|
الشبهات والإجابة عليها |
|
تبرز عدة من الاستفهامات التي تتضمن الشبهات على عقيدة المعاد يوم القيامة فقد تكون صادرة من المؤمنين لغرض استيعابها وفهم المسألة فهماً عميقاً وقد تكون صادرة من المشككين وذوي الأغراض المنحرفة الذين يثيرون على رؤوس الشبيبة الصاعدة هذه الشبهات لإبعادهم عن الدين الإسلامي الحنيف.. المهم أن الشبهات حول موضوع المعاد والجنة والنار وعالم البرزخ في القبر تأخذ قسطاً من التساؤلات التي قد تكون جادة وهي بالفعل قد تأخذ طريقها في وسط الناس بنسبة معينة وأنها خير ما يستخدمه الماديون والمشككون في سبيل بيان أغراضهم وذلك لأن المسألة غيبية وبعيدة عن الحواس الخارجية للإنسان التي تعتبر منافذ المعرفة البشرية عادة والمسألة الغيبية والمستقبلية هي خير زاد لهذه الطبقة المشككة فتثير شبهاتها بسخرية وهزؤ أحياناً وتثيرها للهجوم على الفكر الديني أحياناً أخرى.. وعموماً إن المسألة ليست جديدة وإنما خوطب الأنبياء بذلك من قبل. (ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين، يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون).[سورة البقرة: الآيتان 8-9]. وقوله جل وعلا في سورة يونس: (واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه... فكذبوه فنجيناه ومن معه في الفلك وجعلناهم خلائف واغرقنا الذين كذبوا بآياتنا..).[سورة يونس: الآيتان 71- 73]. (ثم بعثنا من بعدهم موسى وهارون إلى فرعون وملإه بآياتنا فاستكبروا وكانوا قوماً مجرمين).[سورة يونس: الآية 75]. إذن لا سبيل لبيان الجنة والنار والملائكة الغلاظ وقبل ذلك عذاب القبر والبرزخ أو نعيم القبر إلا عبر الآيات الكريمة في القرآن والروايات الشريفة ومجمل الضرورات التي سقناها في بداية البحث عن ـ المعاد في يوم القيامة ـ. وبيّنا سابقاً إن هذا الإيمان هو فرع من الإيمان الأصلي الذي آمنا به وهو الإيمان بالله وكتابه المبارك ونبيه الكريم بالأدلة العقلية والنقلية وكذلك أوضحنا إن الحواس الخارجية للإنسان ومجمل إمكانيات الإنسان هي محدودة في أطر معينة وأثبت لنا العلم ذلك أيضاً فالمحدود لا يستطيع أن يحيط بعلم اللامحدود وهو الله عز وجل وليس الإيمان بالشيء محصور عبر رؤيتنا له كما أوضحنا ذلك في حديثنا عن الله سبحانه وتعالى فكثير من الأمور نؤمن بها ونتعقّلها وندافع عنها رغم اننا لم نشاهدها مباشرة بالعين بل هي غير قابلة لكي تراها العين المجردة بل نؤمن بها من خلال آثارها كالمغناطيسية والكهربائية ومع كل ما تقدم نحاول أن نسجل لشبابنا رؤية عن هذه الشبهات ونماذج بسيطة منها مشفعة بالرد والجواب ونقول إن الدين الإسلامي عقيدة ومنهاجاً دين كامل شامل وإن هذه الشبهات لا تنقصه شيئاً بل تزيده فخراً وثباتاً وتكاملاً حيث ينبري لإجابتها وتوضيحها بشكل دقيق ومدروس أصحاب الدين والعلم فالاستعانة بالعلم وتطوراته الحياتية عملية صائبة في هذا الميدان ـ أيضاً ـ. ونجمل هذه الشبهات في أربع: 1ـ كيف نتصور الخلود؟ وهل من العدل ذلك؟ 2ـ كيف تعود أبداننا مرة أخرى بعد تحولها إلى تراب؟ 3ـ هل الجسم كله ينعم أو يعذب أم العضو المنفذ؟ 4ـ أجسامنا في تجدد فأي الأجسام يبعث للحساب؟
