فهرس الكتاب

مسلم لا يتطيّر

تمهيد:

جاء النبيّ (صلى الله عليه وآله) حاملاً لواء الدعوة الإلهية وفيها بثّ روح النشاط في معتنقيها إلى كل معروف من راجح في الشريعة أو مباح تداولته العقلاء في التوصل إلى مقاصدهم لئلا يربكهم العطل فيتقهقروا عن الرقي ويعوزهم الحصول على الثروة ويضيق نطاق المملكة عن التوسّع ويعروا ملكهم عن الأبّهة ويقصروا عن نيل الغايات يستنتج ذلك من الأحاديث النبوية وكلمات الأئمّة من خلفائه الواردة في الحثّ على التجارة والزراعة والصدقة ونحوها وإليك يسيراً منها لتعرف الغاية المرموقة للشريعة المطهّرة.

فيقول رسول الله (صلى الله عليه وآله): تسعة أعشار الرزق في التجارة والجزء الباقي في الغنم وإن من بات ليلته كالاً من طلب الحلال بات مغفوراً له، وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): تعرّضوا للتجارة فإن فيها غنى لكم عمّا في أيدي الناس وإن الله يحب المحترف الأمين فهذا داود (عليه السلام) أوحى إليه الله تعالى أنّك نِعْمَ العبد إلاّ أنّك تأكل من بيت المال ولا تعمل بيدك فبكى داود (عليه السلام) أربعين صباحاً حتى أوحى الله تعالى إليه إنّي ألنت لك الحديد فاعمل منه فكان يعمل بيده كل يوم درعاً يبيعه بألف درهم فعمل ثلاثمائة وستّين درعاً باعها بثلاثمائة وستّين ألفاً واستغنى بها عن بيت المال.

ورأى محمد بن المكندر أبا جعفر الباقر (عليه السلام) خارجاً إلى بعض نواحي المدينة في وقت حار وهو يتصبّب عرقاً فقال له إنّك من أشياخ المدينة تخرج على مثل هذا الحال لطلب الدنيا أرأيت لو جاءك أجلك وأنت على هذا الحال، فقال (عليه السلام): إنّي لا أخاف أن يجيئني أجلي على هذا الحال وأنا في طاعة الله أكفّ بها لنفسي وعيالي عنك وعن الناس وإنّما كنت أخاف لو جاءني الموت وأنا على معصية من معاصي الله.

ورأى أبو عبد الله الصادق (عليه السلام) المعلّى بن خنيس متأخراً عن السوق فقال له: اغدو إلى عزّك فإن رسول الله قال ملعون ملعون من ألقى كلّه على الناس.

وقال أبو الحسن موسى (عليه السلام): من طلب الرزق من حلّه ليعود به على نفسه وعياله كان كالمجاهد في سبيل الله(1).

وقالوا (عليهم السلام) في الصدقة إنّها تذهب نحس ذلك اليوم وإن الله يدفع بالبكور شرّ ما ينزل من السماء إلى الأرض في ذلك اليوم وإن يد المعطي أحد الأيدي الثلاثة التي يقول فيها رسول الله (صلى الله عليه وآله): يد الله العليا ويد المعطي تليها ويد السائل السلفي فاعط الفضل ولا تعجز نفسك(2).

وفي الزراعة يقول الصادق (عليه السلام): والله ما عمل أحد عملاً أحلّ ولا أطيب من الزراعة والغرس فإن الزراعة الكيمياء الأكبر ولقد جعل الله أرزاق أنبيائه في الزراعة والضرع إلاّ إدريس كان خيّاطاً وأمر سبحانه وتعالى آدم (عليه السلام) أن يحرث بيده ليأكل من كدّه(3).

