|
في عهد الخلفاء |
|
|
لا يستطيع أيّ كاتب مهما كان بارعاً في تصوير دقائق النفوس، وكشف أسرار المجتمع وأحداث التأريخ أن يصوّر بدقة عمق الكوارث والأوبئة التي داهمت الاًمّة الإسلامية بعد وفاة نبيّها العظيم، كما صوّرها القرآن الكريم، قال تعالى: (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم…)(1). إنّه تصوير هائل للأزمات المفجعة والنكبات السود التي مُني بها العالم الإسلامي، إنه انقلاب على الأعقاب، وانسلاخ عن العقيدة الإسلامية، وتدمير لشريعة الله، فأيُّ زلزال مدمّر كهذا الزلزال الذي عصف بالاُمّة الإسلامية وأخلد لها الفتن والكوارث على امتداد التأريخ. وكان من أقسى ما فجعت به الاُمّة إبعاد العترة الطاهرة عن المسرح السياسي وتحويل القيادة إلى غيرها، الأمر الذي نجم عنه فوز الاُمويين وغيرهم بالحكم، وإمعانهم بوحشية قاسية في ظلم العلويين ومطاردتهم، ومجزرة كربلاء كانت من النتائج المباشرة لصرف الخلافة عن أهل البيت(عليهم السّلام). وعلى أيّ حال، فإنّا نعرض - بإيجاز- لبعض تلك الأحداث، والتي منها حكومة الخلفاء الذين عاصرتهم حفيدة الرسول (صلّى الله عليه وآله)، فإنها ترتبط ارتباطاً موضوعياً بالكشف عن حياتها وما عانته من كوارث وأهوال، وفيما يلي ذلك: |
|
|
|
|
أمّا مؤتمر السقيفة فهو مصدر الفتنة الكبرى التي مُني بها المسلمون والتي كان من جرّائها الأحداث المروّعة التي رزئ بها أهل البيت، يقول الإمام محمّد حسين آل كاشف الغطاء: تــــا الله ما كربلاء لولا (سقيفتهم) ومثل هذا الفرع ذاك الأصل أنتجـه ويقول بولس سلامة: وتـــــوالـت تـــــحت السقـيفة أحـدا ث أثــــــارت كـــــوامـناً وميــــولا نــــزعات تــــــفرقت كـغصون الـــ ــعـــوسج الخــــفيّ شائكـاً مدخولاً لقد أسرع الأنصار إلى عقد مؤتمرهم في (سقيفة بني ساعدة)، لترشيح أحدهم لمنصب الخلافة، وإقامة حكومة تضمن مصالحهم وترعى شؤونهم، لقد عقدوا مؤتمرهم في وقت كان جثمان الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) لم يوارَ في مثواه الأخير، وأكبر الظنّ إنّما قاموا بهذه السرعة الخاطفة بذلك لأنهم خافوا من استيلاء المهاجرين على الحكم، فقد رأوا تحرّكهم السياسي في صرف الخلافة عن الإمام أمير المؤمنين وكراهيتهم له. وعلى أي حال، فقد خطب سعد بن عبادة زعيم الخزرج في الأنصار، وكان منطق خطابه الإشادة بنضال الأنصار وجهادهم في نصرة الإسلام وقهر القوى المعادية لهم، فهم الذين حملوا النبي (صلّى الله عليه وآله) ونصروه في أيام محنته، فإذاً هم أوْلى بمركز النبي (صلّى الله عليه وآله) وأحقّ بمنصبه من غيرهم، كما حفل خطابه بالتنديد بالاُسر القرشية التي ناهضت النبي (صلّى الله عليه وآله) وناجزته الحرب حتى اضطر للهجرة إلى يثرب، فهم خصومه وأعداؤه ولا حقّ لهم بأيّ حالٍ في التدخل بشؤون الدولة ومصيرها. وقام زعيم آخر من الأنصار هو الحبّاب بن المنذر، فحذّر الأنصار من القرشييّن، وأهاب بهم أن يجعلوا لهم نصيباً في الحكم، قائلاً: لكنّنا نخاف أن يليها بعدكم من قتلنا أبناءهم وآباءهم وإخوانهم.. وتحقّق تنبؤ الحبّاب، فإنّه لم يكن ينتهي حكم الخلفاء حتى آل الأمر إلى الاُمويّين فأمعنوا في إذلال الأنصار وإشاعة البؤس والفقر فيهم، وقد انتقم منهم معاوية كأشرّ وأقسى ما يكون الانتقام. ولمّا ولِيَ الأمر من بعده يزيد جهد في الوقيعة بهم، فأباح أموالهم ودماءهم وأعراضهم لجيوشه في واقعة (الحرة) التي اُنتهكت فيها جميع ما حرّمه الله. وعلى أيّ حال، فقد تجاهل سعد وغيره من الأنصار الإمام أمير المؤمنين(عليه السّلام) الذي هو من النبيّ بمنزلة هارون من موسى، وأبو سبطيه، وباب مدينة علمه، وسيّد عترته. ولا نرى أيّ مبرر لسعد في إغضائه وتجاهله حق الإمام عليه السّلام، فقد فتح باب الشرّ على الاُمّة، وأخلد لها المصاعب والفتن على امتداد التأريخ. |
|
|
|
|
وحينما كان الأنصار في سقيفتهم يدبّرون أمرهم ويتداولون الرأي في شؤون الخلافة إذ خرج من مؤتمرهم عويم بن ساعدة الأوسي ومعن بن عدي حليف الأنصار، وكانا من أولياء أبي بكر ومن أعضاء حزبه، وكانا يحقدان على سعد، فانطلقا مسرعَين إلى أبي بكر فأخبراه بالأمر، ففزع أبو بكر، واسرع ومعه عمر وأبو عبيدة الجرّاح وسالم مولى أبي حذيفة وآخرون من المهاجرين(2)، فكبسوا الأنصار في ندوتهم، فذهل الأنصار وأسقط ما بأيديهم لأنّهم أحاطوا ندوتهم بسرّية وكتمان، وتغيّر لون سعد، فقد انهارت جميع مخطّطاته، وفشلت جميع تدابيره. |
|
|
|
|
واستغلّ أبو بكر الموقف، وأراد صاحبه عمر أن يفتح الحديث مع الأنصار، فنهره أبو بكر لعلمه بشدّته، وهي لا تساعد في مثل هذا الموقف الملبّد الذي يجب أن تستعمل فيه الأساليب السياسية والكلمات الناعمة لكسب الموقف، فبادر أبو بكر فخاطب الأنصار بكلمات معسولة وبسمات فيّاضة بالبشر، قائلاً: نحن المهاجرون أوّل الناس إسلاماً، وأكرمهم أحساباً، وأوسطهم داراً، وأحسنهم وجوهاً، وأمسّهم برسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وأنتم إخواننا في الإسلام، وشركاؤنا في الدين نصرتم الإسلام، وواسيتم، فجزاكم الله خيراً، ونحن الأمراء، وأنتم الوزراء، لا تدين العرب إلاّ لهذا الحيّ من قريش، فلا تنفسوا على أخوتكم المهاجرين ما فضّلهم الله به، فقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين - يعني: عمر بن الخطّاب وأبا عبيدة بن الجراح -(3). ولم يعرض هذا الخطاب إلى وفاة النبي (صلّى الله عليه وآله) التي هي أعظم كارثة مُني بها المسلمون، فكان الواجب أن يعزّي المسلمين بوفاة منقذهم ونبيّهم، كما أنّ الواجب يقضي بتأخير المؤتمر إلى بعد مواراة النبيّ (صلّى الله عليه وآله) حتى يجتمع جميع المسلمين وينتخبوا عن إرادتهم وحرّيتهم من شاؤوا.وشيء آخر في هذا الخطاب أنّه لم يمعن إلاّ بطلب الإمرة والسلطان، فقد طلب من الأنصار أن يتنازلوا عن الخلافة إلى المهاجرين، وأنّهم سينالون عوض ذلك الوزارة، إلاّ أنّه لمّا تمّ الأمر لأبي بكر أقصاهم ولم يمنحهم أيّ منصبٍ من مناصب الدولة. وممّا يؤخذ على هذا الخطاب أنّه تجاهل بصورة كاملة أهل البيت الذين هم وديعة النبيّ في اُمّته، والثقل الأكبر فيها، فلم يشر إليهم أبو بكر بقليل ولا بكثير. |
|
|
|
|