الشبهة الأولى : كيف نتصور الخلود؟ وهل من العدل الإلهي ذلك؟ بما أن الزمن يسير دون توقف فكل جديد يصبح قديماً بمرور الزمن حتى يصل إلى النهاية، هذا ما تعلمناه وتعودناه من كتاب الدنيا: (هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً).[سورة الإنسان: الآية 1]. والآن نحن نقرأ في المصحف المبارك حول خلود الإنسان في الآخرة سلباً أو إيجاباً، نتساءل عن كيفية الخلود هذا، فيقول القرآن المجيد: (الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون).[سورة البقرة: الآية 257]. وبالمقابل تتحدث الآيات عن الخلود في الجنة فمثلاً: (والذين آمنوا و عملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون).[سورة البقرة: الآية 82] فمن حقنا أن نتساءل عن الخلود و هل يمكن تحققه ومن ثم هل من العدل ذلك؟ أي أنه حينما يرتكب الإنسان أثماً وعصياناً لفترة زمنية محددة هل يستحق هذا المذنب عذاباً دائماً وهل من العدل أن يؤمن الإنسان بالله ويطيعه ويحسن في حياته فترة زمنية ليعيش نعيماً خالداً دائماً.. وللإجابة على هذه الشبهة نعود لنقول إن الإنسان ضعيف وقاصر عن معرفة الكثير من الأمور المحيطة به فضلاً عن القضايا المستقبلية في الزمن الغائب فعدم رؤيته وإحساسه الملموس لا يمكن أن يكون دليلاً قائماً بل إن اعتراف الإنسان بضعفه دليل قاطع على أن إحساسه لا يستطيع أن يحيط بكثير من الأمور بل يدركها بالآثار والعقل.. وأما الشق الثاني من الشبهة: أمن العدل الخلود للإنسان؟ سلباً كان أو إيجاباً: وأرى هنا لا بد من مقدمة بسيطة قبل الإجابة على الشبهة. إن الخلود ليس أمام المعاصي والآثام القابلة للمغفرة وإنما كما قال جل وعلا: (والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون).[سورة البقرة: الآية 39]. أما المعاصي الأخرى القابلة للغفران فيكون العقاب متناسباً معها ففي الحديث النبوي الشريف: (يخرج الله قوماً من النار فيدخلهم الجنة..) وحديث آخر عنه(صلى الله عليه وآله): (يخرج من النار قوم بعدما احترقوا فيدخلون الجنة فيسميهم أهل الجنة الجهنميون) إذن فالخلود في النار هو الأثر الطبيعي للمعاصي الكبرى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء).[سورة النساء: الآية 48]. فالكبائر من الآثام هي المسببة لحالة الخلود في النار وكما ورد في الحديث النبوي الشريف: (الدنيا مزرعة الآخرة) فما يزرع الإنسان هنا في الدنيا يحصد أثره في الآخرة بالشكل الطبيعي كالذي يزرع الفواكه ضمن الضوابط الجوية الصالحة والتربة والماء فسيحصد الفواكه نهاية الموسم بصورة طبيعية كذلك الأعمال في الدنيا إن كانت خيراً فسيحصد العامل النتيجة الصالحة وإن كانت شراً فسيحصد النتيجة السلبية قال سبحانه: (ووجدوا ما عملوا حاضراً ولا يظلم ربك أحداً).[سورة الكهف: الآية 49]. (فمن يعمل مثقال ذرةٍ خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره).[سورة الزلزلة: الآيتان 7-8]. فإذن المسألة طبيعية تكوينية تتعلق بالجعل الإلهي والسنة الربانية. مثلاً إنسان يحرق نفسه ويموت من الدنيا تماماً أي دون رجعة إلى الحياة فهل في المسألة ظلم وتعد أم أنه استحقاق طبيعي لما ارتكبه من خطأ ولما أصابه من حرق؟ فهو استحقاق طبيعي لتطبيق سنة تكوينية معينة وهي حرق الجسم بالنار يودي بحياة الإنسان كلها تماماً وهو لم يرتكب سوى ذنباً بسيطاً وهو إحراق نفسه !!. فالمهم من المعاصي الكيف لا الكم فقد تكون هنالك معاص كبيرة تخلد الإنسان في الجحيم وإن كانت لذتها في زمن قصير عابر فالعذاب أو النعيم لا يعتمدان على زمن أدائهما فلا يتحددان بتحديد زمن المعصية أو الطاعة فلرب معصية ترتكب في زمن قصير تجلب عذاباً طويلاً ولرب طاعة في لحظة تجلب نعيماً مديداً. وهذا هو الذي يتناسب مع العدالة الإلهية، أليس كذلك؟. فقد جاء في الأثر المقدس عن الإمام الصادق(عليه السلام) في توضيح الآية الكريمة: (ليبلوكم أيكم أحسن عملاً) انه قال: (ليس يعني أكثر عملاً ولكن أصوبكم عملاً وإنما الإصابة خشية الله والنية الصادقة والحسنة ثم قال الإبقاء على العمل حتى يخلص أشد من العمل...). فإذن المسألة متعلقة تماماً بالكيف فأداء المعروف القليل بروح متفاعلة خير من أداء المعروف الكثير بدون روح متفاعلة صابرة. ونقرب ذلك بمثل آخر بالنسبة لامتحانات الطلبة في المدارس فإن ساعات الإجابة في قاعة الامتحان معدودة لكنها تقرر مصير سنة دراسية كاملة أما النجاح وأما الفشل والمسألة في إطارها القانوني الطبيعي بعيدة كل البعد عن المظالم. ويحدد الإمام الصادق(عليه السلام) علة الخلود سلباً أو إيجاباً في قوله: (إنما خلّد أهل النار في النار لأن نياتهم كانت في الدنيا أن لو خلدوا فيها أن يعصوا الله أبداً وإنما خلّد أهل الجنة في الجنة لأن نياتهم كانت في الدنيا أن لو بقوا فيها أن يطيعوا الله أبداً فبالنيات خلّّّد هؤلاء وهؤلاء ثم تلا قوله تعالى (قل كل يعمل على شاكلته) قال: على نيته)(40). وهذه النية يحددها الله سبحنه وستكشف يوم القيامة: (يوم تبلى السرائر) وتكشف الأسرار وكل يأخذ نتيجته مقابل أعماله وحقاً إنها قمة العدالة ورأس الأنصاف حيث يترك الله عز وجل الإنسان في فرص ذهبية في حياته عسى أن يرتدع أو يتوب أو يتراجع عن معصيته ولكن. (كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون).[سورة المطففين: الآية 14]. فما يلاقيه المذنب من عذاب هو ما يستحقه بالعدل الإلهي على ضوء أعماله فالنتيجة الطبيعية هي عذابه الدائم وما يلاقيه المؤمن من نعيم خالد كذلك نتيجة طبيعية لأعماله الخيرة ولا ننسى لطف الله ونعمته ومننه على الناس جميعاً وبالذات المؤمنين منهم حيث يعطيهم سبحانه وتعالى أكثر مما يستحقون من باب اللطف والعطف والرحمة ونقرأ في الدعاء ـ (يا من يعطي من سأله ويا من يعطي من لم يسأله ومن لم يعرفه تحنناً منه ورحمة...).
الشبهة الثانية : كيف تعود أبداننا مرة أخرى بعد تحولها إلى تراب؟: قال جل وعلا: (وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم، قل يحييها الذي أنشأها أول مر وهو بكل خلق عليم، الذي جعل لكم من الشجر الأخضر ناراً فإذا أنتم منه توقدون).[سورة يس: الآيات 78- 80]. بهذه الآيات المباركة نستطيع أن نفهم مدى هذه الشبهة في الأذهان فقد كانت منذ بداية الدعوة الإلهية ولا زالت من الشبهات المهمة التي يتشدق بها المنكرون والمشككون وما قلناه في الجواب على الشبهة الأولى يمكن درجه هنا بالإضافة إلى أننا حينما آمنا بقدرة الله عز وجل الكبرى وأنه أبدع وأوجد الكون ليس من العسير أن يعيده كما كان حين خلقه، هذا وإن عناصر الجسم الإنساني أعيدت إلى التراب بالموت وهو الذي خلقنا من تراب بقدرته فسيعيدنا مرة أخرى منه. فإذن لا وجود لهذه الشبهة حينما نقرر أننا خلقنا من تراب. (منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى).[سورة طه: الآية 55]. وفي هذا الصدد روايات كثيرة يسأل الناس أئمة الهدى ليعرفوا حقائق الأمور مثلاً يسأل أحد الزنادقة الإمام الصادق(عليه السلام) ـ كما يروي الطبري في الاحتجاج عن هشام بن الحكم ـ يقول الزنديق: أنى للروح بالبعث؟ والبدن قد بلي والأعضاء قد تفرقت فعضو في بلدة تأكله سباعها وعضو بأخرى تمزقه هوامها وعضو قد صار تراباً بني به مع الطين حائط؟. قال الإمام: (الذي أنشأه من غير شيء وصوّره على غير مثال كان سبق إليه قادر أن يعيده كما بدأه)، قال أوضح لي ذلك؟. فقال(عليه السلام):(إن الروح مقيمة في مكانها، روح المحسنين في ضياء ونسمة وروح المسيء في ضيق وظلمة والبدن يصير تراباً (كما) منه خلق وما تقذف به السباع والهوام في أجوافها مما أكلته ومزقته كل ذلك في التراب محفوظ عند من لا يغرب عنه مثقال ذرة في ظلمات الأرض ويعلم عدد الأشياء ووزنها وإن تراب الروحانيين بمنزلة الذهب في التراب فإذا كان حين البعث مطرت الأرض فتربوا أي تنمو الأرض ثم تمخض مخض السقاء فيصير تراب البشر كمصير الذهب من التراب إذا غسل بالماء، والزبد من اللبن إذا مخض فيجتمع تراب كل قالب فينتقل بإذن الله تعالى إلى حيث الروح فتعود الصور بإذن المصور كهيئتها وتلج الروح فيها فإذا قد استوى لا ينكر من نفسه شيئاً)(41). قال سبحانه: (يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب... ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحيي الموتى وأنه على كل شيءٍ قدير).[سورة الحج: الآيتان 5-6]. (كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون).[سورة البقرة: الآية 28]. وفي صدد الاحتجاج قال عز وجل: (وقالوا أإذا كنا عظاماً ورفاتاً أإنا لمبعوثون خلقاً جديداً، قل كونوا حجارة أو حديداً، أو خلقاً مما يكبر في صدوركم فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة..).[سورة الإسراء: الآيات 49-51]. وجاء في (الكافي) عن الصادق(عليه السلام) أنه سئل عن الميت هل يبلى جسده قال: (نعم حتى لا يبقى لحم ولا عظم إلا طينته التي خلق منها فإنها لا تبلى في القبر مستديرة حتى يخلق منها كما خلق أول مرة) قال: في (الوافي) لعل المراد بطينته التي خلق منها بدنها المثالي البرزخي اللطيف الذي يرى الإنسان نفسه فيه في النوم(42). ويروي الصدوق في(الصحيح) عن الإمام الصادق(عليه السلام) قال: (إذا أراد الله أن يبعث الخلق أمطر السماء على الأرض أربعين صباحاً فاجتمعت الأوصال ونبتت اللحوم) وعن السجاد(عليه السلام) قال: (عجباً كل العجب لمن أنكر الموت وهو يرى من يموت كل يوم وليلة والعجب كل العجب لمن أنكر النشأة الآخرة وهو يرى النشأة الأولى)(43). وقد قال تبارك وتعالى: (ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون).[سورة الواقعة: الآية 62]. وبالفعل لو نخبر عاقلاً من كوكب آخر بطريقة تكوين الجنين وولادته وغذائه المفضل لبن أمه وهو أضعف المخلوقات ينمو وينمو حتى يصبح شاباً قوياً تقوم عليه وعلى أمثاله أعباء الحياة وقد يتحول هذا الكائن الضعيف إلى جبار عنيد فلو لم يكن مألوفاً لدى ذلك العاقل هذا الكلام لتعجب منه ولربما أنكره أو توقف عنده يتأمل ولكن سرعان ما يزول هذا العجب والإنكار بمجرد استعمال عقله وتدبره في الخلق والخالق المبدع المدبر. فإذن هو الذي صورنا وخلقنا وهو الذي يميتنا ومن ثم هو الذي يعيدنا بأجسادنا وأرواحنا والعلم الحديث لا يستطيع أن ينكر ذلك على الإطلاق بل إن الدراسات الحديثة تؤيد ذلك تماماً.
