فهرس الكتاب

اُمّه

إنّ غموض التعريف عن أُمّ مسلم بأجلى المظاهر أوقع الباحث في حيرة السؤال عن اقتران عقيل منها هل كان بالعقد أم بملك اليمين وإنها حرّة أم جارية، والعتب في ذلك على المؤرّخين الذين أهملوا الحقائق مع تحفّظهم على أمور تافهة لا يقام لها وزن وإن من الجدارة التعريف بنواحي هذا الرجل العظيم الذي دخل الكوفة وحده بلا عّدة ولا عدد فدوّى أرجاءها بصرخته الحسينية في وجه المنكر وأقلق فكر الممثّل للزعامة الأموية في الشام ولعلّ من هذا الإغفال يستطيع الباحث الجزم بأن ما يلم (بابن عقيل) كان على أبعد حدّ من الفضائل والفواضل سواء من ناحية أمّه وأبيه أو من بيته الرفيع فإنه لو كان هناك طريق للغمز فيه ولو من جهة تاريخ أمّه لتذرّع به المنحرفون عنه وعن سلفه الطاهر كما هو ديدنهم فيمن ضمّهم هذا البيت أو انضوى إلى رايتهم ومشى على ضوء تعاليهم.

وليس للمؤرخين إلاّ نصَّان أحدهما بعيد عن الواقع كما ستعرف، والآخر على ما فيه من غموض وإجمال يمكن للمتأمّل فيه وفيما كتب عن أصل النبط الإذعان بأن (أم مسلم) عربية حرّة ولعلّ ترك ابن زياد التعرّض لها فيما جرى بينه وبين مسلم من المحاورات يشهد له فإنّه كان بصدد إسقاط مسلم عن أعين الناس فنسب له أشياء يقطع بأنّه لم يأت بها أصلاً فلو كانت أمّه جارية لنبزه بها كما فعل هشام بن عبد الملك مع زيد الشهيد رضوان الله عليه إذ قال له: زعمت أنّك تطلب الخلافة ولست هناك وأنت ابن أَمة، فقال له زيد: إن الأمّهات لا يقعدن بالرجال عن الغايات، وقد كانت أمّ إسماعيل أَمَة فلم يمنعه أن كان نبيّاً وأباً لخاتم الأنبياء.

وهذا النص الأخير يرويه ابن قتيبة فيقول كانت أمّ مسلم بن عقيل نبطية من آل فرزندا(1) ويقول بعض المؤرّخين إن النبط كانوا في جبل شمر(2) في أواسط بلاد العرب ثم نزحوا إلى العراق لما فيه من الخصب والرخاء(3) فأقاموا في سواد العراق(4) أو في خصوص البطائح بين العراقين(5) البصرة والكوفة.

ولم ينكر أحد ممن كتب عنهم أن لغة النبط عربية كأسماء ملوكهم البالغين ثمانية عشر وفيهم امرأتان في القرن السابع قبل الميلاد(6) نعم يرتأي المسعودي أنّهم من الكلدانيين المجاورين مع الفرس سكّان فارس والأهواز وعاصمتهم (كلواذي)(7) وبعد تغلّب الفرس عليهم تفرّقوا(8) ويوافقه على ذلك بعض المستشرقين الواقفين على النقوش من آثارهم ويفيد بأن لهم في ذلك التاريخ دولة في العراق متّسعة الأطراف حتى شملت معظم جزيرة العرب واستوزروا الوزراء وضربوا النقود بأسماء ملوكهم ولهم قوانين(9).

وعلى هذا فليس مبتعداً عن الواقع من يرتأي أن عقيلاً خطب لنفسه من بعض عشائر النبطيين الذين يجمعهم وإيّاه الوقوف بتلك المشاعر المعظّمة التي حثّ الله تعالى العباد إليها ذللاً، أو الواردين للتجارة في مكّة، أو الزائرين مرقد الرسول الأمين الذي استضاء العالم بنوره المتألّق.

