فهرس الكتاب

ابن سعد مع يزيد

لا مناص من الخضوع لناموس الوراثة الحاكم في الجملة بأن لنفسيات الآباء تأثيراً في الأبناء أما بتسرّبها إليهم مع الطبيعة المشتركة بين الفريقين أو بتمرين ممّا يترشّح من أواني سلفهم المفعمة بالفضائل أو الرذائل من مفعولات تلكم الغرائز وبطبع الحال إن الناشئ يتخذّ النواجم من ضرائب سلفه سنّة متّبعة اللهمّ إلاّ أن يكبح ذلك الجماح ما تتأثّر به الأبناء بواسطة الكسبيات وهذا على خلاف ذلك الناموس.

وعلى هذا فهلمّ معي إلى عمر بن سعد الذي لم يعرف من أبيه غير المناوأة لأهل هذا البيت (عليهم السلام) والحسد لهم وكان أخف ما نجم من بغضاء سعد بن أبي وقاص قعوده عن نصرة أمير المؤمنين (عليه السلام) يوم الجمل وهو الإمام المفروض طاعته بعد اجتماع الأمة عليه وقالوا له لا يصلح لإِمامة المسلمين سواك ولا نجد أحداً يقوم بها غيرك وهو ممتنع عليهم أشدّ الامتناع حتى تداكّوا عليه لا يرون أحداً صالحاً سواه فلمّا رأى حرصهم عليها بسط يده للبيعة فتمّت بيعة المهاجرين والأنصار ولم تكن بيعته مقصورة على واحد أو اثنين أو ثلاثة كبيعة أبي بكر وإمامة عمر الثابتة بأبي بكر وحده وتمّت البيعة لعثمان في الحقيقة بابن عوف.

ولمّا عاتبه أمير المؤمنين (عليه السلام) تظاهر سعد بالشكّ في الجهاد معه وقال: إنّي أكره الخروج في هذا الحرب فأصيب مؤمناً فإن أعطيتني سيفاً يعرف المؤمن من الكافر قاتلت معك(1).

وهذا أعجب شيء منه وقد شاهد من فضل (أبي الريحانتين) الكثير وسمع من النبيّ (صلى الله عليه وآله) في حقّه أكثر ألم يكن هو القائل: إنّي سمعت رسول الله يقول لعليّ: أنت منّي بمنزلة هارون من موسى(2) إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي ثم وضع إصبعيه على أذنيه وقال: إنّي سمعته يقول ذلك وإلا استكتّا(3).

ولمّا قال له معاوية ما يمنعك أن تسبّ أبا تراب قال: أما ذكرت ثلاثاً قالهنّ رسول الله لئن تكون لي واحدة منهنّ أحبّ إليَّ من أن يكون لي حمر النعم فلن أسبّه سمعت رسول الله يقول وقد خلفه في بعض المغازي فقال له عليّ يا رسول الله تخلفني مع النساء والصبيان فقال (صلى الله عليه وآله): أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبوّة بعدي وسمعته يقول يوم خيبر لأعطيّن الراية رجلاً يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله فتطاولنا لها فقال ادعوا لي عليّاً فأتاه وبه رمد فبصق في عينيه ودفع إليه الراية ففتح الله عليه ولما نزلت هذه الآية (فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم) فدعا رسول الله عليّاً وفاطمة وحسناً وحسيناً وقال اللهمّ هؤلاء أهلي(4).

ولمّا عاتبه معاوية على ترك القتال معه في صفّين قال له أتأمرني أن أقاتل رجلاً قال له رسول الله: أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي، فقال معاوية من سمع هذا معك فقال سعد سمعه فلان وفلان وأمّ سلمة قال معاوية لو كنت سمعت هذا لما قاتلته(5).

ولا شكّ فيما لأمير المؤمنين من السوابق والفضائل والمواقف والتأهّل للخلافة كما لا ريب في ثبوت البيعة له باختيار من الأمة وإن الخارج على الإمام العادل باغ يجب قتله وقد اعترف أبو بكر الجصاص المتوفى سنة 370 بأن عليّاً (عليه السلام) كان محقّاً في قتاله الفئة الباغية ولم يخالف فيه أحد(6).

