فهرس الكتاب

مكتبة أهل البيت

مكتبة الموقع

الصفحة الرئيسية

 

العلويون في قم

أشرنا فيما تقدّم إلى أن سياسة حكّام بني أمية وبني العباس كانت تعتمد على البطش بالعلويين وقهرهم وتشريدهم، وكان بنو العباس هم الأشدّ في ذلك كما اعترف المأمون العباسي، وقد أدّى ذلك إلى نزوح العلويين عن مواطنهم وتفرّقهم في أطراف الأرض إلى حيث يجدون الأمن والأمان، وقد مرّت علينا نماذج من أولئك الذين اضطرتهم الظروف العصيبة التي عصفت بهم إلى التنكر والتواري عن الأنظار خوفاً على أنفسهم وأعراضهم وذويهم.

ولمّا كانت مدينة قم من المدن السبّاقة إلى التشيّع والولاء لأهل البيت (عليهم السلام) أصبحت ملاذاً لبعض هؤلاء حيث التجأ إليها كثير من العلويين ولا سيّما بعد أن دفنت فيها السيدة فاطمة المعصومة (عليها السلام)، وأصبح حرمها الشريف مزاراً وملاذاً.

ومنذ أن اتخذ بعض العلويين من قم موطناً ومستقراً له بدأ الوجود العلوي بالانتشار، ولا زالت بعض السلالات العلويّة التي ينتهي نسبها إلى أولئك الذين سكنوا قم واستوطنوها باقية إلى اليوم كالسّادة البرقعيين فقد ذكرت بعض المصادر أنّ أول من دخل مدينة قم من السادة الرضويّة هو موسى بن الإمام الجواد (عليه السلام) في سنة 256هـ، وهو المعروف بالمبرقع، وكان يضع على وجهه برقعاً دائماً فلذا لقب بالمبرقع، وتوفي في قم سنة 296هـ، وقد التحق به أخواته زينب، وأم محمد، وميمونة بنات الإمام الجواد (عليه السلام)، ثم جاءت بعدهن بريهة بنت موسى، وتوفّين بقم، ودفنّ عند فاطمة المعصومة (عليها السلام)(1) كما ذكرناه فيما تقدّم.

وتنتشر في قم قبور السّادة العلويين وهي مزارات يقصدها أهل قم والوافدون إليها، وهي كثيرة.

منها: مزار فيه قبران أحدهما لموسى المبرقع، والثاني قبر أحمد بن محمد بن أحمد بن موسى.

ومنها: مزار كبير يعرف بـ(چهل اختران) ويحوي عدّة من قبور السادة العلويين منهم: محمد بن موسى المبرقع، وزوجته بريهة بنت جعفر بن الإمام علي الهادي (عليه السلام)، وزينب بنت الإمام موسى، وبناته: فاطمة، وبريهة، وأم سلمة، وأم كلثوم، وغيرهنّ من العلويات والفاطميات وكلّهن من أعقاب وذراري موسى المبرقع.(2)

هذا وقد انتشر أعقاب موسى المبرقع عدا قم في الرّي وقزوين وهمدان وخراسان وكشمير والهند وسائر البلدان.(3)

وقد تولّى بعضهم النقابة والأمارة، وكان فيهم العلماء وأهل التدبير والسيادة، فإنّ محمد بن أحمد بن موسى المعروف بأبي علي كان رجلاً فاضلاً تقيّاً ورعاً للغاية، حسن المنظر والمناظرة، فصيحاً عاقلاً، وكان رئيساً ونقيباً في قم، وأميراً للحاج، وقد شبهه أمير قم بالأئمة في الفضل والكمال، واعتقد بأنه يصلح للإمامة.

وكان ابنه أحمد بن محمد المعروف بالأعرج سيّداً جليل القدر عظيم الشأن، رفيع المنزلة رئيساً نقيباً في قم، وكان رجلاً متنسّكاً متعبّداً محبّباً إلى قلوب الناس، سخيّاً جواداً واسع الجاه، ولد بقم سنة 311هـ وتوفي في شهر صفر سنة 358هـ وكانت وفاته لأهل قم مصيبة عظمى.

وكان ابنه أبو الحسن موسى بن أحمد سيّد أهل قم ورئيسهم، حسن المعاملة معهم، مراعياً حقوقهم، وفوّضت إليه نقابة السادة في قم ونواحيها، وكان سادة آبة وقم وكاشان وغيرها تحت نظره في جميع أمورهم.(4)

وخلاصة القول أنّهم كانوا أشراف هذه المدينة وأجلاّءها في العلم والعمل.

