|
|
|
حماية الجار من عادات العرب الفاضلة ولهم في ذلك أيام بيض وصحائف ناصعة وأن تطرق فيها بعضهم فخرج إلى الرعونة(1) لكنّها في الجملة مما يمدحون بها ولم يبرحوا متهالكين عليها فكانت تراق على ذلك الدماء وتقوم الحرب العوان على أشدّها لأنّها من ولائد الحفاظ والشهامة والغيرة على الأحساب وفيها الإبقاء على المستجيرين من عادية المرجفين وجلب ودّهم وودّ ذويهم وقبائلهم وسيادة الإِلفة وتوارث المحبّة وظهور الأبّهة وبروز المنعة وإخماد الفتن ودحض الفوضى ولعلّ العداء يعود حناناً بإرجاء الفتك لأجل الاستجارة إلى التفاهم أو تبيين أغراض النمامين المثيرين للعداء أو بالمعاذير المقبولة. وقد حفظ المؤرّخون من قضاياهم في هذه الخصلة التي تنفق مع العقل نأتي على بعضها منها قصة (أوفى ابن مطر المازني) مع رجل جاوره وعنده امرأة أعجبت أخاه قيساً فلم يصل إليها مع زوجها فقتله غيلة وبلغ ذلك (أوفى) فقتل أخاه قيساً بجاره وقال: إنّي ابنة العمري لا ثوب فاجر لبــــست ولا مــــن غدرة أتقنع سعيت علــى قيس بذمة جاره لأمنع عرضي أن عرضي ممنَّع ومرّت سنة مجدبة على بني تيم الله بن ثعلبة فقصد جماعة منهم وهم مالك وعامر وحليحة مجاورة (بدر بن حمران الضبي) فوفى لهم حتى أحيوا ورجعوا مسرورين إلى وطنهم مكرمين وقصد جماعة منهم (مساوراً) فجعل يفخر بنسائهم فقال بدر بن حمران: وفيت وفاء لم ير النـاس مثله بتـــــعشار إذ تحــــنوا إليَّ الأكابر ومن يك مبنياً به عرس جاره فإنّي امرؤ عن عرس جاري جافر واستجار امرؤ القيس بن حجر الكندي بعامر بن جوين الطائي ثم الجرمي فقبَّل عامر امرأة امرئ القيس فأعلمته بذلك فارتحل عنه واستجار (بأبي حنبل جارية بن مر الطائي ثم الثعلبي) فلم يصادفه فقال له ابن جارية أنا أجيرك من الناس كلّهم إلاّ من أبي حنبل يعني أباه فرضي امرؤ القيس وتحوّل إليه ولمّا قدم أبو حنبل رأى كثرة أموال امرئ القيس وأعلمه ابنه بما شرط له في الجوار فاستشار أهله بذلك فقالوا له: لا ذمّة له عندك فخرج أبو حنبل إلى الوادي ونادى: ألا أن أبا حنبل غادر، فأجابه الصدى من الجبل بذلك ثم نادى: ألا أن أبا حنبل وافٍ، وأجابه الصدى بذلك فقال الثانية أحسن ثم أتى منزله وحلب جذعة من غنم امرئ القيس وشرب لبنها ومسح بطنه وقال: (اغدر وقد كفاني لبن جذعة) ثم قال: لقــد آليت أغدر في جذاع ولــــو منّيت أمات الرباع لأن الغدر في الأقوام عار وإن الـــحُرّ يجزأ بالكراع ثم عقد له وأعلمه امرؤ القيس فعلة عامر بن جوين بامرأته فركب أبو حنبل في أسرته حتى أتى منزل عامر بن جوين ومعه امرؤ القيس فقال له قبّل امرأة عامر كما قبَّل امرأتك ففعل(2). إلى غير ذلك من قضاياهم الكثيرة في حفظ الجوار وحماية النزيل ولا يشفقون في الدفاع عمّن استجار بهم وإن كان فيه ذهاب أنفسهم وعشائرهم وأموالهم أو يحصلون على أغراضهم. وقد جاءت الشريعة المطهّرة الحافلة بمكارم الأخلاق الحاثّة على السلام والوئام فأقرّت تلك الفضيلة وأدخلت التحسينات فيها حتى أجازت الإجارة للمشركين قصداً للتأليف وفي ذلك يقول سبحانه وتعالى: (وإن أحد من المشركين استجارك فأجره) فكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول المسلمون يسعى بذمّتهم أدناهم، وفسّره الإمام الصادق (عليه السلام) بان جيش المسلمين إذا حاصر قوماً من المشركين فأشرف رجل وقال أعطوني الأمان حتى ألقى صاحبكم وأُناظره فأعطاه أدناهم الأمان وجب على أفضلهم الوفاء به(3). وقام الأئمّة من أبنائه (عليه