فهرس الاستطلاع

 

   الصفحة الرئيسية

 

مرقد السيد علي ابن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) في مدينة قم المقدسة

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

السيد على ابن الامام جعفر الصادق عليه السلام

«باب الجنه»

لقد عرف السيد على بن جعفر(عليه السلام) بجلالة شـأنه وعلو مقامه ورفيع منزلته وطهارة نسبه، ويضاف إلى ذلك كله علمه وتقواه وصحة اعتقاده.

يقول عنه المرحوم الشيخ عباس القمى فى كتاب منتهى الآمال(1): اعلم ان على‏ بن جعفر سيد جليل القدر عظيم الشان شديد الورع عالم كبير راو للحديث كثير الفضل، وقد أدرك الإمام الجواد (عليه السلام)، بل أدرك الإمام الهادي (عليه السلام) على قول صاحب عمدة الطالب(2).

وهذا يعنى انه (عليه السلام) أدرك خمسة أئمة، فقد كان ملازما لأخيه الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) يأخذ منه معالم دين سيد المرسلين ويروي الحديث عنه، ووصف جلالته لا يتحملها هذا المختصر.

وكان عليا اصغر أولاد الإمام الصادق (عليه السلام) وقد فقد والده العظيم وهو طفل صغير ومنذ ذلك الحين لازم أخاه الإمام الكاظم (عليه السلام) حتى صار من كبار المحدثين كما وصفه علماء الرجال وعد بمرور الزمان من مشايخهم.

وقد اختلف الرجاليون في تحديد عمر هذا المحدث الكبير والراوي العظيم، فذكر البعض ان عمره (100) عاما، بينما ذكر البعض الآخر ان عمره (58) عاما.

ولكننا في هذا البحث نميل للقول بان عمره هو (58) عاما، أي أنه توفي في زمان الإمام الهادي (عليه السلام).

• التحقيق في تاريخ ولادته ووفاته

لم يذكر في أي كتاب من كتب التاريخ أو الرجال أو الأنساب تاريخ ولادته أو وفاته، علي العريضي(3) - وهو أحد ألقابه - بشكل صريح، ولكن مع الاستعانة بمجموعة من الامارات والقرائن يمكن الجزم بأنه رحل عن هذه الدنيا في عقده الثامن بدليل:

ان استشهاد الإمام الصادق (عليه السلام) كان عام 148 هـ، بينهما استلم الإمام الهادي زعامة الإمامة عام 220 هـ، واستمر إلى عام 252هـ.

وكان علي بن جعفر طفلا صغيرا لما توفي والده كما ذكرنا، وتعارف عند أهل اللغة ان معنى الطفل يشمل المميز والمحتلم وعليه فيكون عمره آنذاك (13) عاما على اقل التقادير، وأمارة ذلك انه كان ينقل أحاديثا عن أبيه، فلابد ان يكون بعمر يتمتع معه بالإدراك والتمييز وهي أحد شرائط الراوي، وعليه فتكون ولادته مرددة بين عام 134 هـ أو 135 هـ.

وأما تاريخ وفاته فيجب ان يكون عام 220 هـ أي في أوائل إمامة الإمام الهادي (عليه السلام).

ولا يمكن الركون لما ذكره بعض المؤرخين من انه توفى عام 252هـ أي في أواخر إمامة الإمام الهادي (عليه السلام) وذلك على فرض صحته لو تم لنقل علي‏ بن جعفر أحاديثا عن الهادي (عليه السلام) كما روي أحاديثا عن أبيه الصادق وأخيه الكاظم (عليه السلام) وهكذا عن الرضا والجواد عليهما السلام التي جمعها في كتابه (المسائل) (4) مع إننا لم نجده يروى شيئا عن

الإمام الهادي مما يدل على وفاته وعدم وجوده أبان إمامته (عليه السلام).

ولذا نقطع بأنه توفي عام 220 هـ.

• على بن جعفر (عليه السلام) في نظر علماء الرجال ولمحة من فضائله الأخلاقية

ذكر العلامة المجلسي في الجزء الرابع من بحار الأنوار(5): كان علي ‏بن جعفر من الذين اتفقت كلمة علماء الرجال على وثاقته وجلالة قدره وعلو منزلته وقبول روايته وكلماته، ولم ‏يتردد أحد في شدة وثاقته واعتمادهم عليه في نقل الأحاديث، وكل من راجع كتب الحديث يجد روايته عن أخيه الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) بشكل كثير، وهو دليل على كثرة علمه ومعرفته.

