فهرس الاستطلاع

 

   الصفحة الرئيسية

 

جمكران: مسجد الاستغفار ومعبد الانتظار

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

في التاريخ مساجد في القمّة! مساجد جذبت نحوها ملايين المصلين، وتركت معاجزها وكرامتها على الناس حتى صارت جزءاً من آمالهم وآلامهم ومعتقداتهم.

مساجد (أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه) فهي قلاع لحفظ الرسالة من الدنس والتحريف، وهي الصرخة المدوية في وجه كل طاغية بني قصره ليهدم بيوت الله على رؤوس عباده المؤمنين. و(جمكران) أحد تلك المساجد العظيمة التي يعود تاريخها إلى ألف عام، يوم كان مسجداً صغيراً لا يتجاوز (50) متر مربع وقبّة من الطين حتى صار بيتاً من بيوت الله العظيمة التي تربو مساحتها نحو (25) ألف متر مربع وقبّة ومنائر تشمخ عالياً بمظهرها الجميل.

في منتصف ليلة السابع عشر من رمضان سنة 393هـ استيقظ الشيخ حسن بن مثلة من منامه، فوجد رجالاً يحيطون به!

قالت العصبة من الرجال انهض يا شيخ وامتثل لأمر مولاك فقد أمرنا بإحضارك فوراً.

وما هي إلا دقائق حتى وجد بن مثلة نفسه واقفاً في وسط مزرعة وأمامه رجلان يجلسان على وسادة أحدهما رجل طاعن في السنّ وقد ابيضّت لحيته، والآخر شاب في الثلاثين من عمره.

ظل الشيخ يمعن النظر في وجهيهما، فقد كان النور يتلألأ منهما فانشغل عن الكلام بالنظر.

وعندها قال له الرجل الشاب: يا حسن بن مثلة... أنا الحجّة بن الحسن العسكري وهذا الشيخ الكبير هو الخضر (عليه السلام).

واستطرد الإمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف): يا شيخ اذهب بنفسك إلى الحسن بن مسلم صاحب هذه المزرعة وقل له: إنّ هذه الأرض مقدسة وأنّ الله خصّها وفضّلها وبارك فيها ولا يجوز أن يزرعها بعد ذلك الاصطفاء الربّاني. قال الحسن بن مثلة: يا سيدي أرى أن تقدّموا دليلاً يقنع الناس، وإني أخاف أن لا يصدّق الناس كلامي!

قال الإمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف): لا عليك، اذهب ونفّذ ما أقول لك وسترى في المستقبل أدلّة وشواهد، وعلائم ومعاجز وكرامات كثيرة. وأضاف الإمام: اذهب إلى السيد أبو الحسن رضا - أحد أكبر علماء عصره - وقل له أن يدعو الحسن بن مسلم (صاحب المزرعة) وإن يأمره بجمع الأرباح التي جناها من الأرض طيلة السنوات الماضية.

ثم أبلغ الناس أن يفدوا إلى المسجد ويوقّروه وليصلّوا فيه أربع ركعات: ركعتان لتحية المسجد وركعتان لإمامهم (عجل الله تعالى فرجه الشريف) فمن أتى بهذه الركعات كمن صلّى ركعتان في بيت الله الحرام.

عاد الشيخ إلى داره مضطرباً مدهوشاً، وهو لا يدري هل كان ذلك حلماً أم حقيقة! وراح يفكّر عميقاً فيما تبقّى من الليل حتى ظهر وجه الصّباح. فعندها ذهب بن مثلة إلى مكان الحدث ليصدّق الواقعة ويراها بأم عينيه من جديد. فوجد السلاسل تحيط بالمكان (المزرعة) حيث كان الإمام قد أخبره بذلك، وقال له أنها ستوضع هناك لرسم حدود المسجد. لما تأكّد بن مثلة من أن ذلك حقيقة سارع إلى مدينة قم التي تبعد حوالي 15 كيلومتراً عن قرية (جم كران) ليخبر السيد أبو الحسن بالحادث ويطلعه على حقيقة الأمر.

