الفهرس

الصفحة الرئيسية

 

إثارات

 

أدلة المسح على الرجلين في الوضوء من الكتاب والسنة

الكاتب المصري: عاطف سلام

 

إن الله تعالى قد تعبد خلقه بعبادات كثيرة ومتنوعة، وكل منها يؤدي بشكل معين وبترتيب محدد، والعلة من وراء هذا الترتيب في أداء العبادة فضلاً عن ذاتها غير معلومة على وجه التحديد ومن ثم تؤدى هذه العبادات بكل خضوع وإذعان وبشكل توقيفي دون البحث في الحكمة من كيفيتها أو الغاية من ورائها، ولا دخل للعقل في استكناه الحكمة من وراء الكيفية، بل هو أمر يعتمد على الاستجابة الخاصة لما يمليه الشارع فحسب، ومن هنا اقتبس لفظ العبادة يعبر عن الأمر الصادر من السيد المطلق سبحانه وتعالى إلى مخلوقه، وما على هذا المخلوق إلا أن ينفذ هذا الأمر بحذافيره بصفته عبداً خاضعاً لسيده ومولاه.

والوضوء يمثل أحد الأعمال التعبدية التي يؤديها المسلم قبل الصلاة في حالة وجود الماء وتوفر القدرة على استعماله، وله كيفية معينة قد ذكرها الله سبحانه وتعالى في كتابه المجيد إذ يقول (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ)[سورة المائدة: الآية 60].

قال الرازي عند بلوغه هذه الآية من تفسيره الكبير ـ في المسألة الثامنة والثلاثين ـ: اختلف الناس في مسح الرجلين وفي غسلهما، فنقل القفال في تفسيره عن ابن عباس وأنس بن مالك وعكرمة والشعبي والإمام محمد بن علي الباقر: إن الواجب فيهما المسح، وهو مذهب الإمامية من الشيعة.

وقال جمهور الفقهاء والمفسرين: فرضهما الغسل. وقال الحسن الأصفهاني: يجب الجمع بينهما، وهو قول الناصر بالحق من أئمة الزيدية، وقال الحسن البصري ومحمد بن جرير الطبري: المكلف مخير بين الغسل والمسح. والذي عليه أئمة أهل البيت (عليهم السلام) هو مسح الأرجل فرضاً على سبيل التعيين وتبعهم في ذلك شيعتهم المقتفون أثرهم ولكن هل لهم من حجة فيما ذهبوا إليه تؤيدهم؟

هذا ما أورده الرازي في تفسيره حيث استطرد قائلاً: حجة من قال بوجوب المسح مبني على القراءتين المشهورتين في (وأرجلكم) فقرأ ابن كثير وحمزة وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر عنه بالجر، وقرأ نافع وابن عامر وعاصم في رواية حفص عنه بالنصب، فنقول: أما القراءة بالجر فهي تقتضي كون الأرجل معطوفة على الرؤوس فكما وجب المسح في الرأس فكذلك في الأرجل. فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال هذا الكسر على الجوار كما في قوله: جحر ضب خرب، أو كبير أناس في بجاد مزمل.

قلنا هذا بال من وجوه:

الأول: إن الكسر على الجوار معدود في اللحن الذي قد يحتمل لأجل الضرورة في الشعر وكلام الله يجب تنزيهه.

وثانيهما: أن الكسر إنما يصار إليه حيث يحصل الأمن من الالتباس كما في قوله: جحر ضب خرب. فإن المعلوم بالضرورة أن الخرب لا يكون نعتاً للضب بل للجحر، وفي هذه الآية الأمن من الالتباس غير حاصل.

وثالثهما: إن الكسر بالجوار إنما يكون بدون حرف العطف، وأما مع حرف العطف فلم تتكلم به العرب.

وأما القراءة بالنصب فقالوا أيضا: أنها توجب المسح وذلك لأن قوله تعالى: (وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ) فرؤوسكم في محل النصب ولكنها مجرورة بالباء، فإذا عطفت الأرجل على الرؤوس جاء في الأرجل النصب عطفاً على محل الرؤوس والجر عطفاً على الظاهر وهذا مذهب مشهور عند النحاة.