وانبرى حزب أبي بكر إلى تأييده، فكان من أعظم المناصرين له عمر بن الخطاب، وسارع إلى بيعته مع بقية أعضاء حزبه خوفاً من تطوّر الأحداث، واشتدّ عمر في إرغام الناس على بيعة أبي بكر، وقد لعبت درته شوطاً في الميدان، وقد سمع الأنصار يقولون: قتلتم سعداً!، فجعل يقول بعنف: اقتلوه، قتله الله، فإنّه صاحب فتنة(4). وبعدما تمّت البيعة لأبي بكر بهذه السرعة الخاطفة أقبل به حزبه يزفّونه زفاف العروس إلى مسجد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ولم يشترك أبو بكر ولا أي فرد من حزبه في تشييع جثمان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ومواراته، فقد انشغلوا بالمُلك والسلطان وتدبير اُمورهم. لقد أهمل في بيعة أبي بكر رأي العترة الطاهرة التي هي عديلة القرآن الكريم، فلم يُعنُ بها ولم يؤخذ رأيها، ومنذ ذلك واجهت جميع ألوان الرزايا والنكبات، وما كارثة كربلاء وغيرها من مآسي العترة الطاهرة إلاّ وهي متفرّعة من يوم السقيفة، حسبما نصّت عليه الوثائق التاريخية والدراسات العلمية. |
|
|
|
|
والتاع الإمام أمير المؤمنين(عليه السّلام) من بيعة أبي بكر، واعتبرها تعدّياً صارخاً عليه، فقد كان محلّه من الخلافة محلّ القطب من الرحى، ينحدر عنه السيل ولا يرقى إليه الطير - على حدّ تعبيره -، وقد تخلف عن بيعة أبي بكر وأعلن معارضته لها، وقد شاع ذلك بين المسلمين، ومن يقرأ نهج البلاغة يجد فيه لوحات من تذمّره وأساه على ضياع حقّه. |
|
|
|
|
وأجمع أبو بكر وسائر أعضاء حزبه على إرغام الإمام على البيعة لأبي بكر وحمله بالقوّة عليها، فأرسلوا إليه شرطتهم، فكبسوا داره وأخرجوه منها بالقسر والقوّة، وجاءوا به إلى أبي بكر، فصاحوا به: بايع أبا بكر… فأجابهم الإمام بمنطقه الفيّاض وحجّته الحاسمة، قائلاً: (أنا أحقّ بهذا الأمر منكم، لا اُبايعكم وأنتم أوْلى بالبيعة لي، أخذتم هذا الأمر من الأنصار، واحتججتم عليهم بالقرابة من النبي (صلّى الله عليه وآله)، وتأخذونه منّا أهل البيت غصباً! ألستم زعمتم للأنصار أنّكم أوْلى بهذا الأمر منهم لما كان محمّد (صلّى الله عليه وآله) منكم، فأعطوكم المقادة وسلّموا إليكم الإمارة، وأنا أحتجّ عليكم بمثل ما احتججتم به على الأنصار، نحن أوْلى برسول الله (صلّى الله عليه وآله) حيّاً وميّتاً، فأنصفونا إن كنتم تؤمنون، وإلاّ فبوءوا بالظلم وأنتم تعلمون..). وأعلن الإمام بهذا الخطاب الرائع أنّه أوْلى بمركز النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، وأحق بخلافته من غيره، فهو أقرب الناس وألصق بالرسول (صلّى الله عليه وآله) من المهاجرين الذين فازوا بالحكم لقربهم من النبيّ، فهو ابن عمّه وأبو سبطيه، ولا يملك أحد من القرب إلى النبيّ غيره.. وثار ابن الخطاب بعد أن أعوزته الحجة والبرهان، فاندفع بعنفٍ قائلاً: إنّك لست متروكاً حتى تبايع.. فزجره الإمام قائلاً: احلب حلباً لك شطره، واشدد له اليوم أمره، ويردده عليك غداّ...). وكشف الإمام الوجه في اندفاع ابن الخطاب وتهالكه على نصرة أبي بكر، فأنّه يأمل أن ترجع إليه الخلافة والملك بعد أبي بكر. وثار الإمام وهتف قائلاً: (والله يا عمر لا أقبل قولك ولا أبايعه...). وخاف أبو بكر من تطوّر الأحداث، وخشي أن ترجع إلى المسلمين حوازب أحلامهم فيقصوه عن منصبه، فخاطب الإمام بناعم القول: إن لم تبايع فلا اُكرهك.. وانبرى أبو عبيدة بن الجراح وهو من أبرز حزب أبي بكر، فخاطب الإمام قائلاً: يا بن عمّ، إنك حدث السن، وهؤلاء مشيخة قومك، ليس لك مثل تجربتهم ومعرفتهم بالأمور، ولا أرى إلاّ أبا بكر أقوى على هذا الأمر منك، وأشدّ احتمالاً واضطلاعاً به، فسلّم لأبي بكر هذا الأمر، فإنّك إن تعش ويطل بك بقاء فأنت لهذا الأمر خليق، وبه حقيق في فضلك ودينك وعلمك وفهمك وسابقتك ونسبك وصهرك..). وليس في هذا القول إلاّ الخداع والتضليل فإن التقدّم في السن ليس له أي ترجيح في منصب الخلافة التي تتطلّب الطاقات الخلاّقة بما تحتاج إليه الاُمّة في الميادين السياسية والاقتصادية والقضائية، ولا يملك أحد من المسلمين ذلك غير الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام. وأثارت مخادعة أبي عبيدة كوامن الألم في نفس الإمام، فانبرى يخاطب المهاجرين قائلاً: الله الله يا معشر المهاجرين، لا تخرجوا سلطان محمّد في العرب عن داره وقعر بيته إلى دوركم وقعر بيوتكم، ولا تدفعوا أهله عن مقامه في الناس وحقه. فو الله يا معشر المهاجرين لنحن أحقّ الناس به لأنا أهل البيت، ونحن أحقّ بهذا الأمر منكم، ما كان فينا القارئ لكتاب الله، الفقيه في دين الله، العالم بسنن رسول الله، المضطلع بأمر الرعية، الدافع عنهم الاُمور السيئة، القاسم بينهم بالسوية، والله إنّه لفينا، فلا تتّبعوا الهوى فتضلّوا عن سبيل الله، فتزدادوا من الحق بُعداً..(5). وحفلت هذه الكلمات بالصفات الرفيعة الماثلة في أهل بيت النبوة من الفقه بدين الله، والعلم بسنن رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، والإحاطة بما تحتاج إليه الاُمّة في مجالاتها الاقتصادية والسياسية، ولا تتوفر بعض هذه الصفات في غيرهم، ولو أنّ القوم استجابوا لنداء الإمام لجنّبوا العالم الإسلامي الكثير من المشكلات والأزمات ولكنّهم انسابوا وراء أطماعهم وشهواتهم وتهالكهم على الإمرة والسلطان. وعلى أيّ حال، فقد رجع الإمام (عليه السّلام) إلى داره لم يبايع أبا بكر، وقد أحاطت به موجات من الأسى على ضياع حقّه وحرمان الاُمّة من قيادته، وقد التاعت سيّدة النساء زينب وغزاها الحزن على ما حلّ بأبيها من الآلام والكوارث، فقد رأته جالساً في بيته يساور الهموم والأحزان، وحوله اُمّها سيّدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (عليها السّلام) وهي تبكي أباها وتندبه بأشجى ما تكون الندبة، وقد شاركت زوجها في مصابه على ضياع حقّه، ونهب مركزه ومقامه. |
|
|
|
|
وقضت سياسة أبي بكر أن يقابل الإمام أمير المؤمنين(عليه السّلام) بجميع الإجراءات الصارمة لأنّه الممثّل الوحيد للقوى المعارضة لحكومته، ومن بين تلك الوسائل التي سلكها أبو بكر: 1 - إسقاط الخمس: أمّا الخمس فهو حق مفروض لآل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) نصّ عليه القرآن الكريم، قال تعالى: (واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل)(6)، وأجمع الرواة أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) كان يختصّ بسهم من الخمس ويخصّ أرحامه بسهم آخر منه، وكانت هذه سيرته إلى أن اختاره الله إلى جواره، ولمّا ولي أبو بكر أسقط سهم النبيّ وسهم ذي القربى، ومنع بني هاشم من الخمس(7). وبذلك فقد قضى على أهم مورد اقتصادي لهم، وقد أرسلت سيّدة النساء فاطمة (عليها السّلام) إلى أبي بكر تسأله أن يدفع إليها ما بقي من خمس (خيبر)، فأبى أن يدفع إليها شيئاً(8). وبذلك فقد ترك شبح الفقر على آل النبي، وحجب عنهم ما فرضه الله لهم. 2 - الاستيلاء على تركة النبيّ: واستولى أبو بكر على جميع ما تركه الرسول (صلّى الله عليه وآله) من بلغة العيش وحازه إلى بيت المال، وبذلك فقد فرض حصاراً اقتصادياً على آل الرسول (صلى الله عليه وآله) حتى لا يتمكّنون من القيام بأيّ حركة ضده. 3 - تأميم فدك: وأمّم أبو بكر (فدكاً) وصادرها من أهل البيت، ومنعهم من أخذ وارداتها،وقد ضيّق عليهم بذلك غاية التضييق. ومنع عنهم جميع وسائل العيش. |
