عودة إلى صفحة العقائد الإمامية المعاد الصفحة الرئيسية

 

المقدمة

كلمة قبل البدء | تعريف المعاد، ومتى تبدأ رحلة الإنسان نحو الآخرة | النظرة إلى الموت، كيف نعتقد بالموت؟ وكيف نعتقد بالبعث؟ | هل البعث يوم القيامة بالروح أم بالروح والجسم معاً؟ | المعاد في القرآن والسنة

 

ونبحث في المقدمة العناوين التالية:

1ـ كلمة قبل البدء:  للأعلى

المعاد هو الأساس الخامس من أسس العقيدة الإسلامية، والمعاد يوم القيامة يعني الإيمان بعودتنا للحياة بعد الموت وذلك للمحاسبة على ما عملناه في حياتنا الدنيوية من أعمال صالحة أو سيئة تحددها المحكمة الإلهية الكبرى التي تمتاز بالدقة والضبط كما يقول سبحانه وتعالى:

(ونضع الموازين القسط ليوم القيامة).[سورة الأنبياء: الآية 47].

وهنالك يأخذ كل إنسان جزاءه المناسب...

وبدراسة هذا الأصل العقائدي وهذا الأساس الخامس من العقيدة تنتهي أصول الدين أي العقائد الإسلامية الأساسية ونظراً لتشابك الأفكار والرؤى في هذا البحث أعني ـ المعاد ـ آثرنا هذه الطريقة لدراسة هذا الأصل بالشكل الذي أوضحنا هيكليته ـ آنفاً ـ لكي نستوعب ذلك بجد وإخلاص وبساطة.

أما كيف نفسر هذا التشابك للأفكار والرؤى في هذا الأصل أظن أن ذلك لأسباب عديدة منها لكون المعاد أمراً غيبياً ولكونه أمراً مستقبلياً يعني أنه ستقع أحداثه في المستقبل وهذا المستقبل غير مرئي الآن، وأيضاً ـ إن هذا المستقبل ترسمه أعمالنا في الحياة الدنيا ـ ونقرأ في الحديث الشريف: (الدنيا مزرعة الآخرة) إضافة لذلك إن تحديد نقاوة الأعمال بنقاوة القلب وصفاء الروح وهذه الأمور خاضعة لإرادة الله تعالى فهو القائل سبحانه في محكم كتابه العزيز:

(يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور).[سورة غافر: الآية 19].

ولأن الأعمال الحسنة في الحياة والمجتمع مهددة بالضياع وعدم القبول(إنما يتقبل الله من المتقين). فلرب خطيئة خلقية أو التواء في السلوك يرتكبه الإنسان وقد لا يشعر بذلك يكفي أن يحرق أعماله وينهيها بل يحولها من أعمال صالحة إلى سيئة كارتكاب الغيبة والنميمة والفتنة ويمكن أن يحدث العكس وكلا الأمرين لا يخرجان من إطار العدالة الإلهية. إضافة لذلك ان توضيح نعيم الجنة وعذاب النار وعالم البرزخ وما يجري في القبر ومن يستحق النعيم ومن يستحق العذاب كل ذلك أمر خاضع لإرادة الله عز وجل وحكمته و رحمته فإذن نلاحظ أن الأفكار والآراء ـ كما قلنا ـ كثيرة متشابكة فقررنا أن نبحث هذا الأساس العقائدي في الإسلام بما نراه مناسباً ـ بالصورة المشار إليها ـ.

2ـ تعريف المعاد، ومتى تبدأ رحلة الإنسان نحو الآخرة؟:  للأعلى

المعاد: هو الإيمان بأن الله سبحانه سيعيدنا أحياء بعد أن نموت ونفنى من عالم الدنيا ويفنى الكون كله وذلك في عالم آخر له مقاييسه لأخرى قال تعالى:

(كل من عليها فان، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام).[سورة الرحمن: الآيتان 26-27].