إذا ثبت هذا فنقول: ظهر انه يجوز أن يكون عامل النصب في قوله تعالى (وَأَرْجُلَكُمْ) هو قوله (وَامْسَحُوا) ويجوز أن يكون هو قوله (فَاغْسِلُوا) لكن العاملان إذا اجتمعا على معمول واحد كان إعمال الأقرب أولى، فوجب أن يكون عامل النصب في (وَأَرْجُلَكُمْ) هو قوله (وَامْسَحُوا) فقلت إن قراءة (وَأَرْجُلَكُمْ) بنصب اللازم توجب المسح أيضا فهذا وجه الاستدلال بهذه الآية على وجوب المسح، ثم قالوا: ولا يجوز دفع ذلك بالأخبار لأنها بأسرها من باب الآحاد، ونسخ القرآن بخبر الواحد لا يجوز.

نقول: هذه حجة من استدل بالآية المباركة فحث على وجوب المسح في الوضوء بالنسبة للأرجل ثم قال الرازي: إن الأخبار وردت بإيجاب الغسل، والغسل مشتمل على المسح ولا ينعكس فكان الغسل أقرب إلى الاحتياط فوجب المصير اليه، وعلى هذا الوجه يجب القطع بأن غسل الأرجل يقوم مقام مسحهما.

نقول: هذا القول الذي ذهب إليه الرازي بأن الغسل مشتمل على المسح وأن غسل الأرجل يقوم مقام مسحهما لورود الأخبار بذلك هو قول مردود من وجوه:

أولاً: القول بأن الغسل مشتمل على المسح يقتضي إدراج الرأس أيضا مع الأرجل لاشتراكهما في الحكم، وهذا يستلزم غسل الرأس، وذلك غير حاصل قط، لأن التفريق بينهما يقتضي مصادرة الآية بالأخبار.

ثانياً: إن الله عز وجل قد أوجب شيئاً اسمه (غسل) يختص بالوجوه والأيدي، وأوجب شيئاً آخر اسمه (مسح) يختص بالرؤوس والأرجل، وفرق بينهما، فما الذي خلط هذا بذلك وجعل هذا مشتملا على ذاك؟

ثالثاً: إن الغسل لغة له كيفية معينة وطريقة خاصة به كما هو معروف، وكذلك المسح له كيفية مختلفة لغة وعرفا، ولا يجوز أن يخلط بينهما وان يمتزج بعضهما بالآخر.

رابعاً: إن الاحتياط لا يتحقق إلا بالجمع بين المسح والغسل لكونهما حقيقتين مختلفتين كما ذهب إلى ذلك داود الاصفهاني، والناصر بالحق من أئمة الزيدية، حيث التبس الأمر عليهما وأوقعهما في حيرة بسبب التعارض بين الآية والأخبار فأوجبا الجمع بينهما عملاً بهما معاً، أما القول بأن الغسل مشتمل على المسح فهذه مغالطة واضحة.

خامساً: إذا تعارضت الأخبار مع النص القرآني الصريح فإنه يجب الأخذ بالقرآن قطعاً والعمل به، وأما الأخبار فأما أن تأول بنحو من التأويلات ما أمكن لذلك سبيلاً، أو تطرح نهائياً لتعارضها مع الكتاب القطعي. ألا ترى إذا جاء القرآن بقوله (وَامْسَحُوا) وجاءت الأخبار بقولها اغسلوا فبأيهما نأخذ؟

سادساً: وردت بعض الآثار الصحيحة الدالة على إن الواجب في الوضوء هو مسح الأرجل وفقاً لكتاب الله تعالى قال الإمام الطبري في تفسيره لآية الوضوء: وقرأ ذلك آخرون من قراء الحجاز والعراق (وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ) بخفض الأرجل، وتأول قارئو ذلك كذلك إن الله تعالى إنما أمر عباده بمسح الأرجل في الوضوء دون غسلهما، وجعلوا الأرجل عطفاً على الرؤوس فخفضوها لذلك.

ثم روى الطبري عدة روايات منها: عن ابن عباس قال: الوضوء غسلتان ومسحتان. وعن عكرمة قال: ليس على الرجلين غسل إنما أنزل فيهما المسح.

وعن جابر عن أبي جعفر: امسح رأسك وقدميك.

وعن الشعبي قال: نزل جبريل بالمسح، ألا ترى أن التيمم أن يمسح ما كان غسلاً، ويلغي ما كان مسحاً. وعن قتادة قوله في تفسير الآية (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ...) قال: افترض الله غسلتين ومسحتين.

قلنا: هذه جملة من الآثار الصحيحة تفرق بين الغسل والمسح وتثبت صراحة أن الواجب في الأرجل هو المسح لا غير، والغريب ـ بعد هذا كله ـ أن هناك من يقول بأن الغسل مشتمل على المسح، أو إن المقصود بالمسح هو الغسل الخفيف!!