لكنه فوجئ بأن السيد ينتظره من ليلة البارحة وأنه كان يعلم بحضوره! والذي زاد في دهشته أن السيد كان مأموراً بأن يستمع لحديثه وأن يصدّق أقواله، لأنّ الإمام الحجة (عجل الله تعالى فرجه الشريف) أمره بذلك في المنام. وما كان من السيد حتى أمر غلمانه وأصحابه أن يعدّوا رواحلهم للسفر إلى قرية (جم كران).

وعلى أبواب القرية التقى الركب بالحسن بن مسلم (صاحب المزرعة) وقصّوا عليه رؤياهم. فجمعوا المال. وأقاموا المسجد، وعاد السيد إلى مقرّه في قم ومعه السلاسل. وكانت في بيته يستعملها لشفاء المرضى ببركة الله حتى وفاته... حيث اختفت السلاسل ولم يعرف عن مصيرها شيء!

ومنذ ذلك اليوم ظهرت المعاجز والكرامات العديدة التي ورد ذكرها في الكتب والأحاديث المعتبرة التي وردت عن الشيخ المحدث الجليل (محمد بن بابويه) الشهير (بالصدوق) في كتاب جنة المأوى: ص230.

ويعتبر المسجد حالياً من المشاهد الكريمة والبيوت العظيمة التي يتوافد عليه الزائرون والمصلون من مختلف أنحاء العالم الإسلامي، ولا سيما من الباكستان والهند ودول الخليج، وذلك للصلاة والدعاء والابتهال إلى الله عزّ وجلّ لتعجيل ظهور سيدهم ومنقذهم وقائدهم المُغيّب الذي تعذّب شيعته وتفرّقت أمته فالصلاة في هذا المسجد تساوي الصلاة في بيت الله الحرام على حد تعبير الإمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف).

فالذي يدخل ساحة المسجد يرى بأم عينه جموع المصلين الذين يحضرون في كل ليلة أربعاء وجمعة، ويسمع بأذنيه دوي الأدعية والابتهالات والصلوات التي ترتفع من كل صوب حتى يخيّل للناظر أن الناس على موعد مع قائدهم الذي سيظهر ليقيم دولة الحق ويملأ الدنيا قسطاً وعدلاً بعد أن ملئت ظلماً وجوراً كما أكد النبي (صلّى الله عليه وآله) ذلك: (لا تقوم الساعة حتى تملأ الأرض ظلماً وجوراً وعدواناً ثم يخرج من أهل بيتي من يملؤها قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً) وترى القلوب الصادقة تجدّد ولاءها لإمامها الغائب عن الأنظار والحاضر في وسط القلوب والأحداث من دون أن تراه العيون.. هكذا شاء الله لحجته.

إن هؤلاء الناس يستغيثون ويقسمون على الإمام (عليه السلام) أن يظهر لأنه وحده القادر على نجاة الأمة من جميع مشاكلها وأزماتها ولذلك يقضون أوقاتهم بالدعاء من الليل حتى الصباح.

إنه تجمّع إيماني نادر وغريب، فترى الناس بمختلف ألوانهم وأشكالهم وانتماءاتهم ومذاهبهم، منهم الأصفر والأبيض والأسود، ومنهم العربي والفارسي والباكستاني والهندي والأفغاني والإفريقي.. لكنه عندما يبدأ دعاء الكميل والتوسّل في ليلة الأربعاء والجمعة ينعدم اللون والشكل والجنسية. فالكل يقف بين يدي الله ويتضرّع ويقرأ بخشوع: (اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه، في هذه الساعة وفي كل ساعة ولياً وحافظاً وقائداً وناصراً ودليلاً وعيناً حتى تسكنه أرضك طوعاً وتمتعه فيها طويلاً).