وقال أبو بكر ابن العربي الأندلسي المتوفّى سنة 546 أن عليّاً كان إماماً لأنّهم اجتمعوا عليه ولم يمكنه ترك الناس لأنّه كان أحقّ الناس بالبيعة فقبلها حوطة على الأمة وإن لا تسفك دماؤها بالتهارج ويتخرّق الأمر وربّما تغيّر الدين وانقض عمود الإسلام وطلب أهل الشام منه التمكين من قتلة عثمان فقال لهم عليّ ادخلوا في البيعة واطلبوا الحق تصلوا إليه وكان عليّ أسدّهم رأياً وأصوب قولاً لأنّه لو تعاطى القود لتعصّبت لهم قبائلهم فتكون حرباً ثالثة فانتظر بهم أن يستوثق الأمر وتنعقد البيعة العامة ثم ينظر في مجلس الحكم ويجري القضاء ولا خلاف بين الأمة أنه يجوز للإمام تأخير القصاص إذا أدّى ذلك إلى إثارة الفتنة وتشتيت الكلمة.

وحينئذٍ فكل من خرج على عليّ (عليه السلام) باغ وقتال الباغي واجب حتى يفيء إلى الحقّ وينقاد إلى الصلح وإن قتاله لأهل الشام الذين أبوا الدخول في البيعة وأهل الجمل والنهروان الذين خلعوا بيعته حق وكان حقّ الجميع أن يصلوا إليه ويجلسوا بين يديه ويطالبه بما رأوا فلمّا تركوا ذلك بأجمعهم صاروا بُغاة فتناولهم قوله تعالى: (فقاتلوا التي تبغي حتّى تفيء إلى أمر الله).

ولقد عتب معاوية على سعد بن أبي وقّاص بعدم مشاركته له في قتال عليّ (عليه السلام)، فردّ عليه سعد: بأنّي ندمت على تأخيري عن قتال الفئة الباغية يعني بها معاوية ومن تابعه(7).

وحكى الألوسي عن الحاكم والبيهقي إن عبد الله بن عمر يقول: ما وجدت في نفسي من شيء ما وجدت في نفسي من هذه الآية (فقاتلوا التي تبغي) الآية. حيث أنّي لم أقاتل الفئة الباغية يعني معاوية ومن معه من الباغين على عليّ (عليه السلام).

ولم يتعقّبه الآلوسي بشيء وزاد بتصريح بعض الحنابلة بوجوب قتال الباغين احتجاجاً بأن علياً اشتغل في زمان خلافته بقتال الباغين دون الجهاد فهو إذاً أفضل من الجهاد(8).

وما أدري بماذا يعتذر سعد مع ذلك التصريح منه لمعاوية بأنه باغ ولم ينهض مع خليفة الرسول (صلى الله عليه وآله) لجهاد من يبغي في دين الله عوجاً وكيف تفوّه بطلب السيف العارف بالمؤمن من الكافر ولم يطلبه من (الشيخين) في قتالهم أهل الردّة وكان موافقاًَ لهما على ذلك مع أن أهل الردّة لم يمتنعوا من أداء الزكاة إلا بشبهة الدفع لمن أقامه النبيّ خليفة على المسلمين يوم الغدير ولم يخلعوا يداً عن طاعة ولا فارقوا جماعة المسلمين لولا أن قتالهم أمر دبّر بليل.

فأين كانت جلبة سعد وضوضاء أُسامة وتزفّر ابن عمر من قتل عليّ (عليه السلام) لأهل الجمل أيّام تفريط خالد في أُولئك المسلمين الذين لم يتركوا الشهادتين حتى آخر نفس لفظوه وكما كان لأصحاب الجمل عند هؤلاء عذر في الخروج على سيّد الوصييّن يكون لأولئك الذين أطلقت عليهم الردّة عذر في الامتناع عن أداء الزكاة أهل كان الحكم بقتال المرتدّين مقصوراً على خصوص من خالف (أبا بكر) أم هو عام لكل من تمّت له البيعة.

نعم الحسد من جهة وعدم الرضوخ إلى الحقّ من جهة أُخرى لم يدعا لسعد وأمثاله طريقاً في الخضوع لأمير المؤمنين (عليه السلام) (وإنّما متسافل الدرجات يحسد من علا).