وهذه آثار كافية في التعريف بما عليه الشريعة من الحثّ المتأكّد للدؤوب على الأعمال والنشاط في أمر الدنيا للعون على الآخرة والتكفّف عمّا في أيدي أناس وكفاية ما أهمّهم من أمر العيال وإن التواني عن العمل مبغوض للشارع المقدّس لاسلتزامه محاذير لا تتفق مع ما يراد من البشر في التوجه نحو الخالق جلّ شأنه القابض على أزمة القضاء والقدر وإن الواقف على مباحث علمي الأخلاق والفقه يجد الكثير من الشواهد على هذه الدعوى ومنها منفيات جاءت بها الملّة الحنيفية اكتسحت ما تداوله الجاهليون مما يضرب على يد النشيط ويوقف سير البشر عن بلوغ الغايات.

كالتأثير بمجاري النجوم وسعود الأيام ونحوسها وإن كنّا لا ننكر أن المشيئة الإلهية جعلت للأوقات الخاصة والآيات الكونية كالكسوف والخسوف والزلزلة وظهور المذنبات وتغيير الهواء دخلاً في نزول البلاء الذي قدّره والخير الذي أمضاه لكن لا على نحو العلّة التامة كعليّة النار للإحراق بحيث لا يمكن التخلّف عند حدوثها وإنّما تلك الحوادث من المقتضيات التي يرتفع أثرها ببعض الأسباب المقارنة لها.

ومن هنا نرى المشرّع الأعظم (صلى الله عليه وآله) أمر أمّته بالفزع إلى الله تعالى بالصلاة والدعاء والاستغفار ونحوها مما فيه الزلفى للمهيمن جلّ شأنه عند حدوث الأشياء المخيفة ولا مانع عقلاً من أن يودع المولى سبحانه وتعالى في مجاري الكواكب والأوقات الخاصة جهة اقتضاء لنزول بلائه ويجعل بمقتضى لطفه وحنانه وكرمه على عباده أسباباً أُخر تسلب أثر تلك المقتضيات إن وقعت مقارنة لها.

وقد جاءت الشريعة بكثير من هذه الأسباب الرافعة لتأثير المقتضيات كصلة الأرحام الموجبة لنموّ العدد من العمر والمال والولد وكالصدقة والتوكل على الله والاستغفار المذهب لنحس اليوم وشرّ ما ينزل من السماء.

ومن هذا البــــاب ما جاء أن الرؤيا عـــلى ما عبّرت ولا تقصوها إلاّ عـــلى من يعقل(4) ولا يحدث بها إلاّ حــبـــيب أو لبيب(5) فالحبيب يردعه حبّه عن أن يسيء إلى حبيبه بالتعبير السّيئ واللبيب يردعه اللبّ والعقل عن إساءة أخيه في الدين والغاية منه رفع المساءة عن النفوس الباعثة على التأخّر في العمل وتوليد روح الأقدام فيها بكسح العرقلة أمام مسعاه.

وليس الغرض أن تعبير الرؤيا بالحسن مما يغيّر القدر الجاري بل القضاء يكون على مجراه حتى مع حسن التعبير إذ ليس في نفس الرؤيا دليل قطعي على دفع القدر المحتوم فيما إذا كان التعبير حسناً بل الغاية إن الإنسان مع حُسن التعبير لا يتأخّر عن العمل بخلاف التعبير السيّئ فإنّه يوجب الفتور والتأخر عن الحركة وربما يؤدّي إلى الشرك.

وما أكدّت الشريعة نفيه (الطيرة) فإنّها اكتسحت ببيانها الأوفى ما اعتاده الجاهليون مما يردع العامل عن قصده ولا يتاح له الحصول على غاياته وأوضحت مضار هاتيك العرقلة أمام سير الأمة فالمسلم المستنير بالتعاليم الربوبية لا يكترث بالأقرن والأعضب والبارح(6).

