|
|
|
إن سياسة معاوية القاسية من جرّاء نقض عهده للإمام الحسن (عليه السلام) تركت الشيعة ترزح تحت نير الاضطهاد، فأوصال تقطع، وأعين تسمل، وبمشهد منهم أرجل مفصولة، وعلى المشانق أنفس مزهقة، وفي أعماق السجون أعناق مغلولة، وبأرجاء الفلوات أُناس مشرّدون، وعلى أطراف الرماح أرؤس مشالة يوم كان ابن سميّة عارفاً بهم منذ العهد العلوي فتتبعهم تحت كل حجر ومدر وتحرّاهم في كل مغارة فنكّل بهم ونال منهم وأوقع فيهم وهو القائل على منبر البصرة: (إنّي أُقسم بالله لآخذن المقيم بالظاعن والمقبل بالمدبر والصحيح منكم بالسقيم)(1). وقد وصفَ هذا الحال أبو جعفر الباقر (عليه السلام) فقال: إنّا أهل البيت لم نزل نُستذلّ ونُستضام ونُقصى ونمتهن ونحرم ونُقتل ولا نأمن على دماءنا ودماء أوليائنا ووجد الكاذبون الجاحدون موضعاً يتقرّبون به إلى أوليائهم وقضاة السوء وعمّالهم في كل بلدة بالأحاديث المكذوبة ورووا عنّا ما لم نقله ولم نفعله ليبغضونا إلى الناس وكان عظم ذلك وكبره في زمن معاوية بعد موت الحسن (عليه السلام) فقتلت شيعتنا بكل بلدة وقطعت الأيدي والأرجل على الظنّة وكان من يذكر بحبّنا والانقطاع إلينا يسجن وينهب ماله وتهدم داره ثم لم يزل البلاء يشتدّ ويزداد إلى زمن عبيد الله بن زياد قاتل الحسين (عليه السلام) ثم جاء بعده الحجّاج فقتلهم كل قتلة وأخذهم بكل ظنّة وتهمة حتى أن الرجل ليقال له زنديق أو كافر أحبّ إليه من أن يقال له شيعة عليّ (عليه السلام) وحتى صار الرجل الذي يعمل بالخير ولعلّه يكون ورعاً صدوقاً يحدّث بأحاديث عظيمة عجيبة من تفضيل بعض من سلف من الولاة ولم يخلق الله شيئاً منها ولا كانت ولا وقعت وهو يحسب أنّها حقّ لكثرة من رواها ممن لم يعرف بكذب ولا قلّة ورع(2). وفي هذا الحديث الشريف دلالة واضحة على ما نال الشيعة في تلك الأيّام المظلمة من الاضطهاد والجور ومع أيّ إمام ينهضون مع الزكي المجتبى (عليه السلام) وقد قيّده الأمر الربوبي بالتسليم لمجاري المحتوم كما قيّد أباه أمير المؤمنين خمساً وعشرين سنة. على أن من أخلص له بالمفاداة فئة قليلة لا تقاوم من حفّ بهم من أهل النفاق الذين أضمروا الغدر وضمنوا لمعاوية تسليم الحسن (عليه السلام) أن شمّر للحرب أو مع الحسين (عليه السلام) وهو لا يرى من تكليفه إلاّ الخضوع لما سلم له إمام الوقت وحجّة الزمن بالنصّ من جدّه وأبيه صلوات الله عليهم. حتّى أن حجر بن عديّ دخل على الحسين (عليه السلام) مثيراً لنخوته ومحفزاً له على القيام في وجه عدوّهم اللدود وفيما قال له: لقد اشتريتم العزّ بالذّل وقبلتم القليل وتركتم الكثير أطعنا اليوم وعصينا الدهر دع الحسن وما رأى من الصلح وأجمع إليك شيعتك من أهل الكوفة وولّني وصاحبي عبيدة بن عمرو المقدمة فلا يشعر ابن هند إلاّ ونحن نقارعه بالسيوف. فأفاض عليه (ريحانة الرسول) من