|
|
|
كانت هذه الليلة أطول ليلة مرّت على مسلم (عليه السلام) يرقب آناءها ويعدّد دقائقها وثوانيها ينظر بعين البصيرة إلى زوايا البيت وهو يعلم أنّه مأتيّ لا محالة ولكن كيف يؤتى ومن أين يتوقّع الهجوم عليه وكيف يدافع ولا يبصر إلا ناحية واحدة شدّ إليها الرحال منذ خرج من المدينة بأمر السبط الشهيد ألا وهي إظهار الدعوة إلى حُكم الكتاب المجيد وسنّة الرسول وإنقاذ الأمّة من مخالب الضلال وتعريفها سبيل الرُّشد من الغيّ ومما زاد في طمأنينته رؤياه عمّه أمير المؤمنين في المنام يقول له: أنت معي غداً فالعجل العجل(1). فعرفت نفسه المطمئنّة الملهمة أن في صباح هذه الليلة اللقاء والفناء الذي فيه البقاء الأبدي فلم تبعثه الحالة إلاّ إلى النشاط والبسلة والوثوق بأزوف الموعد فلمّا انفلق عمود الفجر وانفتل من صلاته ودعائه ونوافله تأهّب لمجاهدة من مَرَقَ عن الدين وأعرض عن وصايا النبيّ في أهله وذويه وقال لطوعة قد أدّيتِ ما عليكِ من البرّ والإِحسان وأخذتِ نصيبكِ من شفاعة رسول الله وقصَّ عليها الرؤيا(2). أمّا ابن العجوز فذهب إلى القصر واعلم عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بمكان مسلم (عليه السلام) في بيتهم فأخبر عبد الرحمن أباه ووضح الأمر لابن زياد فدعا الغلام وطوّقه بطوق من ذهب(3) وأمر ابن الأشعث أن يذهب إليه في سبعين من قيس ليأتيه به. فلمّا سمع مسلم (عليه السلام) وقع حوافر الخيل ولغط الرجال علم أن هذا طليعة الشر(4) فخرج إليهم بجأش طامن وجنان راسخ بهضم يهزأ الرواسي وحشو الردى منه فروسية وشجاعة وملء إهابة بشر ومسرّة فاستقبلهم كمي آل أبي طالب في جحفل مجر من عزمه أو حشد لهام من بأسه والقوم سبعون دارعاً وهو واحد في ذلك المأزق الحرج من نواحي البيت فلم يفتأوا يرجفوا عليه الدار وهو يكردهم غير مكترث بعددهم ولا بعدّتهم. ألا تعجب من مكثور أطلّت عليه أعداؤه حيث لا متّسع فيه لكرّ أو فرّ في مضايق الشوارع ومرتبك الأزقّة والجراح يؤلمه والعطش يرمضه وهناك جلبة الصاخبين وتشجيع المنشطين وهلهلة النساء كما يقتضيه طبع الحال عند العرب وهم على يقين بالمدد أن أعوزتهم القوّة. وصريخة الهاشميين خالي من ذلك كلّه ولكن سل القوم والموقف كما وصفناه هل ألمّ بابن عقيل خور أو داخله فَرق أو فترت منه عزيمة أو تثّبط منه إقدام لا ومن ترك (الجديدين) يرتلان صحيفته البيضاء على رؤوس الأجيال حتى يرث الله الأرض ومن عليها. ولم يشعروا أهو مسلم ينساب عليهم بصارمه الذكر أو عمّه أمير المؤمنين يشقّ الصفوف ويطرد الألوف أو أن زوبعة الحمام أخذتهم من نواحيهم فقتل من السبعين أربعين وهو يرتجز(5): هو الموت فاصنع ويك ما أنت صانع فأنــــت بكأس الموت لا شكّ جارع فصــــــبراً لأمــــــر الله جــــلّ جلاله فحــــكم قضاء الله في الخلق ذايع وكان من قوّته يأخذ الرجل من محزمه ويرمي به فوق البيت(6) والمرأة الطاهرة (طوعة) تحرضه على القتال(7) فاضطرهم البؤس واليأس من الظفر إلى الاستمداد فأنفذ ابن الأشعث إلى ابن مرجانة يستمده الرجال فبعث إليه: إنا أرسلناك إلى رجل واحد لتأتينا به فثلم في أصحابك هذه الثلمة فكيف لو أرسلناك إلى غيره(8). فأرسل إليه ابن الأشعث: أيّها الأمير أتظنّ أنّك أرسلتني إلى بقّال من بقالي الكوفة أو جرمقان من جرامقة الحيرة وإنّما وجّهتني إلى سيف من أسياف محمد بن عبد الله، فأمدّه بخمسمائة فارس(9). إنّ ابن مرجانة يعجب من هذه البسالة الطالبية وما لهم من القسط الأوفر منها ولا تزال أنباء مواقفهم في الحروب ترنّ في مسامعه كما أن صداها لم ينقطع عن أذن الدهر ومسامع الأجيال