|
|
|
مهما عزب عن الباحث شيء من نفسيّات الأمم لغموض فيها أو لحواجز لم تكشف بعد فإنه غير خاف عليه غرائز الكوفيين وإنهم في ظعنهم وإقامتهم ونصرتهم وخذلانهم ونهضتهم وقعودهم كالريشة في مهبّ الريح تتلاعب بهم أهواء متضاربة ونزعات وقتية والذي ينتجه التفكير الصحيح في أمرهم إن القوم لا تحركهم غاية مرموقة ولا مبدأ ثابت شأن الرعاع من الناس الذين يحدوهم الجشع طوراً والشهوة أخرى فرضيخة موهومة من هذا تسوقهم ولماظة عيش من آخر تأخذ بأكظامهم وبالرغم من ذلك الهلع المردي إنّهم ينكفئون عنهما (بخفيّ حُنين) فلا دين يحمد ولا دنيا يتهنّأ بها. على هذا جروا في عاداتهم وضرائبهم منذ مصرت هذه الحاضرة وأخصّ من أيّامها العهد العلوي وأيّام الإمام المجتبى الحسن ودور سيّد الشهداء واعطف النظرة بعد هذا إلى نهضة التّوابين وأيّام المختار وأيّام العلويين كزيد الشهيد ونظرائه الذين غرّوهم فأغروهم بالقيام ثم انثالوا عنهم. هذه شناشن القوم لم يفتأوا يسيرون عليها منذ الأول إلى أن دمرّت وعاد أمر الكوفة كحديث أمس الدابر وعجيب ممن يذهب إلى أن الكوفة علوية إذاً فمن ذا الذي استأصل شأفة العلويين وقتل كل ترابي في النسب أو في المذهب وهل كان في جيش ابن سعد في مشهد يوم الطفّ غير كوفي يعرف وقد بلغوا ثلاثين ألفاً أو يزيدون ألم يكاتبوا الحسين يستقدمونه إليهم حتّى إذا حلّ بين أظهرهم انتكثوا عليه تحت راية ابن مرجانة إلى هناتٍ كثيرة سوّدوا بها صحائفهم: أتت كتـــبهم في طــــــــيهن كتائب ومــــا رقــمت إلا بسم الأراقم إن أقدم إلينا يا ابن أكرم من مشى عــلى قدم من عربها والأعاجم هكذا عرفت مقادير القوم من الثبات ومبالغهم من السداد وكميّاتهم من الاستقامة هب أن القوم لا يهمّهم دين ولا تردعهم تقوى ولا يتأثّرون بجاذب الحق وإنّما هم سماسرة الأطماع يتحرّون المعيشة تحت أي راية لمحق أو مبطل فيخدمون كل ناعق شأن النفوس الضعيفة والطبائع المسفة مع الضعة. فهلاّ كان الشرف الإنساني يقودهم إلى اتّباع أشرف الفريقين نسباً وأرفعهم شأناً وأعزّهم حمىً وأنداهم يداً وأرجحهم حجىً وأكرمهم جدوداً وأزكاهم نفوساً وأطهرهم ذيولاً وأرساهم قدماً عند مستنّ النزال واشتباك الرماح فيستبدلون الذنابى بالقوادم والعجز بالكاهل. ولو كان في الكوفة يومئذٍ رجل شريف غير أسرة قليلة ضمّتهم أعماق السجون وضربت على أيدي آخرين القسوة الأموية لما بغوا عن آل الله بدلاً ولما وجدوا عنهم حولاً لكنهم أبوا كما هو لازم جبلتهم إلاّ أن يتسيطر عليهم ابن آكلة الأكباد (يزيد الفجور) ويتولّى أمرهم مثل (ابن مرجانة) ولم يرقهم سبط نبيّ الهدى وابن سيّد الأوصياء وفلذة كبد البتول الزهراء سيّد شباب أهل الجنّة. وأي زنة تجمع بين سليل الهدى وبين عصارة المخازي والمنكرات وأيّ مقياس يولّف بينهما. وهل تقام للقوم حجّة يعذرون بها عندما يوقفون للمحاكمة وقد دخل ابن مرجانة عليهم وحده بلا عدة ولا عدد ولم يملك من الكوفة إلا موطأ قدمه وليس معه ثان يسدد خطاه ولذا تزيّا بزيّ سيّد الشهداء وتلثّم كي لا يعرف فيقتل وكل من رآه حسبه (أبي الضيم) فيسلمون على ابن الرسول ولو علموا أنه ابن مرجانة لنالوا منه وليتهم علموا وليتها كانت القاضية فكان من أوسع الأمور البطش به أو اعتقاله لكنهم لم يفعلوا. ولمّا دخل القصر لاذ به أُناس يعدّون بالأنامل وكان الفتك بهم لإخماد الفتنة أهون شيء للكوفيين فإنه ومن معه في القصر مقطوعون عن المدد والذين بايعوا مسلماً يزيدون على خمس وعشرين ألفاً. أيعذر