|
|
|
|
والتاعت بضعة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من أبي بكر، فقد سدّ عليها جميع نوافذ الحياة الاقتصادية، فخرجت سلام الله عليها غضبى، فلاثت خمارها، واشتملت بجلباتها، وأقبلت في لمّة من حفدتها ونساء قومها، تطأ ذيولها، ما تخرم مشيتها مشية أبيها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حتى دخلت على أبي بكر وهو في جامع أبيها، وكان في حشد من المهاجرين والأنصار وغيرهم، فنيطت دونها ملاءة فوقفت مفخرة الإسلام فأنّت أنّه أجهش لها القوم بالبكاء، وارتجّ المجلس، فأمهلتهم حتى إذا سكن نشيجهم وهدأت فورتهم افتتحت خطابها الخالد بحمد الله والثناء عليه، وانحدرت في خطابها كالسيل، فلم يُسمع أخطب ولا أبلغ منها، وحسبها أنّها بضعة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الذي أفاض عليها بمكرمات نفسه، وغذّاها بحكمة وآدابه. وتحدّثت في خطابها عن معارف الإسلام، وفلسفة تشريعاته، وعلل أحكامه، وعرضت إلى الحالة الراهنة التي كانت عليها اُمم العالم وشعوب الأرض قبل أن يشرق عليها نور الإسلام، فقد غرقت الاُمم بالجهل والانحطاط خصوصاً (الجزيرة العربية) فقد كانت في أقصى مكان من الذّل والهوان، وكانت الأكثرية الساحقة تقتاد القِدَّ، وتشرب الطَّرْقَ، وترسف في قيود الفقر والبؤس إلى أن أنقذها الله بنبيّه محمّد (صلّى الله عليه وآله)، فرفعها إلى واحات الحضارة وجعلها سادة الاُمم والشعوب، فما أعظم عائدته على العرب والمسلمين! وعرضت سيدة نساء العالمين في خطبتها إلى فضل ابن عمّها الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام، وعظيم جهاده في نصرة الإسلام، وذبّه عن حياض الدين، في حين أنّ المهاجرين من قريش بالخصوص كانوا في رفاهية من العيش وادعين آمنين، لم يكن لهم أي ضلع في نصرة القضية الإسلامية والدفاع عنها. فلم يُؤثر عن أعلامهم أنّهم قتلوا مشركاً أو برزوا ببسالة وصمود إلى مقارعة الأقران في الحروب، وإنّما كانوا ينكصون عند النزال، ويفرّون من القتال - على حدّ تعبيرها- وكانوا يتربّصون الدوائر بأهل بيت النبوة ويتوقعون بهم نزول الأحداث. وأعربت مفخرة الإسلام في خطابها عن أسفها البالغ على ما مُنِي به المسلمون من الزيغ والانحراف والاستجابة لدواعي الهوى والغرور وذلك بإقصائهم لأهل البيت عن مركز القيادة العامة، وتنبّأت عمّا سيحلّ بهم من الكوارث والخطوب التي تدع فيئهم حصيداً، وجمعهم بديداً من جرّاء إبعادهم لأهل بيت النبوة عن مقامهم الذي نصبهم فيه رسول الله (صلّى الله عليه وآله). ثم عرضت إلى حرمانها من إرث أبيها رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فقالت: (وَأَنتُم تَزْعُمُونَ أَنْ لا إِرْثَ لِي مِن أَبِي، أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ تَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْماً لِقَومٍ يُوقِنُونَ..وَيْهاً أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ أَاُغْلَبُ عِلى تُرَاثَ أَبِي..). ثم وجهت خطابها إلى أبي بكر:(يَا بْنَ أبي قُحَافَةَ!! أَفِي كِتَابِ اللهِ أَن تَرِبَ أَبَاكَ وَلاَ أَرِثُ أَبِي؟ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً فَرِيّاً. أَفَعَلى عَمْدٍ تَرَكْتُمْ كِتَابَ اللهِ وَنَبَذْتُمُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ إِذْ يَقُولُ: (وَوَرِثَ سُلَيْمانُ دَاوُدَ). وَقَال فِيمَا اقْتَصَّ مِنْ خَبَرِ يَحْيى بن زَكَرِيّا، إِذْ يَقُولُ: 0فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَليّاً* يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً). وَقَالَ: (وَاُولُوا الأَرحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىَ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ). وَقَالَ: (يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلاَدِكُم لِلْذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ). وَقالَ: (إِن تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالمَعْرُوفِ حَقاً عَلَى المُتَّقِينَ). وَزَعَمْتُمْ أَنْ لاَ حَظْوَةَ لِي وَلاَ إِرْثُ مِنْ أَبِي، وَلاَ رَحِمَ بَيْنَنَا أَفَخَصَّكُمُ اللهُ بآيَةٍ أَخْرَجَ مِنْهَا أَبِي؟ أَمْ تَقُولُونَ: إِنَّ أَهْلَ مِلَّتَيْنِ لاَ يَتَوَارَثَانِ، أَوَ لَسْتُ أَنَا وَأَبِي مِنْ أَهْلِ مِلَّةٍ وَاحِدَةٍ؟ أَمْ أَنْتُم أَعْلَمُ بِخُصوصِ الْقُرْآنِ وَعُمُومِهِ مِنْ أَبِي وَابْنِ عَمِّي؟). وبعدما ما أدلت بهذه الحجج الدامغة المدعمة بآيات من القرآن الكريم التي فنّدت فيها مزاعم أبي بكر من أنّ الأنبياء لا يورثون، ثم التفتت إليه فوجّهت إليه هذه الكلمات اللاذعة قائلةً: فدُونَكها مَرْحُولَةً مَزْمُومَة تَكُونُ مَعَكَ فِي قَبْرِكَ، وَتَلْقَاكَ يَومَ حَشْرِكَ، فَنِعْمَ الْحَكَمُ اللهُ، وَنِعْمَ الزَّعِيمُ مُحَمَّدُ، وَالمَوعِدُ الْقِيَامَةُ، وَعِنْدَ السَّاعَةِ يَخْسَرُ الْمُبْطلُونَ، ولِكُلِّ نَبأٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ، (مَن يَأتيهِ عَذَابُ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابُ مُقِيمُ). ثم اتّجهت نحو فتيان المسلمين تستنهض هممهم، وتوقظ عزائمهم للمطالبة بحقها والثورة على الحكم القائم، قائلة: (يَا مَعْشَرَ النَّقيبَةِ، وَأَعْضَادَ المِلَّةِ، وَحَضَنَةَ اٌلإِسْلاَمِ، مَا هذِهِ الْغَمِيزَةُ فِي حَقِّي وَالسِّنَةُ عَنْ ظُلاَمَتِي؟ أَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ (صلّى الله عليه وآله): (الْمَرءُ يُحْفَظُ فِي وُلْدِهِ)؟ لَسَرْعَانَ مَا أَحْدَثْتُم! وعَجْلاَنَ ذَا إهالَةً! أَتَقُولُونَ: مَاتَ مُحمَّدُ؟ لًعَمْرِي، خَطبُ جَليلُ، إِسْتَوْسَعَ وَهْبُةُ، وَاسْتَنْهَرُ فَتْقُهُ، وَفُقِدَ رَاتِقُهُ، وَأَظْلَمتِ الأَرْضُ لِغَيبَتِهِ، واكْتأَبَتْ خِيرَةُ اللهِ لمُصِيبَتِهِ، وَخشَعَتِ الْجِبَالُ، وَأَكْدَتِ الآمَالُ، واُضِيعَ الْحَرِيمُ، وَأُزِيلَتِ الْحُرْمَةُ، فَتلك نَازِلَةُ أَعْلَنَ بِهَا كِتَابُ اللهِ فِي أَفْنِيَتِكُمْ، مُمْساكُمْ وَمُصْبِحِكُمْ، هِتافاَ هِتافاً: (وَمَا مُحَمَّدُ إِلَّا رَسُولُ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرُّ اللهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ). وأخذت سيّدة النساء تحفّز الأنصار، وتذكّرهم بجهادهم المشرق في نصرة الإسلام وحماية مبادئه وأهدافه وكفاحهم لأعدائه القرشيّين، طالبة منهم الثورة ضد الحكم القائم وإرجاع الحق إلى عترة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قائلة: (أَيهاً بَنِي قِيلَةَ(9) أَأُهْضَمُ تُرَاثَ أَبِي وَأَنْتُمْ بِمَرْأى مِنِّي وَمَسْمَعٍ وَمُنْتَدى وَمَجْمَعٍ، تَلْبَسُكُمُ الدَّعْوَةُ، وَتَشْمَلُكُمُ الْخُبْرَةُ، وَأَنْتُمْ ذَوُو الْعُدَّةِ وَالْعَدَدِ وَالأَدَاةِ وَالْقُوَةِ، وَعِنْدَكُمُ السِّلاَحُ وَالْجُنَّةُ(10).