وقد ذكره الشيخ الطوسي (قدس سره) في رجاله وعده من أصحاب الإمام الصادق والإمام الكاظم والإمام الرضا (عليهم السلام) وقال في كتاب الفهرست عنه: جليل ‏القدر ثقة وله كتاب المناسك ومسائل لأخيه موسى ‏الكاظم‏ بن جعفر (عليه السلام) سأله عنها(6).

وذكره الشيخ المفيد (قدس سره) حيث قال في جملة ممن روى النص على إمامه الكاظم (عليه السلام): إسحاق وعلي ابنا جعفر بن محمد وكانا من الفضل والورع على مالا يختلف فيه اثنان(7).

فكان علي بن جعفر شديد التمسك بأخيه موسى وكثير الانقطاع إليه والتوفر على اخذ معالم الدين منه، وهذا دليل تقواه واحتياطه وإذعانه للائمة الهداة، وقد بقي على اتصاله الوثيق من بعد أخيه مع الإمام الرضا والجواد (عليهما السلام) على كبر سنه وشيخوخته، فعلى الرغم من جلالته وشهرته وفضائله إلا انه كان شديد التواضع لأئمته، ولعل هذا هو سر بصيرته وهدايته وزيادة كمالاته.

وقد نقل ان رجلا من الواقفة سال من علي ‏بن جعفر عن الإمام الكاظم (عليه السلام) قائلا: من أين علمت انه - الإمام الكاظم (عليه السلام) - قد مات؟ فقال علي بن جعفر: لقد قسم ميراثه وزوجت نساؤه وعين من بعده للإمامة.

فقال الرجل الواقفي: ومن هو؟

فقال علي بن جعفر: ابنه الإمام علي الرضا (عليه السلام).

فقال الواقفي: وما هو أمره؟

فقال علي ‏بن جعفر: لقد فارق الدنيا والتحق بالحياة الأبدية.

فقال الرجل: ومن أين علمت؟

فقال علي‏ بن جعفر: لقد قسمت أمواله وزوجت نسائه وعين الإمام بعده.

فقال الرجل: ومن هو؟

فقال: ابنه أبو جعفر الجواد (عليه السلام).

فقال الواقفي: وهل تعتقد بإمامة هذا الطفل الصغير وأنت بهذا السن مع جلالة أمرك وعظمتك وانك عم أباه وابن جعفر بن محمد (عليه السلام)؟

فقال: قل لي هل أنت شيطان، ثم قبض لحيته وقال: وماذا اعمل ان لم ‏يؤهل الله تعالى هذه الشيبة وأهل هذا الفتى(8).

والحقيقة ان عظمة الرجل تكمن في تقواه وبصيرته ويقظته وعدم اغتراره بالأباطيل والمزخرفات، وعدم اغتراره بكبر سنه أو علمه أو فضله، فكل هذه الأمور لم‏ تنل من إيمان الرجل ولم ‏ينفلت من زمام عقله وورعه.

وقد امتاز علي بن جعفر (عليه السلام) بحبه للائمة الأطهار وتصاغره لهم أمام الملأ ، إلا انه لم‏ يبرح من قوله: (بنفسي أنت) في خطابه مع ابن أخيه الإمام الجواد (عليه السلام)، بل روي ان الإمام الجواد (عليه السلام) عزم على الفصد يقول الراوي: كنت عند أبي ‏جعفر بالمدينة وعنده علي ‏بن جعفر فدنا الطبيب ليقطع له العرق فقام علي ‏بن جعفر فقال: يا سيدي يبدأ بي لتكون حدة الحديد فيك قبلك ثم أراد أبو جعفر النهوض فقام علي ‏بن جعفر فسوى له نعليه حتى يلبسهما(9).

وروى الشيخ الكليني عن محمد بن الحسن بن عمار قال: كنت عند علي بن جعفر جالسا بالمدينة كنت أقمت عنده سنتين اكتب منه ما يسمع من أخيه يعني أبا الحسن (عليه السلام) إذ دخل عليه أبو جعفر محمد بن علي الرضا (عليهما السلام) المسجد فوثب علي ‏بن جعفر بلا حذاء ولا رداء فقبل يده وعظمه.

فقال له أبو جعفر: يا عم اجلس رحمك الله.