هذا الجمع المتراكم في تفكّكهم وتفرّقهم ونكثهم البيعة التي أعطوها برغبة واختيار لمجرّد تهديد الدعيّ ابن الدعيّ بجيوش الشام وهل كان في الشام جيش عتيد يساق إلى العراق والحالة الأموية قلقة وصفوهم متعكّر بهلاك (ابن هند) وعدم الجدارة في وليّ عهده فكان جوّ المملكة الأموية قائماً ومراجل الأحقاد تغلي على بني عبد شمس فمن متخافت برفض يزيد إلى مهامس بلعنه إلى متجاهر بمناوأته ومظاهر عداء الناس تنجم وتخبو. وفي كل من المدن والرساتيق مؤامرة حول الخلافة المنبوذة فهل كان ابن ميسون والحالة هذه يقدر أن يؤلّب جيشاً يجوز الكفاءة لتدمير العراق. هب أنه كان يتسنّى له شيء من ذلك فهل يتصوّر وصول الجيش إلى العراق قبل أن يُمزّق ابن زياد في قصره تمزيقاً لو كانت النفوس متحفّزة للحقّ ناهضة للدفاع عن الدين القويم. ثم أي وقت يصل ذلك الجيش الموهوم إلى العراق وفي وسع العراقيين عندئذٍ استلام الأمر للحسين (عليه السلام) قبله ولديهم مقانب وكتائب ممن بايع مسلم بن عقيل (عليه السلام) ولو أنهم فعلوا ذلك ووثبوا في وجه ابن زياد لازدلف إليهم من كان ينتظر العواقب ويتحفّز للفتح والظفر وهناك من روّاد المطامع أكثر فعندها يسوقون إلى عدوّهم الألّد جيشاً لهاماً فينتكث عليه الأمر وتنقلب الدائرة ويتمّ الأمر لداعية الحسين. فهل في القوم من يعرف شيئاً من هذا أو أنهم طبع الله على قلوبهم فهم لا يعقلون وكيف فاتتهم هذه القضايا الطبيعية وراعتهم الأوهام وكلهم قد مارسوا الحرب وتعاورت عليهم السياسات عادلة وجائرة. وهب إنّه لم يكن معهم من قوّة النفس وثبات الإيمان ما يكبح ذلك الجماح أو يدحر تلكم الشهوات فينصروا الإِمام العادل (عليه السلام) أفلا كان في وسعهم التواني والتخاذل عن قتله والتألف كما كانوا يفعلونه مع أمير المؤمنين بعد منصرفه من صفّين وقد عزم على النهضة الهامرة لمُلك ابن هند فكانوا يتفرّقون عنه من هنا وهنا حتى وقف (عليه السلام) فيهم وقال: فيا عجباً والله يميت القلب ويجلب الهمّ الاجتماع هؤلاء القوم على باطلهم وتفرّقكم عن حقّكم وددت أنّي لم أعرفكم معرفة جرت ندماً، قاتلكم الله لقد ملأتم قلبي قيحاً وشحنتم صدري غيظاً أفسدتم عليَّ رأيي بالعصيان والخذلان حتّى قالت قريش أن ابن أبي طالب رجل شجاع ولكن لا علم له بالحرب، لله أبوهم وهل أحد منهم أشدّ لها مراساً وأقدم فيها مقاماً منّي، لقد نهضت فيها وما بلغت العشرين وها أناذا ذرفت على الستّين(1). ولعمر الحق لو لم تجد بنو أمية أنصاراً منهم لما تسنّى لهم إبادة العترة الطاهرة فتألّبوا على آل الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ووثبوا عليهم وثبة الأعداء الألدّاء وفي مطاوي نياتهم أن لا يدعوا لهم نافخ ضرمة كأنّهم قوم من الترك أو الديلم وكأن لم يكن لهم من الدين موطأ قدم فاستباحوا قتل الأطفال ولو نالوا من الشهامة نصيباً لما استباحوا سبي النساء من بلد إلى آخر وهنّ عقائل الوحي وحرائر النبوّة ولو كانوا يملكون شيئاً من النخوة العربية لما استسهلوا تلكم المخازي التي تندى منها جبهة الإنسانية وتبرأ منها العاطفة البشرية لكنهم نبذوا الإسلام بما ارتكبوا، نبذوا دين العطف والغيرة نبذتهم العروبة، نبذتهم العادات والتقاليد فأهون بهم منبوذين لا يردّهم شيء إلى المجد العربي ولا الشرف القومي ولا الفخر الديني ولا أبعد الله غيرهم يوم كاتبوا الحسين واستنهضوه كاتبوا عدوّه فأغرّوه به ألا لعنة الله على القوم الظالمين.
|
|
|
1 - نهج البلاغة ج1 ص77. |