تُوافِيكُمُ الدَّعْوَةُ فَلاَ تُجِيبُونَ، وَتَأتِيكُمُ الصَّرخَةُ فَلاَ تُغِيثُونَ وَأَنتُمْ مَوصُوفُون بِالكِفاحِ، مَعْرُوفُونَ بِالخَيْرِ وَالصَّلاَحِ، وِالنُّخْبَةُ الَّتِي انتُخِبَتْ، وَالْخِيَرَةُ الَّتِي اخْتِيرتْ لَنَا - أهل البيت - قَاتَلتُمُ اَلَعَرَبَ، وَتَحَمَّلْتُمُ الْكَدَّ وَالتَّعَبَ، وَنَاطَحْتُمُ الأُمَمَ، وَكَافَحتُمُ البُهَمَ، فَلاَ نَبْرَحُ أَوْ تَبْرَحُونَ، نَأْمُرُكُم فَتَأْتَمِرُونَ، حَتّى إِذَا دَارَتْ بِنَا رَحَى الإِسْلامِ، وَدَرَّ حَلَبُ الأَيَّامِ، وَخَضَعَتْ نُعرَةُ الشِّركِ، وَسَكَنَت فَوْرَةُ الإِفْكِ، وَخَمَدَتْ نِيرَانُ الْكُفْرِ، وَهَدَأَتْ دَعْوَةُ الْهَرَجِ، وَاسْتَوْسَقَ نِظَامُ الدِّينِ، فَأَنْى جرْتُمْ(11)بَعْدَ الْبَيَانِ، وَأَسْرَرتُمْ بَعْدَ الإِعْلاَنِ، وَنَكصْتُمْ بَعْدَ الإقْدَامِ، وَأَشرَكْتُمْ بَعْدَ الإِيمَانِ، بُؤسَاً لِقَوْمٍ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ وَهَمُّوا بإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَونَهُمْ فَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ). ولما رأت وهن الأنصار وتخاذلهم عن إجابة الحق، وجّهت لهم أعنف القول وأشد العتب قائلة لهم: (ألا وَقَدْ قُلْتُ هذَا عَلى مَعْرِفَةٍ مِنِّي بِالْجِذْلَةِ الَّتِي خَامَرْتُكُمْ، وَالْغَدْرَةِ الَّتِي اسْتَشْعَرَتْهَا قُلُوبُكُمْ، وَلكِنَّهَا فَيْضَةُ النَّفْسِ، وَبَثَّةُ الصَّدْرِ، وَنَفْثَةُ الَغَيْظِ، وَتَقْدِمَةُ الْحُجَّةِ، فَدُونَكُمُوهَا فَاحْتَقِبُوهَا دَبِرَةَ الظَّهْرِ، نَقِبَةَ الْخُفِّ، بَاقِيَةَ الْعَارِ، مَوْسُومَةً بِغَضَبِ اللهِ، وَشَنَارِ الْأَبَدِ، مَوْصُولَةً بـ(نَارُ اللهِ الْمُوقَدَةُ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ إِنَّهَا عَلَيْهِم مُؤْصَدَةَ) عَيْنِ اللهِ مَا تَفْعَلُونَ (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ)). وَأَنَا إِبْنَةُ نّذِيرٍ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابُ شَدِيدُ، فَاعْمَلُوا إِنَّا عَامِلُونَ، (وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ)(12). وهذا أروع خطاب ثوري عرفه التأريخ الإسلامي، فقد وضعت فيه مفخرة الإسلام النقاط على الحروف، ووضعت المسلمين أمام الأمر الواقع، وكشفت لهم عمّا سيواجهونه من الويلات والكوارث والأزمات من جراء تخاذلهم عن نصرة الإسلام أمام هذه المحنة الحازبة، وقد وجلت القلوب وخشعت الأبصار، وأوشكت الثورة أن تحدث على أبي بكر ويقصى عن منصبه إلّا أنّه سيطر على الموقف بلباقة مذهلة فقد قابل بضعة الرسول بكل حفاوة وتكريم، وتصاغر أمامها، وأظهر لها أنّه لم يتقلّد منصب الحكم، ولم يتّخذ معها الإجراءات القاسية عن رأيه الخاص، وإنّما كان عن رأي المسلمين واتّفاقهم، متى ولا نعلم أنّه حتى استشار أحداً في تقمصه للخلافة، ومصادرته لتركة النبي (صلّى الله عليه وآله)، وتأميمه لفدك وغيرها، مما أوجب التضييق الاقتصادي على العترة الطاهرة. وعلى أي حال، فقد حفظت السيّدة زينب وهي في عهد الصبا هذا الخطاب الخالد، وهي إحدى رواته، وكان ذلك آية في نبوغها فقد روته بحرفيته، وكانت مع اُمّها حينما أدلت بهذا الخطاب الذي هو أحد الركائز المهمة في مذهب أهل البيت(عليهم السّلام)، وقد رجعت معها وهي تجرّ أذيال الخيبة، قد مزّق الأسى فؤادها فلم يرع أبو بكر مكانتها، ولم يستجب المسلمون لمطالبها، وقد استولت عليها الآلام والهموم على ما تُمنى به الاُمّة من الكوارث والأزمات من جراء إقصاء أهل البيت(عليهم السّلام) عن القيادة العامة للعالم الإسلامي. |
|
|
|
|
وجهد أبو بكر وعمر على إرضاء زهراء الرسول وتطييب خاطرها على ما اقترفاه في حقها، فاستأذنا بالدخول عليها فأبت أن تأذن لهما، وعرضا على الإمام (عليه السّلام) رغبتهما الملحّة في مقابلة سيّدة النساء، فانطلق الإمام نحو الصدّيقة والتمس منها إجابتهما، فسمحت لهما بالدخول، فلمّا مثلا عندها أشاحت بوجهها عنهما، وقدّما إليها اعتذارهما، فقالت: (أرأيتكما إن حدّثتكما حديثاً عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) تعرفانه وتعملان به؟). فأجابا: نعم. فقالت: (نشدتكما الله، ألم تسمعا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول: رضا فاطمة من رضاي، وسخط فاطمة من سخطي، فمن أحبّ فاطمة ابنتي فقد أحبّني، ومن أرضى فاطمة فقد أرضاني، ومن أسخط فاطمة فقد أسخطني؟). فقالا: نعم، سمعناه من رسول الله (صلّى الله عليه وآله). فانبرت حبيبة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وهي مغيظة محنقة فخاطبت أبا بكر وشاركت معه صاحبه قائلة: (إنّي اُشهد الله وملائكته أنّكما أسخطتماني وما أرضيتماني، ولئن لقيت النبيّ لأشكونكما إليه..). وفزع أبو بكر وقال رافعاً عقيرته: أنا عائذ بالله تعالى من سخطه ومن سخطك يا فاطمة. ووجّهت إليه أعنف القول قائلة: (والله لأدعونّ الله عليك في كل صلاة اُصليها)(13). وخرج أبو بكر ولم يظفر برضا زهراء الرسول (صلّى الله عليه وآله) وكان ذلك من أعظم الصدمات التي واجهها في أيام حكومته. ومن الطبيعي أن عقيلة بني هاشم قد شاركت اُمها البتول في سخطها على أبي بكر، وعدم رضائها عنه. |
|
|
|
|