والأندية تلهج بحديث النبيّ (لو ولد الناس كلهم أبو طالب لكانا شجعاناً)(10) لكن طيش الملك وغرور الحاكمية أخذا به إلى الاستخفاف بسريّ مضر من أنّه واحد فكيف يثلم ذلك الجمع نعم هو واحد بالذات كثير في العزم والبأس فتجمهروا عليه من كل الجهات وصريخة آل أبي طالب لا يكترث بجمعهم ولم ترعه كثرتهم فأوقع فيهم الموت الزؤام واختلف هو وبكير بن حمران الأحمري بضربتين ضرب بكير فم مسلم (عليه السلام) فقطع شفته العليا وأسرع السيف إلى السفلى ونصلت لها ثنيتان وضربه مسلم على رأسه ضربة منكرة وأخرى على حبل العاتق كادت ان تطلع إلى جوفه(11) فمات منها(12). وأخذ يقاتلهم وحده في ذلك المجال الضيّق حتى أكثر القتلى والناس من أعلى السطوح يرمونه بالحجارة ويقلبون عليه القصب المضرم بالنار(13) وهو يرتجز في حملاته(14). أقسمت لا أقــــتل إلاّ حرّاً وإن رأيــت الموت شيئاً نكرا كل امرء يوماً مـلاق شراً ويخـــــــلط البارد سخناً مُرّا ردّ شعاع النفس فاستـقرا أخــــــــاف أن أكذب أو أغرّا ولمّا أثخنته الجراح وأعياه نزف الدم استند إلى جنب تلك الدار فتحاملوا عليه يرمونه بالسهام والحجارة فقال: ما لكم ترموني بالحجارة كما ترمى الكفار وأنا من أهل بيت الأنبياء الأبرار ألا ترعون حقّ رسول الله في عترته(15). وحيث أعوزتهم الحيل والتدابير الحربية لإِلقاء القبض عليه او التوصل إلى قتله أو تحرّي منجاة من سيفه الرهيف قابلوه بالأمان عساه يكف عن القتال فيتسنّى لهم بعض ما يرومونه فقال له ابن الأشعث أنت آمن إلا عبيد الله بن العباس السلمي فإنه تنحّى وقال لا ناقة لي في هذا ولا جمل(16). أمّا ابن عقيل (عليه السلام) فلم تفته خيانتهم ونقضهم العهود وإنّهم لا يرقبون في مؤمن إلاّ ولا ذمّة فلم يعبء بأمانهم فقال لا والله لا أؤسر وبي طاقة لا يكون ذلك أبداً وحمل على ابن الأشعث فهرب منه ثم تكاثروا عليه وقد اشتّد به العطش فطعنه رجل من خلفه فسقط إلى الأرض وأُسر(17). وقيل أنّهم عملوا حفيرة وستروها بالتراب وانكشفوا بين يديه حتى إذا وقع فيها أسروه(18). ولمّا أركبوه البغلة وانتزعوه سيفه دمعت عينه فقال له عمرو بن عبيد بن العباس السلمي إن الذي يطلب مثل الذي تطلب إذا نزل به مثل ما نزل بك لم يبكِ فقال (عليه السلام) ما على نفسي أبكي ولكن أبكي لأهلي المقبلين إليكم أبكي للحسين وآل الحسين(19). تفيدنا هذه الجملة درساً آخر من نفسيّة مسلم وقوّة إيمانه وثبات جأشه وقداسة نفسه فإن هذا البكاء لم يكن لجروحه الدامية أو عطشه المبرح لما ألمّ به من الضرب والطعن وهو في الحالة نفسها مكثور وإنّه سوف يردى به الظلوم الغاشم في منتأى عن أهله وولده. لكن الذي أبكاه أمام ذلك الجمع المحارب أمر ديني وطاعة للمولى نظير الغاية التي أوقفته هذا الموقف وهو ما سيجري على حجّة الوقت الواجب على العباد الانقياد له والخضوع لأمره وإن سيّد شباب أهل الجنّة سيرد هذا المورد متى حلّ بين ظهراني أهل الكوفة الطغاة وهو لا يريد أن تشوك سيّده شوكة ولا يستهين أن يصيبه أي أذىً وإنّما وقف هذا الموقف للحصول على مرضاة إمامه والدعوة إليه والذبّ عنه ولم يبرح هذه نواياه حتى نسي نفسه ولم ينس أبي الضيم (عليه السلام) فطفق يبكي لما يصيبه وهو مرتثّ بالجراح وفي آخر رمق من الحياة فحيّاه الله من شهم سيط الإِيمان بلحمه ودمه وعاد مزيج نفسه الكريمة. وفي نصّ سبط ابن الجوزي أن ابن الأشعث سلب مسلم بن عقيل درعه وسيفه فقال بعض الشعراء يؤنّبه على فعلته هذه وتركه نصرة هاني(20). وتركت عمّك لم تقاتل دونه فشلاً ولولا أنت كان منيعا وقتلت وافد آل حزب محمد وسلبت