|
شبهات وردود |
|
موقف الشيعة من الصحابة |
|
|
واتهمت الشيعة بتجريح الصحابة، والقول بعدم عدالتهم, وهو افتراء محض لا نصيب له من الصحة, فإن الشيعة تقدس صحابة النبي (صلى الله عليه وآله) وتعظمهم, وتكن لهم أعمق الحب والاحترام، وترى لهم الحق على كل مسلم ومسلمة لأنهم نصروا الإسلام أيام محنته وغربته، ولولا جهودهم وجهادهم، وتضحياتهم لما قام الإسلام، ولا بد لنا من وقفة قصيرة لعرض:
تعريف بالصحابة: المراد بالصحابة الممجدين هم الذين صحبوا النبي (صلى الله عليه وآله) آمنوا به, وماتوا على هديه ودينه, وليس المراد بالصحابي كل من رأى النبي (صلى الله عليه وآله), فإن هذا التحديد من الضحالة بمكان لأنه يوجب دخول الأطفال والكفار الذين رأوا النبي في إطار الصحابة مع إنه لا إشكال في خروجهم عنه، كما أنه بناء على اعتبار الرؤية تخرج بعض الصحابة عن هذا التعريف ممن فقدوا البصر كابن مكتوم ونحوه من المؤمنين الأخيار المتحرجين في دينهم مع أنه لا إشكال في شمول التعريف لهم, ولا يشمل التعريف الذين ذكرناه المنافقين الذين كانوا يكيدون للإسلام ويبغون له الغوائل في الليل إذا يغشى وفي النهار إذا تجلى وهم الذين نزلت فيهم سورة من القرآن الكريم وهي سورة المنافقين.
حكم الصحابة: ولصحابة النبي (صلى الله عليه وآله) منزلة عظيمة, وكريمة عند الله تعالى, ومن المؤكد أن الصحبة بذاتها لا توجب العصمة, عن الخطأ ولا توجب النجاة من النار إلا بالعمل الصالح, والبعد عما حرمه الله فإنه المقياس عند الله تعالى, من تحرج في دينه وآمن واهتدى وعمل صالحا فإن الجنة هي المأوى, ومن زاغ عن ذلك, وانحرف عن الحق بعد ما تبين له الهدى فإن مصيره إلى النار، هذا هو حكم الإسلام، قال الله تعالى (وإن ليس للإنسان لا ما سعى وأن سعيه سوف يرى)(1) وقال تعالى: (ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره)(2) قد أناط الله تعالى ثوابه بالعمل الصالح, وأناط عقابه بالعمل السيئ، والصحابة وغيرهم سواء, فمن أطاع الله منهم كان له المزيد من الأجر ومن انحرف عن الحق كان له من العذاب ضعف لأنه ابتعد عن سنة الرسول (صلى الله عليه وآله) وشذ عن هديه.
في ظلال القرآن: وإذا رجعنا إلى مائدة القرآن الكريم للنظر في شؤون الصحابة وجدنا طائفتين من آيات الله العظام وهما: الطائفة الأولى: فيها ثناء عاطر وتعظيم لبعض الصحابة الذين أخلصوا لله وجاهدوا في سبيله بأعلى درجات الإيمان وهذه بعض الآيات: 1ـ قول الله تعالى: (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا)(3). 2 ـ قال الله تعالى: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْواناً سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً)(4). 3- قال الله تعالى: (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين ابتعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم)(5) وحكت هذه الآيات عظيم منزلتهم، وسمو مكانتهم عند الله تعالى, ولهم في مدح الله غنى عن المدح المادحين, ووصف الواصفين وهؤلاء يجب على كل مسلم مودتهم والإخلاص لهم. الطائفة الثانية: وهي تذم من مردوا على النفاق, وابتغوا الفتنة وأظهروا الإسلام بألسنتهم, وانطوت قلوبهم على الكفر بالله. وهذه بعض الآيات: 1ـ قال تعالى: (وممن حولكم من الإعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم)(6). 2ـ قال تعالى: (ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن)(7). 3ـ قال تعالى: (إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ)(8). وحكت الآيات السابقة والتي بعدها أن الصحابة بعضهم أولياء الله وأحباؤه، أخلصوا لله كأعظم ما يكون الإخلاص, وجاهدوا في سبيله كأعظم ما يكون الجهاد, وبعضهم يؤذون النبي (صلى الله عليه وآله)، ويقولون ويفعلون ما يسوؤه وهؤلاء أعداء الله, وخصوم رسوله، قد مردوا على النفاق, وخلعوا جلباب الإيمان وهم ـ من دون شك ـ لا يجوز توقيرهم وتعظيمهم، ولا تشملهم قداسة الصحابة, وهذا ما تؤمن به الشيعة.