معارفه القدسية ما فيه حياة القلوب واجتماع الأمة وذلك أن البيعة والعهد إذا صدرا من (إمام الحقّ) الذي لا يعمل عملاً إلا على حسب ما يراه من المصلحة الواقعية التي أدركها بفضل منصبه الإلهي فلا يجوز له نقض ما أبرّه من العهد لما فيه من الغدر والخيانة الممقوتة فقال أبو عبد الله (عليه السلام): إنّا قد بايعنا وعاهدنا ولا سبيل إلى نقض بيعتنا(3). وهذه المسالمة التي أشار إليها سيّد الشهداء وإن لم يلتزم المصافق بها واقعاً لأن الذي أعطوه الميثاق غاشم لا تحلّ مصافقته وقد قال الرسول الأقدس (صلى الله عليه وآله): إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه(4) ومن المقطوع به أنّه لا يريد من المنبر تلك الأعواد المصنوعة من خشب وكان يجلس عليها للإرشاد والهداية وإنّما يريد منبر الدعوة الإلهية فيكون غرض النبيّ الإيعاز إلى الملأ الديني الواعي لكلمته الثمينة بأن معاوية الداعي باسم الخلافة كافر بما أُنزل من الوحي على الصادق الأمين (صلى الله عليه وآله) بتعيين من أقامهم المولى سبحانه أُمناء على شرعه القويم وكافر بقول النبيّ الذي لم يزل يجاهر مرّة بعد أخرى بأسماء من يلي الخلافة من بعده وهم الاثنا عشر من ذريّته المعصومين والراد لما أنزل على الرسول (صلى الله عليه وآله) قولاً أو فعلاً من الجاحدين. ولم تخف هذه الأحوال على معاوية ولا ممن شاهد النبيّ وسمع حديثه أو كان قريب العهد بزمن تلك النصوص ولو صدقت الأوهام بأنّه كاتب النبي اتّسع الخرق عليه. وحيث أنّ سيّد الشهداء لم تسعه المصارحة بما وجب عليهم في الصحيفة الخاصة بالإمام الزكيّ وكان فيها أن يسالم خاضعاً للقضاء المحتوم وقد أشار النبيّ إلى هذه المسألة بقوله: إبنايَ هذان إمامان إن قاما وإن قعدا، وأكثر العقول لا تتحمّل هذه الأسرار الدقيقة كما قال الإمام الصادق (عليه السلام) حديثنا صعب مستصعب لا يتحمّله إلاّ نبيّ مُرسل أو مَلك مُقرّب أو مؤمن امتحن الله قلبه بالإيمان. تلطّف أبو عبد الله (عليه السلام) ببيان أقرب إلى الأذهان وتتحمّله العقول فقال: إنا قد بايعنا وعاهدنا ولا سبيل إلى نقض بيعتنا. وهناك دقيقة أخرى كانت ملحوظة للإمام الشهيد أفرغها بهذه الكلمة الموجزة وهي أن الإنسان إذا عاهد آخر لا يجوز له نقض عهده ولو كان مشركاً ولذا وردت الأخبار وفقاً للآية الكريمة (وإن أحد من المشركين استجارك فأجِرْهُ) فقال (صلى الله عليه وآله) المسلمون يسعى بذمتهم أدناهم ولو كان عبداً أو امرأة وفسّره الصادق (عليه السلام) بأن جيش المسلمين إذا حاصر المشركين فأشرف رجل منهم وقال أعطوني الأمان حتى ألقى صاحبكم فأعطاه أدناهم الأمان وجب على أفضلهم الوفاء به. وحينئذٍ يقول أبو عبد الله إن هذه المسالمة التي أعطيناها معاوية على ما فيها من ظلم وغشم بعد أن صدرت منّا لا يصحّ نقضها إذاً فكيف