ويذكر السيد شبر في كتابه(حق اليقين): للمعاد ثلاثة معانٍ أحدها المعنى المصدري من العود وهو الرجوع إلى مكان، وثانيها وثالثها: مكان العود وزمانه ومآل الكل واحد(1).

فإذن يتجلى معنى المعاد بأنه الاعتقاد بحياة أُخرى بعد هذه الحياة الدنيوية سيبعثنا الله سبحانه من جديد يوم القيامة، فالإنسان يموت في هذه الحياة بل وتنتهي هذه الحياة بما فيها لتبدأ مرحلة أخرى من مراحل الوجود فقد قال سبحانه:

(يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب...).[سورة الأنبياء: الآية 104].

وفي آية أخرى: (كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون).[سورة العنكبوت: الآية 57].

وهذا الاعتقاد هو الأصل الخامس ـ كما قلنا ـ من أصول العقيدة الإسلامية ويعتمد في توضيحه على التصديق بالله وبرسالته المنزلة على النبي الأكرم محمد(صلى الله عليه وآله) حيث إن القرآن الكريم وأحاديث الرسول(صلى الله عليه وآله) وروايات الأئمة(عليهم السلام) توضح لنا المعاد والبعث وما يجري بعد الموت وأوصاف الجنة والنار فالإيمان بالله والتصديق بالرسول(صلى الله عليه وآله) يضمنان إزالة الغموض ويوضحان الاعتقاد الصحيح بالمعاد يوم القيامة أما الذي لا يؤمن بالله ورسوله فهو ـ من باب أولى ـ لا يؤمن بالبعث والحساب والجنة والنار لأن الإيمان بالحساب والجنة والنار يتفرع من الإيمان الأصل وهو الإيمان بوجود الله وقدرته ورسالته.

فلذلك صار من الضروري أن نبحث المعاد بحثاً يلائم الظرف والمقام لنفهم هذا الأصل من الأصول الاعتقادية من جانب ومن جانب آخر يمكننا أن نتعرف على أبعاد هذا الاعتقاد وأثره في سلوكنا وحياتنا وهذا ما نلاحظه لدى الإنسان المؤمن بالمعاد والإنسان المنكر له وسنوضح هذا الأمر في الأحاديث القادمة بإذنه تعالى..

متى تبدأ رحلة الإنسان نحو الآخرة؟:

يقول الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله) ما خُلقتم للفناء بل خلقتم للبقاء وإنما تنقلون من دار إلى دار(2).

بالتحديد تبدأ الرحلة إلى العالم الآخر بالهجرة من الدنيا أي بالموت فحين يموت الإنسان يغادر هذه الحياة الدنيوية إلى حياة أخرى فتبدأ مرحلة جديدة مرسومة له سلفاً وتمتد هذه المرحلة التي تلي مرحلة الدنيا حتى قيام الساعة حيث يبعث الله من في القبور وسنتحدث عن عالم البرزخ ـ وهو ما بين الدنيا وقيام الساعة ـ وسنتحدث عما يجري في القبر في فقرات بحثنا القادمة.

ولرب مجيب عن هذه المساءلة بأن الرحلة للعالم الآخر تبدأ منذ انعقاد نطفة الإنسان في رحم أمه حيث إنه يحسب أياماً وسنين بعد ولادته للدنيا فيرحل ليخلفه الجيل الصاعد.

