|
|
|
غير خافٍ أن تمثيل نفسيّة الإِنسان الكامل بأوضح مجاليها إنّما هو ببثّ أفكاره الناضجة والإشادة بنواياه الحسنة وهي الغاية الفذّة من إرسال الرسول سواء في ذلك أن يكون القصد به نشر أخلاق مرضية تتهذّب بها النفوس أو تعليم علوم ناجعة تتكهرب بها العقول أو إقامة عدل ترتاح به الأمم أو الدعوة إلى دين تعتنقه الأقوام أو توطيد سياسة تهشّ إليها الأمّة فلا ندحة للمرسل إلاّ أن يبعث لأيّ من هذه الغايات الكريمة من هو المثل الأعلى فيها من بين لفيفه وحاشيته فيكون نبوغ الرسول مجلبة لرغبات الأمة الموصلة إلى مرضاة ذلك المصلح ووقوفه على غايته من الإرسال. ويجب حينئذٍ أن يكون ذلك الرسول حكيماً في عمله بليغاً في منطقه ليضع الأشياء في مواضعها ويكون قوله على وفق رأيه السديد ولا تفوته مقتضيات الأحوال فيكون أدعى لنشور الدعوة وأنمَ عن عبقرية المرسل. إذا كنت في حاجة مرسلاً فأرسل حكيماً ولا توصه وإنّنا لنكتفي عن استعراض الشروط الواجبة في السفير والكلمات التي تنمَ عمّا يراد منه بذكر ما اتفق عليه أرباب الحديث والتفسير فيمن أرسل مبلغاً لأوائل (براءة) فإن التأمّل في هذه الحادثة توقف النبيل على ما يراد من السفير وتلمّ بالشرائط كلّها. والقصّة في ذلك إن جبرائيل هبط على النبيّ (صلى الله عليه وآله) في أوّل ذي الحجّة سنة تسع من الهجرة(1) بالآيات من أول براءة ليقرأها على قريش في الموسم فأرسل رسول الله أبا بكر بها ليقرأها في مُنى على قريش فلمّا كان على مراحل من المدينة هبط جبرائيل يأمر النبيّ أن لا يؤدّيها إلا هو أو رجل منه(2) ولما رجع أبو بكر يبكي قال له (صلى الله عليه وآله) لا عليك وكيف تؤدّيها وأنت صاحبي في الغار(3). ما أبلغ هذا التركيب وما أبدع هذا الحوار وإن لهذه الكناية قيمة راقية في سوق البلاغة فلقد أشار رسول الله بكلمته الذهبية إلى معرفته بضعفه يوم كان معه في الغار وإنّه لا طاقة له على ملاقاة المشركين من طواغيت قريش فكيف يكون حينئذٍ مبلّغاً عنه ومحذّراً أُولئك الطغاة وقد يجرّه الخوف والضعف إلى الوهن في قدس الرسول الأمين. واعتذار الخطيب الشربيني في (السراج المنير) في تفسير الآية بحمل فعل النبيّ على مقتضى قواعد العرب من أن الرئيس إذا أراد أن يحكم عهداً بينه وبين أحد فإما أن يحضر بنفسه وإما أن يبعث أحد أقاربه متفكّك البرهان باطل القياس فإن تلك القاعدة التي تخيّلها لو كانت معروفة لما تخطّاها النبيّ الأعظم في أوّل الأمر ولما خاف أبو بكر من نزول شيء في حقّه حتى بكى لذلك بل كان يعتقد أن الأمر جرى على أساس معروف بين العرب وأجدر بنبيّ العظمة أن لا يعدوه. ولكن المتأمّل في الحديث الحامل لهذه الحادثة يعرف منه بجلاء منزلة كبرى لعليّ أمير المؤمنين وامتيازه على غيره من المهاجرين والأنصار حتى أقرباء النبيّ وخاصته الذين هم بحضرته وليست تلك المنزلة إلاّ النيابة العامة والمرجعية لما تحتاج إليه الأمة وقد أشار إلى هذا التنزيل بقول جبرائيل للنبيّ (أو رجل منك) فإن تلك الذات المكوّنة من جوهر القداسة والممتزجة بالعلم الإلهي أليق في تمثيل مقام مقام النبوّة فيما يرد عليها من المسائل التي لا يعرفها إلاّ من استمدّ من اللوح المحفوظ وأما غيره فحيث لم ينتهل قطرة من ذلك البحر المتموّج بالحكم والأسرار فالخطأ والزلّة إليه أقرب من حبل الوريد حينما تعرض عليه الأسئلة وتلقى أمامه الشبهات فعندها يعود الفشل على ذلك النبيّ المعصوم من كل عيب ونقصان لكون الرسول دليل عقل المرسل. نعم للخطيب أن يقول أن كان الحال على ما وصف فلماذا لم يبعث النبيّ عليّاً من أول الأمر فيقال له: إن النبيّ لاحظ في ذلك نكتة مهمة وهي تعريف الناس بأن الباعث له على إرسال أمير المؤمنين الوحي الإلهي الذي لا بدّ من إنفاذه ولو تقدّم إلى عليّ (عليه السلام) في أول الأمر وأمره بالمسير بالآيات