أمّا النصّ الأول فقول أبي الفرج اسم أمّه (حليّة) اشتراها عقيل من الشام(10) ولذلك حديث لا تخفى تفكّك أطرافه على من أعطاه حقّ النظر يقول ابن أبي الحديد في الرواية المرسلة عن المدائني: أن معاوية قال لعقيل هل لك من حاجة فأقضيها لك، قال نعم جارية عرضت عليَّ وأبى أصحابها أن يبيعوها إلاّ بأربعين ألفاً، فأحبّ معاوية أن يمازحه فقال: ما تصنع بجارية قيمتها أربعون ألفاً وأنت أعمى تجتزي بجارية قيمتها خمسون درهماً، قال: أرجو أن أطأها فتلد لي غلاماً إذا أغضبته يضرب عنقك بالسيف، فضحك معاوية وقال: ما زحناك يا أبا يزيد، وأمر فابتيعت له الجارية التي أولد منها مسلماً.

فلمّا أتت على مسلم ثمان عشرة سنة وقد مات عقيل أبوه قال لمعاوية يا أمير المؤمنين إن لي أرضاً بمكان كذا من المدينة وإنّي أُعطيت بها مائة ألف وقد أحببت أن أبيعك إياها فادفع لي الثمن، فأمر معاوية بقبض الأرض ودفع الثمن إليه.

فبلغ ذلك الحسين (عليه السلام) فكتب إلى معاوية: أمّا بعد، فإنّك غررت غلاماً من بني هاشم فابتعت منه أرضاً لا يملكها فاقبض من الغلام ما دفعته إليه وأردد إلينا أرضنا.

فبعث معاوية على مسلم فأخبره بذلك وأقرأه كتاب الحسين وقال: أردد علينا مالنا وخذ أرضك فإنّك بعت ما لا تملك، فقال مسلم: أما دون أن أضرب رأسك بالسيف فلا، فاستلقى معاوية ضاحكاً يضرب برجليه وقال: يا بني هذا والله كلام قاله لي أبوك حين ابتعت له أمّك.

ثم كتب إلى الحسين (عليه السلام): إنّي قد رددت عليكم الأرض وسوّغت مسلماً ما أخذ، فقال الحسين (عليه السلام): أبيتم يا آل أبي سفيان إلا كرماً(11).

من الصعب جدّاً الاستناد إلى هذه الرواية لأسباب عديدة نأتي على المهمّ منها:

الأول: إنّها منقطعة الإسناد وطرح رجال الحديث مما يحطّ من قيمته لما فيه من الجهالة بمعرفة أحوال أُولئك المتروكين والتدليس الشائن.

الثاني: إن المدائني لا يوثق بأحاديثه مهما تكثرت في الجوامع بعدما ضعفه ابن عدي في الكامل(12) ويؤيده أنه أموي النزعة من جهة ولائه لآل عبد شمس والولاء كالتربية حاكم على النفوس والعقائد فهو ممن يحب للبيت الأموي التحلّي بالصفات الكريمة لتهوى لهم الأفئدة وتخضع لهم الأعناق ويكونوا في صفّ من طهرهم الذكر المجيد بقوله: (إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً) كما أثبت سبحانه لهم أشرف الخصال المحبوبة له إذ يقول: (يطعمون الطعام على حبّه مسكيناً ويتيماً وأسيراً إنّما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءً ولا شكوراً).

والسند في ولائه لهذا البيت نصّ ياقوت فإنّه قال: كان عليّ بن عبد الله بن أبي سيف البصري المدائني البغدادي مولى سمرة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف(13) ويقول ابن حجر أنّه مولى عبد الرحمن بن سمرة(14) وعدم موافقة ولادة المدائني التي هي في سنة 135هـ لوفاة عبد الرحمن بن سمرة الواقعة في سنة 50هـ لا يبعد هذا الولاء بعد ما ينصّ ابن كثير على أن لعبد الرحمن أولاداً كثيرين(15) ويسمّي ابن حجر بعضهم عبيد الله وإنّه تغلّب على البصرة في فتنة ابن الأشعث(16) فإطلاق الولاء لأبيهم عبد الرحمن أو لجدّهم سمرة بملاحظة أولاده لا ضير فيه.

وإذا أفهمتنا الجوامع أن عبد الرحمن من (الشجرة) التي أنتجت معاوية وكان من عمّاله على سجستان وغزالة خراسان(17) وبلخ وكابل(18) وفتح الرخج وبست(19) وضح لنا أنّه يسير على أثره وأنّه حائد عن كل من ناوأ معاوية وهذه قضايا قياساتها معها.