بالبيعة الصادرة لإمام الحقّ المنصوب من قبل الله سبحانه فإنّها أولى وأجدر بالإِلزام وعدم النقض وإن لا تتباطأ الأمة عن القيام بها وهذا من سيّد الشهداء درس راقي وفقهُ شامل لو كانت هناك آذان صاغية وقلوب واعية ونفوس زاكية. ومن هذا الباب ما جرى للحسين مع عليّ بن بشير الهمداني وسفيان بن أبي ليلى الهمداني النهدي والمسيّب بن نجبة وعبد الله بن الوراك وسراح بن مالك الخثعمي فإنّهم دخلوا عليه وخبّروه بما يرد به عليهم أبو محمد (عليه السلام) واستنهضوا الحسين لمقارعة ابن هند. فقال لهم الحسين: صدق أبو محمد، ليكن كل رجل منكم حلساً من إخلاص بيته مادام هذا الإنسان حيّاً(5). فأبو عبد الله أرجأ هذه النهضة لسدّ باب المنكر إلى الوقت المعلوم لديهم من جدّهم الرسول (صلى الله عليه وآله) وقد قام بها سيّد شباب أهل الجنّة يوم جاء ذلك الوقت فدوّى العالم بصرخته الأحمدية وعرفت الأجيال المتعاقبة مخازي ابن هند ويزيد ومن لاذ بهم من جراثيم الفتن فتوقّدت العزائم واحتدمت النفوس من أُناس حتى أجهزت على حياتهم ودمّرت ملكهم وعرفت الأمة مبلغ أُولئك المتسنّمين منبر النبوة من الشقاء ومبلغ من ناوأهم من أهل البيت من الحقّ والسعادة. وغير خافٍ إن هذا التذمّر من رجالات الشيعة ومجابهتهم الإِمام الزكيّ بتلك الكلمات المقذعة لا يحطّ من مقدار اعتقادهم بإمامته وإنّما صدر منهم ذلك لأن علائقهم الدينية والوديّة كانت مقصورة على جمال الحق القائم بمجالي الكتاب والسنة الوضيئة ومحيّا حجّة الزمن الأبهج وحيث أحسّوا بما يرام بالدين من الصدع وبإمام الوقت من الاضطهاد وبالمؤمنين من استئصال الشأفة ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وأظلمت الدنيا في أعينهم ولم يكن يحوون من سعة العلم بالحقائق والعواقب ما يخفف تلك الوطأة ويخمد فورة أنفسهم الملتهبة من تحكّم الضلال بالأمة واسترداد الجاهلية الأولى فهنالك انتأت المشاعر عن النفوس فواجهوا الإمام بما عرفت ولهجوا بما لهجوا به وهم غير خارجين عن طاعة ولا متضعضعين في عقيدة. ولا ريب أن مقادير الرجال متباينة وقابليتهم لتحمّل الأسرار متفاوتة ولم تكن أسرار الأئمّة يتحمّلها كل أحد ولذا كان سيّد الشهداء يفيض من علمه المخزون على كل من طلب من التريّث عن السفر إلى العراق بما يسعه ظرفه وتتحمّله قابليته ولم تسعه المصارحة بما عنده من العلم بمصير أمره. وهذا الذي ذكرناه هو الأساس في اجتماع رجالات الشيعة وعقد أندية للمؤامرة لحلّ أغلال الاستعباد عن أعناقهم باستدعاء أبي الضيم (عليه السلام) لعاصمة الخلافة العلوية لقمع أشواك الظلم المكتدّسة في طريق الشريعة وقمع جراثيم الفساد الوبيئة ليتمّ الفتح المبين ويستضيء العالم بألق المبادئ الصحيحة والأنظمة الربوبية التي لاقى المشرّع الأعظم (صلى الله عليه وآله) المتاعب في نشرها. وإن