أسيافاً له ودروعا ولما جيء به إلى القصر تساند إلى الحائط وقد أخذه الضعف لنزف الدم وشدّة الظمأ فرأى قلّة مبردة فطلب منها ما يبلّ غلته فقال له مسلم بن عمرو الباهلي: أتراها ما أبردها لا تذوق منها قطرة حتى تذوق الحميم في نار جهنّم!. فبكرت هذه الكلمة على ابن عقيل أن تصدر من رجل يدّعي الإسلام ويتشهّد الشهادتين ثم لا تسمح نفسه ببذل الماء الذي هو مباح لعامّة الحيوانات ولا يمنع منه حتى الكافر والشريعة تنادي بأعلى صوتها: الناس شرع سواء في الماء والنار والكلاء، ثم أي رجل يحمل أقل شيء من العاطفة يشاهد إنساناً بتلك الحالة المشجية ثم يضنّ عليه بشربة من ماء أنّه لخارج عن الحدود البشرية ومستوى الإنسانية. ومن هنا تعجّب مسلم (عليه السلام) واستفهم عن حسبه فقال له من أنت؟ قال أنا ابن من عرف الحقّ إذا أنكرته ونصح لإمامه إذ غششته وسمع وأطاع إذ عصيته وخالفته أنا مسلم بن عمرو الباهلي!. فقال ابن عقيل لأمّك الثكل ما أجفاك وأقظك وأقسى قلبك وأغلظه أنت يا ابن باهلة أولى بالحميم والخلود في نار جهنّم. وعلى هذا الحوار بعث عمرو بن حريث غلاماً له يدعى سليماً فأتاه بالماء(21) وفي نصّ آخر أرسل عمارة بن عقبة بن أبي معيط غلامه قيساً وأتاه بالماء(22) وهل شرب ابن عقيل من الماء فيخفف من اللغوب ويطفئ أوار الظمأ؟ لا! فإنّه كلما أدنا القدح منه امتلأ دماً للضربة التي على شفتيه وفي الثالثة امتلأ دماً وسقط في القدح ثناياه فتركه وقال: لو كان من الرزق المقسوم لشربته(23). وهذا من أشدّ تمكّن القداسة في ذاته الملكوتيّة التي هي قطعة ذلك الجامع المنبسط على رجالات بيت الوحي وهو روح الطهارة والعصمة عن الرذائل فتلك ذات لم تمازجها دنيّة ولا ألمّت بها ضعة ولا صمت برذيلة فراق داعية السبط الشهيد (عليه السلام) أن لا يعلق به شيء لا يتفق مع عنصره الزاكي وذاته المطهّرة ولم يقاربه طيلة عمره ألا وهو شرب الماء المشوب بالدم وإن كان يجوز له ذلك. لأنّ الله تعالى اختار لهذه النفوس القدسية المتفانية في نيل مرضاته الداعية إلى كلمته وبرهانه حتى قاست ما لا يدركه العقل من كوارث ومحن في سبيل طاعته أشرف الموت وهو القتل ممنوعين من الورود لتكون الحجّة ألزم على أُولئك المتمرّدين على قدس المولى سبحانه الخارجين على حدود سننه وتعاليمه.
|
|
|
1 - نفس المهموم ص56 عن كامل البهائي. 2 - نفس المهموم ص56. 3 - رياض المصائف ص265. 4 - مقاتل الطالبيين ص41. 5 - مناقب ابن شهراشوب ج2 ص212. 6 - نفس المهموم ص57. 7 - رياض المصائب ص265. 8 - مقتل محمد بن أبي طالب. 9 - رياض المصائب ص266. 10 - غرر الخصائص للوطواط ص17 في باب حفظ الجوار. 11 - الطبري ج6 ص210. 12 - مقتل الخوارزمي ج1 ص210. 13 - ابن الأثير ج4 ص13. 14 - في اللهوف ص30 صيدا الأبيات لحمران بن مالك النخعي قالها يوم القرم وعند ابن نما (القرن) ويشهد له ما في المعجم مما استعجم ج3 ص1068 قرن اسم جبل كانت فيه وقعة لغطفان على بني كنانة فهو يوم قرن وفي تاج العروس ج9 ص310 يوم أقرن كأملس يوم لغطفان على بني عامر وفي معجم البلدان ج7 ص64 قرن اسم جبل كانت به وقعة لبني قرن على بني عامر بن صعصعة وفي نهاية الإِرب للقلقشندي ص321 بنو قرن بطن من مراد وهم بنو قرن ابن رومان بن ناحية بن مراد منهم أويس القرني المشهور. 15 - مناقب ابن شهراشوب ج2 ص212. 16 - ابن الأثير ج4 ص13. 17 - ابن شهراشوب في المناقب ج2 ص212. 18 - المنتخب للطريحي. 19 - تاريخ الطبري ج6 ص211. 20 - تذكرة الخواص ص139. 21 - الإرشاد للشيخ المفيد ص215. 22 - الطبري ج6 ص211. 23 - المصدر السابق ج6 ص212. |