فهرس الكتاب

مسلم يتفأل

لقد طال البحث في هذا الموضوع والكلمة الفاصلة أن أحاديث نفي الطيرة وأمثالها إنّما وردت لاكتساح عادات الجاهلية مما يوقف الإنسان عن المضيّ في أعماله متّكلاً على هذه الأمور التي لا تأثير لها في جنب الإرادة الإِلهية والقضاء الربوبي ومن أجل هذا ذكر أهل البيت عليهم السلام أسباباً توجب الانحراف عن تلك العقائد وتلزم بالمضيّ في الأعمال لئلاّ تقع الأمّة في الضلال المردي والفشل الذي يفت في عضد الجامعة.

إذاً فما حدّث به ابن جرير الطبري من تطيّر مسلم (عليه السلام) لما مات الدليلان عطشاً(1) لا واقع له فإن من يقرأ سيرة مسلم (عليه السلام) يعرف أنّه ذلك الرجل العظيم السائر على نصوص القانون الإِلهي المستنير بما جاء به حامل الدعوة مشرفهم الرسول (صلى الله عليه وآله) من المعارف ومكارم الأخلاق وإذا كان مسلم لم يتباعد عمّا رواه سيّد الوصيّين (عليه السلام) من حديث النبيّ (صلى الله عليه وآله): (الإسلام قيد الفتك) فلم يفتك بابن زياد وهو الغشوم اللدود المفرق لأمّة محمد الحائد بها عن الصراط السوي.

فكيف يتأخّر عمّا أفادته الأحاديث الكثيرة من نفي الطيرة التي لم تزل أنديتهم تلهج بها صباحاً ومساء وهم المقيضون لما يراد من العباد من أعمال الخير وتبعيدهم عن خطّة الخسف والهوان فهل والحالة هذه يجوز العلم والوجدان نسبة التطيّر إلى رسول الحسين (عليه السلام) وخليفته في حاضرة الكوفة ليكون مرشداً ومهذباً ورادعاً للأمّة عمّا لا يتفق مع قدس الشريعة.

ولئن غاضينا ابن جرير على عدم معرفته بما حواه هذا البيت المنيع من رجالات الإصلاح فلسنا نسالمه على هذه البادرة التي نسبها إلى مسلم الذي لم يعرف منزلته ولا مقدار عمله وما يتوخّاه من أسمى الغايات وقد فاته أن الرواة أرادوا شيئاً كشف المستقبل عن تفكّك قياسه.

نعم كان مسلم (عليه السلام) يتفاءل كما كان النبي (صلى الله عليه وآله) وأبناؤه الهداة يتفاءلون وذلك لما ارتحل من ذلك الماء أشرف على رجل يرمي ظبياً فصرعه فسرّه وتفاءل بقتل عدوّه(2).

ولئن فرح ابن زياد بالغلبة على رسول الحسين (عليه السلام) فقد (أخطأ الحفرة) فإن الظافر هو ابن عقيل كما تفاءل إذ ليس الفتح إلاّ ما يترتّب على تلك النهضة من تعريف الأمّة نوايا أُولئك المتآمرين عليها بالقهر والغلبة وقد أخذت الأمّة بسبب ذلك القيام في وجه المنكر تتلو في كل زمان مخازي زياد وابنه ومن مكّنهم من رقاب المسلمين وابنه ولئن سرَّ ابن زياد الفتح العاجل فلقد أعقبه ندماً ولات حين مندم يوم كثر اللوم عليه حتى من أهله وخاصته.

فإن أخاه عثمان قال له وددت أن في أنف كل رجل من بني زياد خزي أمّة وأنك لم تقتل حسيناً فلم ينكر عليه عبيد الله(3) وقالت له أمّه مرجانة ماذا صنعت مع الحسين وماذا فعلت، فلم يجبها بشيء(4) وبماذا يجيبها وللهتاف بخطأه وزلّته دويّ في آذانه وأكدّ ذلك ما شاهده من النار الخارجة من بعض نواحي القصر قاصدة سريره(5) فولّى هارباً منها إلى بعض بيوت القصر وعند ذلك تكلّم الرأس الأزهر بصوت جهوري سمعه ابن زياد وبعض من حضر: إلى أين تهرب يا ملعون فإن لم تنلك في الدنيا فهي في الآخرة مثواك ولم يسكت الرأس حتى ذهب الناس وأدهش من في القصر لهذا الحادث الذي لم يشاهد مثله(6).

 

1 - تاريخ الطبري ج6 ص198. 

2 - إرشاد المفيد.

3 - تاريخ الطبري ج6 ص268. 

4 - المصدر السابق ج7 ص6. 

5 - المنتخب للشيخ الجليل الطريحي.

6 - شرح قصيدة أبي فراس ص149 إيران.