في رحاب السنة: وأعلنت كوكبة من الأحاديث النبوية ارتداد بعض الصحابة ومروقهم من الدين, وهذه بعضها: 1ـ أخرج الترمذي عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: ويؤخذ من أصحابي برجال ذات اليمين وذات الشمال فأقول: يا رب أصحابي فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك, فإنهم لا يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم فأقول: كما قال العبد الصالح: أن تعذبهم فإنهم عبادك(9). 2- أخرج أحمد في مسنده عن عبد الله بن مسعود عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال لأصحابه: (أنا فرطكم على الحوض, ولأنازعن أقواما ثم لأغلبن عليهم فأقول: يا ربي أصحابي، فيقول أنك لا تدري ما أحدثوا بعدك(10). 3 ـ وأخرج مسلم عن طريق عائشة عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: إني على الحوض أنتظر من يرد علي منكم فوالله لينقطعن رجال فلأقولن أي ربي) الحديث(11). 4ـ روي الإمام محمد الباقر (عليه السلام): بسنده عن جده الرسول (صلى الله عليه وآله) أنه قال: يرد علي يوم القيامة رهط من أصحابي فيحلون عن الحوض فأقول: يا رب أصحابي, فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك إنهم ارتدوا على أعقابهم القهقرى)(12). كثير من أمثال هذه الأحاديث أثرت عن النبي (صلى الله عليه وآله) وهي تدل بوضوح على وجود المنحرفين والضالين من الصحابة الذين آثروا الدنيا على الآخرة، وطبع الله على قلوبهم، اتبعوا أهوائهم.
منافقون ومرتدون: وذكر الرواة طائفة من الذين صحبوا النبي (صلى الله عليه وآله) وهم مرتدون على أعقابهم، ولا رصيد لهم من التقوى والإيمان ونشير إلى بعضهم:
1ـ الوليد بن عقبة: ابن أبي معيط سماه الله تعالى في كتابه فاسقا, وذلك حينما أرسله النبي (صلى الله عليه وآله) على صدقات بني المصطلق فعاد وأخبر النبي (صلى الله عليه وآله) أنهم خرجوا لقتاله فأراد أن يجهز لهم جيشا لقتالهم فأنزل الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة)(13)(14)
2- خذام وجماعته: من المنافقين والضالين خذام بن خالد ومعتب بن قشير وأبو حبيبة ابن أبي الأزعر وجماعتهم وهم الذين بنوا مسجدا يتظاهرون فيه بإقامة الصلاة في أوقات لا يسعهم الوصول إلى النبي (صلى الله عليه وآله) حسب زعمهم, ولكن الله فضح سرهم وأنزل فيهم الآية (والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسول من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون(15). وقد فضحتهم الآية وكشفت زيف ما يقولون(16).
3- ذو الثدية: هو من جملة الصحابة الذين رأوا النبي (صلى الله عليه وآله) وكان يظهر النسك والعبادة إلا أنه لم يكن عن معرفة وإيمان، علم النبي (صلى الله عليه وآله) بضلاله, وإنه من عناصر السوء والشر فأمر بقتله فانبرى أبو بكر ليقتله فرآه يصلي فكف عنه, وسارع عمر كذلك، فلم يفعل, وبادر الإمام ليقتله فلم يدركه(17) وهو الذي تزعم الخوارج يوم النهروان فقتله الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام).
4- الحكم بن أبي العاص: خبيث دنس من رؤوس المنافقين كان من ألد أعداء رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومن أحقدهم عليه فكان يمر خلفه فيغمز به ويحكيه ويخلج بأنفه وفمه(18)، والتفت النبي (صلى الله عليه وآله) فرآه يفعل ذلك، فقال: (كذلك فلتكن) فكان الحكم مختلجا يرتعش حتى هلك, وكان يثبط الناس عن الدخول في دين الإسلام, وقد قال مروان لحويطب تأخر إسلامك أيها الشيخ حتى سبقك الأحداث, فقال له حوطيب: والله لقد هممت بالإسلام غير مرة كل ذلك يعوقني أبوك, يقول: تضيع شرفك, وتدع دين آباءك لدين محدث, وتصير تابعا(19). استأذن الحكم على رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: ائذنوا له لعنة الله عليه وعلى من يخرج من صلبه إلا المؤمنين وقليل ما هم, ذوومكر وخديعة, يعطون الدنيا, وما لهم في الآخر, من خلاق(20)، نفاه النبي (صلى الله عليه وآله) إلى الطائف، ولم يسمح له بالدخول إلى عاصمته(21) . وهذا الرجس معدود من الصحابة.
