمؤمنين ورجل آخر وهو في آخر رمق من حياته لان يصرفه عن المحراب ويصلي بالمسلمين بنفسه لا أن يقتدي بأبي بكر ! ويعلن بأن صلاته لم تكن بأمر منه ، بل من غيره ! ! .
ثم رأينا أن أمير المؤمنين عليه السلام كان يرى أن الامر كان من عائشة و « علي مع الحق والحق مع علي » (191) .
وصلى الله على رسوله الامين ، وعلى علي أميرالمؤمنين والائمة المعصومين ، والحمد لله رب العالمين .

 

الهوامش:

(126) راجع الفصل الاخير من كتابنا « التحقيق في نفي التحريف عن القرآن الشريف » .

(127) هذا كلام موضوع على أمير المؤمنين عليه السلام قطعا ، والذي جاء به ... مرسلا كما في الاستيعاب 3 | 971 هو الحسن البصري المعروف بالارسال والتدليس والانحراف عن أمير المؤمنين عليه السلام ! !
(128) الاربعين : 284 .
(129) شرح طوالع الأنوار ، في علم الكلام : مخطوط .
(130) هذا من أحاديث سلسلتنا هذه إن شاء الله تعالى .

(131) تفسير النيسابوري .سورة التوبة .
(132) الكواكب الدراري ـ شرح البخاري 5 | 52 .
(133) عمدة القاري شرح البخاري 5 | 187ـ 188 .
(134) وذلك لان أبا بكر قال لعمر : صل بالناس ... وكأن أقوال أبي بكر وأفعاله حجة ؟ ! على أنهم وقعوا في إشكال من هذه الناحية ، كما ستعرف !
(135) المنهاج ، شرح صحيح مسلم ، هامش إرشاد الساري 3 | 56 .

(136) فيض القدير ـ شرح الجامع الصغير 5 | 521.
(137) فواتح الرحموت ـ شرح مسلم الثبوت ، في علم الاصول 2 | 239 هامش المستصفى للغزالي .

(138) سنن أبي داود 1 | 98 .
( 139 ) منهاج السنة 4 | 91 .

(140) فتح الباري 8 | 124 .
(141) الملل والنحل 1 | 29 لابي الفتح الشهرستاني ، المتوفى سنة 548 هـ ، توجد ترجمته والثناء عليه في : وفيات الاعيان 1 | 610 ، تذكرة الحفاظ 4 | 104 طبقات الشافعية للسبكي 4 | 78 ، شذرات الذهب 4 | 149 ، مراة الجنان 3| 289 وغيرها .

(142) في أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يغمى عليه ـ بما للكلمة من المعنى الحقيقي ـ أولا ؛ كلاما بين العلماء لا نتعرض إليه لكونه بحثاً عقائدياً ليس هذا محله .

(143) صحيح مسلم بشرح النووي ، هامش إرشاد الساري 3 | 51 .
(144) صحيح مسلم بشرح النووي ، هامش إرشاد الساري 3 | 51 .
(145) مسند أحمد 6 | 57 .
(146) مسند أحمد3 | 202 .
(147) تاريخ الطبري 2 | 439 .
(148) الطبقات الكبرى 2 | 220 .

(149) بغية الطلب في تاريخ حلب .
مخطوط .الورقة 194 ، لكمال الدين ابن العديم الحنفي ، المتوفى سنة 660 هـ . ترجم له الذهبي واليافعي وأبن العماد في تواريخهم وأثنوا عليه . وقال ابن شاكر الكتبي : « كان محدثا فاضلا حافظا مؤرخا صادقا فقيهاً مفتياً منشئاً بليغاً كاتباً محموداً » فوات الوفيات 2 | 220 .
(150) فتح الباري 2 | 120 .
(151) تاريخ الطبري 2 | 439 .

(152) المنهاج بشرح صحيح مسلم ، هامش القسطلاني 3 | 60 .
(153) فتح الباري 1 | 123 .

(154) فتح الباري 1 | 123 .
(155) الكواكب الدراري ـ شرح البخاري 5 | 70 .
(156) طبقات ابن سعد 3 | 182 .
(157) المنهاج شرح مسلم هامش إرشاد الساري 3 | 57
(158) عمدة القاري 5 | 187 .
(159) عمدة القاري 5 | 187.
(160) عمدة القاري 5 | 190 .
(161) عمدة القاري 5 | 187 .

(162) عمدة القاري 5 | 191 .
(163) الكواكب الدراري 5 | 52 .
(164) فتح الباري 2 | 123 .
(165) فتح الباري 2 | 123 .

(166) صحيح البخاري بشرح العيني 5 | 212 .
(167) عمدة القاري 5 | 203 .

(168) فتح الباري 2 | 135 .

(169) فتح الباري 2 | 120 .
(170) لابن الجوزي رسالة في هذا الباب أسماها « آفة أصحاب الحديث » نشرناها لاول مرة بمقدمة وتعاليق هامّة سنة 1398 هـ .
(171) عمدة القاري 5 | 191 .
(172) المنهاج ، شرح صحيح مسلم 3 | 52 .
(173) عمدة القاري 5 | 191 ، لعبد المغيث رسالة في هذا الباب ، رد عليها ابن الجوزي برسالته المذكورة .

(174) عمدة القاري 5 | 191 .
(175) عمدة القاري 5 | 191 .

(176) فتح الباري 2 | 120 .
(177) فتح الباري 2 |138 .

(178) صحيح البخاري ـ بشرح العيني 5 | 250 .
(179) عمدة القاري 5 | 190 .

(180) تنوير الحوالك ـ شرح موطأ مالك 1 | 156 .
(181) فتح الباري 2 | 162.
(182) نيل الاوطار 3 | 195 .
(183) السيرة الحلبية 3 | 365
(184) سورة الحجرات 49 : 1 .

(185) فتح الباري 3 | 139 .

(186) فكان الحديث بثلاثة ألفاظ 1 ـ « فمرغيره » 2 ـ « فمر عمر » 3 ـ « فمر عليا » وهذا من جملة التعارضات الكثيرة الموجودة بين ألفاظ هذه القضية الواحدة ! ! لكنا نغض النظر عن التعرض ليس خوفاً إلا من الاطالة .
(187) أحكام القرآن 4 | 145 .

(188) فتح الباري 2 | 133 .

(189) مجمع الزوائد 5 | 181 .

(190) شرح نهج البلاغة 9 | 196 ـ 198 .

(191) كما في الاحاديت الكثيرة المتفق عليها بين المسلمين . أنظر من مصادر أهل السنة المعتبرة : صحيح الترمذي 3 | 166 ، المستدرك 3 | 124 ، جامع الاصول 9 | 420 ، مجمع الزوائد 7 | 233 وغيرها .