وإلى هذه التافهات من عادات الجاهلية يشير الكُميت الأسدي بقوله:

ولا أنا ممن يزجـر الطير همه          أصــاح غراب أم تعرّض ثعلب

ولا السانحات البارحات عشيّة          أمرّ سليم القرن أم مرّ أعضب

وهذه العقيدة الراسخة في نفسه استفادها من تعاليم أئمّته من آل الرسول (عليهم السلام) الدعاة إلى شرع جدّهم الذي لم يزل يهتف غير مرّة بأن الطيرة مرفوعة عن هذه الأمة(7) وإنّها من الشرك وما منّا من يتطيّر(8) ومن استقسم أو تكهّن أو تطيّر طيرة تردّه عن سفره لم ينظر إلى الدرجات العلى يوم القيامة(9) وإن من أرجعته الطيرة من حاجة فقد أشرك(10) فإذا تطيّرت فامض(11).

وكتب بعض البغداديين إلى أبي الحسن (عليه السلام) يسأله عن الخروج يوم الأربعاء فقال من خرج يوم الأربعاء خلاف على أهل الطيرة وقي من كل آفة وقضى الله حاجته(12).

ولما سمعت أم كلثوم أباها أمير المؤمنين يقول: صوائح تتبعها نوائح قالت يا أبة تتطيّر قال (عليه السلام) يا بنيَّة ما منّا أهل البيت من يتطيّر ولا يتطيّر به ولكن قول جرى على لساني(13).

ولم يحكِ الله التطيّر إلا عن أعداء الرُّسل المائلين عن صراط الشريعة المنحرفين عن التعاليم المقدّسة فإنّهم قالوا لرُسلهم: (إنّا تطيّرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنّكم وليمسنّكم منّا عذاب أليم قالوا طائركم معكم أئن ذكرتم بل أنتم قوم مسرفون) وفي الحكاية عن قوم صالح (قالوا أطيرنا بك وبمن معك قال طائركم عند الله) وفي الحكاية عن قوم فرعون (فإذا جاءتهم الحسنة قالوا هذه لنا وإن تصبهم سيّئة اطّيّروا بموسى ومن معه ألا إنّما طائرهم عند الله) وفي الحكاية عن أعداء رسول الله (وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيّئة يقولوا هذه من عندك قل كلّ من عند الله).

فالطائر سواء فسّر بالبلاء المنزل عليهم أو العمل المسبب لنزول البلاء تكون نسبته إلى الله تعالى باعتبار إنّه المجازي لهم على أعمالهم القبيحة ونسبته إليهم باعتبار تسبيبهم لنزول البلاء بالجحود والطغيان على المولى الحكيم جلّ شأنه وتكذيب الرُّسل بما جاؤوا به من عند ربّهم وأنذروا أممهم الذي هو سبب لتقدير قضاء الله وحلول بلائه ونقمته.

وعلى كل حال فالشريعة المطهّرة ردعت عن كل ما يعرقل البشر عن الفوز والنجاح والمضيّ في الأعمال وبلوغ الغايات وإن التطيّر بتلك الأمور المعروفة عند العرب فمع اعتقاد أن لها التأثير في الخير والشرّ فهو شرك كما في الحديث ومع عدم الاعتقاد بها فمن الخطأ الواضح التأخّر عن الأعمال عند عروضها وإن أشدّ الناس خوفاً وأضيقهم صدراً وأحزنهم قلباً كثير الاحتراز لما لا يضرّه ولا ينفعه وكم شخص حرم بذلك نفسه من الرزق بتأخّره عن الأعمال لمجرّد سماع أو رؤية ما يسوؤه.

وقد أوضح النبيّ (صلى الله عليه وآله) لأمّته فساد الطيرة ليعلموا أن الله تعالى لم يجعلها سبباً لما يخافونه لتطمئنّ قلوبهم وتسكن نفوسهم إلى وحدانية الباري عزّ شأنه فيترسّلون في أعمالهم ولا يحذرون من وخامة العاقبة فلا ينبغي للإنسان التوقّف في أعماله متّكلاً على هذه الأمور التي لا يقام لها وزن في جنب الإرادة الإلهية.