لكثرت القالة ممن خالطهم الريب والشكّ بأن القرب والرحم حرّكاه على تقديمه وتمييزه على غيره والنبيّ (صلى الله عليه وآله) أجلّ من أن يعمل عملاً يكون لضعفاء قومه الحجة عليه. إذا وضح هذا فهلمّ معي إلى من كان مرسلاً إلى حاضرة كبرى (الكوفة) ليهتف بالغايات جمعاء المطلوبة من الإمام المعصوم وكان مبعوثاً من إمام عدل وهدى وموئل حكمة وحجى معصوم من الخطأ مفطوم من الزلل (كمسلم بن عقيل) الذي حظي بالنيابة الخاصة من إمام وقته سبط نبيّ الهدى لينشر في الملأ العراقي مبادئ الدين القويم ويوقفهم على أمره الحكيم ويقيم الحلال والحرام ويزيح الشبه والأوهام ويدعو إلى سبيل ربّه بالحكمة والموعظة الحسنة ويجادلهم بالتي هي أحسن كل ذلك بعد أن يدير فيهم الشؤون الإدارية والعسكرية لتوطيد السلام وكلاءة الأمن العام. وإذا كان اللازم على الإِمام أن يلحظ هذه المهمّات كان الواجب أن ينتخب لها كفؤاً يرتضيه من وجهة العلم والدين ومن وجهة التقوى والورع ومن وجهة الفكرة والنظر ومن وجهة السياسة والكياسة. وإذا كان النبيّ (صلى الله عليه وآله) يرفق من يرسله إلى جهة من الجهات بكتاب يلمّ بتفاصيل الأحكام الدينية والمدنيّة فيقول في كتابه لعمرو بن حزم الأنصاري لما ولاّه اليمن. بسم الله الرحمن الرحيم هذا بيان من الله ورسوله (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود) عقد من محمد النبيّ رسول الله لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن يأمره بتقوى الله في أمره كله (إنّ الله مع الذين اتّقوا والذين هم محسنون) وأمره أن يأخذ بالحقّ كما أمر به الله وأن يبشّر الناس بالخير ويأمرهم به ويعلّم الناس القرآن ويفقههم في الدين وينهى الناس فلا يمس أحد القرآن إلا وهو طاهر ويخبر الناس بالذي لهم وبالذي عليهم ويلين للناس بالحقّ ويشتدّ عليهم في الظلم فإن الله عزّ وجلّ كره الظلم ونهى عنه وقال: (ألا لعنة الله على الظالمين) ويبشّر الناس بالجنّة وبعملها وينذر بالنار وبعملها ويستألف الناس حتى يتفقّهوا في الدين ويعلّم الناس معالم الحجّ وسنّته وفريضته وما أمر الله به في الحجّ الأكبر والحجّ الأصغر وهو العمرة وينهى الناس أن يصلّي أحد في ثوب صغير إلاّ أن يكون ثوباً واحداً يثني طرفيه على عاتقيه وينهى الناس أن يحتبي أحد في ثوب واحد يفضي بفرجه إلى السماء وينهى أن يقصّ أحد شعر رأسه إذا عفا في قفاه وينهى إذا كان بين الناس هيج عن الدعاء إلى القبائل والعشائر وليكن دعاؤهم إلى الله وحده لا شريك له ومن لم يدع إلى الله ودعا إلى القبائل والعشائر فليقطعوا بالسيف حتى يكون دعاؤهم إلى الله وحده لا شريك له. ويأمر الناس بإسباغ الوضوء وجوههم وأيديهم إلى المرافق ويمسحون برؤوسهم كما أمر الله عزّ وجلّ وأرجلهم إلى الكعبين وآمره بالصلاة لوقتها وإتمام الركوع والخشوع ويغلّس بالفجر ويهجّر بالهاجرة حين تميل الشمس وصلاة العصر والشمس في الأرض مدبرة والمغرب حين يقبل الليل لا تؤخر حتى تبدو النجوم في السماء والعشاء أول الليل(4). ويأمر بالسعي إلى الجمعة إذا نودي لها والغسل عند الرواح إليها وأمره أن يأخذ من المغانم خمس الله وما كتب على المؤمنين في الصدقة من العقار عشر ما سقت العين وما سقت السماء وعلى ما سقى الغرب نصف العشر وفي كل عشر من الإبل شاتان وفي كل عشرين من الإبل أربع شياة وفي كل أربعين من البقر بقرة وفي كل ثلاثين من البقر تبيع أو تبيعه جذع أو جذعة وفي كل أربعين من الغنم سائمة وحدها شاة فإنها فريضة الله التي افترض الله عزّ وجلّ على المؤمنين في الصدقة فمن زاد خيراً فهو خير له. ومن أسلم من يهودي أو نصراني إسلاماً خالصاً من نفسه ودان بدين الإِسلام فإنه من المؤمنين له مثل ما لهم وعليه مثل ما عليهم ومن كان على نصرانيته أو يهوديته فإنه لا يفتن عنها وعلى كل حالم ذكراً