فقال: يا سيدي كيف اجلس وأنت قائم. فلما رجع علي ‏بن جعفر إلى مجلسه فجعل أصحابه يوبخونه ويقولون أنت عم أبيه وأنت تفعل به هذا الفعل؟!

فقال: اسكتوا إذا كان الله عز وجل - وقبض على لحيته - لم ‏يؤهل هذه الشيبة وأهل هذا الفتى ووضعه حيث وضعه أنكر فضله؟ نعوذ بالله مما تقولون، بل أنا له عبد(10).

فهذا الطراز من الرجال علت نفوسهم القدسية علوا شامخا لتندك بالحق فيكون هو المبدأ دائما، ومن الصعب - للغاية - ان تتبع هذه النفوس حالات التعصب والهوى والغرور وحب الأنا، بل افاض عليهم الحق معرفة يجدون أنفسهم في متابعة دائمية لأولياء الله.

مؤلفات علي بن جعفر (عليه السلام)

لقد ذكر الشيخ في الفهرست والنجاشي في كتابه ان لعلي ‏بن جعفر (عليهما السلام) كتبا منها المناسك والمسائل وهي مسائل لأخيه موسى الكاظم (عليه السلام) كان قد سأله عنها حول الحلال والحرام وبقية الأحكام وكان (عليه السلام) يجيبه عنها فجمعها علي ‏بن جعفر في كتاب واحد مبوب بعضه وغير مبوب في قسمه الآخر، وقد ذكره الحميري في كتاب قرب الإسناد(11).

• سبب تسميه بقعته بـ (باب الجنة)

ذكر المرحوم عباس فيض النسابة الشهير في سبب تسميه البقعة التي دفن فيها علي ‏بن جعفر بـ (باب الجنة): لم ‏يُذكر من قبل أي أحد علة هذه التسمية وحتى في الروايات (الناظرة إلى فضيلة واستحباب السكن في قم) التي أشارت إلى وجود باب أو ثلاثة أبواب إلى الجنة في قم لم ‏يرد فيها ذكر منطقة معينه في قم، بل هي شاملة لكل مدينه قم.

وعليه فالوجه في هذه التسمية هو: كون بقعة علي ‏بن جعفر بنيت عام ‏707هـ من قبل عطاء الملك الحسني فأرخ تاريخ البناء بكلمة (بهشت) وهي تعني الجنة، لان أرقامها معادلة لتاريخ البناء، ثم جعل لبقعته باب فصار بمرور الزمان اسم بقعته (باب الجنة) حتى انه أدرجت هذه التسمية على السيراميك (الكاشي) المزخرف المزين به محراب بقعته حيث كُتب تاريخ هذا التزيين وكان عام‏712 هـ و كتب عليه (باب الجنة).

وبكثرة الاستعمال من قبل الناس صارت المنطقة والبقعة لا تُعرف إلا بذلك، وقد وسعت أخيرا، وكانت هذه التسمية إحدى أسباب إقبال الناس لزيارة هذه البقعة الشريفة(12).

• المدفونون في بقعة علي بن جعفر

لقد كتب على قبر علي بن جعفر هذه العبارة: هذا قبر علي ‏بن جعفر و محمد بن موسى (عليهما السلام).

والمراد من علي بن جعفر هو علي بن جعفر بن علي بن حسن العلوي ابن عيسى بن محمد بن علي بن جعفر العريضي (عليه السلام).

وقد جاء ذكره في تاريخ قم حيث هاجر من العراق إلى قم إلى ان توفي ودفن بالقرب من نهر سعد كما صرح بذلك.

وهكذا محمد بن موسى الذي كتب اسمه على قبره، ويحتمل قويا انه محمد بن موسى ‏بن إسحاق ‏بن إبراهيم العسكر بن موسى أبي ‏السبحة ‏بن إبراهيم المرتضى ‏بن الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) الذي اشتهر في قم بـ (محمد الفقيه) وجده السلطان السيد إسحاق المدفون في ساوه، وعليه فهو ابن عم شاهزاده حمزة المدفون في قم.

وأما عله اشتهارهما بـ (علي بن جعفر) و(محمد بن موسى) فهو بسبب إسقاط سلسله النسب وهو أمر متعارف عليه حتى بالنسبة للائمة (عليهم السلام) فيقال (ابن الرضا) بالنسبة للإمام الحسن العسكري (عليه السلام) وهي حالة مألوفة لاسيما في الكتب القديمة، فانهم كانوا يسقطون سلسلة النسب التي تتوسط بين صاحب القبر وآبائه ويتم ربطه بالجد الأعلى وهو الإمام (عليه السلام) لزيادة في التشريف.