ومنها: مزار أحمد بن قاسم بن أحمد بن علي بن جعفر العريضي، المعروف بـ(شاهد أحمد قاسم)، وهو معروف بالشّرف والجلالة، وقبره مزار كافة الناس، وكان عليه سقيفة، فلمّا جاء أصحاب خاقان المفلحي في سنة 295هـ إلى قم رفعوا السقيفة فتركت زيارته مدّة إلى أن رأى بعض صلحاء قم في المنام في سنة 371هـ أن ساكن هذه البقعة رجل فاضل، وفي زيارته ثواب عظيم، فبنى قبره بالخشب وجدّد، وأصبح يزار، وقال بعض الثقات: كان يأتي إليه أصحاب الأمراض المزمنة والمعلولون ويتوسلون به فيجدون الشفاء ببركة روحه الطاهرة.(5)

أقول: أشار إلى ذلك أحد الأساتذة من السادة العلماء الأجلاّء، وأرشدني إلى زيارته والتوسل به، وأنّ حرمه موضع إجابة، وقد توسّل به في بعض المهمّات فقضيت حاجته.

وحرمه اليوم أحد المعالم البارزة في قم، وقد دفنت في حرمه أخته فاطمة.

وفي جواره دفن كثير من العلماء والمؤمنين ويزدحم الزوّار عند قبره ولا سيّما في ليالي الأربعاء والجمعة من كلّ أسبوع.

ومنها: مزار قيل: إنّ حمزة بن الإمام موسى بن جعفر (عليهم السلام) قد دفن فيه.(6)

وقد اختلفت الأقوال في ذلك، فنقل العلامة القمّي عن بعض كتب العلامة المجلسي أن قبر حمزة بن موسى (عليه السلام) يقرب من قبر السيد عبد العظيم(7) (الحسني).

وقد تقدم ما نقلناه من رجال النجاشي أن السيد عبد العظيم الحسني كان يخرج مستتراً فيزور القبر المقابل لقبره ويقول هو قبر رجل من ولد موسى بن جعفر (عليهما السلام).

وذكر غيره أنّ قبره في اصطخر من شيراز.(8)

وذكر المحدّث القمي أن في مدينة قم الطيبة مزار يعرف بـ(شاهزاده حمزة)، ولأهل هذه البلدة اعتقاد تام فيه ويحترمونه ويعظّمونه، وله قبّة وصحن، ويظهر من كلام صاحب تاريخ قم أنّ هذا الشخص هو حمزة بن موسى (عليه السلام)، كما ورد في تاريخ السادات الرضائية الذين أقاموا بقم ودفنوا فيها، أنّه قال: جاء يحيى الصوفي إلى قم وأقام بها وسكن في دار قرب دورة زكريّا بن آدم ومشهد حمزة بن موسى بن جعفر (عليهما السلام).(9)

واليه ينتهي نسب السلالة الصفوية الذين حكموا إيران أكثر من قرنين من الزمان(10)، وذكرنا فيما تقدّم أن أربعة من سلاطينهم دفنوا بجوار السيدة المعصومة (عليها السلام).

ومنها: مزار كبير يعرف اليوم بـ(گلزار) قيل: إنّ علي بن جعفر الصادق (عليه السلام) مدفون فيه.(11)

وقد اختلف في ذلك أيضاً، وقيل إنّه مدفون في العرض من نواحي المدينة، وسكن فيها، وله أولاد كثيرون، وهم العريضيون.(12)

وقال العلامة المجلسي: وأمّا كونه مدفوناً في قم فغير مذكور في الكتب المعتبرة، لكن أثر قبره الشريف موجود قديم وعليه اسمه مكتوب.(13)

وهناك مزارات أخرى في قم تنسب لأولاد الأئمة (عليهم السلام) وأحفادهم من السادة الحسنيين والحسينيين والموسويين والرضويين وغيرهم وقد ذكرهم القمّي في تاريخه، والعلوي العمري في مجديه(14) ويقصدهم الزّائرون ويتوسلون بهم لقضاء حوائجهم.

وقد أشرنا فيما تقدّم إلى أنّ هذا الموضوع يحتاج إلى دراسة مستوعبة، فعسى أن يتهيأ لها من يسد هذا الفراغ.

والخلاصة أنّ أرواح الطيبيّن والصّلحاء تحيط بقم وأهلها، وتدفع عنها وعنهم عاديات الزمان.

 

1 - تاريخ قم، ص215-216.

2 - منتهى الآمال: ج2، ص570.

3 - منتهى الآمال: ج2، ص571.

4 - منتهى الآمال: ج2، ص571-572.

5 - تاريخ قم، ص225.

6 - منتهى الآمال: ج2، ص368.

7 - منتهى الآمال: ج2، ص367.

8 - المجدي في أنساب الطالبين ص117.

9 - منتهى الآمال: ج2، ص368.

10 - منتهى الآمال: ج2، ص368.

11 - منتهى الآمال: ج2، ص259.

12 - منتهى الآمال: ج2، ص259.

13 - بحار الأنوار: ج102، ص273.

14 - تاريخ قم، ص205-239، والمجدي في أنساب الطالبيين، ص128 و220 و313.