لقد كان سعد ممّن يشمخ أنفه بالفخفخة الباطلة والمجد الكاذب ويرى نفسه في أشراف الصحابة وإذا قايسها مع أخي الرسول وجدّه أطهر منه نسباً وأعلى حسباً وأغزر علماً وأثبت في المواقف وأشجع في الهزاهز وأقوى حجّة وأشرف نفساً إلى أن تنتهي حلقات الفضل ولأمير المؤمنين بقايا غير محصورة ينبوعها الحساب.

فكان في رضوخه لأبي الحسن (عليه السلام) خضوع إلى هاتيك المآثر وظهور لنقصه فيها ولطموح نفسه إلى التعالي ولم يكن عنده من التقوى ما يكبح عامل الكبرياء ليستسهل البخوع للمجد العلوي وإن أضرّ ذلك بدينه وأرداه في آخره فإن العصبية أغشت بصره والنخوة الجاهلية تحكّمت بين أحشائه والحسد المحتدم بصدره ألقاه في مدحرة الهلكة وحفزه إلى مكامن البغضاء وإن تستَّر بظواهر الإسلام وتعاليمه.

يشهد لذلك سؤاله أمير المؤمنين (عليه السلام) لما سمعه يقول في خطابه: سلوني قبل أن تفقدوني فوا الله ما تسألوني عن شيء مضى ولا عن شيء يكون إلاّ أنبأتكم به.

فقام إليه سعد وقال: يا أمير المؤمنين أخبرني كم في رأسي ولحيتي من شعرة، فقال (عليه السلام): لقد سألتني عن مسألة حدّثني عنها خليلي رسول الله أنّك ستسألني عنها وما في لحيتك ورأسك من شعرة إلاّ وفي أصلها شيطان جالس وإن في بيتك لسخلاً يقتل ولدي الحسين، وعمر يدرج بين يدي أبيه(9).

وهذا منه سؤال مستهزأ لا مستفهم ظنّ في ذلك أن يفحم الإِمام لأنّ الجواب الحقيقي يعوزه البرهان فإنّ أمير المؤمنين لو عيّن عدداً فأيّ أحد يمكنه عدّ الشعرات ولا يرمى بالخطأ وحيث وضّح لأبي الحسن (عليه السلام) الواقف على ضمائر العباد ما أضمره سعد عدل إلى ما فيه خزي لذلك المتعنّت اللدود وقد بقي وصمة عليه إلى آخر الأبد فحكى له حديث الرسول.

فهذا الذي عرفناه من نفسيّات سعد وبوائقه يسير من كثير ولو أردنا الاستقصاء لأريناك غرائب.

إذاً فليس من البدع إذا قام ابنه عمر بهاتيك المظاهر الذميمة فوأد الحق ونصر الباطل وأجهز على بقايا الرسالة وشظايا النبوة إلى مخازي لا تحصى مع القسوة التي يمجها الطبع البشري وتتذمّر منها الإنسانية فأعقبها سبّة خالدة وشية من العار سجّلها له الدهر منذ خيانته مسلم بن عقيل إلى مشهد الطفّ إلى ما بعده حتى يرث الله الأرض ومن عليها.

وإلى هذه القضايا الطبيعية كان يوعز أمير المؤمنين بعلمه المستقى من بحر النبّوة فيقول: إن في بيتك لسخلاً يقتل ابني الحسين.

وإذا كان سعد يستهزأ بسيّد الوصيّين فلقد استهزأ ابنه عمر بسيّد شباب أهل الجنّة يوم اجتمع به قبل اشتباك الحرب وقال له: أي عمر أتقاتلني أما تتّقي الله الذي إليه معادك فأنا ابن من علمت ألاّ تكون معي وتدع هؤلاء فإنّه أقرب إلى الله تعالى، فاعتذر ابن سعد بمعاذير لا ترضي الخالق تعالى قال أولاً: أخاف أن تُهدم داري، قال الحسين: أنا أبنيها لك. وثانياً: أخاف أن تؤخذ ضيعتي، قال (عليه السلام): أخلف عليك خيراً منها من مالي بالحجاز(10) ويروى أنّه قال له أعطيك البغيبغة وكانت عين عظيمة فيها نخل وزرع كثير دفع فيها معاوية ألف ألف دينار فلم يبعها منه(11) وثالثاً: أخاف من ابن زياد أن يقتل أولادي.