ولا ريب أن الموالي يرثون هذه النزعة كالأنساب اللهمّ إلا أن يكبح هذا الجماح الخضوع لقانون الإسلام فيقف عند حدوده ولكن أين هذا من (المدائني) المكثر من خلق الأحاديث الرافعة للبيت الأموي والواضعة من قدر رجالات بيت الوحي والنبوة وأنّها لشنشنة مضى عليها الأولون نعرفها من منافسة عبد شمس أخاه هاشماً مطعم الطير والوحوش ومنافسة حرب بن أمية عبد المطلب الذي كفأ عليه إناءه واستعبده عشر سنين(20) ومنافسة أبي سفيان للرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) الذي مَنَّ عليه يوم الفتح وأطلق له جاهد ونافس ابن آكلة الأكباد أمير المؤمنين (عليه السلام) الذي اصطفاه النبي (صلى الله عليه وآله) يوم المؤاخاة بالأخوّة ومنحه الخلافة الإِلهية إذ قال له: أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي.

الثالث: إن المتأمّل في هذه المحاورة الواقعة بين عقيل ومعاوية في أمر الجارية يظهر له مغزى المدائني فإنّه أراد أن يسجّل صحيفة من حلم معاوية وأناته وكرمه مع المسّ في الذوات القدسية من آل الرسول الأطهر وقد فاته أن المستقبل يكشف عن نواياه.

قال في تلك المحاورة:

(ولمّا أتت على مسلم بن عقيل ثمان عشرة سنة وقد مات أبوه عقيل قال لمعاوية: إن لي أرضاً بمكان كنّا من المدينة وقد أعطيت بها مائة ألف وقد أحببت أن أبيعك إياها فادفع لي الثمن، فأمر معاوية بقبض الأرض ودفع الثمن إليه).

وفي هذه الجملة خلل واضح فإنّه أثبت بيع مسلم الأرض وعمره ثمان عشرة سنة وأبوه ميت وعلى ما يقوله ابن حجر أن عقيلاً مات سنة ستّين وقيل بعدها(21) يكون عمر مسلم (عليه السلام) ثمان عشرة سنة عند شهادته في سنة ستّين وهذا لا يتّفق مع ما أثبته المؤرّخون من تزويجه بثلاث نساء أو أكثر وإن له أولاداً خمسة وبنتاًَ فإنّه وإن لم يكن من المحال في هذه المدّة القصيرة التي هي عبارة عن ثلاث سنين بعد بلوغه أن يتزوّج من ثلاث نساء ويستولد هذا العدد لكن العادة المطردة تأباه.

ثم هناك شيء آخر وهو أن كلاً من عقيل ومسلم ومعاوية ماتوا في سنة ستين استشهد مسلم (عليه السلام) في ذي الحجّة وهلك معاوية في رجب وموت عقيل لم يتعيّن قبل رجب أو فيه أو بعده فعلى الأخيرين لا تتمّ دعوى سفر مسلم إلى الشام وبيعه الأرض وعلى الأول أعني موته قبل رجب المتردّد بين أن يكون في المحرّم أو ما بينه وبين رجل فالعقل وإن لم يمنع صدور البيع في هذا الزمن إلاّ أن من البعيد جدّاً أن يشدّ مسلم (عليه السلام) الرحال من المدينة إلى الشام ويتحمّل وعثاء السفر لبيع الأرض من معاوية بالمقدار الذي دفعه إليه الرجل المدني كما يفيده قوله لمعاوية: (إن لي أرضاً بمكان كذا من المدينة وقد أعطيت بها مائة ألف وأحببت أن أبيعك إياها).

فإنّ كل أحد يعد اتخاذ هذه الطريقة سفها وحاشا (داعية السبط) ان يرتكب خطة لا يصادق عليها العقل ويكون مرمى لسهام اللوم إلاّ أن يكون قد تزلّف إلى معاوية ببيعه الأرض والشمم الهاشمي الذي انحنت عليه أضالعه يأباه له كيف وهو يشاهد دماءهم الطاهرة ودماء من شايعهم تقطر من سيفه وأنديتهم تلهج بانحرافه عن خطّة سلفه الطيّب وغدره بالإِمام الحسن (عليه السلام) تدرسه ناشئة هذا البيت كل يوم.