وطافت موجات قاسية من الآلام والأحزان ببضعة الرسول ووديعته، فقد استغرق الأسى قلبها الرقيق المعذّب وغشيتها سُحب قاتمة من اللوعة والحزن على فقد أبيها الذي كان عندها أعزّ من الحياة، وكانت تزور بلهفة جسده الطاهر فتطوف حوله وهي ذاهلة اللبّ منهدة الكيان فتلقي بنفسها عليه، وتأخذ حفنة من ترابه الطاهر فتضعه على عينيها، وهي تبكي أمرّ البكاء وأقساه، وتقول: مّـــــاذا عــــّلى مّــــــن شّمَّ تُربَةَ أَحمَـدٍ أَن لاَ يَـــــشم مـــــدى الــزمان غواليـا صـــــبت عــــــلىّ مــــــصائب لو أنـها صــــبـت عـــــلـى الأيــــام صرن لياليا قــــــل لـــــلمغيب تـــحت أطباق الثرى إن كنـــــت تـــــــسمع صرختي وندائيا قـــــد كــــنت ذات حمى بــــــظل محمد لا أختشي ضـــــيمـاً وكـــــــان جمالـيا فـــــاليوم أخـــــضع لــــلذليـل وأتـــقى ضـيمي وأدفــــــع ظـــــالـمي بـــردائيا فـــــإذا بـــــكت قـــمرية فــــــي لـيلـهـا شجناُ عــــلى غـــــصن بكيـت صباحيا فـــــلأجعلن الــــحزن بــــعدك مـؤنسي ولأجــــعلــنّ الـــدمع فـــــيك وشـــاحيا(14) وحكت هذه الأبيات ما عانته زهراء الرسول من لوعة وشجون على فراق أبيها الذي استوعب حبّه عواطفها ومشاعرها، وقد بلغ من عظيم حزنها عليه أنّه لو صبّت مصائبها على الأيام لخلعت ضياءها ولبست السواد القاتم. كما صوّرت هذه الأبيات الرقيقة مدى عزّتها وعظيم مكانتها في أيام أبيها سيّد الكائنات، فقد كانت من أعزّ وأمنع نساء المسلمين، ولكنها بعد فقد أبيها تنكّر لها أصحابه، وأجمعوا على هضمها والغضّ من شأنها حتى صارت تخضع للذليل، وتتقي الظالمين لها بردائها، إذ ليس عندها قوة تحميها ولم تكن تأوي إلى ركن شديد. وقد خلدت بضعة الرسول (صلّى الله عليه وآله) ووديعته إلى الأسى والحزن، وقد وجدت في البكاء راحة نفسية لها، وبلغ من عظيم وجدها على أبيها أنّ أنس مالك استأذن عليها ليعزّيها بمصاب أبيها، وكان ممّن وسّد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في مثواه الأخير فقالت له: (هذا أنس بن مالك؟). نعم، يا بنت رسول الله. فانبرت وهي تلفظ قطعاً من قلبها المذاب قائلة: (كيف طابت نفوسكم أن تحثّوا التراب على رسول الله (صلّى الله عليه وآله)؟)(15). وغرق أنس في البكاء، وانصرف وقد نخب الأسى فؤاده. وبلغ من عظيم حزن الصدّيقة على أبيها أنّها كانت تطالب الإمام أمير المؤمنين عليه السلام أن يريها القميص الذي غُسِّل فيه أباها رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فإذا جاء به إليها تأخذه بلهفة وتوسعه تقبيلاً وشمّاً لأنّها تجد فيه رائحة أبيها الذي غاب في مثواه. وخلدت زهراء الرسول إلى البكاء في وضح النهار وفي غلس الليل، وظل شبح أبيها يطاردها في كل فترة من حياتها القصيرة الأمد، وكانت ابنتها الصدّيقة الطاهرة زينب في حزن بهيم تنظر إلى اُمّها وقد أشرفت على الموت من كثرة البكاء على أبيها فكانت تشاركها في أحزانها وآلامها ولوعتها. وثقل على أتباع أبي بكر بكاء الصدّيقة على أبيها فشكوا ذلك إلى الإمام أمير المؤمنين، وطلبوا منه أن يجعل لبكائها وقتاً خاصاً، فعرض الإمام عليها ذلك فأجابته، فكانت في نهارها تمضي إلى خارج المدينة وتصحب معها ولديها الحسن والحسين وزينب فتجلس تحت شجرة من الأراك، وتأخذ باللوعة والبكاء على أبيها طيلة النهار فإذا أوشكت الشمس أن تغرب قفلت مع أبنائها إلى الدار، وعمد القوم إلى تلك الشجرة فقلعوها فكانت تبكي في حرّ الشمس، فسارع الإمام أمير المؤمنين(عليه السّلام) فبنى لها بيتاً سماه (بيت الأحزان)، وظل هذا البيت رمزاً لأساها وغضبها على القوم على مرّ العصور، ويقول الرواة إن الإمام قائم آل محمد(عليه السّلام) قال في هذا البيت: أم تــــــراني اتـــــخذت لا وعــلاها بـــعد بــــيت الأحــزان بيت سرور وكانت بضعة رسول الله وحبيبته مع أطفالها يمكثون طيلة النهار في ذلك البيت الحزين، وهي تناجي أباها وتندبه وتبكيه، فإذا جاء الليل أقبل الإمام (عليه السّلام) فأرجعها مع أطفالها إلى الدار. واستولى الحزن على بضعة الرسول وذاب جسمها، وقد فتكت بها الأمراض فلازمت فراشها، ولم تتمكّن من النهوض والقيام، وكانت ابنتها العقيلة إلى جانبها تقوم بخدماتها ورعايتها، وبادرت السيّدات من نساء المسلمين إلى عيادتها فقلن لها: كيف أصبحت من علّتك يا بنت رسول الله؟ فرمقتهن بطرفها وأجابتهن بصوتٍ خافت مشفوع بالأسى والحسرات قائلة: (أجدني كارهة لدنياكن، مسرورة لفراقكن، ألقى الله ورسوله بحسرات، فما حُفِظ لي الحق، ولا رعيت مني الذّمة، ولا قبلت الوصية، ولا عُرِفت الحرمة..)(16). أجل لم يحفظ حقّها، ولم ترع ذمّتها، فقد أصرّ القوم على هضمها والتنكر لها، وانصرفن النسوة وقد غامت عيونهن بالدموع، وعرضن على أزواجهن كلمات زهراء الرسول وغضبها عليهم، وقد عرفوا مدى تقصيرهم في حقها..وهرعت بعض اُمّهات المؤمنين إلى عيادتها فقلن لها: يا بنت رسول الله، صيري لنا في حضور غسلك حظاً(17). فلم تجبهن إلى ذلك، وقالت: (لا حاجة لي في حضوركن). |
|
|
|
|
وذوت بضعة الرسول (صلّى الله عليه وآله) كما تذوي الأزهار، ومشى إليها الموت سريعاً وهي في شبابها الغضّ الإهاب، وبدت لها طلائع الرحيل عن هذه الحياة التي استهانت بها، وطلبت حضور ابن عمّها أمير المؤمنين عليه السّلام، فعهدت إليه بوصيتها، وأهم ما فيها: 1 - أن يواري جثمانها المقدّس في غلس الليل البهيم. 2 - أن لا يحضر جنازتها أحد من الذين هضموها وظلموها فإنّهم أعداؤها وأعداء أبيها على حدّ تعبيرها. 3 - أن يعفي موضع قبرها ويخفيه ليكون رمزاً لغضبها على القوم غير قابل للتأويل والتصحيح على ممر الأجيال الصاعدة. وضمن لها الإمام جميع ما عهدت به إليه، وانصرف عنها وهو غارق في الأسى والشجون. وطلبت بضعة الرسول (صلّى الله عليه وآله) من أسماء بنت عميس أن يصنع لها سرير يواري جسدها الطاهر، فقد كانت العادة بوضع الأموات على لوحة تبدو فيها أجسامهم، وكرهت ذلك سيّدة النساء، فعملت لها أسماء سريراً يستر من فيه كانت قد رأته حينما كانت في الحبشة، فلما نظرت إليه ابتسمت وهي أول ابتسامة شوهدت لها منذ أن لحق أبوها بالرفيق الأعلى(18). وفي آخر يوم من حياة الصدّيقة أصبحت وقد ظهر عليها بعض التحسّن، وبدا عليها الفرح والسرور فقد علمت أن هذا اليوم هو خاتمة حياتها وفيه تلتحق بأبيها الذي هو عندها أعزّ من الحياة، وعمدت الصدّيقة إلى أطفالها فغسلتهم وصنعت لهم من الطعام ما يكفيهم يومهم، ثم أمرت ولديها الحسن والحسين أن يخرجا لزيارة قبر جدهما ولا يشاهدا وفاتها، وألقت عليهما وعلى بنتها زينب نظرة الوداع وقلبها الزاكي يذوب ألماً وحزناً، وخرج الحسنان وقد هاما في تيارات من الهواجس وأحسّا ببوادر مخيفة أغرقتهما بالهموم والأحزان. والتفتت وديعة النبيّ (صلّى الله عليه وآله) إلى أسماء بنت عميس، وكانت تتولّى تمريضها وخدمتها، فقالت لها: (يا اُمّاه). نعم يا حبيبة رسول الله. (اسكبي لي غسلاً). فسارعت أسماء وأتتها بالماء فاغتسلت فيه، وقالت لها: (ايتيني بثيابي الجدد). فأحضرتها لها، وقالت لها: (اجعلي فراشي في وسط البيت). وذعرت أسماء، وعلمت أن الموت قد دنا من وديعة النبيّ، وصنعت لها ما أرادت فاضطجعت في فراشها، واستقبلت القبلة ونادت أسماء قائلة بصوت خافت: (يا اُمّاه، إني مقبوضة الآن، وقد تطهّرت فلا يكشفني أحد). وأخذت تتلو آيات من القرآن الكريم حتى صعدت روحها الطاهرة إلى الله تحفّها ملائكة الرحمن، ويستقبلها أبوها التي كرهت الحياة من بعده. لقد سمت تلك الروح إلى جنان الخلد فأشرقت الآخرة بقدومها، وأظلمت