ولكن الإجابة الواضحة أنها تبدأ بيوم الهجرة من الدنيا إلى مراحل أخرى من حياته.. وإنها بالفعل لمرحلة مستقبلية محتومة تمر على كل إنسان وبما إن الشريعة الإسلامية هي شريعة شاملة لجميع الحياة بما في معنى الحياة من سعة وشمول فتحتوي جميع فترات الإنسان وتدخل معه لتبين له الأمر بوضوح وهنا لا بد أن نشير بأن الإسلام هو المدرسة الواعية التي يتتلمذ فيها طلاب الآخرة وتضع هذه المدرسة من أولوياتها المسألة الأخلاقية حيث تحدد النظرة المطلوبة إسلامياً للدنيا وما فيها من إغراءات وشهوات فترسم لنا الشريعة الإسلامية الخط الواضح للتعامل مع الدنيا والطريقة الفضلى للعلاقة مع الحياة الدنيوية ولا بد أن نعتبرها ممراً للحياة الأبدية في الآخرة وإن ما نعمله في الدنيا سنجني ثماره في الآخرة وكما ورد في الحديث الشريف: (الدنيا مزرعة الآخرة) فلا بد أن تأتي الأعمال بشكل يحقق طموح الإنسان في الآخرة فالدنيا مرحلة الزراعة والآخرة مرحلة الحصاد فمن زرع خيراً يحصد في الآخرة نعيماً ورضواناً ومن زرع في الدنيا شراً ـ لا سمح الله ـ فيحصد بالآخرة عقاباً وهواناً..

وتعلمنا المدرسة الإسلامية بأن ما يجنيه طالب الدنيا من أموال وأرباح وإشباع للغرائز والحاجات فإنها زائلة لا محالة بالرغم من محدوديتها فالإنسان محدود في انتفاعه واستغلال رزقه لذلك يعرفون الرزق بأنه القدرة على الانتفاع بخيرات الأرض مالاً وصحة وأولاداً وطبيعة لذلك فالإنسان محدود في انتفاعه بالأكل والشرب والمنام ومهما حصل على الملذات وفرص إشباع الغرائز فإنها غير خالدة..

فما دام الإنسان مغادراً للدنيا ـ مهما بلغ من الوجاهة والثروة والسلطة ـ فعليه تأتي المدرسة الإسلامية لتبين طريقة التعامل مع الدنيا وطريقة التصرف الصحيح للنجاة والربح الحقيقي في الآخرة فتضع الأسس الأخلاقية والسلوكية العامة للابتعاد عن حب الدنيا والتعلق بها وبالتالي الابتعاد عن الانحراف والشذوذ والهلع واللهاث وراء المادة وتدفع الإنسان للاقتراب من الفضيلة والاحترام والإيثار والتهذيب السلوكي والحب في الله لأن هذه السلوكية هي التي تجعل الإنسان المؤمن رابحاً في رحلته القادمة بعد الموت.

قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): (المعاد مضمار العمل فمغتبط بما احتقر من العمل غانم ومبتئس بما فاته من العمل نادم).

أما الإمام علي(عليه السلام) فيقول: (حتى إذا تصرمت الأمور وتقضّت الدهور وأزف النشور أخرجهم من ضرائح القبور وأوكار الطيور وأوجرة السباع ومطارح المهالك سراعاً إلى أمره مهطعين إلى معاده)(3).

3ـ النظرة الإيمانية إلى الموت، كيف نعتقد بالموت؟ وكيف نعتقد بالبعث؟:  للأعلى

مما لا شك فيه ان الموت يعني الانقطاع عن عالم اعتدنا عليه وجماعة ائتلفنا معهم فالفراق صعب لغياب أو سفر فكيف بفراق طويل ولربما دون لقاء حتى في الآخرة ومن يدري ذلك فالمهم يترك الموت أثره النفسي لدى الناس قهراً وانزعاجاً وإرباكاً فورد في الأثر المبارك (وقهر عباده بالموت والفناء)، فإذن الأثر الحزين الصادر من فكرة الموت ينعكس على النفس بنسب مختلفة ونحن نريد أن نتعرف على الرؤية المطلوبة إيمانياً نحو الموت وهل هنالك عدة رؤى حول الموت كل رؤية تنظر للموت من زاوية معينة؟.

