عودة إلى صفحة حقائق من التاريخ     الصفحة الرئيسية
       

الناعقون بالباطل (1)

إبراهيم الحسيني

• لماذا الحسينيات دون العلويات؟

هنالك أقوام ممن أعمى الله سبحانه وتعالى بصائرهم وأضل قلوبهم، جعلوا دينهم وديدنهم تناول المؤمنين بالشتم والسب والطعن، لا همّ لهم إلاّ إلقاح الفتنة، وإلقاء بذور التفرقة بين طوائف المسلمين، خدمة للشيطان الذي استعبدهم ووظفهم لهذه المهمة، فركبوا رؤوسهم الخاوية، ومخروا عباب الغي والضلالة.

من هؤلاء الأقوام من يسمون أنفسهم (السلفية)، أي أنهم شرُّ خلف لأسوإ سلف، وكيف لا يكونون كذلك وسلفهم معاوية وابنه يزيد ؟! هؤلاء السلفية أغواهم عجل العصبية وسامري الجهل وجمل السفاهة والسفالة.

ومن هؤلاء السلفية من يخط بيده الأثيمة منشوراً عنوانه : (رسالة لزملائي الطلبة) يحاول أن ينسف عن طريقه جسور المودة، وحبال الأخوّة بين المسلمين، في هذا الزمن الذي نحن أحوج ما نكون فيه إلى تدعيم هذه الجسور، وتوثيق تلك العرى، كيما نتمكن من مواجهة تلك الهجمة الغربية المسعورة على الإسلام والمسلمين.

لن أحتاج إلى الرد على كل تفاهات ذلك المنشور الذي يحمل الرقم (1)، كيما أعيد رمي تلك الأحجار على رأس صاحبها (أو رؤوس أصحابها)، إنما سأكتفي بتناول قضية واحدة فقط من القضايا التي أثارها ذلك المنشور، وهي قضية الإمام الحسين والحسينيات التي يهاجمها دون علم ولا بصيرة .

وقبل البدء أريد أن أصحح لذلك الناعق الجاهل بيت الشعر الذي افتتح به منشوره التافه، وأصوبه إلى نحره قائلاً:

لو كلُّ كلبٍ عوى ألقمتُه حجراً لأصـبح الصـخر مثقالاً بـدينار

متمثلاً قول السيدة زينب (عليها السلام) ليزيد بن معاوية عليهما اللعنة: (ولئن جرّت عليّ الدواهي مخاطبتك، إني لأستصغر قدرك، وأستعظم تقريعك، وأستكثر توبيخك).

ألا فالعجب كل العجب من ادّعائك أيها الجاهل، أنك أقرب إلى الحسين (عليه السلام) منا، لأنك تصوم في يوم عاشوراء، فتجوع فيه وتظمأ، ولاتدري أنك إنما تجوع جوع الكلاب، وتظمأ ظمأ الحمير، بدليل تردادك قول من قال عن الإمام الحسين: (قتله من أخرجه)، ولو كنت قريباً من الحسين حقاً كما تقول، لما ردّدت تلك العبارة التي تنم عن الجهل الفاضح والبعد الواضح، وأين أنت من فهم قضية الإمام الحسين (عليه السلام)؟ وأنى يتأتى لك ذلك؟ وأنت:

كالعيس في البيداء يقتلها الظما والماء فـوق ظهـورها محمول

إن من أصول الفقه الإسلامي، أن العبادة ينبغي أن تكون عن علم، وإلاّ كانت عادةً ولم تكن عبادة، ولو كنتَ من أهل العلم، لفهمت دوافع ثورة الإمام الحسين على طاغية عصره (يزيد بن معاوية) لعنهما الله تعالى، ولعن من تولاّهما واتّبع سنّتهما، ومشى على دربهما الحائد عن الصراط المستقيم.

ولعلك تعلم أن السائرين على الصراط المستقيم يصلون إلى النعيم، وأن السائرين على الدروب الأخرى والسبل المتفرقة يصلون – والعياذ بالله – إلى الجحيم، مصداقاً لقوله تعالى شأنه في محكم التنزيل: (وأن هذا صراطي مستقيماً فاتّبعوه، ولاتتّبعوا السبل فتفرّق بكم عن سبيله)[سورة الأنعام: الآية 153]، صدق الله العليُّ العظيم.

أما الدروب والسبل الموصلة إلى جهنم وبئس المصير، فهي دروب أشياخك وأوليائك وسلفك الطالح يزيد ومعاوية ومن تبعهما ووالاهما، وأما الصراط المستقيم والطريق القويم الموصل إلى جنة النعيم، فهو صراط أهل البيت (عليهم السلام)، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، وجعلهم لأهل الأرض كالنجوم لأهل السماء، وجعل سفينتهم كسفينة نوح عليه السلام، من ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق(1).