5- قزمان بن الحرث: شهد أحدا، وقاتل مع النبي (صلى الله عليه وآله) قتال الأبطال, فقال النبي (صلى الله عليه وآله) أنه من أهل النار, وأصابته جراحات وسقط فقيل له: هنيئا لك بالجنة يا أبا الغيداق فسخر منه، وقال: جنة من حرمل، والله ما قاتلنا إلا على الأحساب. فهل هذا يعد من الصحابة؟
6- أبو سفيان: ألد أعداء رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ومن أخبث الحاقدين عليه, حاول جاهدا أن يرد صوت التوحيد لمصدره، يلف لواء الإسلام، ويطفئ نور الله، فجيش الجيوش وقاد الكتائب تلو الكتائب في واقعة بدر وأحد وغيرهما ولكن الله رد كيده, ودمر جيوشه وسحق عدوانه ونصر نبيه, وباءت جميع محاولاته بالفشل, وانتصر الإسلام وخفقت راياته, وفتحت مكة التي هي معقل القبائل القرشية المعادية لله والتي جرعت الرسول الغصص والآلام, ولولا فيض من رحمات الرسول (صلى الله عليه وآله) لسبى ذراريهم وقتل رجالهم، ولكنه عفى عنهم, وأطلق سراحهم, وقال لهم: اذهبوا فأنتم الطلقاء, وممن عفي عنه الرسول (صلى الله عليه وآله) أبا سفيان, فقد دخل في دين الإسلام حفظا لدمه، وظلت نفسه مترعة بأفكار الجاهلية وأوثانها, وهو الذي ركل قبر حمزة برجله, وقال له إن هذا الأمر الذي كنا نقاتل عليه أصبح بأيدي صبياننا. وأحاديثه في الكفر مشهورة تقضي بإلحاده وجاهليته، فكيف يعد صحابيا؟
7- معاوية بن أبي سفيان: صاحب الأحداث والموبقات في الإسلام, وهو الذي حارب وصي رسول الله (صلى الله عليه وآله) الإمام أمير المؤمنين وقتل خيار الصحابة كحجر بن عدي وجماعته المؤمنين واستخلف ابنه يزيد من بعده فاقترف كل ما حرم الله فقتل ريحانة رسول الله (صلى الله عليه وآله) الإمام الحسين وسبى حرائر النبوة والرسالة, وأباح مدينة الرسول (صلى الله عليه وآله) وهدم الكعبة إلى غير ذلك من جرائمه. إن معاوية في جميع مراحل حياته لم يؤمن بالله, طرفة عين, وهو من أعمدة الجاهلية, وأركانها فقد فرض سب العترة الطاهرة على المنابر والمآذن وموبقاته ومنكراته لا تحصى, فكيف يعد هذا الذئب الجاهلي من أصحابه؟
8- أبو العادية: الجهني واسمه يسار, وهو ممن سمع النبي (صلى الله عليه وآله) وروي عنه, ومن رواياته عنه قوله (صلى الله عليه وآله): (إن دماءكم وأموالكم حرام). وهو قاتل الصحابي العظيم عمار بن ياسر الذي قال فيه النبي (صلى الله عليه وآله): (يا عمار تقتلك الفئة الباغية, وكان إذا أراد الدخول على معاوية يقول لحاجبه قل له: قاتل عمار بالباب(22))، وفي الحديث: (لو أن عمارا قتله أهل الأرض لدخلوا النار(23)). وعلى أي حال فكيف يعد مثل هذا المجرم الوضيع صحابيا, ويحكم بعدالته.
9- قدامة بن مضعون: كان من السابقين الأولين إلى الإسلام وهاجر الهجرتين، استعمله عمر بن الخطاب واليا على البحرين, شرب الخمر, وأقام عليه عمر الحد, فكيف يحكم بعدالته، لأنه من الصحابة. ونكتفي بهذه النماذج اليسيرة من الصحابة الذين اقترفوا ما حرم الله, وابتعدوا عن الطريق القويم, وفارقوا ما سنه الرسول (صلى الله عليه وآله) من أحكام فكيف يحكم بعدالة جميع الصحابة أجمعين؟
روايات موضوعة: ومن موبقات معاوية أنه أقام لجاننا من الوضاعين لافتعال الأحاديث ونسبتها إلى الرسول (صلى الله عليه وآله) في فضل الصحابة وجعلهم بمنزلة أهل البيت (عليهم السلام)، ومن المؤسف أنها خفيت على مدوني الصحاح والسنن فدونها, وصارت جزء من العقيدة الإسلامية، وهي لا وقاع لها, ونلمح إلى بعضها:
1 ـ عن ابن عباس قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (ما في الجنة شجرة إلا مكتوب على كل ورقة منها لا إله إلا الله محمد رسول الله، أبو بكر الصديق, عمر الفاروق, عثمان ذو النورين(24)). قال المحقق الأميني: هذا الحديث من موضوعات علي بن جميل الرقي أخرجه الطبراني وقال: موضوع وذكر الأميني مصادر أخرى نصت على وضعه(25).
2 ـ عن أنس مرفوعا عن النبي (صلى الله عليه وآله): لو أفتقد أحدا من أصحابي غير معاوية بن أبي سفيان لا أراه ثمانين عاما – أو سبعين عاما – فإذا كان بعد ثمانين عاما – أو سبعين عاما – يقبل إلي على ناقة من المسك الأذفى, حضوها من رحمة الله قوائمها من الزبرجد، فأقول: معاوية, فيقول: لبيك يا محمد, فأقول: أين كنت من ثمانين عاما؟ فيقول: كنت في روضة تحت عرش ربي يناجيني وأناجيه، ويحييني وأحييه، ويقول: هذا عوض مما كنت تشتم في دار الدنيا.... من موضوعات عبد الله بن حفص الوكيل قال ابن عدي: موضوع لا شك أنه واضعه, وقال الخطيب: باطل إسنادا ومتنا. وعلق عليه ابن عساكر قال: هذا حديث منكر(26). لماذا يفتقد النبي (صلى الله عليه وآله) معاوية وهو الذي حارب وصيه وباب مدينة علمه, وسم ريحانته الإمام الزكي الحسن وقتل خيار الصحابة, واستخلف ولده المجرم الأثيم على المسلمين بمثل هذه الأخبار الموضوعة يتمسك الجهلة والأوباش في فضل معاوية.
3 ـ عن أنس مرفوعا أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: (لما أسري بي خلت الجنة فذا أنا بتفاحة تعلقت عن حوراء قالت: أنا للمقتول ظلما عثمان). أخرجه الذهبي في ميزانه 2 / 20 عن طريق عباس بن محمد العدوي الوضاع وقال: خبر مرفوع.
4 ـ روي عبد الله بن عمر مرفوعا عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: لما ولد أبو بكر اطلع الله على جنة عدن، فقال: وعزتي وجلالي لا أدخلك إلا من أحب هذا المولود). علق الخطيب البغدادي عليه فقال: إنه باطل وفي إسناده غير واحد من المجهولين(27).