في الحقيقة ـ بلى ـ فالمؤمن المتفهم للحياة والفكر الإسلامي يعتقد ان الموت نهاية طبيعية للحياة الدنيوية وينظر للموت نظرة اطمئنان وتحول من حياة لأخرى من وضع لوضع آخر من عمل إلى حساب وبالفعل ينتظر الموت ويحسبه قادماً إليه في لحظة ما وإنه ينتظر العطاء والنعيم في الآخرة أكثر بكثير مما يراه في الدنيا فهنالك الرحمة الإلهية الكبرى في الجنة والحور والسعادة الأبدية قال سبحانه:

(وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار كلما رزقوا منها من ثمرة رزقاً قالوا هذا الذي رزقنا من قبل...).[سورة البقرة: الآية 25].

ـ طبعاً ـ هذه حالة المؤمن الواعي الحالة المجردة عن العواطف الوقتية من بكاء وجزع فإنهما ضمن المسألة الطبيعية في حدودها الشرعية ولا ضير فيها أما حديثي فهو عن الحالة النفسية والنظرة الإيمانية للموت الذي لا بد منه.

أما الإنسان غير المؤمن بعالم ـ ما وراء الطبيعة ـ والذي يعتقد بأن الدنيا هي التي خلق فيها ويموت فيها ولا شيء آخر بعد الموت...

(وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين).[سورة الأنعام: الآية 30].

فهكذا إنسان ينظر إلى الموت نظرة سلبية قاتمة حيث سيخسر الميت نعيم الدنيا من الهواء والماء والأشجار والأصدقاء ليسكن تحت تراب الأرض في الظلام والحرمان.

(ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون..).[سورة فصلت: الآية19].

لذلك ٍٍنرى أن الأمراض النفسية متفشية بشكل مروع بين هذا النمط من البشر فالقلق والاضطراب وعدم الاستقرار النفسي والفزع والتحسس من المفاجئات والأمراض بشكل فظيع ـ بعكس المؤمن العارف ـ فقد قال عز وجل(ألا بذكر الله تطمئن القلوب).

وفي الرواية أنه: (دخل الإمام علي الهادي(عليه السلام) على مريض من أصحابه وهو يبكي ويجزع من الموت فقال له: يا عبد الله تخاف من الموت لأنك لا تعرفه أرأيتك إذا اتسخت وتقذرت وتأذيت من كثرة القذر والوسخ عليك وأصابك قروح وجرب وعلمت أن الغسل في حمام يزيل ذلك كله أما تريد أن تدخله فتغسل ذلك عنك أو ما تكره أن لا تدخله فيبقى ذلك عليك؟ قال: بلى يا بن رسول الله قال: فذاك الموت هو ذلك الحمام وهو آخر ما بقي عليك من تمحيص ذنوبك وتنقيتك من سيئاتك فإذا أنت وردت عليه وجاوزته فقد نجوت من كل غم وهم وأذى ووصلت إلى كل سرور وفرح فسكن الرجل واستسلم ونشط وغمّض عين نفسه ومضى لسبيله)(4).

وما بين الإنسان المؤمن المطمئن وبين الإنسان غير المؤمن بالآخرة والحساب مجموعة تصورات يقترب بعضها للإنسان المؤمن ويقترب بعضها الآخر لغير المؤمن في النظرة إلى الموت ولربما تكون نظرة أخرى للموت وهي النظرة الشائعة بين الناس التي تمتاز بالتأثير الوقتي حيث مشاهدة مصيبة الموت أمام العيان وحين زوال المشهد تعود حالة اللا انضباط بل الانفلات الخلقي ونسيان الحساب والآخرة.

أما كيف نعتقد بالموت؟ وكيف نعتقد بالبعث يوم القيامة؟:

يقول الله سبحانه: (كل نفس ذائقة الموت ثمّ إلينا ترجعون).[سورة العنكبوت: الآية 57].