الأرض لفقدها، فما أضلّت سماء الدنيا مثلها في قداستها وطهرها، وقد انقطع بموتها آخر من كان في الدنيا من نسل رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وكانت زينب إلى جانب اُمّها وقد رأتها جثة هامدة قد انقطعت عنها الحياة فذابت أسى، وعجّت بالبكاء والعويل. وقفل الحسنان من مسجد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إلى الدار فلم يجدا اُمّهما فيها فبادرا يسألان أسماء قائلين: (أين اُمنّا؟). فأجابتهما وهي غارقة في البكاء قائلة: يا سيّدي إنّ اُمّكما قد ماتت فأخبرا بذلك أباكما. وكانت هذه المفاجأة كالصاعقة فهرعا إلى جثمان اُمّهما، فوقع عليها الحسن وهو يقول: (يا اُمّاه كلّميني قبل أن تفارق روحي بدني..). وألقى الحسين بنفسه وهو يعجّ بالبكاء قائلاً: (يا اًمّاه أنا ابنك الحسين كلّميني قبل أن ينصدع قلبي..). وأخذت أسماء توسعهما تقبيلاً وتواسيهما بمصابهما الأليم، وطلبت منهما أن يخبرا أباهما بموت سيّدة النساء وسارعا نحو مسجد رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وقد علا صوتهما بالبكاء فاستقبلهما المسلمون قائلين: ما يبكيكما يا بْني رسول الله، لعلّكما نظرتما قبر جدكما فبكيتما. فأجابا: (أوَليس قد ماتت اُمّنا فاطمة!). وهزّ النبأ المؤلم مشاعرهم، فقد ندموا على تقصيرهم تجاه بضعة الرسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فقد ماتت وهي ساخطة عليهم لأنّهم لم يحفظوا مكانتها من رسول الله (صلّى الله عليه وآله). ولمّا علم الإمام بموت الصدّيقة تصدّع قلبه وودّ مفارقة الحياة، ورفع صوته قائلاً: (بمن العزاء يا بنت محمّد، كنت بك أتعزّى، ففيم العزاء من بعدك..). وخفّ مسرعاً نحو البيت وهو يذرف أحرّ الدموع، وألقى نظرة على جثمان حبيبة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وهو يقول: لكـــــل اجـــــتماع من خليلين فرقة وكل الــــذي دون الفـــــراق قــليل وإن افتـــــقادي فـــــاطماً بعد أحمد دلـــيل عـــلى أن لا يــــــدوم خليل وكانت العقيلة زينب إلى جانبها أُمّها وهي تعجّ بالبكاء قد ذاب قلبها فقد فقدت جميع آمالها، وليس شيء أوجع على الطفل من فراق اُمّه. وهرع الناس من كل صوب نحو بيت الإمام، وقد ساد فيهم وجوم رهيب، وعهد الإمام إلى سلمان الفارسي أن يخبر الجماهير بأن مواراة جثمان بضعة الرسول قد اُجّل هذه العشية فقفلوا إلى منازلهم، وأقبلت عائشة وهي تريد الدخول إلى بيت الإمام لتشاهد جثمان حبيبة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فحجبتها أسماء ومنعتها من الدخول قائلة: قد عهدت إليّ أن لا يدخل عليها أحد(19). ولمّا مضى شطر من الليل قام الإمام أمير المؤمنين(عليه السّلام) فغسّل الجسد الطاهر، ومعه الحسنان وأسماء وزينب وهي تنظر إلى جثمان اُمّها وقد نخب الحزن قلبها، وتبكي عليها كأقسى وأمرّ ما يكون البكاء، وبعد الفراغ من الغسل أدرجها في أكفانها، ودعا بأطفالها الذين لم ينتهلوا من حنان اُمّهم ليلقوا عليها نظرة الوداع، فألقوا بنفوسهم على جثمان اُمّهم وهم يوسعونها تقبيلاً وقد مادت الأرض من كثرة صراخهم وبكائهم، وبعد انتهائهم من الوداع عقد الإمام عليها الرداء، ولمّا حلّ الهزيع الأخير من الليل قام فصلى على الجسد الطيب، وعهد إلى من كان معه من خلّص صحابة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أمثال سلمان الفارسي وبني هاشم فحملوا الجثمان المقدّس إلى مثواه الأخير، وأودعها في قبرها، وأهال عليها التراب، وعفى موضع قبرها ليكون دليلاً حاسماً على غضبها ونقمتها على من غصب حقها، ووقف الإمام الثاكل الحزين على حافة القبر وهو يروي ثراه بدموع عينيه، وقد طافت به موجات من الحزين والألم القاسي، فأخذ يؤبّن زهراء الرسول بهذه الكلمات التي تحكي لوعته وأساه على هذا الرزء القاصم وقد وجّه خطابه إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يعزّيه قائلاً: (السلام عليك يا رسول الله عني وعن ابنتك النازلة في جوارك السريعة اللحاق بك. قلّ يا رسول الله عن صفيتك صبري، ورقّ عنها تجلّدي، إلاّ أنّ في التأسّي بعظيم فرقتك، وفادح مصيبتك موضع تعزٍ، فلقد وسّدتك في ملحودة قبرك، وفاضت بين نحري وصدري نفسك، وإنّا لله وإنّا إليه راجعون لقد استرجعت الوديعة، وأخذت الرهينة، أمّا حزني فسرمد، وأمّا ليلي فمسّهد إلى أن يختار الله لي دارك التي أنت بها مقيم، وستنبئك ابنتك بتضافر اُمّتك على هضمها، فأحفها السؤال، واستخبرها الحال، هذا ولم يطل العهد ولم يخل منك الذكر، والسلام عليكما سلام مودعٍ لا قالٍ ولا سئم، فإن أنصرف فلا عن ملالة، وإن اُقم فلا عن سوء ظنٍ بما وعد الله الصابرين..)(20). وحكت هذه الكلمات الحزن العميق والألم الممض الذي في نفس الإمام، فقد أعلن شكواه إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) على ما منيت به حبيبته من الخطوب والنكبات، ويطلب منه أن يلحّ في السؤال منها لتخبره بما جرى عليها من الظلم في الفترة القصيرة التي عاشتها بعده. كما أعلن الإمام عن أساه وشجاه على فقده لبضعة الرسول، فهو في حزن دائم وليل مسهد، لا تنطفئ عنه نار اللوعة عليها حتى يلتحق إلى جوار الله، وإنّه إذ ينصرف عن قبرها المقدّس فليس ذلك عن سأم ولا عن ملالة وكراهية، ولكن استجابة لتعاليم الإسلام الآمرة بالخلود إلى الصبر، ولولا ذلك لأقام عنده ولا يريم عنه. وعاد الإمام إلى داره بعد أن وارى جثمان سيّدة نساء العالمين في مثواها الأخير، وقد نخب الحزن فؤاده ينظر إلى أطفاله وهم يبكون اُمّهم أمّر البكاء وأشجاه خصوصاً العقيلة زينب فكانت تندب اُمّها بذوب روحها تبكي عليها صباحاً ومساءً قد خلدت إلى الأسى والحزن. لقد قطعت عقيلة بني هاشم دور طفولتها الحزينة وقد طافت بها الآلام القاسية والرزايا الموجعة، فقد فقدت جدّها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الذي كان يفيض عليها بعطفه وحنانه، ولم تمض بعد وفاته إلاّ أيام يسيرة حتى فقدت اُمّها الرؤوم التي عاشت في هذه الدنيا وعمرها كعمر الزهور، وفاجأها الموت وهي في شبابها الغضّ الأهاب، فقد صبّت عليها الكوارث والمصائب، والتي كان من أقساها جحد القوم لحقّها وإجماعهم على هضمها وهي ابنة نبيّهم الذي بر بدينهم ودنياهم. لقد وعت حفيدة الرسول (صلّى الله عليه وآله) وهي في سنّها الباكر الأهداف الأساسية التي دعت القوم إلى هضم اُمّها وجحد حقوقها وإقصاء أبيها عن قيادة الاُمّة، كل ذلك طمعاً بالحكم والظفر بالإمرة والسلطان. |
|
|
|
|