5 ـ روى أبو هريرة مرفوعا عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه في السماء الدنيا ثمانين ألف ملك يستغفرون الله لمن أحب أبا بكر وعمر، وفي السماء الثانية ثمانون ألف ملك يلعنون من أبغض أبا بكر وعمر. علق عليه الخطيب فقال: هذا الحديث وضعه العدوي على كامل بن طلحة(28).
6 ـ روى البراء مرفوعا أن الله اتخذ لأبي بكر في أعلى عليين قبة من ياقوته بيضاء معلقة بالقدرة تخرقها رياح الرحمة, للقبة أربعة آلاف باب، كلما اشتاق أبو بكر إلى لله انفتح منها باب ينظر إلى الله عز وجل. من موضوعات محمد بن عبد الله أبي بكر الأشناني, عده الذهبي من طامات أبي الأشناني(29). 7 ـ روي عن أبي هريرة عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: لما رد بي إلى السماء فما مررت بسماء إلا وجدت بها مكتوبا محمد رسول الله وأبو بكر الصديق من خلفي. قال ابن حجر: قال بابن حبان هذا خبر باطل(30).
8 ـ عن أنس مرفوعا عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: الأمناء سبعة, اللوح، والقلم واسرافيل, وميكائيل وجبريل ومحمد ومعاوية. ذكره ابن كثير وجعله من الأحاديث المنكرة(31) وعلق عليه المحقق الأميني فقال: تعسا لأمة تروي مثل هذه المخازي ولم تنل منها جبهتها حياء أليس عارا على الإسلام وأهله أن يجعل معاوية الخؤون مع نبيه وأمناء الله المعصومين في الإمامة(32).
9 ـ عن زية بن ثابت قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أول من يعطي كتابه بيمنيه من هذه الأمة عمر بن الخطاب, وله شعاع كشعاع الشمس، قيل فأين أبو بكر؟ قال: تزفه الملائكة إلى الجنان(33).
10- كان النبي (صلى الله عليه وآله) إذا اشتاق إلى الجنة قبّل شيبة أبي بكر. عده الفيروز آبادي في خاتمة كشف الخفاء 2/419 من أشهر المشهورات من الموضوعات ومن المفتريات المعلوم بطلانها ببديهة العقل(34). وقد ذكر المحقق الأميني نوّر الله مثواه مائة حديث من الموضوعات. ومن الجدير بالذكر أن الإمام الباقر أثار في حديث له مع جماعة من أعلام أصحابه إلى أن معظم الأحاديث التي وردت في فضل بعض الصحابة من الموضوعات وقد افتعلت أيام حكومة معاوية بإيعاز منه للحط من شأن العلويين والتقليل من أهميتهم، وطلب منه إبان وهو من العلماء الذين تتلمذوا على يد الإمام أن يذكر له بعض تلك الأخبار الموضوعة, فقال: أ – إن سيدي كهول أهل الجنة أبو بكر وعمر(35). ب – إن عمر محدث – بصيغة المفعول – إي تحدثه الملائكة. ج – إن السكينة تنطق على لسان عمر. د – إن عمر يلقنه الملك. هـ – إن الملائكة لتستحي من عثمان(36). واسترسل الإمام أبو جعفر في عرض الأخبار المفتعلة عن أكثر من مائة رواية – أو أكثر من مائتين – يحسبها الناس أنها حق وهي كذب وزور(37). لقد افتعلت الأحاديث الكثيرة في أيام الأمويين والعباسيين في فضل الصحابة, وأخذها الجمهور بعين الرضا، فقدسوا جميع الصحابة, وأغمضوا النظر ما صدر من بعضهم من الأعمال التي تتنافى مع روح الإسلام وهديه.
رأي الشيعة في الصحابة وأجمعت الشيعة على تعظيم الصحابة وتبجيلهم والإقرار لهم بالفضل, لأنهم أبلوا البلاء الحسن في نصرة الدين، ومما يدعم ذلك: دعاء الإمام زين العابدين: ومن أدعية الإمام زين العابدين (عليه السلام)، وإمام المتقين للصحابة هذا الدعاء: (اللهم وأصحاب محمد خاصة الذين أحسنوا الصحبة, والذين أبلوا البلاء الحسن في نصره، وكانفوه وأسرعوا إلى وفادته, وسابقوا إلى دعوته، واستجابوا له, حيث أسمعهم حدة رسالاته، وفارقوا الأزواج والأولاد في إظهار كلمته وقاتلوا الآباء والأبناء في تثبيت نبوته، وانتصروا به ومن كانوا منطوين على محبته يردون تجارة لن تبور في مودته والذين هجرتهم العشائر إذ تعلقوا بعروته، وانتفت منهم القربات إذ سكوا في ظل قرابته. فلا تنس لهم، اللهم ما تركوا لك وفيك, وأرضهم من رضوانك وبما حشاوا الخلق عليك وكانوا مع رسولك دعاة لك وإليك واشكرهم على هجرتهم فيك ديار قومهم, وجهم من سعة المعاش إلى ضيقه). إن دعاء الإمام زين العابدين (عليه السلام) للصحابة وترحمه عليهم لا يشمل المنافقين والمرتابين في دينهم الذين كادوا للرسول (صلى لله عليه وآله) في وضح النهار وفي غلس الليل, وإنما هو للمتقين والصالحين والمتحجرين في دينهم أمثال الصحابي العظيم عمار بن ياسر والثائر على الظلم والطغيان أبي ذر الغفاري، ونظرائهما من الصالحين الأخيار.