فالموت ظاهرة حياتية يجب الإيمان بها ولكن بعض الناس يحاول أن يتناسى أو يهمل ذكر الموت وكأنه غير مستعد لهذه الرحلة التي لا بد منها وأكثر من ذلك إنه غير مستعد للتفكير حول الموت بل يهرب من مشاهدة ميت أو تشييعه مبرراً ذلك بكثرة انشغاله بزخارف الدنيا وأعمالها... وهؤلاء عادة يصطدمون بالموت حين يحل بواديهم ومن المؤكد أن سلوكيات هذا البعض تمتاز بالحيرة والقلق واللهاث نحو الدنيا بعيدين عن النبل والخلق الرفيع على عكس عباد الرحمن: (وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما) والمفروض على المؤمن أن يذكر الموت دائماً ليستقيم خلقياً ويتهيأ لفراق الدنيا والرحلة الطويلة نحو الآخرة فهي رحلة شيقة ـ حسب نظره ـ من عالم السجن إلى عالم الحرية فـ(الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر) كما ورد في الأثر المبارك.

يقول الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله): (أكثروا ذكر الموت فإنه يمحص الذنوب ويزهد في الدنيا)(5).

وعن الصادق(عليه السلام) قال: (ذكر الموت يميت الشهوات في النفس ويقلع منابت الغفلة ويقوي القلب بمواعد الله ويرقّ الطبع ويكسر أعلام الهوى ويطوي نار الحرص ويحقر الدنيا)(6).

ويقول الرسول محمد(صلى الله عليه وآله): (إذا مات أحدكم فقد قامت قيامته فاعبدوا الله كأنكم ترونه واستغفروه كل ساعة).

وقال الإمام علي(عليه السلام): (الموت باب الآخرة) و(بالموت تختم الدنيا) (الموت هادم لذاتكم ومكدر شهواتكم) ومن وصاياه لولده الحسن(عليه السلام): (اعلم يا بني إنما خلقت للآخرة لا للدنيا وللموت لا للحياة..).

وقال ـ أيضاً ـ (أنتم طرداء الموت إن أقمتم له أخذكم وإن فررتم منه أدرككم وهو ألزم لكم من ظلكم، الموت معقود بتواصيكم)(7).

فإذن الإنسان (وكل كائن حي) لا بد أن يموت في ساعة معينة والآن ماذا بعد الموت؟

يقول الشاعر:

المـــوت بــاب وكــل الناس داخله***ياليـت شعري بعد الباب ما الدارُ؟

الدار جنات عـــدن إن عــلمت بما***يــرضـي الإلــه وإن قصّرت فالنارُ

عرفنا أن الموت حق والبعث حق ولكن ماذا هنالك؟:

يقول العلامة المظفر: نعتقد أن الله تعالى يبعث الناس بعد الموت في خلق جديد في اليوم الموعود به عباده فيثيب المطيعين ويعذب العاصين وهذا أمر على جملته وما عليه من البساطة في العقيدة اتفقت عليه الشرائع السماوية والفلاسفة ولا محيص للمسلم من الاعتراف به عقيدة قرآنية جاء بها نبيناً الأكرم(صلى الله عليه وآله)(8).

ويتساءل ربنا عز وجل بقوله: (كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون).[سورة البقرة: الآية 28].

وقال في سورة الحج: (وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور).[سورة الحج: الآية7]

وجاء في السنة الشريفة قول الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله) (يا بني عبد المطلب إن الرائد لا يكذب أهله والذي بعثني بالحق لتموتن كما تنامون ولتبعثن كما تستيقظون وما بعد الموت دار إلا جنة أو نار وخلق جميع الخلق وبعثهم على الله عز وجل كخلق نفس واحدة وبعثها قال الله تعالى: (وما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة).

وكان فيما وعظ لقمان ابنه أن قال: يا بني إن تك في شك من الموت فارفع عن نفسك النوم ولن تستطيع ذلك وإن كنت في شك من البعث فارفع عن نفسك الانتباه ولن تستطيع ذلك.عن الإمام الباقر(عليه السلام):

وعنه أيضا(عليه السلام) في قوله تعالى: (يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا) فإن القوم كانوا في القبور فلما قاموا حسبوا أنهم كانوا نياماً قالوا: من بعثنا من مرقدنا؟ قال الملائكة: (هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون)(9).