ولمّا أيس منه أبو عبد الله قام من عنده وهو يقول ما لك ذبحك الله على فراشك عاجلاً ولا غفر لك يوم حشرك فوا الله إنّي لأرجو أن لا تأكل من برّ العراق إلاّ اليسير.

فقال ابن سعد مستهزأً: في الشعير كفاية(12).

إن المواعظ لا تفيد بمعشر          صموا عن النبأ العظيم كما عموا

إنّك يا سيّد الشهداء أبصر بهذا الطاغي وإنّه يعشو عن الحق لدناءة حسبه وضؤولة مروءته وضعف دينه وبعده عن الصراط السوي وانغماره في الشهوات لكنّك ابن من تحمّل الأذى ولاقى المتاعب في سبيل إنقاذ الأمّة وانتشالها من موج الضلال فلم ترد بتلك النصائح وإدلاء الحجج وضرب الأمثال إلاّ إتمام الحجّة ولم تبق له مسرحاً يلتوي إليه ولا منتكصاً يتحرّج منه حتى أتممت عليه كلمة العذاب وقطعت عنه المعاذير يوم تنشر الصحف وتنصب الموازين.

وإذا كان أبوه سعد لم يستضئ بنور النبوة ولا استفاد من تعاليمه ما يقرّبه إلى الحق فيتباعد عن وصيّ النبيّ مع ما يعلمه من الحقّ الثابت له فجدير بابنه إذا بات ليلته مفكّراً في النصائح التي ألقيت إليه ممن يمحضه الودّ ولا يرديه في باطل فجار عن الطريق الواضح واختار الدنيا على الآخرة فإن (الشجرة المرّة لا تنبت إلاّ مرّاً) والذي خبث لا يخرج إلاّ نكداً وهل ترجى الهداية منه بعد قوله(13):

أأترك مُلك الري والـري رغبتي          أم أرجع مذموماً بقتل حسين

وفي قتله النار التي ليس دونها          حجــاب ومُلك الري قرّة عين

وبعد هذا فهل يعجب القارئ ويستغرب من كتابة عمر بن سعد إلى يزيد بن معاوية بخبر مسلم بن عقيل واجتماع الناس عليه وتوقّف النعمان بن بشير عن محاربته(14) وكان محرّضاً له على تدارك الأمر لئلا ينتكث فتله.

ولقد تحقّقت فيه كلمة سيّد الشهداء (لا تأكل من برّ العراق إلا يسيراً) فإنّه رجع من كربلاء صفر الكفّ خالي الوطاب من الزلفى وهل أحد أخسر صفقة منه حين دعاه ابن زياد وطلب منه العهد بولاية الريّ فاعتذر بضياعه فلم يقبل منه وألحّ عليه قال أنّي تركته يُقرأ على عجائز قريش اعتذاراً منهنّ أما والله لقد نصحتك في الحسين نصيحة لو نصحتها أبي سعداً لكنت قد أدّيت حقّه(15) وبقي في الكوفة خاسراً ربح السلطان والفوز بجوار المصطفى حتى قتله المختار شرّ قتلة في ذي الحجّة سنة ست وستّين ومعه ابنه حفص(16). ولعذاب الله أشدّ.

 

1 - الجمل للشيخ المفيد ص29 طبع النجف ثاني. 

2 - صحيح البخاري ج2 ص259. 

3 - صحيح مسلم ج2 ص323. 

4 - الإصابة لابن حجر ج2 ص509. 

5 - شرح النهج لابن أبي الحديد ج1 ص201. 

6 - أحكام القرآن ج3 ص492. 

7 - أحكام القرآن ج2 ص224. 

8 - تفسير روح المعاني ج26 ص151. 

9 - كامل الزيارة لابن قولويه من أعيان القرن الثالث ص74. 

10 - مقتل العوالم ص78. 

11 - تظلّم الزهراء ص103. 

12 - تهذيب الأسماء واللغات للنووي بترجمة عمر بن سعد.

13 - ابن الأثير ج4 ص22. 

14 - الطبري ج6 ص199. 

15 - المصدر السابق ص268. 

16 - تاريخ أبي الفدا ج1 ص195.