وأخرج الحافظ بن حجر في ترجمة تميم بن زيد في القسم الأول من الإصابة: قال ابن حبان: تميم بن زيد المازني له صحبة وحديثه عند ولده وروى البخاري في تاريخه واحمد وابن أبي شيبة وابن أبي عمر والبغويني والطبراني والبارودي وغيرهم كلهم من طريق ابي الأسود عن عباد بن تميم المازني عن أبيه قال: رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يتوضأ ويمسح على رجليه.

وعن قتادة عن عكرمة الحسن قالا في الآية المذكورة: نمسح الرجلين.

نظرة في أخبار الغسل

والآن نظرة عابرة على بعض الأخبار التي استنبط منها الجمهور وجوب غسل الأرجل، وهي تنقسم إلى قسمين:

أولاً: منها ما هو غير دال صراحة على وجوب الغسل مثل الحديث الذي أخرجه الشيخان في صحيحهما عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: تخلفنا عن النبي (صلى الله عليه وآله) في سفر سافرناه، فأدركنا وقد حضرت صلاة العصر فجعلنا نمسح على أرجلنا فنادى: ويل للأعقاب من النار.

وهذه الكلمة الأخيرة (ويل للأعقاب من النار) قد وردت في حديث كل من أبي هريرة وعائشة.

وهذا لو صح فإنه يقتضي المسح لأنهم كانوا يعرفون كيفية الوضوء سلفاً، ومن ثم جعلوا يمسحون على أرجلهم، كما أن النبي (صلى الله عليه وآله) لم ينكره عليهم بل أقرهم عليه، إنما أنكر عليهم قذارة أعقابهم واختلاطها بالنجاسات ولا عجب من ذلك فإن فيهم أعراباً حفاة جهلة، كثيراً ما يتبولون على أعقابهم ولا يلقون بالا لذلك لا سيما في السفر، فتوعدهم بالنار لئلا يدخلوا في الصلاة بتلك الأعقاب المتنجسة.

ثانياً: ومنها ما هو دال على الغسل ـ كما في الصحيحين ـ عن حمران بن أبان قال: رأيت عثمان بن عفان توضأ فأفرغ على يديه ثلاثاً فغسلهما ثم تمضمض واستشق ثم غسل وجهه ثلاثاً... إلى أن قال: ثم غسل قدمه اليمنى ثلاثاً، ثم اليسرى ثلاثاً مثل ذلك، ثم قال: رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) توضأ نحو وضوئي هذا. ومثله حديث زيد بن عاصم الأنصاري الوارد في الصحيحين إلى غير ذلك من الأخبار التي وردت في هذا المعنى وفيها نظر من وجوه. أولاً: إنها جاءت مخالفة للكتاب المجيد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولإجماع أئمة أهل البيت (عليهم السلام) الموافق للكتاب في وجوب المسح.

ثالثاً: إنها قد عورضت بما ذكرناه من أخبار صحيحة متعددة دلت على وجوب المسح، وحسبك أن ابن عباس حبر الأمة ووعاء الكتاب والسنة كان يحتج بالمسح فيقول: افترض الله غسلتين ومسحتين، ألا ترى أنه ذكر التيمم فجعل مكان الغسلتين مسحتين وترك المسحتين.

وكان يقول: الوضوء غسلتان ومسحتان.

ولما بلغه أن الربيع بنت معوذ بن عفراء الأنصارية تزعم أن النبي (صلى الله عليه وآله) توضأ عندها فغسل رجليه أتاها يسألها عن ذلك، وحين حدثته عن ذلك قال متعجباً: إن الناس أبوا إلا الغسل ولا أجد في كتاب الله إلا المسح.

رابعاً: إنها لو كانت حقاً لفاقت حد التواتر، ولم يكن ثمة معارض لها لأن الحاجة إلى معرفة طهارة الأرجل في الوضوء حاجة عامة لرجال الأمة ونسائها أحرارها ومماليكها، وهي حاجة ضرورية فلو كان الواجب غير المسح المنصوص عليه في الآية لعلمه المكلفون في عهد النبوة وبعده، ولكان مسلماً بينهم ولتواترت أخباره عن النبي (صلى الله عليه وآله) في كل عصر ومصر فلا يبقى مجال لإنكاره ولا للشك فيه. ولما لم يكن الأمر كذلك فقد كانت تلك الأخبار موضع نظر، وحيث أنها تعارضت مع أخبار أخرى توجب المسح، فلا مناص من الرجوع إلى الكتاب الكريم فهو الفيصل في الأمر وقد علمت أنه يوجب المسح.