وقال سبحانه أيضاً: (فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيى الأرض بعد موتها إن ذلك لمحيي الموتى).[سورة الروم: الآية 50].

فإذن ظاهرة الموت حياتية طبيعية ولا بد من الاستعداد النفسي لها(اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً) ـ كما يقول الإمام علي(عليه السلام) ـ فالموت والبعث يوم الحساب ظاهرتان طبيعيتان سنمر بهما ولا بد من الاستعداد لهما بالشكل المطلوب.

4ـ هل البعث سيكون بالروح أم بالروح والجسد معاً؟:  للأعلى

في الحقيقة هنالك اختلاف في وجهات النظر إتجاه هذه المسألة وكل وجهة نظر لها أصحابها وهؤلاء لهم أدلتهم على ما يذهبون إليه، قال الرازي في كتاب(نهاية العقول): قد عرفت أن من الناس من أثبت النفس الناطقة فلا جرم اختلفت أقوال أهل العالم في أمر المعاد على وجوه أربعة:

أحدها: قول من قال إن المعاد ليس إلا للنفس وهذا مذهب الجمهور من الفلاسفة.

وثانيها: قول من قال المعاد ليس إلا لهذا البدن وهذا قول ثقاة النفس الناطقة.

وثالثها: قول من أثبت المعاد للأمرين.

ورابعها: قول من نفى المعاد عن الأمرين.

وغرضنا إثبات المعاد البدني للناس فيه قولان:

أحدهما: إن الله تعالى يعدم أجزاء الخلق ثم يعيدها.

وثانيهما: إنه تعالى يميتهم ويفرق بين أجزائهم ثم قال إنه تعالى يجمعها ويرد الحياة إليها... وقال العلامة (ره) في شرح الياقوت اتفق المسلمون على إعادة الأجسام خلافاً للفلاسفة(10).

حيث إن الفلاسفة أرادوا أن يتحسسوا البعث الجسماني مقروناً بالروح فما استطاعوا ذلك بواسطة عقولهم الفلسفية ويؤكد بعض الفلاسفة أن الروح هي أساس الإنسان ولولا الروح لمات البدن فالاحساس الحاصل للإنسان إنما يحصل بواسطة الروح ووجود الروح في البدن فالبدن هو آلة تنفيذية خاضعة للروح أي أن البدن جهاز تنفيذي بيد الروح فالروح هي أساس الاحساس لدى الإنسان وهذا الاحساس قد يكون لذيذاً أو أليماً باختلاف المؤثر وبخروج الروح عن البدن ـ بالموت مثلاً ـ ينتهي دور البدن بدفنه بالتراب وتحلق الروح خالدة في الجنة والنعيم أو تبقى متألمة في النار والجحيم وإن لذة الروح أو ألم الروح إنما يتحققان حينما تبتعد أو تقترب عن رضا الله عز وجل يوم القيامة فكلما اقتربت الروح من رضوانه كانت حالة الاطمئنان والفرح وكلما ابتعدت كانت حالة القلق والذعر والألم وطبيعي ان القرب والبعد تحدده أعمال الإنسان في الدنيا ويجيب أمثال هؤلاء الفلاسفة عن الآيات القرآنية التي تجسد النعيم البدني أو العذاب الجسمي مثلاً يقول سبحانه في وصف بعض اللذائذ في الجنة:

(حور مقصورات في الخيام، فبأي آلاء ربكما تكذبان، لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان).[سورة الرحمن: الآيات 72-74].

ويقول أيضاً في وصف العذاب: (فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من فوق رؤوسهم الحميم، يصهر به ما في بطونهم والجلود، ولهم مقامع من حديد).[سورة الحج: الآيات19-21].