رأي السيد علي خان: وللعالم الجليل السيد علي خان المدني رأي أصيل في الصحابة يساير الفكر والمنطق, قال رحمه الله: (حكم الصحابة عندنا في العدالة حكم غيرهم، ولا يتحتم الحكم بالإيمان العدالة بمجرد الصحبة، ولا يحصل بها النجاة من عقاب النار, وغضب الجبار لا أن يكون مع بين الإيمان، وخلوص الجنان، فمن علمنا عدالته وإيمانه وحفظه وصية رسول الله (صلى الله عليه وآله) في أهل بيته وإنه مات على ذلك كسلمان الفارسي, وأبي ذر وعمار أليناه, وتقربنا إلى الله تعالى بحبه ومن علمنا أنه انقلب على عقبه، وأظهر العداوة لأهل البيت عاديناه لله تعالى وتبرأنا إلى الله منه, ونكث عن المجهول حاله...(38)). وهذا الرأي ويثق للغاية فأن الحب لخيار الصحابة إنما حب الله تعالى وتقرب إليه, والبغض للمنحرفين والمنافقين إنما هو بغض للباطل وتقرب إلى الله تعالى الذي أمر معاداة الباطل ومجافاة المنكر.
رأي الإمام شرف الدين: قال الإمام شرف الدين نضر الله مثواه: إن من وقف على رأينا في الصحابة علم أنه أوسط الآراء إذ لم نفرط فيه تفريط الغلاة الذين كفروهم جميعا, ولا إفرطنا إفراط الجمهور الذين وثقوهم جميعا. فإن من قال بكفر الصحابة كافة, وقال أهل السنة بعدالة كل فرد ممن سمع النبي ورآه من المسلمين مطلقا، واحتجوا بحديث (كل من دب ودرج منهم أجمعين). أما نحن فإن الصحبة بمجردها وإن كانت عندنا فضيلة جليلة، لكنها بما هي من حيث هي غير عاصمة, فالصحابة كغيرهم من الرجال فيهم العدول, وهم عظماؤهم وعلماؤهم، وفيهم البغاة, وفيهم أهل الجرائم من المنافقين, وفيهم مجهول الحال، فنحن نحتج بعدولهم ونتولاهم في الدنيا والآخرة. أما البغاة على الوصي وأخي النبي (صلى لله عليه وآله), وسائر أهل الجرائم كابن هند, وابن النابغة, وابن الزرقاء, وابن عقبة, وابن أرطاة وأمثالهم فلا كرامة لهم, ولا وزن لحديثهم ومجهول الحال نتوقف فيه حتى نتبين أمره. هذا رأينا في حملة الحديث من الصحابة، والكتاب والسنة. بيّنا هذا الرأي كما هو مفصل في مضانه من أصول الفقه, لكن الجمهور بالغوا في تقديس كل من يسمونه صحابيا حتى خرجوا عن الاعتدال فاحتجوا بالغث منهم والسمين, واقتدوا بكل مسلم سمع من النبي (صلى الله عليه وآله) ورآه إقتداء أعمى, وأنكروا على من يخالفهم في هذا الغلو، خرجوا من الإنكار على كل حد من الحدود, وما أشد إنكارهم علينا حين يروننا نرد حديث كثير من الصحابة مصرحين بجرحهم وبكونهم مجهولي الحال، عملا بالواجب الشرعي في تمحيص الحقائق الدينية والبحث عن الصحيح من الآثار النبوية وبهذا ظنوا بنا الظانّون فاتهمونا بما اتهمونا رجما بالغيب وتهافتا على الجهل ولو ثابت إليهم أحلامهم ورجحوا إلى قواعد العلم لعلموا أن أصالة العدالة في الصحابة مما لا دليل عليها, ولو تدبروا القرآن الحكيم لوجدوه مشحونا بذكر المنافقين منهم وحسبك منه سورة التوبة والأحزاب(39). ويمثل رأي الإمام شرف الدين عمق الفكر وأصالة الدليل فإن الشيعة لم تقف مع الصحابة موقفا عاطفيا وإنما اتبعت فيهم المناهج العلمية والأدلة الشرعية, فأكبرت وقدست كل صحابي ساهم في بناء الإسلام, وبقي صامدا أمام الأحداث الجسام التي ابتلي بها المسلمون وامتحنوا امتحانا عسيرا كما لم تقم أي وزن لمن كان متهما في دينه كمروان بن الحكم وأبيه والوليد بن عقبة الذي سماه الله فاسقا وذي الثديه وثعلبة بن حاطب وأمثالهم ممن عادوا الله ورسوله وانحرفوا عن الإسلام(40).