والتحيّل لاستخلاص أموالهم من يد معاوية كما يراه البعض لا يتوقّف على هذه الطريقة المشوّهة لبيتهم المنيع ومقامهم الرفيع مع انّهم بعيدون عن أمثاله لأنّ نفوسهم الزاكية تكبر بهم عمّا فيه الضعة والخسّة ولو عند العامة. هذا إذا كان موت عقيل في سنة ستّين وأمّا إذا كان بعدها كما هو القول المحكّي في نصّ ابن حجر كما عرفت، فالكذب في هذا البيع واضح والمسافة للتصحيح بعيدة لأنّه عليه يكون بيع مسلم الأرض بعد موت أبيه كما في الرواية ومعاوية بين أطباق الثرى وقد فاز مسلم بالشهادة يومئذٍ.

ولو ذهبنا إلى رأي الصفدي وابن كثير من تعيين وفاة عقيل في سنة خمسين(22) يكون لمسلم (عليه السلام) عند شهادته في سنة ستّين ثمان وعشرون سنة وتكون ولادته سنة اثنين وثلاثين قبل واقعة صفين الكائنة في سنة 37 بخمس سنين وهذا وإن التأم مع ذلك العدد من أولاده لكن لا يلتئم مع ما ذكرناه ابن شهراشوب الحافظ الثبت الثقة بنصّ الفريقين من الشيعة والسنّة(23).

فإنّه يقول: جعل أمير المؤمنين (عليه السلام) على ميمنته في صفّين الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر ومسلم بن عقيل، وعلى الميسرة محمد بن الحنفية ومحمد بن أبي بكر وهاشم بن عتبة المرقال(24).

ومن المعلوم إن من يجعله أمير المؤمنين في صفّ أولاد عميّه البالغين نحواً من خمس وثلاثين سنة لا بدّ وأن يقاربهم في السنّ كما قرن بين ابن الحنفية ومحمد بن أبي بكر وهما متقاربان في السنّ فإن محمد بن الحنفية ولد سنة 16هـ(25) وله يوم صفين إحدى وعشرون سنة ومحمد بن أبي بكر ولد عام حجّة الوداع بذي الحليفة أو بالشجرة حين توجّه رسول الله للحجّ وقتل سنة 38 وله يوم صفين 27 سنة(26).

وحينئذٍ لا أقل أن يقدّر عمر مسلم بن عقيل بالثلاثين أو الثمان وعشرين وتكون ولادته إما سنة سبع أو تسع وله يوم شهادته أكثر من خمسين سنة وعلى هذا التقدير في ولادته أين ولاية معاوية في الشام وأين مسير عقيل إليه بل أين إسلام معاوية فإنّه أسلم بعد سنة تسع قبل وفاة النبيّ (صلى الله عليه وآله) بأشهر.

وإذا أخذنا بنصّ الواقدي كانت المسافة أبعد قال: لما دخل المسلمون مدينة (البهنسا) بعد حصار طويل دخل مسلم بن عقيل في جملة الهاشميين وهو يقول:

ضناني الحرب والسهر الطويل          وأقلــــــقني التســـــــهّد والعويل

فواثارات جعـــــفر مـــــع عليّ          ومـــــا أبـــــــدى جوابك يا عقيل

سأقتل بالمهنّد كـــــل كـــــــلب          عسى في الحرب أن يشفى الغليل

وكان فتح البهنسا في أيّام عمر بن الخطّاب(27):

فإن من يخرج في صفّ المجاهدين أيّام ابن الخطّاب لا بدّ وأن يبلغ على الأقلّ عشرين سنة وحينئذٍ تكون ولادته في أوائل الهجرة ومعاوية يومئذٍ راسباً في بحر الشرك والضلال عابداً للأوثان.

ثم إن رجلاً كمسلم يراه عمّه أمير المؤمنين (عليه السلام) جديراً بقيادة الجيش يوم صفّين فيجعله على الميمنة في صفّ ولديه الإمامين السبطين (عليهما السلام) وابن أخيه عبد الله جعفر ويجده سيّد الشهداء قابلاً لأهلية الولاية على اعظم حاضرة في العراق (الكوفة) فيحبوه بالنيابة الخاصة في الدينيات والمدنيّات.

