فهرس الكتاب

في قصر الإِمارة

لقد جرى من الكفـــــور الملحد          نغل زيــــــاد الظــلــــوم المعتدي

ما قد جرى من فاحش الخطاب          ومـــــن قـــبيح الـــــرد والجواب

وغير ضائر عـــــواء الكـــــلب          إذا عـــــوى على النـجوم الشهب

وكيف يرجى من عــدوّ الله في          ولــــيّه شيء مــــــن التعسّف(1)

أُدخل ابن عقيل (عليه السلام) على ابن زياد وهو على سرير الطغيان والجور ومسلم أسير مكتوف لا يجد أحداً ينجده ولا من يقف دونه فلم يتظاهر بالخضوع لابن مرجانة ولا استلان له واستعطفه بالسلام عليه ولما اعترضه الشرطي بقوله: ألا تسلّم على الأمير؟ قال: إنّه ليس لي بأمير(2) ويقال أنّه قال: السلام على من اتّبع الهدى وخشي عواقب الردى وأطاع الملك الأعلى(3).

أراد بهذه الكلمة تعريف الحضور بأنّه مقاوم للسلطة الغاشمة ومناوئ لهذا الجائر حتى عند تضاؤل قواه وانفلات الأمر من يده وعند منصرم العمر ولعلّ بذلك يتجدّد المقت من الأمة على ابن مرجانة وتحتدم القلوب عليه وعلى من ولاّه أمر البلاد فيستطيع حينئذٍ أن يقول القائل إن داعية الصلاح رافض لحكومة الضلال حتى في أحرج المواقف ولا يهون عليه شيء من أمرها فلا يفوت أهل الكوفة العلم بمشروعية هذه الولاية وإن الأخوة التي شرفه بها سيّد الشهداء أخوة شرف وإيمان والثقة التي فاز بها كما في صكّ الولاية لا يدرك مداها.

ولم يقتنع مسلم (عليه السلام) بكل ذلك حتى أخذ يعرف الناس في ذلك المجلس نفسية عبيد الله وأبيه ومن أجلسه هذا المجلس لتتمّ الحجّة فلا يعتذر أحد بالغفلة والجهل وإن لقوة الجور مفعولاً آخر.

فإنّه لما قال له ابن زياد: أيّها يا ابن عقيل أتيت الناس وأمرهم واحد فشتّت أمرهم وفرقت كلمتهم وحملت بعضهم على بعض! قال: كلاّ لست أتيت لذلك، ولكن أهل المصر زعموا أن أباك قتل خيارهم وسفك دماءهم وعمل فيهم أعمال كسرى وقيصر فأتيناهم لنأمر بالعدل وندعو إلى حكم الكتاب.

قال ابن زياد: ما أنت وذاك يا فاسق أو لم نكن نعمل فيهم بذلك وأنت بالمدينة تشرب الخمر.

قال مسلم: أأنا أشرب الخمر؟ إن الله ليعلم أنك غير صادق وأنك تقول بغير علم وأني لست كما ذكرت وأن أحق بشرب الخمر مني من ولغ في دماء المسلمين ولغاً فيقتل النفس التي حرّم الله قتلها ويقتل النفس بغير النفس ويسفك الدم الحرام ويقتل على الغضب والعداوة وسوء الظن وهو يلهو ويلعب كأن لم يصنع شيء.

قال ابن زياد: إن نفسك تمنيك ما حال الله دونه ولم يرك أهله.

فقال مسلم: فمن أهله؟.

فقال ابن زياد: أمير المؤمنين يزيد.

فقال مسلم: الحمد لله على كل حال رضينا بالله حكماً بيننا وبينكم.

فقال ابن زياد: كأنّك تظنّ أن لكم في الأمر شيئاً.

فقال مسلم: والله ما هو الظنّ لكنّه اليقين.

فقال ابن زياد: قتلني الله إن لم أقتلك قتلة لم يقتلها أحد في الإِسلام!

فقال مسلم: أما إنّك أحقّ من أن تحدث في الإِسلام ما لم يكن، وإنّك لا تدع سوء القتلة وقبح المثلة وخبث السريرة ولؤم الغلبة لأحد من الناس أحقّ بها منك.

فشتمه ابن زياد وشتم حسيناً وعليّاً وعقيلاً!.

لقد نضحت آنية ابن مرجانة بما فيها من فحش وخناء وأسمع مسلماً ما لا تحمله الجبال الرواسي فما استهان ولا استلان ولا تكعكع عن إبداء الحقيقة للناس وإيقافهم على مخازيه ومخاريق أبيه وبوائق من استعملها حتى أحرج الموقف وسدّ المذاهب عليه فلم ير الدعي وسيلة لمقابلة ابن عقيل إلا بسبّ أمير المؤمنين ذلك الذي يقول فيه رسول الله: يا عليّ ما عرف الله إلا أنا وأنت وما عرفني إلا الله وأنت وما عرفك إلا الله وأنا(4) يا علّي من سبّك فقد سبّني ومن سبّني فقد سبّ الله(5).

هاهنا لم يطق مسلم صبراً وإن صبر قبل ذلك على مثل حزّ المدى فقال لابن مرجانة فاقضِ ما أنت قاضٍ يا عدوّ الله.

 

1 - المقبولة الحسينية ص14 لشيخنا الحجة الشيخ هادي كاشف الغطاء.

2 - اللهوف لابن طاووس ص30. 

3 - المنتخب للطريحي.

4 - دار السلام للنوري ج2 ص338. 

5 - تقدم في الأبحاث السابقة ردّ سعد على معاوية لما أراد منه أن يسبّ علياً.