فهرس الكتاب

المرقد الأخير

لقد عرف الناس مسلم بن عقيل (عليه السلام) في بيته وحسبه ومروءته وفضائله منذ عهد الصبا إلى أن بلغ مبالغ الرجال المحنّكين وقد وعوا كلمة الحسين (عليه السلام) في صكّ ولايته لكن ابن مرجانة من جراء ما تردّى به من لؤم العنصر وخبث المنبت ودعارة الطبع حسب أنه سوف يحطّ شيئاً من كرامته الصورية عساه يتوصّل به إلى تحطيم مبدئه وإخماد ذكره فأمر مسلم وهاني بعد القتل أن يُسحبا من أرجلهما في الأسواق والجواد قضية لؤم الغلبة ودناءة المحتدّ وبعد أن بلغ الغاية فيما حسب.

أمر بدفنهما بالقرب من (دار الإمارة) لتستمرّ رقابة الشرطة عليهما فلا يقصدهما أحد بالزيارة ولا يحضر هناك مؤبّن لهما ولا تلم بهما النوادب لأنّه يعلم أن الكوفة بطبعها الأولي علوية الرأي على العكس من البصرة والشام فإن الأولى عثمانية والثانية أُموية.

والكوفة وإن تأثّرت بالسياسات الزمنية لكنها في نفس الحالة قد تراجعها نفسها بمرتكزاتها الأولية فيعروها الندم فتتحول تلكم الهواجس ندباً وتأبيناً ويتسبّب منهما فكّ عرى الطاعة للسلطان ويعود القبول فيما ارتكبه (الوالي) هياجاً في الأفئدة وحرباً وجلاداً فينتقض فتله ويتلاشى كل ما دبره من إطفاء النائرة والحصول على الغاية.

ولقد خاب الدعيّ وفشل لئن أخمد فورة مسلم أو قلّ ونهضة سيّد الشهداء فيما زعم ذلك اليوم ولم يقف في وجه المنكر الذي ارتكبه أي أحد غير العقيلة زينب وبنات أمير المؤمنين (عليه السلام) فلقد وافاه المستقبل بما كشف عن بوادره وبوادر من دعا إليه من طواغيت الشام يوم قام التوّابون في وجهه ويوم وثبة غلام ثقيف الذي أخبر سيّد الشهداء يوم الطفّ عنه إذ قال: (وكأنّي بغلام ثقيف يسقيكم كأساً مصبّرة) فأجهزت عليه ضربة ابن الأشتر وألحقته بأميره الذي دعا إليه.

وإن ما ذكرناه من الهاجسة التي حسب لها الوالي حسابه ولها وضع القبرين بالقرب من قصره شيء مطرد عند الولاة والحكّام فإنّهم لا يدعون أحداً يقرب ممن نكّلوا بهم إذا كان لهم شأن بين الأمة حذراً من تأثّر النفوس واحتدام القلوب بتذكّر ما جرى عليهم فتثور العواطف وتصبح الحالة مضطربة من جميع جهاتها.

ويشهد لذلك حديث الحسين بن بنت أبي حمزة الثمالي فإنّه يعطينا صورة واضحة عمّا عليه الأمويون من الجدّ في منع الناس من إتيان قبر الحسين ولو لم يكن السبب الوحيد ما أشرنا إليه من خوف الأمراء من اضطراب الحالة عليهم وهياج الأمة عندما يتذكّرون الفوادح الجارية عليه وإلاّ فأين الحسين وأين خلافة المروانيين.

قال الحسين خرجت في آخر دولة بني مروان إلى زيارة الحسين (عليه السلام) مستخفياً من أهل الشام ولما وصلت كربلا وأردت الدخول على القبر خرج إليّ رجل ومنعني منه فقلت يا هذا لا تحل بيني وبين القبر فإنّي أخاف إذا طلع الصبح يقتلوني أهل الشام فقال الرجل إن موسى بن عمران استأذن ربّه في سبعين ألفاً من الملائكة لزيارة الحسين فهم من أول الليل إلى طلوع الفجر وبعد الفجر جئت إلى الزيارة فلم أرَ أحداً(1).

وجاء دور الرشيد فزاد على ما عليه المروانيون فإنه قطع السدرة التي هي عند قبر الحسين والزوار يستظلّون تحتها وقد لعن النبي قاطع السدرة ثلاث مرّات فلم يفهم الناس معنى الحديث إلى أن قطعها الرشيد(2).