يقولون إن أمثال هذه الآيات والأحاديث والروايات جاءت لتقريب الفكرة للإنسان والإنسان محدود الآفاق لا يستطيع أن يستوعب مدى اللذة والألم في عالم الأرواح في الآخرة فيقربها الله إليه بهذا التوضيح والتقريب الحسي.

وبكلمة أخرى إن العقل الفلسفي ـ لدى البعض ـ ما استطاع أن يدرك المعاد الجسماني بينما العقل الإسلامي المنطلق من نصوص الشارع المقدس لا يستطيع أن يفهم المعاد بدون الجسم فقد قال المحقق (ره) الدواني(في شرح العقائد العضدية) (والمعاد أي الجسماني فإنه المتبادر عن إطلاق أهل الشرع إذ هو الذي يجب الاعتقاد به ويكفر من أنكره حتى بإجماع أهل الملل الثلاث)(11).

وحتى أولئك الفلاسفة الذين ذهبوا إلى كون المعاد روحياً لم يمتلكوا دليلاً قانعاً في أمرهم بينما الرأي القائل بعودة البشر روحاً وجسماً يوم القيامة هو رأي الإسلام عبر الشريعة الإسلامية في القرآن والسنة وسنذكر شواهد بعد قليل، وعبر العقل الإنساني الذي يرى قدرة الله عز وجل على كل شيء هذا الأساس العقائدي الذي يقوم عليه إيماننا بهذه القدرة الكبرى فالتشكيك بالمعاد الجسماني إنما هو تشكيك في قدرة الله عز وجل حيث إن إعادة الإنسان جسماً وروحاً بعد موته في الدنيا إنما هو أمر ممكن عقلاً فالخالق سبحانه عالم قادر ومدبر.

نعم إن عقولنا ـ كما قلنا سابقاً ـ فيها من القصور ما يمنعها من إدراك بعض المسائل الغيبية ولكن العقل نفسه يعتقد بالقدرة الإلهية العظمى القادرة على كل شيء وإعادة الإنسان يوم القيامة بالروح والجسم معاً شيء من الأشياء.

وأما الأدلة الشرعية على ذلك فالقرآن الكريم يذكر مسألة المعاد كثيراً وسنذكر بعض الشواهد من الآيات المباركة والأحاديث والروايات بصدد المعاد الجسماني.

قال تبارك وتعالى: (أو لم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين، وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم، قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم).[سورة يس: الآيات 77-79].

قال المفسرون نزلت هذه الآية في أُبي بن خلف، خاصم رسول الله(صلى الله عليه وآله) وأتاه بعظم قد رمّ وبلي ففته بيده وقال يا محمد أترى الله يحيي هذا بعد ما رمّ فقال(صلى الله عليه وآله): نعم ويبعثك ويدخلك النار(12).

وهكذا نلاحظ الآية الكريمة تقرب إلينا فكرة العبث الجسماني بالرد على هذا المستفهم الذي لا يدرك بعقله بدايات تكوينه وكيفية نشوئه يريد أن يدرك مستقبله الغيبي فالله سبحانه يبين بالآيات القرآنية وكذلك يبين الرسول(صلى الله عليه وآله) والأئمة بالأحاديث الشريفة فنستخلص مما لا ريب فيه إن المعاد جسمي وروحي معاً فقد قال سبحانه:(ويقول الإنسان أإذا ما مت لسوف أخرج حياً، أو لا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئاً).[سورة مريم: الآيتان 66-67].

وقال ـ أيضاً ـ: (أو لم يروا أن الله الذي خلق السموات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى...) وفي آية كريمة أخرى: (أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه...).[سورة القيامة: الآية 3].

فمن خلال هذه الآيات وأمثالها نفهم أن الله سبحانه يريد أن يزيل الشك من عقول الناس بقدرته الكبرى ومن ثم لا يمكن أن نفهم معنى لنعيم الجنة أو عذاب النار إلا بالمعاد الروحي والجسمي معاً..