ولم يطل سلطان أبي بكر فقد ألمّت به الأمراض بعد مضي ما يزيد على سنتين من حكمه، وقد قلّد صاحبة عمر شؤون الخلافة، وقد لاقى معارضة شديدة من أعلام الصحابة كان من بينهم طلحة، فقد قال له: ماذا تقول لربّك وقد ولّيت علينا فظّاً غليظاً، تفرق منه النفوس، وتنفض منه القلوب(21). وسكت أبو بكر فاندفع طلحة يشجب عهده لعمر قائلاً: يا خليفة رسول الله، إنّا كنّا لا نحتمل شراسته وأنت حيّ تأخذ على يده، فكيف يكون حالنا معه وأنت ميّت وهو الخليفة. وسارع أكثر المهاجرين والأنصار إلى أبي بكر وهم يعلنون رفضهم وسخطهم وكراهيتهم لخلافة عمر قائلين: نراك استخلفت علينا عمراً وقد عرفته وعلمت بوائقه فينا وأنت بين أظهرنا، فكيف إذا ولّيت عنّا، وأنت لاق الله عزّ وجلّ فسائلك، فما أنت قائل. فأجابهم أبو بكر: لئن سألني الله لأقولنّ استخلفت عليهم خيرهم من نفسي(22). وكان الأجدر به أن يستجيب لعواطف أكثر المسلمين ورغباتهم إلاّ أنّه لم يحفل بهم، وأقام صاحبه خليفة من بعده، وتوفّي أبو بكر وانتهت بذلك خلافته القصيرة الأمد، وقد حفلت بأحداث رهيبة كان من بينها معاملة العترة الطاهرة التي هي وديعة النبيّ (صلّى الله عليه وآله) في أمّته كأشخاص عاديّين فقد جرّد عنها هالة التقديس الذي أضفاه عليها النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، كما فتحت الباب للحكومات التي تلت حكومة الخلفاء إلى ظلم آل البيت والإمعان في قتلهم تحت كل حجر ومدر، ولعلّ أقسى ما جرى عليهم من الكوارث فاجعة كربلاء الخالدة في دنيا الأحزان، فقد استشهد الإمام الحسين ريحانة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بصورة مروّعة ومُثّل بجثمانه المقدّس بوحشية لم يعهد لها مثيل، وسبيت عائلته ومعها حفيدة الرسول وعقيلة بني هاشم من كربلاء إلى الشام، كل هذه الرزايا كانت ناجمة عن إقصاء أهل البيت عن مركز القيادة العامة للمسلمين. |
|
|
|
|
وتولّى عمر بعد وفاة أبي بكر شؤون الدولة الإسلامية، وقد قبض على الحكم بيد من حديد، وساس البلاد بعنفٍ حتى تحامى لقاءه أكابر الصحابة، فإنّ درته - فيما يقول المؤرخون - كانت أهيب من سيف الحجاج، حتى أن ابن عباس مع قربه للنبي (صلّى الله عليه وآله) ومكانته العلمية لم يستطع أن يجهر برأيه في حلّية المتعة إلاّ بعد وفاته، كما تحاماه أهله وعياله فلم يستطع أحد منهم أن يجهر برأيه أو يفرض إرادته عليه. وعلى أي حال فقد نهج عمر في سياسته منهجاً خاصاً لا يتّفق في كثير من بنودها مع سياسة أبي بكر، خصوصاً في السياسة المالية، فقد كان السائد في سياسة أبي بكر المساواة بين المسلمين إلاّ أنّ عمر عدل عنها، وميّز بعض المسلمين على بعض، ففضّل العرب على الموالي، وقريشاً على سائر العرب، وقد أدّى ذلك إلى إيجاد الطبقية بين المسلمين(23). |
|
|
|
|
واعتزل الإمام أمير المؤمنين(عليه السّلام) عن الحياة الاجتماعية والسياسية طيلة خلافة عمر كما اعتزل في أيام أبي بكر، وقد انطوت نفسه على حزن عميق وأسى مرير على ضياع حقه وسلب تراثه، فقد جهد القوم على الغضّ من شأنه، وعزله عن جميع ما يتعلّق بأمر الدولة، حتى ألصق خده بالتراب - على حد تعبير بعض المؤرخين-، يقول محمد بن سليمان في أجوبته عن أسئلة جعفر بن مكي: إنّ عليّاً وضعه الأولون - يعني الشيخين- واسقطاه وكسرا ناموسه بين الناس، فصار نسياً منسياً(24). وقد صار جليس بيته تساوره الهموم، ويسامر النجوم، ويتوسّد الأرق، ويتجرّع الغصص، قد كظم غيظه، وأسلم أمره إلى الله. وانطوت نفوس أبنائه على حزن لاذع وأسىً عميق على عمر، فقد روى المؤرخون أن الحسين خفّ إلى عمر وكان على المنبر يخطب فصاح به: (انزل، انزل عن منبر أبي واذهب إلى منبر أبيك..). وبهت عمر، واستولت عليه الحيرة، وراح يقول: صدقت لم يكن لأبي منبر. وأخذه فأجلسه إلى جنبه وجعل يفحص عمّن أوعز إليه بذلك قائلاً: من علّمك؟ (والله ما علّمني أحد). شعور طافح بالأسى والألم انبعث عن إلهام وعبقرية، ورأى الإمام الحسين(عليه السّلام) منبر جدّه الملهم الأوّل لقضايا الفكر الإنساني وأنّه لا يليق أن يرقاه غير أبيه باب مدينة علم النبيّ (صلّى الله عليه وآله) ورائد العلم والحكمة في دنيا الإسلام. وعلى أي حال فقد كان هذا الشعور سائداً عند ذرّية رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، ولم يقتصر على الإمام الحسين وإنّما كان شاملاً للعقيلة زينب كما يدلّل على ذلك خطابها الرائع في البلاط الاُموي، فقد قالت ليزيد: (وسيعلم من سوّل لك ومكّنك من رقاب المسلمين)، وهذه الكلمات صريحة فيما ذكرناه. وقد بحثنا عن شؤون عمر وأيام حكومته في كتابنا (حياة الإمام الحسين)، فلا نعيد تلك البحوث. |
|
|
|
|
وبقي عمر على دست الحكم يتصرّف في شؤون الدولة حسب رغباته وميوله، وكان فيما يقول المؤرخون شديد البغض والكراهية للفرس، يبغضهم ويبغضونه، فقد حظر عليهم دخول يثرب إلاّ من كان سنّه دون البلوغ(25). وتمنّى أن يحول بينهم وبينه جبل من حديد، وأفتى بعدم إرثهم إلاّ من ولد منهم في بلاد العرب(26)، وكان يعبر عنه بالعلوج(27). وقد قام باغتياله أبو لؤلؤة وهو فارسي، أمّا السبب في اغتياله له فهو أنّه كان فتى متحمّساً لوطنه واُمّته، ورأى عمر قد بالغ في احتقار الفرس وإذلالهم، وقد خفّ إليه يشكو ممّا ألمّ به من ضيق وجهد من جراء ما فرض عليه المغيرة من ثقل الخراج، وكان مولى له، فزجره عمر وصاح به: ما خراجك بكثير من أجل الحرف التي تحسنها. وألهبت هذه الكلمات قلبه فأضمر له الشر، وزاد في حنقه عليه أنّه اجتاز على عمر فسخر منه وقال له: بلغني أنّك تقول: لو شئت أن أصنع رحى تطحن بالريح لفعلت. ولذعته هذه السخرية فخاطب عمر: لأصنعن لك رحى يتحدّث الناس بها. وفي اليوم الثاني قام بعملية الاغتيال(28). فطعنه ثلاث طعنات إحداهن تحت السرّة فخرقت الصفاق(29)، وهي التي قضت عليه، ثم هجم على من في المسجد فطعن أحد عشر رجلاً، وعمد إلى نفسه فانتحر(30)، وحمل عمر إلى داره وجراحاته تنزف دماً، فقال لمن حوله: من طعنني؟ غلام المغيرة. ألم أقل لكم: لا تجلبوا لنا من العلوج أحداً فغلبتموني(31). وأحضر أهله له طبيباً فقال له: أيّ الشراب أحبّ إليك؟ النبيذ. فسقوه منه فخرج من بعض طعناته صديداً، ثم سقوه لبناً فخرج من بعض طعناته، فيئس منه الطبيب، وقال له: لا أرى أن تمسي(32). |
|
|
|
|