ثم من لطف الشارع بالأمة جعل لهم أسباباً يكون قيامهم بها منجاة من وخامة ما يتطيّرون منه فأرشدهم إلى أن التوكّل على الله يذهب ما يخاف من الطيرة(14) والصدقة تدفع الأضرار الموهومة(15) والدعاء عند السفر منجاة من الشرك كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام) عند خروجه إلى النهروان:

اللهمّ لا طير إلا طيرك ولا ضير إلا ضيرك ولا خير إلا خيرك ولا إله غيرك(16) أو كما قال موسى بن جعفر (عليه السلام): اعتصمت بك يا ربّ من شرّ ما أجد في نفسي فاعصمني من ذلك(17).

وكما صدر من الشارع نفي الطيرة أخبر عن حسن الفأل بالأسماء الحسنة والسرّ فيه أن التفاؤل يوجب النشاط في العمل والمضيّ في المقصد وهو الذي يريده المولى سبحانه من العباد.

فالتطيّر بما أنّه تشاؤم من المرئي أو المسموع يكون قاطعاً للعبد عن مقام (إيّاك نستعين) وفاتحاً على نفسه باب الخوف بغير الله ومن هنا أطلق عليه الشرك وتبرّأ منه النبيّ وأهل بيته فقالوا ما منّا من يتطيّر.

وأمّا الفأل فحيث إنّه من الأشياء السارّة للقلوب المؤيّدة للآمال الفاتحة باب الرجاء المسكنة للخوفة الرابطة للجأش الباعثة على الاستعانة بالله والتوكّل عليه المفضية بصاحبها إلى الطاعة والتوحيد حرّض عليه النبيّ وأحبّه فقال (صلى الله عليه وآله): لا طيرة وخيرها الفأل، وفي لفظ آخر: ويعجبني الفأل الصالح(18).

وفي حديث بريدة كان النبيّ لا يتطيّر وإنّما يحبّ الفأل(19) استقبله في سبعين من أسلم فقال لي ما اسمك قلت بريدة فسرّ وجهه وقال برد أمرنا وصلح وممن قلت من أسلم قال سلمنا ثم ممّن قلت من بني سهم قال خرج سهمنا(20).

وليس في حديث اللقحة التي أمر بحلبها فقام رجلان ليحلباها وكان اسم أحدهما مرّة والآخر حرب فأمرهما بالجلوس حتى إذا قام ثالث اسمه يعيش أمره بالحلب(21).

ما يشهد للتطيّر فإنه من المحال على النبيّ أن ينهى عن شيء ثم يرتكبه وإنما صدر منه هذا تأكيداً لما نهى عنه من التسمية بمثل حرب ومرة وجمرة وأمثالها فاتبع قوله الفعل تعليماً للمسلمين بالمضي على أمره مطمئنّين غير هيّابين.

وممّا يؤكده ما في بعض الأحاديث من زيادة قول عمر أتكلم يا رسول الله أم أصمت فقال (صلى الله عليه وآله) بل أصمت وأنا أخبرك بما أردت ظننت يا عمر أنها طيرة وليست بذلك فإنّه لا طيرة إلا طيرة ولا خير إلا خيرة ولكن أحب الفأل الحسن(22).

والنكتة في نهي النبيّ عن التسمية بالأسماء القبيحة حتى غيّر بعض الأسماء إلــــى ما هو احسن كتغيير الحباب بــــن المنذر إلى عبد الرحمن وشهاب إلى هشام وحرب إلى مسلم وأبي مُرّة إلـــى أبي حلوة وبنــــي مغوية إلى بني مرشدة(23).

هو إرشاد الأمة إلى أن البقاء على مذاهب سلفهم من التسمية بتلك الأسماء ربّما يؤدّي إلى حزن بعضهم من بعض عند المصاحبة والملاقات لكون الطيرة من الغرائز الكامنة في النفوس فقد يعبّر الإنسان تعبير السوء من اشتقاق الاسم فيفارق صديقه وأخاه في السفر والمعاملات والشركات فتنحلّ عُرى الاجتماع وتفكّك الوحدة والتضامن فكان من لطف الشارع على الأمّة ورأفته بهم أن عرّفهم بأن لا يقيموا على حال يتنفّر منها لغير عذر ولا فائدة تعود في الدين والدنيا فإنّه جاء حاملاً لواء الوحدة والاجتماع والتراحم وإدخال المسرّات على المؤمنين.