رأي عالم من الزيدية: لعل من أروع ما كتب في هذا الموضوع أصالة وعمقا واستنادا لأوثق الأدلة من الكتاب والسنة له وما أجاب به عالم كبير متضلع في البحوث الإسلامية من ألمع علماء الزيدية قد بحث هذه المسألة من جميع جوانبها على ضوء الكتاب والسنة, وقد تصدى في كلامه للرد على الحسن البصري الذي توقف في مؤاخذة وانتقاص مثيري حرب الجمل وصفين ومن الخير أن نذكر رأي البصري ورد الزيدي عليه: رأي الحسن البصري: قال الحسن البصري حينما ذكر عنده حرب الجمل وصفين قال: تلك دماء طهر الله منها أسيافنا فلا نلطخ بها ألسنتنا، ثم أن تلك الأحوال قد غابت عنا وبعدت أخبارها على حقائقها فلا يليق بنا أن نخوض فيها ولو كان واحد من هؤلاء قد أخطأ لوجب أن يحفظ رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيه فمن المروءة أن يحفظ رسول الله (صلى الله عليه وآله) في عائشة زوجته, وفي الزبير ابن عمته, وفي طلحة الذي وقاه بيده... ثم ما الذي ألزمنا وأوجب علينا أن نلعن أحدا من المسلمين أو نبرأ منه, وأي ثواب في اللعنة والبراءة؟ إن الله تعالى لا يقول يوم القيامة للمكلف؟ لم لم تلعن؟ بل يقول له: لم لعنت؟ ولو أن إنسانا عاش عمره كله لم يلعن إبليس لم يكن عاصيا، لا آثما، ولو جعل الإنسان عوض اللعنة استغفر الله كان خيرا له، ثم كيف يجوز للعامة أن تدخل نفسها في أمور خاصة؟ وأولئك كانوا أمراء هذه الأمة وقادتها, ونحن اليوم في طبقة سافلة جدا عنهم فكيف يحسن بنا التعرض لذكرهم؟ أليس بقبيح من الرعية أن تخوض في دقائق أمور الملك وأحواله, وشؤونه التي يترى بينه وبين أهله وبني عمه ونسائه ومراديه؟ وقد كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) صهرا لمعاوية وأخته أم حبيبة تحته, فالأدب أن نحفظ أم حبيبة وهي أم المؤمنين في أخيها, كيف يجرؤا أن يلعن من جعل بينه وبين رسول الله (صلى الله عليه وآله) مودة, أليس المفسرون كلهم, قالوا: هذه الآية نزلت في أبي سفيان وهو قوله تعالى: (عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة)(41) وكان ذلك مصاهرة رسول الله (صلى عليه وآله) أبا سفيان وتزوجه ابنته... ولم يكن القوم إلا كبني أم واحدة ولم يتكدر باطن أحد منهم على صاحبه قط, ولا وقع بينهم اختلاف، ولا نزاع... انتهى كلام البصري... جواب العالم الزيدي: استمعوا واقروا بدقة هذا الجواب الحاسم قال ما نصه: لولا أن الله تعالى أوجب معاداة أعدائه, كما أوجب موالاة أوليائه وضيق على المسلمين تركها إذا دل العقل عليها, وأوضح الخبر عنها... يقول سبحانه: (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آبائهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم)(42)، وقوله تعالى: (ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء)(43) وقوله تعالى: (لا تتولوا قوما غضب الله عليهم)(44)، ولإجماع المسلمين على أن الله تعالى فرض عداوة أعدائه, وولاية أوليائه وان البغض في الله واجب, والحب في الله واجب... لما تعرضنا لمعاداة أحد من الناس في الدين, ولا البراءة منه, ولكانت عداوتنا للقوم تكلفا ولو ظننا أن الله عز وجل يعذرنا إذا قلنا: يا رب غاب أمرهم عنا فلم يكن لخوضنا في أمر قد غاب عنا معنى, لاعتمدنا على هذا العذر وواليناهم ولكنا نخاف أن يقول سبحانه لنا: إن كان أمرهم قد غاب عن أبصاركم فلم يغب عن قلوبكم وأسماعكم, قد أتتكم به الأخبار الصحيحة التي بمثلها ألزمتم أنفسكم الإقرار بالنبي (صلى الله عليه وآله) وموالاة من صدقه ومعاداة من عصاه وجحده وأمرتم بتدبر القرآن, ما جاء به الرسول, فهلا حذرتم، من أن تكونا من أهل هذه الآية القائلين غدا: (ربنا إنا أطعنا ساداتنا وكبرائنا)(45) فأما لفظة اللعن فقد أمر الله بها وأوجبها ألا ترى قوله تعالى: (أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون)(46) فهو إخبار معناه الأمر, كقوله تعالى: (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء)(47) وقد لعن الله تعالى الغاصبين بقوله: (لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود)(48) وقوله: (إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا)(49) وقوله: (ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا)(50) وقال الله لإبليس: (وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين)(51) وقال: (إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيرا)(52). فأما قول: من يقول: أي ثواب في اللعن؟ وأن الله تعالى لا يقول للمكلف؟ لم لن تعلن؟ بل قد يقول له: لم لعنت؟ وأنه لو جعل مكان (لعن الله فلانا) (اللهم اغفر لي) لكان خيرا له, ولو أن إنسانا عاش عمره كله ولم يلعن إبليس، لم يؤاخذ بذلك.... فكلام جاهل لا يدري ما يقول: اللعن طاعة الله ويستحق عليه الثواب إذا فعلت على وجهه, وهو أن يلعن مستحق اللعنة لله وفي الله لا في المعصية والهوى لأن الشرع قد وري بها في نفي الولد, ونطق بها القرآن وهو أن يقول الزوج في الخامسة: (إن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين) لو لم يكن الله تعالى يريد أن يتلفظ عباده بهذه اللفظة... لما جعلها من معالم الشرع ولما كررها في كثير من كتابه العزيز. ودعم كلامه بكثير من الحجج القاطعة, وضاف بعد ذلك يقول: وقد كان كثير من الصحابة يلعن عثمان وهو خليفة منهم، عائشة كانت تقول: (اقتلوا نعثلا فقد كفر..... لعن الله نعثلا)(53)، وقد لعن أبو بكر وعمر سعد بن عبادة وهو حي وبرئا منه, وأخرجاه من المدينة إلى الشام، ولعن عمر خالد بن الوليد لما قتل مالك بن نويرة، وما زال اللعن فاشيا في المسلمين إذا عرفوا من الإنسان معصية تقتضي اللعن والبراءة. لقد كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يحب من يعادي أعداء الله ولو كانوا عترته كما يحب أن يوالي أولياء الله وإن كانوا أبعد الخلق نسبا منه, والشاهد على ذلك إجماع الأمة على أن الله تعالى أوجب عداوة من ارتد بعد الإسلام, وعداوة منافق، وإن كان من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) هو الذي أمر بذلك ودعا إليه, فقد أوجب قطع يد السارق، وضرب القاذف وجلد البكر إذا زنت وإن كان من المهاجرين والأنصار ألا ترى إنه قال: (لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها) فهذه ابنته الجارية مجرى نفسه لم يحابها في دين الله وجلد أصحاب الإفك وفيهم سطح ابن أثاثة, وكان من أهل بدر. إن غرضنا الذي يجري بكلامنا أن نوضح أن الصحابة قوم من الناس لهم ما للناس وعليهم ما عليهم، من أساء منهم ذممناه، ومن أحسن منهم حمدناه، وليس لهم على غيرهم من المسلمين كثير فضل، إلا بمشاهدة الرسول (صلى الله عليه وآله)، ومعاصرته لا غير، بل ربما كانت ذنوبهم أفحش من ذنوب غيرهم لأنهم شاهدوا الأعلام والمعجزات وقد قرب اعتقادهم من الضرورة، ونحن لم نشاهد ذلك فكانت عقائدنا محض النظر والفكر. ثم نعود إلى ما كنا فيه فنقول: هذه عائشة خرجت بقميص رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهي تقول: هذا قميص رسول الله لم يبل وعثمان قد أبلى سنته... اقتلوا نعثلا قتل الله نعثلا. ثم لم ترض بذلك حتى قالت: أشهد أن عثمان جيفة على الصراط إذا فمن الناس من يقول: روت بذلك خيرا، ومن الناس من يقول موقوف عليها، وبدون هذا لو قاله إنسان اليوم يكون عند العامة زنديقا. وهذا المغيرة بن شعبة وهو من الصحابة أدعى عليه الزنا وشهد عليه القوم بذلك فلم ينكر ذلك عمر، ولا قال هذا محال وباطل لأن هذا صحابي من صحابة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ولا يجوز عليه الزنا، وهلا أنكر عمر على الشهود، وقال لهم: ويحكم هلا تغافلتم عنه فإن الله قد أوجب الإمساك عن مساوئ أصحاب رسول الله وأوجب الستر عليهم، وهلا تركتموه لرسول الله (صلى الله عليه وآله) وفي قوله: (دعوا إليّ أصحابي) ما رينا عمر إلا قد أنصت لسماع الدعوى، وإقامة الشهادة، وأقبل يقول للمغيرة: يا مغيرة ذهب ربعك، ذهب نصفك، يا مغيرة ذهب ثلاثة أرباعك، حتى اضطرب الرابع فجلد الثلاثة، وهلا قال المغيرة لعمر: كيف تسمع لقول هؤلاء، وليسوا من الصحابة، وأنا من الصحابة، ورسول الله (صلى الله عليه وآله) قد قال: (أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم) ما رأيناه قال ذلك، بل استسلم لحكم الله تعالى. وها هنا من هو أمثل من المغيرة وأفضل قدامة بن مظعون لما شرب الخمر في أيام عمر فأقام عليه الحد وهو رجل من الصحابة، ومن أهل بدر المشهود لهم بالجنة فلم يرد عمر الشهادة، ولا درأ عنه الحد لعله أنه لا يدري، ولا قال قد نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن ذكر مساوئ أصحابه. وقد ضرب عمر أيضا ابنه الحد فمات وكان ممن عاصر رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولم تمنعه معاصرته له من إقامة الحد عليه...