ولمّا أيقن عمر بدنوّ الأجل المحتوم منه أخذ يطيل التفكير فيمن يتولّى شؤون الحكم من بعده، وقد تذكّر أعضاء حزبه الذين شاركوه في تمهيد الحكم لأبي بكر، فأخذ يبدي حسراته عليهم لأنّهم جميعاً قد اقتطعتهم المنية، فقال بأسى وأسف: لو كان أبو عبيدة حيّاً لاستخلفته لأنّه أمين هذه الاُمّة، ولو كان سالم مولى أبي حذيفة حيّاً لاستخلفته لأنّه شديد الحبّ لله تعالى. لقد استعرض الأموات، وتمنّى أن يقلّدهم الحكم ولم يعرض لسيّد العترة الإمام أمير المؤمنين(عليه السّلام) ولا للصفوة الطاهرة من صحابة النبيّ (صلّى الله عليه وآله) أمثال عمّار بن ياسر الطيّب ابن الطيّب، ولا لأبي ذرّ، ولا لرؤساء الأنصار من الذين ساهموا في بناء الإسلام واستشهد أبناؤهم في سبيله. لقد تمنّى حضور أبي عبيدة وسالم ليقلّدهما منصب رئاسة الدولة، مع العلم أنّهما لم يكن لهما أية سابقة تُذكر في خدمة الإسلام. لقد رأى عمر أن يجعلها شورى بين المسلمين وانتخب من يمثلهم، وهم ستة: 1 - الإمام أمير المؤمنين 2 - عثمان بن عفان الاُموي. 3 - طلحة. 4 - عبد الرحمن بن عوف. 5 - الزبير. 6 - سعد بن أبي وقاص. وقد اختار عمر هؤلاء النفر لصرف الخلافة عن الإمام أمير المؤمنين، فقد كان معظم أعضائها من المنحرفين عن الإمام والموالين لبني اُميّة، ولم يكن مع الإمام سوى الزبير، وهو لا يغني شيئاً، وقد جمع عمر أعضاء الشورى، وقدم في كلّ واحد منهم سوى الإمام فانصرف عنه، فقال عمر لمن حضر عنده: والله إني لأعلم مكان رجل لو ولّيتموه أمركم لحملكم على المحجّة البيضاء. فقالوا له: من هو؟. هذا المولي من بينكم. ما يمنعك من ذلك؟. ليس إلى ذلك من سبيل(33). ودعا عمر بأبي طلحة الأنصاري فعهد إليه بما يحكم أمر الشورى فقال له: يا أبا طلحة، إن الله أعزّ بكم الإسلام فاختر خمسين رجلاً من الأنصار فالزم هؤلاء النفر بإمضاء الأمر وتعجيله، والتفت إلى المقداد فعهد إليه بمثل ما عهد إلى أبي طلحة ثم قال له: إذا اتفق خمسة وأبى واحد منهم فاضربوا عنقه، وإن اتّفق أربعة وأبى اثنان فاضربوا عنقهما، وإن اتّفق ثلاثة على رجل ورضي ثلاثة منهم برجلٍ آخر فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف واقتلوا الباقين إن رغبوا عما اجتمع عليه الناس. والتاع الإمام وعرف أنّها مكيدة دبّرت ضدّه، فقد قال لعمّه العباس: (يا عمّ، لقد عدلت عنّا). وسارع العباس قائلاً: من أعلمك بذلك؟. وكشف الإمام الغطاء عمّا دبّره عمر ضدّه قائلاً: (لقد قرن بي عثمان، وقال: كونوا مع الأكثر، ثم قال: كونوا مع عبد الرحمن وسعد، لا يخالف ابن عمّه عبد الرحمن، وعبد الرحمن صهر لعثمان، وهم لا يختلفون، فإمّا أن يولّيها عبد الرحمن عثمان أو يولّيها عثمان عبد الرحمن). وصدق تفرّس الإمام، فقد ولاّها عبد الرحمن لعثمان إيثاراً لمصالحه، وابتغاءً لرجوعها إليه من بعده. إنّ أدنى تأمل في وضع الشورى يتّضح منه صرف الخلافة عن الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام، ووضعها عند القوى المنحرفة عنه. وعلى أي حال فإنّ الشورى بأسلوبها الهزيل، قد ألقت الاُمّة في شرّ عظيم، وفرّقت كلمتها، وأشاعت الطمع والتهالك على الحكم والسلطان بين أبنائها، وقد أعلن هذه الظاهرة معاوية بن أبي سفيان، فقد قال لأبي الحصين: بلغني أنّ عندك ذهناً وعقلاً فأخبرني عن شيء أسألك عنه. سلني عمّا بدا لك. أخبرني ما الذي شتّت شمل أمر المسلمين وملأهم وخالف بيتهم؟. قتل الناس عثمان. ما صنعت شيئاً. مسير عليّ إليك وقتاله إياك. ما صنعت شيئاً مسير طلحة والزبير وعائشة وقتال عليّ إيّاهم. ما صنعت شيئاً. ما عندي غير هذا. وطفق معاوية يبيّن أسباب الخلاف والفرقة بين المسلمين قائلاً: أنا اُخبرك أنّه لم يشتّت بين المسلمين، ولا فرّق أهواءهم إلاّ الشورى التي جعلها عمر إلى ستة نفر. وأضاف يقول: ثم جعلها - عمر - شورى بين ستّة نفر، فلم يكن رجل منهم إلاّ رجاها لنفسه ورجاها له قومه، وتطلّعت إلى ذلك نفسه(34). لقد شاعت الأطماع السياسية بشكل سافر عند بعض أعضاء الشورى وغيرهم، فاندفعوا إلى خلق الحزبية في المجتمع الإسلامي للوصول إلى كرسي الحكم والظفر بخيرات البلاد. وعلى أي حال فقد ذكرنا بصورة موضوعية وشاملة آفات الشورى في كتابنا (حياة الإمام الحسين)، وقد ألمحنا أليها في هذه البحوث؛ وذلك لأنّها تلقي الأضواء على الحياة الاجتماعية والسياسية في ذلك العصر الذي عاشت فيه عقيلة بني هاشم والتي أدت إلى ما عانته من الأهوال والكوارث التي تذهل كل كائن حيّ. |
|
|
|
|
واجتمع أعضاء الشورى في بيت المال، وقيل في بيت مسرور بن مخرمة، وتداولوا الحديث عمّن أحقّ بأمر المسلمين، وكثر الجدل فيما بينهم، فانبرى الإمام أمير المؤمنين فحذّرهم من الخلاف والفتنة إن استجابوا لعواطفهم، ولم يؤثروا المصلحة العامة للمسلمين قائلاً: (لم يسرع أحد قبلي إلى دعوة حقّ وصلة رحم وعائدة كرم، فاسمعوا قولي وعوا منطقي عسى أن تروا هذا الأمر من بعد هذا اليوم تنتطي فيه السيوف، وتخالف منه العهود حتى يكون بعضكم أئمة لأهل الضلال وشيعة لأهل الجهالة). ولم يعوا منطق الإمام ونصيحته، فقد استجابوا لعواطفهم، وكان الاُمويون قد حفوا بأهل الشورى وهم يقدّمون لهم الوعود المعسولة إن انتخبوا عميدهم عثمان. وانقضت الثلاثة أيام التي حدّدها عمر ولم ينتخب أعضاء الشورى أحداً منهم، فحذّرهم أبو طلحة الأنصاري وجعل يتهدّهم ويتوعّدهم إن لم ينتخبوا أحداً منهم، انبرى طلحة فوهب حقّه لعثمان لأنّه كان شديد الكراهية للإمام أمير المؤمنين(عليه السّلام) لأنه نافس ابن عمّه أبا بكر على الخلافة، ووهب سعد بن أبي وقّاص حقّه لابن عمّه عبد الرحمن بن عوف، وأصبح رأيه هو الفيصل لأن عمر وضع ثقته به، وكان رأيه مع عثمان لأنّه صهره وقد زهّده القرشيون في الإمام وحرّضوه على انتخاب عثمان؛ لأنه يحقّق رغباتهم وأطماعهم، وأمر عبد الرحمن مسوراً بإحضار الإمام أمير المؤمنين وعثمان بن عفان، فلمّا حضرا عنده في الجامع النبوي التفت إلى الحاضرين فقال لهم: أيّها الناس، إن الناس قد اجتمعوا على أن يرجع أهل الأمصار إلى أمصارهم فأشيروا عليّ. وانبرى الطيّب ابن الطيّب عمّار بن ياسر فأشار عليه بما يضمن للاُمّة مصالحها ويصونها من الاختلاف والفرقة قائلاً: إن أردت أن لا يختلف المسلمون فبايع علياً. وأيد المقداد مقالة صاحبه عمار فقال: (صدق عمار إن بايعت علياً سمعنا وأطعنا.. وشجبت الاُسر القرشية المعادية للإسلام والحاقدة عليه مقالة عمار، ورشحت عميد الاُمويين عثمان بن عفان، وقد كان الممثل لها عبد الله بن أبي سرح فخاطب ابن عوف قائلاً: إن أردت أن لا تختلف قريش فبايع عثمان. وكأن شؤون الخلافة ومصير المسلمين موكول إلى قريش وهي التي حاربت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وناهضت دعوته وعذّبت أنصاره حتى هرب منها، وتابعته إلى يثرب بجيوش مكثفة لاستئصال دعوته ومحو دينه، ولكن الله تعالى ردّ كيدهم وأفشل خططهم، ونصر نبيّه العظيم، ولولا سماحة النبيّ (صلّى الله عليه وآله) ورأفته لأجرى عليهم حكم بني قريضة، ولكنّه عفا عنهم، وجعلهم من الطلقاء. وعلى أي حال فقد اندفع عبد الله بن أبي ربيعة فأيّد مقالة ابن سرح قائلاً: إن بايعت عثمان سمعنا وأطعنا. وانبرى الصحابي الجليل عمّار بن ياسر فردّ على ابن أبي سرح قائلاً: |