ولذا كان يأمر بالغسل والطيب يوم الجمعة ويمنع آكل الثوم من إدخال المسجد لما فيه من الاستكراه الموجب للتنفر والفرقة الرافعة للحنان والعطف.

وأمّا عدوله (صلى الله عليه وآله) عن الجبلين في طريقه إلى (بدر) وكان أهل أحدهما بنو النار والآخر بنو محرق فليس للتطيّر لأنّه كان على حال أحوج فيها إلى الاجتماع والتضامن من التفرّق وغرائز الناس على حالها من الانقباض عن الأسماء القبيحة فأراد النبيّ (صلى الله عليه وآله) مماشاتهم في هذا الحال كي لا يتفرق جيشه تطيراً من اسم الجبلين وأهلهما.

هذا على فرض صحّة الحديث وإلاّ فالمجال واسع في حساب أُولئك الرجال من حيث الاعتماد على مروياتهم.

وسؤال الحسين (عليه السلام) عن اسم الأرض ولما أخبر بأنّها كربلاء قال كرب وبلاء لم يكن من التطيّر في شيء فإن المتطيّر لم يعلم ما يرد عليه وإنما يستكشف ذلك من تلك الأشياء المعروفة عند العرب أنّها سبب لورود الشرّ وسيّد الشهداء كان على يقين مما ينزل به في أرض الطفّ من قضاء الله تعالى فهو عالم بالكرب الذي يحلّ به وبأهل بيته.

كما أنّه (عليه السلام) لم يكن جاهلاً باسم الأرض كيف والإمام عندنا معاشر الإمامية عالم بما يجري في الكون من حوادث وملاحم ويعرف ما أودع الله في الأشياء من أسرار ومزايا أقداراً من مبدع السموات والأرضيين جلّت عظمته فإنّه سبحانه أودع في الأئمة الطاهرين قوّة قدسية نورية بواسطتها كانوا يتمكّنون من استكشاف الأشياء ويقفون على أنساب الناس وما تكنّه الصدور وما يدّخرون ويعرفون لغات الحيوانات وإذا جاز في سليمان (عليه السلام) أن يعرف منطق الطير كما قال تعالى (وعلّمناه منطق الطير) ففيمن من تكوّن من نور النبيّ الذي هو أكمل الكائنات أولى وأجدر وهذه القوة عبّر عنها في الآثار بعمود نور يرفع للإمام (عليه السلام) عند الولادة يرى به أعمال العباد وما كان ويكون.

فسؤال الحسين (عليه السلام) عــــن اسم الأرض الـــتي منعوا من اجـــتيازها(24) أو أن الله أوقــــف الجواد فلم ينبعث(25) كما أوقف ناقة النبيّ (صلى الله عليه وآله) عند الحديبية فلم تنبعث حتى هبط جبرائيل يأمره بالنزول في هذا الموضع والصلح مع قريش(26).

لأجل أن يعترف أصحابه بتلك الأرض التي هي محلّ التضحية الموعودين بها بأخبار النبيّ والوصي (صلى الله عليهما) لتطمئنّ القلوب وتمتاز الرجال وتثبت العزائم وتصدق المفاداة.

وهذا باب من الأسئلة معروف عند علماء البلاغة يعرف بتجاهل العارف أو سوق المعلوم مساق المجهول وإذا كان فاطر الأشياء الذي لا يغادر علمه صغيراً ولا كبيراً يقول لموسى (عليه السلام): (وما تلك بيمينك يا موسى) ويقول سبحانه لعيسى (عليه السلام): (أأنت قلت للناس اتخذوني وأُمي إلهين) لضرب من المصلحة فالإمام المنصوب من قبله أميناً على شرعه ودليلاً لعباده لا تخفى عليه المصالح.