وليس عجيباً – وأنت الجاهل – أن تقبل كلام أشياخك وهم جهلة مثلك، وأن تكون وإياهم كأعمى يجرّ أعمى، وأبكم يخاطب أبكماً، وأصمٍّ يحاوره أصمّ، فيقول له: دعك من الحسين، وانفض يدك من قضيته، فإنما قتله من أخرجه، أو يقول له : خرج الحسين عن حدّه فقُتل بسيف جدّه، وأمثال هذه الضلالات الكثيرة المنتشرة بين أمثالكم من السفهاء الجهلة، بينما الرسول المصطفى (صلى الله تعالى عليه وآله)، يقول عن سبطه الحسين ( حسين مني وأنا من حسين، أحب الله من أحب حسيناً)(2)، ويقول عن سبطيه المطهّرَين: (الحسن والحسين سيدا شباب الجنة، وأبوهما خير منهما)(3).

تقول: ( إن يوم عاشوراء سنة 61هـ، يمثل يوم الخزي والعار للذين خذلوا الحسين (رضي الله عنه) وغدروا به وتركوه وحيداً في الصحراء ليلقى مصيره نتيجة تلك الخيانة العظمى)، وتنسى أو تتناسى الجريمة الكبرى في الإسلام التي اقترفها يزيد وعبيد الله بن زياد وعمر بن سعد وشمر بن ذي الجوشن، ومن لفّ لفهم وكان معهم من العتاة في ذلك اليوم المأساوي الكئيب، ولعلك تخطّئ الحسين، وتبرّر فعل يزيد وتترضى عليه وتسميه أمير المؤمنين، كما فعل ذلك أحد أسلافك الدكتور الشيخ أبو اليسر عابدين، مفتي الجمهورية الإسلامية في العقد السادس من القرن العشرين، حيث يقول: ( فبيعة يزيد إذن كانت بيعة شرعية، ومن خرج عليه كان باغياً، ولم تجتمع كلمة المسلمين أكثر من اجتماعهم على بيعة يزيد)(4)، لارحمك الله أيها المفتي الجاهل، ولاغفر لك ولا أقالك من عثرتك الكبرى هذه، حيث جعلت يزيد الخمور والفجور، إمامك وخليفتك وقائدك إلى النار، وأنت تعلم أنه باعتباره فرعون هذه الأمة: (يقدُم قومه يوم القيامة فأوردهم النار، وبئس الورد المورود)[سورة هود: الآية 98].

أو كما فعل سلفك الآخر، الشيخ محمد الخضري – شيخ الأزهر - حيث قال: (بذلك الشكل المحزن انتهت هذه الحادثة التي أثارها عدم الأناة والتبصر في العواقب، فإن الحسين بن علي رمى بقول مشيريه جميعاً عرض الحائط، وظنّ بأهل العراق خيراً وهم أصحاب أبيه، فقد كان أبوه خيراً منه وأكثر عند الناس وجاهة، وكانت له بيعة في الأعناق، ومع ذلك لم ينفعوه حتى تمنّى في آخر حياته الخلاص منهم، أما الحسين فلم تكن له بيعة، وكان في العراق عمّاله وأمراؤه – عمال وأمراء يزيد -، فاغترّ ببعض كتب كتبها دعاة الفتن ومحبو الشر، فحمل أهله وأولاده، وسار إلى قوم ليس لهم عهد، وانظروا كيف تألف الجيش الذي حاربه، هل كان إلاّ من أهل العراق وحدهم، الذين يرفعون عقيرتهم بأنهم شيعة علي بن أبي طالب؟‍‍)(5).

أفٍّ وتُفٍّ لهذا الكلام السخيف أبد الدهر، ألا قاتل الله العصبية، كم تزري بعقول أصحابها، وكم تحطُّ من أقدارهم، وتنزل بهم إلى الدرك الأسفل من الخفة والخواء، فيهرفون بما يعرفون أنه غير الحق، ويجرون وهم يدرون خلف الباطل، فويل لهم ثم ويل لهم مما كسبت أيديهم، وخطّت أقلامهم، ونطقت ألسنتهم، يوم يجدون ماعملوا حاضراً، ولايظلم ربك أحداً.

أهؤلاء أعلم من سبط رسول الله بأحكام الله؟ أم هم أكثر تقديراً منه للظروف وإحاطة بأحوال الناس في زمانه؟ أما مرّ عليهم قول رسول الله (صلى الله عليه وآله):

(حسين مني وأنا من حسين، أحب الله من أحب حسيناً)؟، هل حاولوا أن يتدبروا معنى هذا الحديث الشريف؟.