ولا بدّ وأن يكون أعظم رجل في العقل والدين والأخلاق حتى لا يقع الغمز والطعن فيمن يمثّل موقف الإمامة بأنّه ارتكب دنيّة أو جاء برذيلة أو فعل محرّماً أو بدت منه رعونة ولو في أمس الدابر فينتكث فتله وتتلاشى مقدرته.

على أن تلكم الأحوال لو كان من الجائز صدورها منه في الماضي لجاز عودها إليه أيّام ولايته فينتقض الغرض من إرساله مهذباً ومؤدباً وقامعاً للريب والشبهات وزاجراً عمّا يأباه الدين والإنسانية.

فالإمام أبو عبد الله (عليه السلام) لم يشرف أحداً بالولاية إلاّ وهو يعلم بأنّه يمضي في أمره كالحديدة المحمّاة وإنّا لا نشكّ في أن سيّد الشهداء لم يرسل مسلماً والياً من قبله ويزينه بتلك الرتبة العظيمة ثم يشفع ذلك بتشريف الأخوّة له التي هي أخوّة العلم والدين وإنّه ثقته من أهل بيته ألا وهو يعلم بأنّه في كل أدوار حياته منذ نشأته إلى حين تأهّله لهذه الزعامة الكبرى رجل العلم والتقى، رجل العقل والسياسة، رجل الأخلاق والإيمان.

فلا يصدر من مثله بيع الأرض من معاوية من دون مشاورة سيّد الشهداء مهما كلّفته الحاجة وبلغت به الفاقة حدّها على أنّه في كنف السبط الشهيد وذرى عزّه المنيع ولم تزل سماء نائلة هاطلة عليه وعلى محاويج الأمة.

وهناك شيء أغرب من هذا وهو نسبه المدائني كتاب (أبي الضيم) إلى معاوية لما بلغه الإعفاء عن الأرض والمال فقال في كتابه: (أبيتم يا آل أبي سفيان إلاّ كرماً) وكلّ واحد تتجلّى له هذه الأكذوبة التي لا تحتاج إلى تدليل لوضوح شهامة أبي عبد الله (عليه السلام) وعدم رضوخه للدنيّة في قول أو فعل ومتى اعترف سيّد شباب أهل الجنّة لآل أبي سفيان بمكارم الأخلاق من يوم منافسة جدّهم عبد شمس لأخيه هاشم إلى يوم مناوأة معاوية لأمير المؤمنين، وأي مأثرة غريزية حفظت لهذا البيت غير طفائف تخلّقوا بها وقد ظهر أضدادها على فلتات ألسنتهم، أليس معاوية هو القائل ليزيد: عليك بالصفح فإن أمكنت الفرصة فعليك بالسيف(28).

ولم يزل أبو عبد الله الحسين (عليه السلام) يصارح بما أودعه المهيمن جلّ شأنه فيه من الأنفة وعدم الخضوع للدنايا في مواطن كثيرة وإن كلمته الذهبية في آخر يومه تفيدنا فقهاً بالفطرة الموهوبة له من المولى سبحانه فإنّه قال يوم الطفّ:

(ألا وإن الدعيّ ابن الدعيّ قد ركزّ بين اثنتين بين السلّة والذلّة وهيهات منّا الذلّة يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون وحجور طابت وطهرت وأُنوف حمية ونفوس أبيّة من أن نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام)(29).

وإن عمدة ما يفت في عضد هذه الأكذوبة ويتدهور بها إلى هوّة البطلان هذه الكلمة التي لا يهيج بها هاشمي ذو شمم، نعم يأبى للهاشمي إباؤه وشهامته يأبى له حفاظه ووجدانه بل يأبى لأي مؤمن إيمانه وعلمه أن يعترف لابن آكلة الأكباد بتلك المأثرة البالغة حدّها وهو يعلم أن ابن هند المقعي على أنقاض الخلافة الإسلامية خلواً من أي حنكة وإنّما أدعم باطله المحض بالتحلّم والمحاباة والتزلّف يوهم بها الرعرعة من الناس بأن هذه الأناة هي الكافلة لأهلية الخلافة.