وهذا كسؤال النبيّ عن اسم الجبلين واسم الرجلين اللذين قاما لحلب اللقحة ألم يكن النبيّ الأعظم المتكوّن من النور الأقدس عالماً بذلك؟ وإنّما النكتة ما أشرنا إليها.

لقد ورد عن الشارع أحاديث ربّما يستظهر منها غير المتأمّل في أسرارهم إثبات الطيرة مثل ما ورد أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: لا عدوى ولا طيرة وإنّما الشؤم في ثلاثة: المرأة والفرس والدار(27).

وهذا في الحقيقة إخبار عمّا تعلّقت به إرادة المولى جلّ شأنه بعدم السعادة في هذه الأشياء لمن اقترن بها وصاحبها نظير خلق المسلك وغيره من الأرواح الطيّبة فبعض الأشخاص يتلذّذ بها وبعض يلحقه الضرر منها كما أودع تعالى شأنه في بعض الأحجار خواص من خير أو شرّ تلحق من يحملها.

ومن هذا القبيل المرأة والفرس والدار فإن الله تعالى قضى بسعادة من قارنها كما قضى بنحوسه جرياً لناموس المصالح والمفاسد في الأشياء فأين هذا من الطيرة التي يحكم فيها بنحوس الشيء وإن لم يجعله الله كذلك.

والنبيّ (صلى الله عليه وآله) حيث لم يرد المصارحة بهذه الأسرار لبعد العقول عنها أجمل البيان ثم نصب قرينة على المراد باقتران هذه الثلاثة بنفي الطيرة في كلام واحد وإلاّ فلا يعقل منه (صلى الله عليه وآله) أن ينفي الطيرة ثم يفرضها في كلام واحد فيقول: لا طيرة وإنمّا الشؤم في ثلاثة الخ.

على أنّه ورد في أحاديث آل الرسول ما يفسّر ذلك الشؤم المخبر عنه ففي حديث الصادق شؤم المرأة كثرة مهرها وعقوق زوجها وأما الدابة فمنعها ظهرها وجماحها وأما الدار فضيق ساحتها وشرّ جيرانها وكثرة عيوبها ومن بركة المرأة خفّة مؤنتها ويسر ولادتها(28).

وفي وصيّة النبيّ لأمير المؤمنين: العيش في ثلاثة دار قوراء وجارية حسناء وفرس قباء(29).

ونفي العدوى في هذا الحديث لا ينافي ما ورد أن الرجل يصيب إبله الجرب فيوردها على إبل صحيحة فقال النبيّ (صلى الله عليه وآله): لا توردن ذا عاهة على مصحّ(30).

فإن الغرض من النهي التحرّز عن إيذاء المؤمن بإدخال الإبل الجرب على الصحيحة لاعتقاده أن ذلك مؤثر في العدوى فيتسبّب منه التنفّر من هذا الفاعل والمذمّة له وقد جاءت الشريعة بالتعاضد والإِلفة بين المسلمين فقوله (لا توردن ذا عاهة) ليس العدوى إذ قد يكون في الحيوان الوارد عليه المريض مناعة تضاد ميكروب الجرب فلا يصاب بذلك الداء ومن هنا قال الشريف المرتضى: إنا نجد كثيراً ممن يخالط الجربى فلا يجرب ويخالط الصحيح ذا عاهة فلا يصيبه من دائه شيء فنهي النبيّ لم يكن الملازمة الواقعية في التأثير.

كما أن أمره (صلى الله عليه وآله) بالفرار عن المجذوم في قوله: فرّ من المجذوم فرارك من الأسد لا دلالة فيه على العدوى بحيث تكون مقاربة المجذوم علّة تامة للتأثّر لا مكان وجود المناعة الرافعة للانفعال بل الغرض من الأمر بالفرار الإيعاز إلى استقذاره ونتن ريحه والتنفّر منه وربمّا يسبّب ذلك تعييره والازدراء عليه فينكسر ذلك المبتلي بقضاء الله والمولى الحكيم لا يريد من العباد إلاّ التراحم والعطف فيما بينهم.