حسين مني، أي من ذريتي، لأنه سبطي وابن ابنتي فاطمة الزهراء (عليها السلام)، لكن مامعنى: (أنا من حسين)؟ إن الرسول المعظم لا يقول الكلام جزافاً، ولا يلقيه عبثاً، ولا تأخذه العاطفة نحو سبطه الحسين، ليقول فيه كلاماً غير مسؤول، ولذلك فإنه ليس لهذه الكلمة سوى معنىً واحد محدّد، وهو أن الحسين إنما هو امتداد للنبي في الزمن المستقبل، وبه يمتدّ ذكره ويبقى شرعه ويخلد دينه في الزمن الآتي وإلى يوم القيامة.

وكيف يحصل ذلك الامتداد للنبوة والخلود للرسالة، بهذا السبط الكريم الذي هو وأخوه الإمام الحسن سيدا شباب أهل الجنة؟، إنه إنما يكون بهذه النهضة الحسينية المباركة، واستشهاد الإمام الحسين ومن معه من خُلَّصِ أصحابه وكرام أهل بيته.

أم ظنّ أولئك الجهلة أن الحسين كان مغروراً بأولئك الذين كاتبوه من أهل العراق، وأنه إنما كان يسعى إلى انتزاع الملك من يزيد، وكان يرجو الغلبة والنصر العسكري، على أولئك الطغاة العتاة من بني أمية، حثالة البشرية وسفلة أهل الأرض؟.

إن من يقرأ بيانات الإمام الحسين، التي أطلقها قبيل وأثناء مسيرته الثورية، يتأكد أن الحسين كان على يقين مطلق من شهادته وسبي عياله وأهل بيته، ألم تسمع قوله لأخيه محمد بن الحنفية عندما حذّره من غدر أهل الكوفة: (شاء الله أن يراني قتيلاً)، وعندما سأله ابن الحنفية أن لا يخرج معه عياله ونساءه قال له: (شاء الله أن يراهنّ سبايا)(6).

وعندما أتته أم سلمة - زوجة النبي (صلى الله عليه وآله)– تقول: ( لا حزنّي بخروجك إلى العراق، فإني سمعت جدّك رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: يقتل ولدي الحسين في العراق بأرض يقال لها كربلا، وعندي تربتك في قارورة دفعها إليّ النبي (صلى الله عليه وآله)، قال لها الحسين: ( ياأماه، وأنا أعلم أني مقتول مذبوح ظلماً وعدواناً .. وإني لأعرف اليوم الذي أُقتل فيه، والساعة التي أُقتل فيها، والحفرة التي أُدفن فيها كما أعرفكِ)(7).

وقال في رسالة أرسلها إلى المدينة المنورة: (من لحقنا استشهد، ومن تخلّف عنا لم يدرك الفتح)،فهذه كلها أقوال من استيقن القتل، ومنها نفهم أن إصرار الإمام الحسين، على المضي في نهضته تلك، إنما هو لسبب آخر غير الانتصار العاجل على يزيد وجيشه الجرّار، وإنما هو الانتصار للإسلام الذي كان على وشك الانحسار لولا تلك النهضة المباركة.

ومما يشير إلى هذا الهدف ويؤكده، قول الإمام زين العابدين علي بن الحسين (عليهما السلام)، لمن سأله في مجلس يزيد في الشام بعد معركة الطفّ تلك، وما جرّت على أهل البيت من قتل وسبي، سأله ذلك الشامي شامتاً مستهزئاً: لمن كان النصر في ذلك اليوم؟ فقال الإمام بكل ثقة واعتزاز وفخر: (إذا سمعت الأذان تعلم لمن كان النصر)، ويشير هذا الجواب بكل وضوح، إلى أنه لولا تلك النهضة، واستشهاد ابن بنت رسول الله وما ينوف على سبعين رجلاً من صحابة رسول الله وأهل بيته، وسبي نسائه وعياله بهذا الشكل المريع، لخفت صوت المؤذن وضاعت الصلاة، وانحسر الإسلام بتعاليمه وأحكامه عن ذلك المجتمع.

وهكذا تجد أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قاتل المشركين على تنزيل القرآن، وقاتلهم الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) على تأويله، وقاتلهم الإمام الحسين (عليه السلام) على استمرار وجوده وفاعليته في المجتمع، وبذلك كان به رسوخ رسالة النبي (صلى الله عليه وآله)، وامتداد ذكره، فارتفع صوت المؤذن بشهادة أن لا إله إلاّ الله، وأن محمداً رسول الله.