الشبهة الثالثة : هل الجسم كله ينعم أو يعذب أم العضو المنفّذ؟: قد تسأل إذا كانت يداي أثيمتين فما ذنب بقية جسمي وإذا كانت عيناي ارتكبتا جريمة النظرة الخائنة فما ذنب قلبي وفؤادي.. وأظن أن الإجابة واضحة بالنسبة لهذه الشبهة وخاصة لو علمنا أن الإنسان بأجزائه المتعددة وأجهزته المتنوعة التي يصدر عنها الفعل فإنه يكون بإرادته الحاكمة على تصرفاته فالإرادة في شخصية الإنسان واحدة وهي التي تسيطر على أعماله جميعاً وإنما الأعضاء هي أدوات تنفيذية ـ لا غير ـ فالإرادة واحدة وقرار الإنسان نابع من عقله وذهنه فهو قرار مركزي واحد ـ وكما قلنا ـ إن المنفذ هو أحد أطرافه أو ربما يشترك أكثر من طرف بنسب معينة لغرض التنفيذ في ارتكاب جريمة أو إتيان عمل إيجابي وصحيح أن اليد هي التي تمارس السرقة مباشرة ولكن قرار السرقة هو بيد الإرادة الإنسانية فإذن الإنسان ككل يقدم إلى المحكمة لا فقط يده فهو إما ينعم أو يعاقب. قال سبحانه: (والعصر، إن الإنسان لفي خسرٍ، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر).[سورة والعصر: الآيات 1ـ3]. فالإنسان ككل هو المقصود مما يؤديه وينفذه من تصرفات وأعمال فيستحق جزاءه بشكل طبيعي هذا في الآخرة أما في الدنيا فتأتي العقوبات ـ بعضها بالذات ـ على طرف من الأطراف ففي مثال السرقة فتقطع يد السارق وحين تقطع اليد لا نستطيع أن نحصر الألم في هذا الطرف لوحده وإنما هذا الطرف هو الضحية المباشرة وأما الألم فإنه يتوزع إلى سائر أعضاء الجسد ويبقى الإنسان متألماً لهذا المصير ـ وفي الآخرة سيكون التعامل مع كل الإنسان إيجاباً أو سلباً. لأنه قرر ذلك بقرار مركزي واحد والحقيقة أن ذلك هو العدل والقسط.
الشبهة الرابعة : أجسامنا في تجدد فأي الأجسام يُبعث للحساب؟: وكما يستدل العلم الحديث بان خلايا الجسم العضلية في حالة تجدد مستمر ولربما تمر عليه فترة زمنية يستبدل الإنسان كل خلاياه التي اتلفت جراء نشاطه في الحياة فحين شبابه مثلاً ارتكب جريمة معينة ولما كبر تبدلت خلاياه الجسمية فمات وهو كبير السن فأي البدنين يحشر للعقاب؟ فإن كانت خلايا الفترة الشابة وهي المنفذة للجريمة فإنها قد اتلفت في حياته وتجددت غيرها وإن كانت خلايا فترة الشيخوخة حيث مات فيها فما ذنب هذه الخلايا البريئة أما يكون ذلك ظلماً؟. وأفضل إجابة لهذه الشبهة ما روي عن الأئمة الأطهار(عليهم السلام) وفي هذا الصدد هنالك روايات كثيرة منها إن ابن أبي العوجاء يسأل الإمام الصادق(عليه السلام) عن قوله تعالى: (كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب).[سورة النساء: الآية 56]. ما ذنب الغير قال: ويحك هي هي و هي غيرها قال فمثل لي ذلك بشيءٍ من أمر الدنيا قال: نعم أرأيت لو أن رجلاً أخذ لبنة فكسرها ثم ردها في ملبنها فهي هي وهي غيرها. وفي رواية (الآمالي) أرأيت لو أن رجلاً عمد إلى لبنة فكسرها ثم صب عليها الماء وجبلها ثم ردها إلى هيئتها الأولى ألم تكن هي هي هي غيرها فقال بلى امتع الله بك. فإذن حقيقة بدن الإنسان هي واحدة تتلخص في جوهرة معينة يعرف بها الإنسان بذاته وبعينه فالأجزاء الأصلية هي مدار الأمر يوم الحساب وتشير روايات كثيرة لهذا المعنى. فعن عماد عن الإمام الصادق(عليه السلام) قال: سئل عن الميت يبلى جسده قال: نعم حتى لا يبقى لحم ولا عظم إلا طينته التي خلق منها فإنها لا تبلى بل تبقى في القبر مستديرة حتى يخلق منها كما خلق أول مرة(44). فإذن تلج الروح في الإنسان بجوهرته الأصلية وحينما يرى يقال إنه فلان بعينه، هذه الجوهرة البدنية مع الروح يكوّنان الإنسان هذا الإنسان الذي سيعاقب أو سينعم في الآخرة على ضوء أعماله في الدنيا علماً بأن العذاب أو النعيم للروح والجسد معاً ـ كما مر سابقاً ـ. |
|
الهوامش: 40- نفس المصدر ج 2 ص 177 - 178. 41- نقلاً عن حق اليقين للسيد شبر ج 2 ص 54. 42- قرة العيون للكاشاني ص 454. 43- حق اليقين ج 2 ص 54. 44- نقلاً عن حق اليقين ج 2 ص 47. |