السلام) بالمحافظة على هذه النواميس التي فيها الإبقاء على الجامعة فما زالوا يوصون شيعتهم بحرمة الجوار وإن كان المجير عبد أو امرأة وتناهوا فيه حتى عدّوا الإِيماء بالأمان لازم الوفاء به وإن من أعطى الأمان بأي لغة فلا تخفر ذمته ووجب الوفاء به(4). وأنت إذا عرفت ما هتفت به العادة من حُسن حماية الجوار والذبّ عن النزيل وما أيّدته الشريعة الإلهية تعرف أن ما قام به (هاني بن عروة) من هذه المأثرة في حماية ابن عقيل (عليه السلام) وأجارته مما يمدح عليه في حدّ ذاته لكن في الحقيقة إن قام به (هاني) منبعث عمّا هو أرقى من تلك الناحية وهو جهة دينية وعقيدة راسخة بأن الحسين (عليه السلام) هو الإمام المفترض طاعته وحيث أن (مسلماً) ممثّل حجّة الله على الخلق كان الواجب الأخذ بعضده والدفاع عنه وكلاءته عن عادية الشقيّ وأنّه من أداء أجر الرسالة. وإن صبّه في مجلس ابن زياد في قالب التقليد والعادة فقال إنّي ما دعوته إلى منزلي حتى رأيته على باب داري وسألني النزول فاستحيت من ردّه ودخلني من ذلك ذمام فأدخلته داري وضيّفته وآويته الخ. فإن هانياً لم يسعه في ذلك الموقف الحرج إلاّ أن يعتذر بما يقتضيه الحفاظ والغيرة كيف لا وهو بين ناب الدعيّ ومخلبه مغلوب على أمره فحسب أنّه سوف يجديه إخفاء أمر مسلم لكنه لم يقتنع بهذه المعاذير بعد قيام (معقل) جاسوس ابن مرجانة وقد أعلم ابن زياد بكل ما وقف عليه من أمر مسلم في دار هاني. وعلى هذا فما ذكره ابن جرير الطبري من قول هاني لمسلم: لقد كلفتني شططاً ولولا دخولك داري لسألتك الخروج عنّي غير أنّي يأخذني من ذلك ذمام وليس يرد مثلي على مثلك عن جهل ثم آواه وكذا ما ذكره من أن هانياً قال لشريك لا أحبّ أن يقتل ابن زياد في داري(5). لا يعبأ به لأن ولاء هاني لأهل هذا البيت واعتقاده بكون مناصرتهم من واجبه الديني لا يرتاب فيه من يقرأ حياته المفعمة بالمآثر والمفاخر. وممّا يشهد له أن هانياً لو كانت إجارته لمسلم لمحض وقوفه على باب داره ودخوله عليه فما الذي ألزمه بإدخال الشيعة على مسلم وقد اعترف به ابن جرير حيث قال: (وأخذت الشيعة تختلف إليه في دار هاني بن عروة)(6). وكان يهيئ له الأمور ويدبّر الشؤون ويرتّب العساكر ويجمع المال والعتاد(7) وفي وسعه أن يقول لمسلم: ادخل أنت وحدك ولا تهج عليَّ أمراً ساكناً ولا يدخل عليك أحد. ثم أن المؤامرة الواقعة بين شريك الأعور وبين مسلم بالفتك بابن زياد كان بمشهد من هاني فلم يمنع منها حتى أن مسلماً لما اعتذر عن الفتك بأن امرأة هاني سألته أن لا يفعله في دارهم قال هاني: يا ويلها قتلتني وقتلت نفسها والذي فرّت منه وقعت فيه. أليس هذا يشف عن مرضاة هاني بالفتك بابن مرجانة لما رسخ بين جنبيه من وجوب التنكيل بأعداء آل الرسول ومن هنا قال لمسلم: أما والله لو قتلته لقتلت فاسقاً فاجراً كافراً غادراً(8).
|
|
|
1 - في غرر الخصائص للوطواط ص16 كان حارثة بن مرّ يسمى مجير الجراد لأنّه حمى جراداً حطّ بفنائه وكان ثور بن شحمة الضبي يسمّى مجير الطير فلا تصاد بأرضه وحمى زياد الأعجم حمامة تصوت على شجرة فقتلها حبيب وشكاه زياد إلى الملهب فألزم حبيباً ديّة الحرّ وأعطى زياداً ألف دينار. 2 - هذه القضايا في المحبر لابن حبيب ص348 إلى ص355. 3 - الوسائل ج2 ص425 عين الدولة. 4 - المستدرك للنوري ج2 ص250. 5 - الطبري ج6 ص203 وص204. 6 - الطبري ج6 ص203 والأخبار الطوال ص235. 7 - الأخبار الطوال ص235. 8 - تاريخ الطبري ج6 ص204 وابن الأثير ج4 ص11. |