فهرس الكتاب

نشأته

لقد عرفت فيما قدّمناه من صفة بيت أبي طالب ومبلغ رجالاته من العلم والمعارف الإِلهية وانّهم على الأوضاح والغرر اللائحة في أنسابهم وأحسابهم لا تعدوهم الفضائل العصامية من علم وحكمة وأخلاق وبلاغة وأدب وشجاعة وفروسية إلى مآثر جمّة ازدانت بسروات المجد من بني هاشم وإن كلاًّ منهم أمّة واحدة في المكارم جمعاء.

وإن من قضاء الطبيعة وناموس البيئة إنّهم يمرنون وليدهم ويربّون الناشئ منهم على ما تدفّقت به أوعيتهم فلا يدرج الطفل إلاّ والحنكة ملء أهابه ولا يشبّ الصغير إلا وهو محتوٍ لفضيلة المشايخ وإذا ألقيت بالرجل منهم الصغير إلا وهو محتوٍ لفضيلة المشايخ إذا التقيت بالرجل منهم فحدّث عن البحر ولا حرج فقضيّة الطبع الأولي فيمن يترعرع ويشبّ فيبلغ مبالغ الرجال هكذا بين فواضل وفضائل ومآثر ومفاخر ولا سيّما أن من جبلة رجالات البيت تغذية ناشئهم بما عندهم من آلاء وتحنيكه بنمير مكارمهم واروائه بزلال من حكمهم البالغة وعظاتهم الشافية وتعاليمهم الراقية فقضية قانون التربية الصحيحة أن يكون الولد إنساناً كاملاً.

نعم هكذا أرباب الفضائل من آل أبي طالب لا يروقهم في صغيرهم إلا ما يروقهم في الأكابر ولا يرضيهم ممن يمتّ بهم إلا أن يزدان به منتدى العلم ودست الإمارة ويبتلج به صهوة الخيل ومنبر الخطابة وأن يسير مع الركب ذكره ومع الريح نشره لكي يقتدى به في المآثر ويقتص أثره في الأخلاق.

وهذا الذي ذكرناه إنّما هو مرحلة الاقتضاء التربوي ويختصّ بما إذا صادف قابلية المحلّ وعدم المزاحمة بموانع خارجية تسلب الأثر من كل هاتيك الموجبات من بيئة وبيئة أو مجالس سوء أو شره ثابت فإن هذه الأمور تستوجب التخلّف عن ذلك الاقتضاء كما نسب إلى شذاذ من العلويين فإنّه على فرض صحّة النقل لا يصار إليها إلاّ في الموارد المفيدة للعلم بخروج الناشئ عن ذلك الناموس.

وأمّا داعية الحسين (عليه السلام) وسفيره إلى العراق فكانت لياقته الذاتية وتأهّله للفضائل وتأثّره بتلك التربية الصحيحة ونشوؤه في ذلك البيت الممنّع وتخرّجه من كليّة الخلافة الإلهية قاضية بسيره مع ضوء التعاليم المقدّسة فأينما يتوجّه إلى ناحية من نواحي هذا البيت لا يقع نظره إلاّ على أستاذ في العلم أو مقتدى في الأخلاق أو زعيم في الدين أو بطل في الشجاعة أو إمام في البلاغة أو مفنّن في السياسة الإلهية.

فكانت نفس مسلم بن عقيل (عليه السلام) تهشّ إلى نيل مداهم منذ نعومة الأظفار كما هو طبع المتربّي بهذا البيت ففي كل حين له نزوع إلى مشاكلة كبرائهم وهذه قاعدة مطردة فإنّك تجد ابن العالم يأنف عن أن يعدّ في أبناء العامة وابن الملك يكبر نفسه إلاّ عن خلائق والده وولد الزعيم يترفّع عن مشاكلة رعاياه فكل منهم يرمي إلى ما يرفعه عن غرائز الطبقات الواطئة.

إذاً فما ظنك بمسلم بن عقيل (عليه السلام) الذي هو أوّل من وقع بصره عليه عمّه أمير المؤمنين صلوات الله عليه وابناه الإمامان إن قاما وإن قعدا(1) صلوات الله عليهم ورجالات السؤود والخطر من آل عبد المطلب وسمع أخبار الغابرين من أهل بيته في المفاخر والمآثر فهل يمكن أن يكون له هوى إلا مع الفضيلة أو نزعاً إلاّ إلى المحامد نعم نشأ مسلم مع العلم والتقوى والبطولة والهدى والحزم والحجى والرشد كما شاء له المولى سبحانه حتى أحبّ لقاءه يوم سعادته بشهادته.

ولقد كان من أهمّ ما يتلقّاه مسلم (عليه السلام) من أكابر قومه مناوأة البيت الأموي أضداد الفضيلة وأعداء الدين وحضنة الجاهلية الأولى وناشري ألوية الوثنية والدعاة إلى كل رذيلة بأعمالهم وأقوالهم ولهذه كانت تعدّ تلك المباينة من الهاشميين لهم من أسمى مناقبهم فبطبع الحال كان (داعية السبط الشهيد (عليه السلام) وارثاً لهذه الظاهرة بأتمّ ما لها من المعنى.

وممّا لا يستسهل العقل قبوله أن يكون ابن عقيل (عليه السلام) متزلّفاً إلى واحد ممن ناوأ آباءه الأطايب أو مجاملاً له فيجرّ الرذيلة إلى قومه وتفوته الشهامة الهاشمية والإباء الموروث له الشمم المتأصّل كيف وإنّه:

درّة تــــاج الفضل والكرامـة          قرّة عــــــــين المـــجد والشهامة

أول رافــــع لـــــراية الهـدى          خـــصّ بفضل السبق بين الشهدا

كفاه فــــضلاً شرف الرسالة          عـــن معدن العـزّة والجلالة(2)

 

1 - هذا حديث عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) رواه عليّ بن عيسى الاربلي من أعيان القرن السابع في كشف الغمة ومراد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) من هذه الكلمة الثمينة إن الإمامة منصب إلهي لا تزول عنهما مع القعود عن الحرب أو النهوض للجهاد والقاعد هو الإمام المجتبى والقائم سيّد الشهداء والتثنية في الفعلين للتغليب.

2 - لشيخنا الحجّة آية الله الشيخ محمد حسين الأصفهاني قدّس الله تربته.