والإمام الشهيد العارف بهذه الزخارف مضافاً إلى نفسيته القدسية وإبائه العلوي جد عليم بأنّه إن فاه بمثل تلك الكلمة التي نسبها إليه المدائني اتخذها الناس حُجّة دامغة خصوصاً مع مشاهدتهم وفر معاوية وورائهم دسائسه ومعهم سماسرة الشهوات فيكون الإمام (عليه السلام) مغرياً بهم إلى الهوان ومقرّاً لهم على الضلال والباطل وحاشا (إمام الحقّ) أن يرتكب ما فيه إغراء للناس وهو مقيض لإنقاذ البشر من ورطة الجيل المردي.

وإنّي لا أظن بعد هذا البيان الضافي يبقى الواقف على كلمة المدائني (أبيتم يا آل أبي سفيان إلاّ كرماً) مرتاباً في افتعال نسبتها إلى سيّد الحفّاظ والحمية والشهامة سيّد الغيارى على المبادئ الصحيحة سيّد شباب أهل الجنّة (عليه السلام).

 

1 - المعارف ص88. 

2 - يعرف بجبل أجا وسلمى منزل لطي وقع ذكره في كلام الطرماح لسيّد الشهداء انظر ما كتبناه في مقتل الحسين، وفي أواخر القرن الثالث عشر والرابع عشر كان منزلاً لآل رشيد حتى تغلّب عليهم عبد العزيز آل سعود.

3 - جرجي زيدان في العرب قبل الإسلام ج1 ص78. 

4 - تاج العروس للزبيدي ج5 ص229. 

5 - القاموس للفيروز أبادي بمادة نبط.

6 - العرب قبل الإسلام ص78. 

7 - في القاموس بلدة في أسفل بغداد وفي معجم البلدان ج7 ص276 تبعد عن بغداد فرسخاً للمنحدر.

8 - التنبيه والإشراف للمسعودي ص68. 

9 - العرب قبل الإسلام ص79. 

10 - مقاتل الطالبيين ص80. 

11 - شرح النهج الحديدي ج3 ص82 طبعة مصر.

12 - لسان الميزان لابن حجر ج4 ص253. 

13 - معجم الأدباء ج14 ص124. 

14 - لسان الميزان ج4 ص253. 

15 - البداية والنهاية ج8 ص47 حوادث سنة 50. 

16 - الإصابة ج2 ص401 بترجمة عبد الرحمن.

17 - لسان الميزان ج4 ص190. 

18 - تاريخ اليعقوبي ج2 ص193. طبع النجف. 

19 - ابن الأثير ج3 ص174. 

20 - شرح النهج الحديدي ج3 ص466. 

21 - تقريب التهذيب ص366 لكنهؤ والإصابة ج2 ص494. 

22 - نكت الهميان للصفدي ص201 والبداية لابن كثير ج8 ص47. 

23 - انظر ترجمته في بغية الوعاة للسيوطي ص77 ولسان الميزان لابن حجر ج5 ص310 وطبقات المفسرين لشمس الدين محمد بن علي المالكي والبلغة للفيروز أبادي والوافي بالوفيات للصفدي ومن علماء الشيعة أثنى عليه العلاّمة الحلي في الخلاصة وميرزا محمد في منهج المقال وأبو عليّ الحائري في منتهى المقال والتفريشي في نقد الرجال والآغا البهبهاني في التعليقة والحرّ العاملي في أمل الآمل والسيد في روضات الجنات.

24 - المناقب ج2 ص260. 

25 - انظر كتاب قمر بني هاشم ص103. 

26 - ما يؤكّد حضوره في صفين ما رواه نصر في كتاب صفين ص330 إن منادي أهل الشام نادى أن معنا الطيب ابن الطيّب عبيد الله بن عمر فقال عمار بن ياسر بل هو الخبيث ثم نادى منادي أهل العراق ألا أن معنا الطيب ابن الطيب محمد بن أبي بكر فنادى أهل الشام بل هو الخبيث بن الطيب.

27 - فتوح الشام ص182. 

28 - نهاية الإرب ج6 ص50. 

29 - اللهوف للشريف النقيب ابن طاووس.