وفجأة تسمع في وسط الجموع صرخات التكبير تعلو، ويتهافت الناس على مريض رجعت له صحته أو مُعوّق وقف على رجليه أو أعمى عاد له بصره. وكان آخر تلك المعاجز العظيمة، معجزة شفاء شاب في مقتبل عمره اسمه (سعيد چمراني) من مدينة زاهدان الإيرانية، وهو سنّي المذهب، أصيب بسرطان في المثانة، وأكد الأطباء أن المرض مستفحل وغير قابل للعلاج.

لكن والدي سعيد لم يقطعا أملهما بالله فقد اتجها إلى مسجد (جم كران). وبينما سعيد مستلقي إذ يرى نوراً يطلع عليه من عنان السماء ويحيط بجسده ويحس سعيد أنه في أتم الصحة وتحيّر الأطباء عندما كشفوا عن المثانة فوجدوا أن الغدة السرطانية قد اختفت. وعندما سأل أحد الزائرين أم سعيد: لماذا لا تتشيعين وقد رأيت المعجزة بأمي عينك؟ أجابت أم سعيد: وما يثبت أن الإمام الحجة (عجل الله تعالى فرجه الشريف) للشيعة فقط؟

إن سعيد ليس الشخص الأوّل والأخير الذي نال الشفاء من مرضه بل ثمّة أشخاص آخرين أمثاله لا تحصيهم هذه الصفحات القليلة.

أمّا عن المشاريع المستقبلية الكبرى التي درجت في قائمة أوليات المسجد فقد تحدث عنها لمجلتنا السيد مرتضى الموسوي مدير مسجد جمكران ويحمل شهادة ليسانس في الفيزياء ويدرّس في جامعة (آزاد إسلامي) في مدينة قم المقدسة! فقد قال سماحته ثمة مشاريع كبرى نسعى لإحداثها في المستقبل القريب.

أولاً: المضيف وهو مبنى من ثلاثة طوابق يستوعب ثمانمائة زائر. ويوزع منه الطعام في ليالي الأربعاء والجمعة. والفائض من الطعام يوزع على القرى المجاورة وبعض المستشفيات، وقد أعددنا لهذه المهمّة جمع من المؤمنين الخيرين وسدنة المسجد الذين أوكلت إليهم مسؤولية إطعام المرضى بأيديهم للتبرّك والشفاء العاجل. ومن الناحية العمرانية فقد باشرنا ببناء المبنى وسينتهي بناؤه في الأسابيع القليلة القادمة.

ثانياً: تأسيس دار نشر ومكتبة إسلامية. فقد وضعت خريطة المكان. ومن المقرّر تنفيذها قريباً بهدف طباعة الكتب الدينية والثقافية وتوزيعها ولا سيما المرتبطة منها بالإمام المنتظر صاحب الزمان (عجل الله تعالى فرجه الشريف).

ثالثاً: تأسيس ساحة كبيرة تحيط بالمسجد. فقد تمّ شراء الأراضي المحيطة بالمسجد وهي أراضي واسعة جداً وبإمكانها أن تكون ميداناً كبيراً تتوفر فيه كل الخدمات الحياتية ابتداءً بمحطة البنزين وموقف للسيارات، وفنادق للاستراحة وانتهاءً بالمحلات التجارية والبنوك والمكتبات الإسلامية. ويرتبط هذا الميدان الكبير بثلاثة شوارع أساسية تؤدي إلى مدن مجاورة لمدينة قم المقدسة.

وفي نهاية الحوار أضاف السيد الموسوي: أتصوّر أن منطقة جمكران ستصبح في المستقبل مدينة واسعة تنافس مدينة قم، أو لنقل إنها ستلتحق بها عمرانياً على أقل التقادير.

واستطرد أن أموال طائلة تجمع من الناس وستكون كافية لتنفيذ ذلك المشروع الكبير.