وهذا ما حصل بالنسبة لعلي ‏بن جعفر ومحمد بن موسى(13).

وصف لقبة وضريح علي بن جعفر

• (باب الجنة)

لقد تم بناء بقعه (باب الجنة) من قبل (عطاء الملك الحسني) في عام ‏707هـ واستمر تزيين البقعة بالجص والكاشي اكثر من ثلاثين عاما حتى انتهى العمل منها عام‏740 هـ(14).

ويظهر من المدونات على الجص الذي تحت قبة علي ‏بن جعفر (عليهما السلام) ان قبل هذا البناء كانت قد بنيت عمارة عام 453 هـ كما هو مذهب البعض، وقد اُرخ تاريخ البناء بكلمة (جنة) المعادلة لذلك التاريخ في حساب حروفها إلا إنها جُددت وأبدلت بـ (بهشت) وهي كلمه فارسية تعني الجنة أيضاً.

والمنظر الخارجي لعمارة علي بن جعفر (عليه السلام) على شكل مضلع ثماني الأركان مبني بطابوق من الآجر، وقد أدير حولها بحزام أزرق منقوش بزخارف جميلة ويصل ارتفاع القبة 30/3 مترا.

وكانت العمارة عام 1336 هـ مغلفة بالكاشي النفيس.

فطالته يد السراق بعد ان قتلوا أحد المتولين عند القبر، حيث سرقوا مجموعة كبيرة منه، فمضت عشر سنين على هذه الحادثة إلى ان أمر وزير الثقافة عام 1314 (هـ . ش) بنقل المتبقي من ذلك الكاشي النفيس إلى متحف إيران للآثار والنفائس، وبعضه نقل إلى متحف قم ليبقى محفوظا هناك.

وعلى رغم زوال هذا الكاشي النفيس من العمارة إلا أنها طُليت بالجص الممتاز وبطريقة ماهرة وفي غاية الروعة والدقة تجذب الأنظار إليها وتحير كل من رآها.

وفي الجهة الشمالية من البقعة يوجد إيوان جميل مجلل و مغلف بالكاشي الجميل المنقوش عليه عبارات متعددة منها كتابتان حجريتان، وأما الكاشي المحيط بهذا الإيوان فقد نقشت عليه الزخارف البارزة بواسطة الجص بقياس 80/4 و عرض 50/3 و ارتفاع 8 أمتار و قد وضع أمامه جدار مشبك.

الهوامش:

1 ـ  منتهى الامال ج 2 ط جماعة المدرسين قم 1422 هـ .

2 -  عمدة الطالب، ص 214.

3 -  ينسب إلى عريض، و هي قرية تبعد عن المدينة بأربعة أميال.

4 -  لقد حقق هذا الكتاب من قبل مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) وتم تبويبه وتنظيمه وتم استخراج جميع رواياته من الكتب الأربعة وأدرجت المصادر في الهامش.

5 -  و قال المجلسي في مكان آخر: وعلي بن جعفر كثير الفضل شديد الورع سديد الطريق راويته للحديث من أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام). وأدرك من الأئمة أربعة أو خمسة و قال السيد في الأنوار: كان من الورع بمكان لا يدانى فيه وكذلك من الفضل ... أنظر البحار ج 48 ص 300.

6 -  الفهرست ص 151 رقم 377 ط مؤسسة نشر الفقاهة قم 1417 هـ.

7 -  الإرشاد ص 307.

8 -  منتهى الآمال ج 2 ص 414، رجال الكشي ص 364 بتصرف.

9 -  رجال الكشي ص 365 و كتاب حياة الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) ص 102 و البحار ج 50 ص 104 ح 19.

10 -  أصول الكافي ج 1 كتاب الحجة الإشارة و النص علي أبي جعفر الثاني ح 12.

11 -  قاموس الرجال ج 7 ص 435 و الفهرست ص 151 رقم 377.

12 -  گنجينه آثار قم ج 2 ص 321 فارسي / بتصرف.

13 -  راجع كتاب تاريخ قم ص 118 لناصر الشريعة، و گنجينه آثار قم ج 2 ص 322.

14 -  تربت پاكان ج 2 ص 43 / فارسي.