وحديث المتوكّل العباسي متواتر عند المؤرّخين فقد وضع المسالح لذلك وفي سنة 247 أرسل قائداً ومعه جند لمنع الناس من إتيان قبر الحسين فرأى خلقاً مجتمعين عنده ولهم سوق كبير فنادى: برئت الذمة ممن بقي هنا فتفرّق الناس وفي هذه السنة أجرى الماء على القبر لإطفاء نور الله ويأبى الله إلاّ أن يتمّ نوره فخار الماء واستدار على قبر المنحور على مجزرة الدعوة الإِلهية ممنوعاً من الورود.

وهذا كلّه حذراً على الدست الذي اغتصبوه من آل رسول الله فإنّهم علموا أن ذلك الاجتماع يوجب التعريف بمبدأ الحسين وسلفه إمّا بكلمة تلقى أو قريض يرتل أو أُنشودة يصدح بها أو نوادب تجيش الأفئدة وتستفزّ الحلوم وفي خلال ذلك يعرف فضل العترة الطاهرة ووصايا الرسول بهم وأوامره بالأخذ بحجزتهم والتنديد بظالمهم والبراءة منهم فيتعكر حينئذٍ صفو الخلفاء ويقلق جوّهم الهادئ وربما تكلّفهم الحالة مقاساة معارك دامية.

هكذا صوّرت لهم أحلامهم وما صوّرت إلاّ حقيقة ناصعة كفلق الصباح فمنعوا الناس من المثول في (مجزرة الحقائق) ومشهد الطفّ.

لكن شيعة الحسين من ناحية تحفّظهم على المبدأ القويم وتهالكهم في القيام بوصايا النبيّ بآله الأطهرين وطّنوا أنفسهم على كل ما يجري عليهم من القتل وقطع الأيدي والإِرهاب دون مقصدهم الراقي وضالتهم المنشودة فلم يتركوا المثول عند المرقد الأقدس.

وقد روى الشيخ الطوسي في (الأمالي) إن في سنة 237 أنفذ المتوكل قائداً من قوّاده ومعه جند ليمنع الزائرين فرأى خلقاً كثيراً وثار إليه الناس وقالوا لو قتلتنا بأجمعنا لما أمسك من بقي منّا زيارته فكتب بذلك إلى المتوكّل فأمره بالكفّ عنهم مخافة أن يتسبّب ما لا يحمد عقباه.

ثم إن الشيعة لم يقتصروا على أداء حق الحسين في الزيارة فقط بل طفقوا يعقدون الأندية والمحتشدات سرية وعلنية حسب مقتضيات الظروف والأحوال لتذكّر ما جرى على آل الرسالة من القساوة الشائنة فلاقوا من أعدائهم القتل والنهب والحرق فلم يبالوا بكل ذلك حتى تسنّى لهم الحصول على طلبتهم من تدمير صروح النعرة الأموية في شتّى الوسائل.

ثم لا تزال الشيعة يكثر عددها ويقوى أمرها حتى جاء منهم ملوك ووزراء وولاة وعلماء مجاهدون فتفنّنوا في توسيع دائرة الذكريات إلى حفلات تعقد في الأفراح والحزان ومواكب تجول في الطرقات فيها تمثيل تلك المأساة الدامية إلى أن نمت بذرة الحق فأثمرت الولاء الأكيد لأهل البيت وفي القلوب عداء محتدم للأمويين نسباً ومذهباً فنسيتهم الأمة إلا عند كل سبّة فكأنّ وعاء الدهر لم يقل منهم أحداً أو أنّهم حديث أمس الدابر.

وهذا الذي ذكرناه في دفن مسلم وهاني حول القصر اعتبار لم يبعد عن الحقيقة ولسنا نعتمد عليه فقط في إتيان هذا المشهد المطهر وإنّما المستند الوحيد هو سيرة العلماء والصلحاء والشيعة عامة المتصلة بزمان المعصومين في المثول بهذا الموضع المقدس الذي لم تزل الكرامات تصدر ممن ثوى فيه فلم يؤمه مريض إلا عُوفي ولا طالب حاجة إلا قُضيت ولا تجرّأ عليه متمرّد باليمين الكاذبة إلاّ عاد بالخيبة والخسران وهذه السيرة دليل قطعي في كل مشهد ولولاها فأيّ مشهد يمكننا تعيينه من دون نقاش.

 

1 - كامل الزيارة ص111. 

2 - أمالي الشيخ الطوسي.