هل فهمت يا صاحب الرسالة إلى زملائك الطلبة ؟! ألم يكن يكفيك ما أنت فيه من الجهل، فرغبت أن يعمّ جهلك إلى إخوانك الطلبة، وأن تشحن قلوبهم بالحقد، وتملأ صدورهم بالشحناء والبغضاء؟! ألا يكفيك إثمك ووزرك، فرحت تسعى لحمل آثام وأوزار من أردت أن تضللهم، وأن تسير بهم في السبل الحائدة عن الصراط المستقيم، والمائلة عن نهج الحق القويم؟!.

وأخيراً فالعجب من سؤالك في ذلك المنشور الأسود: لماذا الحسين فقط؟ هذا عليٌّ أبوه (رضي الله عنه) قتل مظلوماً شهيداً، فأين العلوية في مقابل الحسينية؟ وهذا السؤال ما هو إلاّ دليل آخر على غبائك الفاضح، وجهلك الواضح، وعدم قدرتك على إدراك أبسط الأمور، فكيف بجلائلها؟.

وأجد غضاضة في تقديم الجواب على سؤالك الساذج هذا، ولكن ليس مع الجهلة حيلة سوى أن تعلّمهم الصواب، وتقدم لهم الجواب، فاعلم يا هذا أننا نعتقد جازمين، أن علياً أفضل وأعلى درجات من ابنه الحسين، واعتقادنا هذا ليس من عند أنفسنا، فما كنا لنأخذ عقيدتنا في كل أمر، إلاّ من صاحب الشريعة رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله)، الذي لا ينطق عن الهوى أبداً، وكل ما يأتينا به إنما هو وحي من عند الله سبحانه وتعالى، وهو القائل – كما مرّ معنا منذ قليل – (الحسن والحسين سيدا شباب الجنة، وأبوهما خير منهما).

ولكن علياً (عليه السلام) استشهد بشكل واضح، ولم يستطع أحد من هذه الأمة أن ينكر فضله ومقامه، والدور العظيم الذي قام به في إحياء قيم الإسلام وعدالته، وهذه الآلاف من الكتب التي صنفت فيه من كافة شرائح الأمة وطبقاتها، بل ومن كافة فئات الناس، تشهد له بذلك، حتى قال القائل عنه ما معناه: أخفى شانئوه فضائله حسداً، وأخفاها محبوه خوفاً، وفاض منها بين هذين ما ملأ الخافقين، فما هو الداعي لإنشاء العلويات؟.

أما قضية الإمام الحسين (عليه السلام)، فرغم أنها أثمرت في حينها ما جعل شجرة الإسلام تنمو وتترسخ جذورها في الأرض، وتتطاول إلى عنان السماء، وما هيّج الثورات المتتالية، التي اقتلعت بني أمية وطغيانهم من الجذور، ورمتهم في مزبلة التاريخ، فإن استمرار الإسلام في الحاضر والمستقبل، مازال رهناً بالحسينيات التي انتشرت في كل مكان من الأرض شرقاً وغرباً، تزلزل الأرض تحت أقدام الطغاة من أي طائفة كانوا، وتدفن ركام الجاهلية أينما وجدته، وتفتح أبصار الناس وبصائرهم على النور الذي لا ظلم فيه ولا ظلام، وتدعو إلى الله على بينة واضحة وهدىً من الله وصراط مستقيم .

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

الهوامش:

1- كنز العمال ج12 ص 98 الحديث رقم (34169) - مقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 104.

2- سنن الترمذي ج 5 ص 658 الحديث رقم (3775) - أنساب الأشراف للبلاذري ج 3 ص 142 – ينابيع المودّة للقندوزي الحنفي ص 193 و 264 – سير أعلام النبلاء للذهبي ج 4 ص 27. و404 – أسد الغابة في معرفة الصحابة للجزري ج 2 ص 26 – ذخائر العقبى في معرفة ذوي القربى للطبراني ص 231 – الفصول المهمة لابن الصباغ المالكي ص 169.

3- المستدرك على الصحيحين للحاكم النيسابوري ج 3 ص 167 - كنز العمال للمتقي الهندي ج 2 ص 112 الحديث رقم (34247)- الصواعق المحرقة لابن حجر الهيثمي ص 191 .

4- الدكتور الشيخ أبو اليسر عابدين: ( أغاليط المؤرخين) ص 12.

5- الشيخ محمد الخضري: (الدولة الأموية) ص459.

6- بحار الأنوار للشيخ المجلسي ج 1 ص 184.

7- مدينة المعاجز للسيد هاشم البحراني ص 244.