فيقول القرآن العظيم: (كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب...).[سورة النساء: الآية 56].

وكذلك في قوله تعالى: (فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من فوق رؤوسهم الحميم، يصهر به ما في بطونهم والجلود، ولهم مقامع من حديد...).[سورة الحج: الآيات 19-21].

وفي الأحاديث والروايات الشريفة حينما نقرأ النعيم في الجنة من طعامٍ وحور عينٍ وأنهارٍ لذة للشاربين كيف يمكن تصوير ذلك من دون العودة الجسمية يوم القيامة يروي الطبرسي (ره) في(مجمع البيان) عن أبي أمامه الباهلي إن رسول الله(صلى الله عليه وآله) قال: (ما من عبد يدخل الجنة إلا ويجلس عند رأسه وعند رجليه اثنتان من الحور العين يغنيانه بأحسن صوت...) وعن الصادق(عليه السلام) عن آبائه عن أمير المؤمنين(عليه السلام) قال: في جملة حديث: (ومن صلى ليلة تامة تالياًَ كتاب الله راكعاً وساجداً وذاكراً وساق الحديث إلى أن قال يقول الرب تبارك وتعالى لملائكته انظروا إلى عبدي أحيى ليلة ابتغاء لمرضاتي اسكنوه الفردوس وله فيها مائة ألف مدينة في كل مدينة جميع ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين وما لا يخطر على بال...)(13). وهكذا بالنسبة للروايات الواردة بصدد العذاب والجحيم ـ أعاذنا الله سبحانه من عذابه ـ.

ومن الأدلة الواضحة في القرآن الكريم ما ورد عن قصة عزير، أنه في يوم من الأيام كان راكباً دابته وصادف منظراً موحشاً وعظاماً نخرة لبشر فتأمل في العظام وبدأ يتساءل عن كيفية إحيائها وقد فنيت وفي هذه الحالة قبض الله روحه وبعد مرور مائة عام أعاد الله إليه الحياة فقام من مقامه وفي تصوره انه كان نائماً ليوم أو بعض يوم فأمره الله سبحانه أن ينظر إلى حماره الفاني الذي بدأت تدب الحياة في جسمه المتلاشي بإذنه تعالى، قال سبحانه:

(أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه...).[سورة البقرة: الآية 259].

هذه القدرة الإلهية وهذه التجرية العملية جاءت لتطمئن قلوب الناس بقدرة الله أما الإنسان الذي لا يستطيع أن يتذكر تقلبه في رحم أمه ولا يعرف كيف ولد وكيف ترعرع في الحياة، بهذا القصور العقلي يريد معرفة المعاد الجسمي وبإدراكه القاصر هذا يريد أن يرى ذلك !!

والإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) يصف لنا مشهد المعاد بقوله: (حتى إذا تصرمت الأمور وتقضت الدهور وأزف النشور أخرجهم من ضرائح القبور وأوكار الطيور وأوجرة السباع ومطارح المهالك سراعاً إلى أمره مهطعين إلى معاده)(14).

وعن هشام بن الحكم أنه قال الزنديق للإمام الصادق(عليه السلام): أنى للروح بالبعث والبدن قد بلى والأعضاء قد تفرقت فعضو في بلدة تأكلها سباعها وعضو بأخرى تمزقه هوامها وعضو قد صار تراباً بني به مع الطين حائط!

قال: (إن الذي أنشأه من غير شيء وصوره على غير مثال كان سبق إليه قادر أن يعيده كما بدأه...)(15).

والآن لنتساءل أي الأجسام يبعث للحساب؟ فعلى ضوء ما تقول الحقائق العلمية إن خلايا الجسم تتبدل حيث تتلف وتموت وتولد محلها خلايا أخرى وبمرور الزمن لعدة أعوام تتبدل جميع خلايا جسم الإنسان والسؤا