وهذا الإمام علي (عليه السلام) يقول ما حدثني أحد بحديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلا استحلفته عليه، أليس هذا اتهاما لهم بالكذب، وقد صرح غير مرة بتكذيب أبي هريرة، وقال لا أحد أكذب من هذا الأوسي على رسول الله، وقال أبو بكر في مرضه الذي توفي فيه (وددت أني لم أكشف بيت فاطمة ولو كان أغلق على حرب)، فندم والندم لا يكون إلا عن ذنب. ويستعرض العالم الزيدي إلى تأييد ما ذهب إليه بكثير من الأحداث التاريخية التي عرضت لطعن بعض الصحابة، وتجريحهم لبعض منهم الأمر الذي يدل ـ بوضوح ـ على ضحالة ما قيل من عدالة الصحابة أجمعين، وأضاف بعد ذلك قائلا: (وكيف يصح أن يقول رسول الله (صلى الله عليه وآله): (أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم)، لا شبهة إن هذا يوجب أن يكون أهل الشام وصفين على هدى وأن يكون أهل العراق أيضا على هدى وأن يكون قاتل عمار بن ياسر مهتديا، وقد صح الخبر الصحيح أنه (صلى الله عليه وآله) قال: (تقتلك الفئة الباغية)، وقال في القرآن (فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ لأمر الله) ومن يفارق أمر الله لا يكون مهتديا ويجب أن يكون بسر بن أرطأ الذي ذبح ولدي عبيد الله ابن العباس الصغيرين مهتديا لأن بسر من الصحابة، وكان يجب أن يكون عمروا بن العاص ومعاوية اللذين كانا يلعنان الإمام علي في أدبار الصلاة وولديه مهتديين، وقد شذ بعض الصحابة فشرب الخمر وزنى كابن محجن الثقفي، فمن اقتدى به يكون مهتديا ولا شبهة أن هذا الحديث من موضوعات العصابة الأموية التي نصرت الأمويين بوضعها للأحاديث. وذكر بعد هذا بعض الأحاديث الموضوعة، وأضاف قائلا: فأما ما ورد في القرآن من قوله تعالى: (لقد رضي الله عن المؤمنين) وقوله سبحانه (محمد رسول الله والذين معه) وقول النبي (صلى الله عليه وآله) (إن الله اطلع على أهل بدر) إن كان الخبر صحيحا فكله مشروطا بسلامة العاقبة، ولا يجوز أن يجبر الحكيم مكلفا غير معصوم بأنه له عقاب له فليفعل ما شاء. ثم قال: ومن الذي يجترئ على القول بأن أصحاب محمد (صلى الله عليه وآله) لا تجوز البراءة من أحدهم وإن أساء وعصى بعمل قول الله تعالى (لئن أشركت ليحبطن عملك) وبعمل قوله سبحانه وتعالى: (قل إني أخاف أن عصيت ربي عذاب يوم عظيم) وبعد قوله عز وجل (فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد)(54). ثم ذكر العالم الزيدي الكثير من الأدلة على ما ذهب إليه من أن الصحابة كبقية المسلمين يصيبون ويخطئون، وفيهم العدول والمجروحين، وأن الحكم بعدالة جميعهم لا تساعد عليه الأدلة العلمية، والوثائق التاريخية. وعلى أي حال فرأي الشيعة في الصحابة تتسم بالواقعية وعدم التحيز، ولا علاقة له مطلقا بالطائفية، كما أن عرض هذا البحث ليس فيه حساسية ولا إثارة لنعرة طائفية، وإنما كان بحثا علميا لا نبتغي فيه إلا إنارة الفكر والتدليل على أصالة ما تذهب إليه الشيعة في هذا الموضوع.
الهوامش: 1- سورة النجم، الآية 40 2- سورة الزلزلة، الآية 8 3- سورة الفتح، الآية 18 4- سورة الفتح، الآية 29 5- سورة التوبة، الآية 100 6- سورة التوبة، الآية 101 7- سورة التوبة، الآية 61 8- سورة المنافقون، الآية 3 9- صحيح الترمذي 2/68 10- مسند أحمد 5/231 11- صحيح مسلم 4/65 12- حياة الإمام محمد الباقر 2/117 أخرجه البخاري 8/150 13- سورة الحجرات، الآية 6 14- تفسير ابن كثير 4/212 15- سورة التوبة، الآية 107 16- سيرة ابن هشام 1/241 17- الإصابة 1/429 18- أنساب الأشراف 5/27 19- تأريخ ابن كثير 8/70 20- السيرة الحلبية 1/337 21- الإصابة 3/235 22- أسد الغابة 5/267 23- أسد الغابة 5/267 24- تأريخ بغداد 5/4 25- الغدير 5/297 26- الغدير 5/299 27- تأريخ بغداد 3/309 28- الغدير 5/300 29- الغدير 5/301 30- تهذيب التهذيب 5/138 31- تأريخ ابن كثير 8/120 32- الغدير 5/308 33- عده السيوطي في اللآلئ 1/156 من الموضوعات. 34- الغدير 5/317 35- وضع هذا الحديث لمعارضة الخبر المتواتر عن النبي (صلى الله عليه وآله) في حق السبطين الحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة عرض هذا الحديث على الإمام الجواد فأنكر وقال: ليس في الجنة كهول، وإنما كلهم شباب. 36- لا نسلم الوجه في حياء الملائكة من عثمان عميد الأسرة الأموية، فهل الملائكة تعمل القبيح حتى تستحيي منه أو بالعكس. 37- حياة الإمام محمد الباقر 2/18 38- الدرجات الرفيعة في طبقات الشيعة (ص 11) 39- المراجعات 40- حياة الإمام محمد الباقر 2/116 ـ 117. 41- سورة الممتحنة، الآية 7 42- سورة المجادلة، الآية 22 43- سورة المائدة، الآية 81 44- سورة الممتحنة، الآية 13 45- سورة الأحزاب، الآية 67 46- سورة البقرة، الآية 159 47- سورة البقرة، الآية 228 48- سورة المائدة، الآية 78 49- سورة الأحزاب، الآية 57 50- سورة الأحزاب، الآية 61 51- سورة ص ، الآية 78 52- سورة الأحزاب ، الآية 64 53- تاريخ الطبري 4/459، والكامل 3/206، والنهاية لابن الأثير 5/80، وتذكرة الخواص 64و 66 والفتوح 2/249 ـ 255؟ 54- الدرجات الرفيعة (ص 11 ـ 32)
|
|