الوقت الذي أرجأ أبو عبد الله (عليه السلام) النهضة فيه حيث كان يقول لأولئك الخلّص من الشيعة: ليكن كل رجل منكم حلساً من أحلاس بيته مادام هذا الإنسان حيّاً يعني معاوية هو يوم نهضته بمشهد الطفّ. فكان اجتماع الشيعة في منزل سليمان بن صرد الخزاعي لأنّه وجه من وجوههم جليل في قومه لا يفتات رأيه ومساعيه في أيام أمير المؤمنين (عليه السلام) الثلاثة مشكورة فذكروا هلاك معاوية وما لاقته الشيعة في أيّامه وأشدّ منها عهده (ليزيد) الذي وصفه زياد بن أبيه لعبيد بن كعب النمري: بأنّه صاحب رسله وتهاون بالدين وقد أولع بالصيد وإن أمر الإسلام وضمانه عظيم فلا يصلح يزيد للخلافة ثم قال له ألق معاوية وادّ هذا عنّي وخبّره بفعلات يزيد وتهاونه بالدين(6). وقد اعترف بذلك ابن مرجانة حين كتب إليه يزيد أن يسير لحرب ابن الزبير فقال لمن حضر عنده لا والله لا أجمعها للفاسق الفاجر أقتل ابن بنت رسول الله وأهدم الكعبة(7). ووصف السبط الشهيد حال يزيد في كتابه لمعاوية وفيما قال له: لقد دلّ يزيد من نفسه على موقع رأيه فخذ ليزيد فيما أخذ به من استقرائه الكلاب والحمام السبق والقيان ذوات المعازف وضرب الملاهي نجده ناصراً ودع ما تحاول فما أغناك أن تلقى الله تعالى بوزر هذا الخلق بأكثر مما أنت لاقيه فوا الله ما برحت تقدم باطلاً في جور وحنقاً في ظلم حتى ملأت الأسقية وما بينك وبين الموت إلاّ غمضة فتقدم على عمل محفوظ في يوم مشهود ولات حين مناص(8). وبهذا البيان تلطّف سيّد الشهداء بالنصح الشافي لدحض الضلال لكنه لم يجد أذناً صاغية ولا قلباً واعياً فأخذت بوارق الإرهاب وبواعث الطمع من معاوية يسدّان طريق الحقّ. فلمّا هلك معاوية استنشق الكوفيّون روح الأمن وأبصروا بصيصاً من نور الإمام فعزموا على أن يكتبوا إلى الحسين (عليه السلام) بالمسير إلى عاصمة أبيه أمير المؤمنين (عليه السلام) ليفتح لهم باب السجن المظلم. فقام سليمان بن صرد الخزاعي خطيباً حمد الله وأثنى عليه ثم قال إن معاوية قد هلك وإن حسيناً قد تقبض على القوم ببيعته وقد خرج إلى مكّة وأنتم شيعته وشيعة أبيه فإن كنتم تعلمون إنّكم ناصروه ومجاهدو عدوّه فاكتبوا إليه وإن خفتم الوهن والفشل فلا تغروا الرجل في نفسه. فقالوا بأجمعهم إنّا نقاتل عدوّه ونقتل أنفسنا دونه.
|
|
|
1 - تاريخ الطبري ج6 ص125. 2 - شرح النهج ج3 ص15. 3 - الدينوري في الأخبار الطوال ص222. 4 - صفين لنصر بن مزاحم ص248 طبعة مصر وذكر السيد محمد بن عقيل في (النصائح الكافية) ص35 طبعة بمبي إن ابن عدي أخرجه عن أبي سعيد والعقيلي عن الحسن وروى عن الصادق عن أبيه عن جابر. 5 - الأخبار الطوال ص222. 6 - تاريخ الطبري ج6 ص169 وكان ذلك على أثر كتاب معاوية لزياد يطلب منه أخذ البيعة لولده يزيد من الكوفيين. 7 - تاريخ الطبري ج7 ص6. 8 - الإمامة والسياسة ج1 ص4. |