فهرس الكتاب

عقيل

لقد كان عقيل بن أبي طالب أحد أغصان الشجرة الطيّبة وممن رضي عنهم الرسول (صلى الله عليه وآله)، فإن النظرة الصحيحة في التاريخ تفيدنا اعتناقه الإسلام أوّل الدعوة وكان هذا مجلبة للحبّ النبوي حيث اجتمعت فيه شرائط الولاء، من رسوخ الإيمان في جوانحه، وعمل الخيرات بجوارحه ولزوم الطاعة في أعماله، واقتفاء الصدق في أقواله، فقول النبي: إنّي أحبّ عقيلاً حبّين حبّاً له وحبّاً لحبّ أبي طالب له(1) إنّما هو لأجل هاتيك المآثر وليس من المعقول كون حُبه لغاية شهوية أو لشيء من عرض الدنيا.

إذاً فحسب عقيل من العظمة هذه المكانة الشامخة وقد حدته قوة الإيمان إلى أن يسلّق أعداء أخيه أمير المؤمنين (عليه السلام) بلسان حديد خلّده عاراً عليهم مدى الحقب والأعوام.

على أنّ حُبّ أبي طالب له لم يكن لمحض النبوّة فإنّه لم يكن ولده البكر ولا كان أشجع ولده ولا أوفاهم ذمّة ولا ولده الوحيد، وقد كان في ولده مثل أمير المؤمنين وأبي المساكين جعفر الطيّار وطالب وهو أكبرهم سنّاً، وإنّما كان شيخ الأبطح يظهر مرتبة من الحُب له مع وجود ولده (الإمام) وأخيه الطيّار لجمعه الفضائل والفواضل موروثة ومكتسبة.

وبعد أن فرضنا أبا طالب حجّة وقته وأنّه وصيّ من الأوصياء لم يكن يحابي أحداً بالمحبة وإن كان أعزّ ولده، إلاّ أن يجده ذلك الإنسان الكامل الذي يجب في شريعة الحقّ ولاءه.

ولا شكّ أن عقيلاً لم يكن حائداً عن الطريقة التي عليها أهل بيته أجمع من الإيمان والوحدانية لله تعالى وكيف يشذّ عن خاصته وأهله وهو وإياهم في بيت واحد وأبو طالب هو المتكفّل تربيته وإعاشته، فلا هو بطارده عن حوزته ولا بمبيده عن حومته ولا بمتضجّر منه على الأقل وكيف يتظاهر بحبّه ويدنيه منه كما يعلمنا النص النبوي السابق لو لم يتوثّق من إيمانه ويتيقّن من إسلامه غير أنّه كان مبطناً له كما كان أبوه وأخوه طالب وإن كنّا لا نشكّ في تفاوت الإيمان فيه وفي أخويه الطيّار وأمير المؤمنين وحينئذٍ لم يكن عقيل بدعاً من هذا البيت الطاهر الذي بُني الإسلام على علاليه فهو مؤمن بما صدع به الرسول منذ هتف داعية الهدى صلوات الله عليه وعلى آله.

 

1 - نصّ على هذه الجملة فقط في مستدرك الحاكم ج3 ص576 وتذكرة الخواص ص7 والسيرة الحلبية ج1 ص304 ونكت الهميان ص200 ولها زيادة في حقّ ولده مسلم نصّ عليها الصدوق في الأمالي ص78 مجلس 27 سنذكرها في فضل البكاء عليه.