وامتناع النبي من إدخال المجذوم عليه للبيعة(31) لا دلالة فيه على العدوى وإلاّ فقد ورد الحديث أنّه أخذ بيد مجذوم ووضعها في القصعة وقال كل ثقة بالله وتوكلاً عليه(32).

كما أن السجّاد (عليه السلام) السائر على ضوء جدّه وأبيه لم يمتنع من الأكل مع المجذومين ففي الحديث أنّه (عليه السلام) مرّ على مجذومين يأكلون فدعوه إلى الأكل معهم فقال (عليه السلام): لولا أنّي صائم لفعلت فلمّا صار إلى منزله أمر بطعام فصنع ثم دعاهم فأكلوا وأكل معهم(33).

فلو كانت مقاربة المجذومين علّة تامّة للعدوى لما فعل الإمام (عليه السلام) ولكنّه بيّن للواقفين على فعله معهم ممن حضر ومن الأجيال المتتابعة أن الاتصال بذوي العاهات قد لا يؤثر في انفعال الأجسام الصحيحة لوجود القوة المانعة منه أو للتوكّل على الله والثقة بأنّه سبحانه مورد البلاء حسب المقتضيات.

 

1 - هذه الأحاديث ذكرها الحرّ العاملي في الوسائل ج2 ص527 و529 و531 طبع عين الدولة.

2 - الوسائل ص47. 

3 - المصدر السابق ص649. 

4 - البحار ج14 ص436. 

5 - المجازات النبوية للشريف الرضي ص251 مصر.

6 - في تاج العروس ج2 ص123 البارح ما مرّ من الطير من يمينك إلى يسارك والسانح عكسه والأول يتطيّر منه دون الثاني وفيه ج1 ص387 الأعضب مكسور القرن والأقرن صحيحه.

7 - الخصال للصدوق في باب التسعة.

8 - نهية ابن الأثير ج3 ص58 وشرح النهج الحديدي ج4 ص430.  

9 - محاضرات الراغب ج1 ص68.  

10 - مفتاح دار السعادة ج2 ص247.  

11 - محاضرات الراغب ج1 ص68.  

12 - من لا يحضره الفقيه للصدوق ص168.  

13 - المستدرك للنوري ج2 ص27.  

14 - الوسائل ج2 ص180 عين الدولة.

15 - المصدر ص182.  

16 - أمالي الصدوق ص339. 

17 - من لا يحضره الفقيه ص168 وشرح النهج الحديدي ج4 ص431. 

18 - البخاري ج4 ص14 ومسلم ج2 ص260. 

19 - مسند أحمد ج5 ص347. 

20 - الاستيعاب بترجمة بريدة. 

21 - موطأ مالك ج3 ص140 مصر.

22 - مفتاح دار السعادة ج2 ص262. 

23 - مفتاح دار السعادة ج2 ص262. 

24 - كامل ابن الأثير ج4 ص21. 

25 - المنتخب للشيخ الجليل الطريحي.

26 - ابن الأثير ج2 ص76. 

27 - صحيح مسلم ج2 ص261. 

28 - معاني الأخبار للصدوق ص49. 

29 - الخصال للصدوق ج1 ص62. 

30 - أمالي السيد المرتضى ج4 ص111 ومختلف الحديث لابن قتيبة ص123 وسفينة البحار ج1 ص148 عن أمالي الصدوق والهيئة والإسلام للشهرستاني ج1 ص27 بغداد وصحيح البخاري ج4 ص8 كتاب الطبّ ومفتاح دار السعادة ج2 ص287. 

31 - مختلف الحديث ص123. 

32 - مفتاح دار السعادة ج2 ص287. 

33 - البحار للمجلسي ج11 ص117 عن الكافي.