وأُنثى حرّ أو عبد دينار واف أو عوضه ثياباً فمن أدّى ذلك فإن له ذمّة الله وذمّة رسوله ومن منع ذلك فإنّه عدوّ لله ولرسوله وللمؤمنين صلوات الله على محمد والسلام عليه ورحمة الله وبركاته(5). هكذا كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) مع عمّاله وولاته ولكنه لما أرسل أمير المؤمنين إلى اليمن بعد صلح أهل نجران لم يرفقه بمثل هذا الكتاب لعلمه بوقوفه على الأحكام وخبرته بالشؤون التي تدير الأمة وهو باب مدينة علم الرسول وأقضى الأمة وأفقهها. كما أن أمير المؤمنين (عليه السلام) عندما يرسل والياً من قبله يشرح له الأمور الواجبة على الوالي القيام بها كما فعل مع الأشتر ومحمد بن أبي بكر وغيرهما. إذاً فحسب مسلم بن عقيل من العظمة أن يكون في نظر الإمام الشهيد كعمّه الوصيّ عند النبيّ (صلى الله عليه وآله) واقفاً على الدروس الإلهية والمعارف القدسية بصيراً بوجوه المحاججة والنظر خبيراً بمداراة الخاصة والعامة رابط الجأش عند مستن النزال لم ترعه الهزاهز ولم توقفه المشكلات عن كشفها بجليّ البرهان ولم يثنه الشحّ عن بذل النائل في محلّه اللائق ولم تأخذه في الله لومة لائم في إحقاق الحقّ وفصل الخصومات والانتصاف للمؤمنين. فأبو عبد الله لم يرسل مسلماً إلى العراق والياً من قبله إلاّ وهو يعلم أنّه من فقهاء بيته الهاشمي وعلماء أسرته وأتقياء فئته وساسة ذويه ومن ذوي الحنكة واللياقة من قومه وإنّه لحريّ بإقامة الأمت والعوج وتثقيف الأود وتهذيب الأمّة وإصلاح الفاسد ودحض الأباطيل فلا يحتاج إلى شرح ما يجب عليه من الأعمال لعقله الوافر وعلمه الغزير وسياسته الحكيمة وتحرّيه المصالح العامّة. ومن هنا اقتصر الإِمام الشهيد في صكّ الولاية على تعريف أهل الكوفة بأن مسلماً أخوه وثقته والمفضل عنده من أهل بيته(6). ولا يرتاب الواقف على هذا الصكّ في أن الحسين (عليه السلام) لا يريد من الوثاقة التي حازها (مسلم) إلا تلكم الغايات الكريمة التي ألمحنا إليها وقيامه بشؤون الولاية العامة واحتوائه على مجامع الفضيلة ثم تلك الأخوّة التي شرّفه بها سيّد الشهداء لا تعدو أن تكون أخوّه شرف ووداد أخوّة علم ودين أخوّة سؤدد وخطر وأي ابن أنثى يرتضيه (إمام الحقّ) أخاً له من بين المسلمين إلاّ أن يكون ذلك الإنسان الكامل الذي لا يدرك شأو مجده ولا يبلغ أحد مدى عظمته (صلى الله عليه وعلى آبائه).
|
|
|
1 - مصباح الكفعمي ص272 بمبي والإقبال لابن طاووس ص533 إيران. 2 - حديث عزل أبي بكر وإرسال أمير المؤمنين مكانه في تفسير الطبري والدرّ المنثور للسيوطي ج3 ص209 والكشاف ج2 ص138 ومسند أحمد ج1 ص3 وص151 وج3 ص283 ومستدرك الحاكم ج2 ص331 ولم يتعقّبه الذهبي في التلخيص وكنز العمال ج1 ص247 وخصائص النسائي ص20 والرياض النظرة ج2 ص173 وتاريخ الطبري ج3 ص154 وكامل ابن الأثير ج2 ص111 وتاريخ الخميس ج2 ص156 والروض الآنف ج2 ص328. 3 - الإقبال لابن طاووس ص534 وص536. 4 - التفرقة بين الظهر والعصر والعشاء محمولة على الفضيلة بعد ورود الأحاديث عن النبي (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته بصحّة الجمع بينهما في غير سفر ولا ضرورة رواه البيهقي في السنن ج3 ص166 من طرق أربعة وفي مسند أحمد ج1 ص354 قيل لابن عباس: لم جمع رسول الله بين الصلاتين؟ قال: كي لا يحرج على أمته، وفي المبسوط لشمس الدين السرخسي ج1 ص149 نقل عن أحمد بن حنبل جواز الجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء في الحضر من غير عذر وروي عن ابن عباس أن رسول الله جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة من غير عذر وأجمع علماء الإمامية على جواز الجمع بينهما ولو لغير عذر. 5 - تاريخ الطبري ج3 ص157 وصبح الأعشى ج10 ص9 وفتوح البلاذري ص77 وسيرة ابن هشام ج2 ص384. 6 - المنتخب للشيخ الجليل الطريحي. |