فهرس الكتاب

مكتبة أهل البيت

مكتبة الموقع

الصفحة الرئيسية

 

مفاخر القميين

وذكر أن لأهل قم مناقب وفضائل أخرى امتازوا بها على سائر الناس، وعدّت من مفاخرهم وأوليّاتهم.

قال الشيخ النمازي: مفاخر أهل قم كثيرة منها: أنّهم وقفوا المزارع والعقارات الكثيرة على الأئمة (عليهم السلام).

ومنها: أنّهم أول من بعث الخمس إليهم.

ومنها: أنّهم (عليهم السلام) أكرموا جماعة كثيرة منهم بالهدايا والتحف والأكفان، كأبي جرير زكريّا بن إدريس، وزكريّا بن آدم، وعيسى بن عبد الله بن سعد، وغيرهم، ممن يطول بذكرهم الكلام، وشرّفوا بعضهم بالخواتيم والخلع، وأنّهم اشتروا من دعبل ثوب الرضا (عليه السلام) بألف دينار من الذهب، إلى غير ذلك.

ومنها: قبر فاطمة بنت موسى (عليهما السلام) وثواب زيارتها.(1)

ومن طريف ما يروى ما جرى لدعبل بن علي الخزاعي الشاعر المشهور، وكان من قصّته أنه دخل على أبي الحسن علي بن موسى الرضا (عليهما السلام) بمرو، فقال له: يا بن رسول الله إنّي قد قلت فيك قصيدة، وآليت على نفسي أن لا أنشدها أحداً قبلك، فقال (عليه السلام): هاتها. فأنشده:

مـــــدارس آيات خلت من تلاوة          ومنــــزل وحي مقفر العرصات

فلما بلغ إلى قوله:

أرى فــيأهم في غيرهم متقمساً         وأيـــــديهم مــن فيئهم صفرات

بكى أبو الحسن الرضا (عليه السلام)، وقال له: صدقت يا خزاعي، فلما بلغ إلى قوله:

إذا وتـــــروا مدّوا إلى واتريهم         أكـــــفّاً عـــن الأوتار منقبضات

جعل أبو الحسن (عليه السلام) يقلّب كفّيه ويقول: أجل، والله منقبضات، فلمّا بلغ إلى قوله:

لقد خفت في الدينا وأيام سعيها         وإنّـــي لأرجو الأمن بعد وفاتي

قال الرضا (عليه السلام): آمنك الله يوم الفزع الأكبر، فلمّا انتهى إلى قوله:

وقــــــبر بـــــبغداد لنفس زكيـّة         تضـــمّنها الرحمن في الغرفات

قال له الرضا (عليه السلام) أفلا ألحق لك بهذا الموضع بيتين بهما تمام قصيدتك؟

فقال: بلى يا بن رسول الله. فقال (عليه السلام):

وقــبر بطوس يا لها من مصيبة         توقّد فـــــي الأحشاء بالحرقات

إلى الحـشر حتى يبعث الله قائماً         يــــفرّج عــــنّا الــهمّ والكربات

فقال دعبل: يا بن رسول الله هذا القبر بطوس قبر من هو؟ فقال الرضا (عليه السلام): قبري ولا تنقضي الأيام والليالي حتى تصير طوس مختلف شيعتي وزوّاري، ألا فمن زارني في غربتي بطوس كان معي في درجتي يوم القيامة مغفوراً له.

ثم نهض الرضا (عليه السلام) بعد فراغ دعبل من إنشاد القصيدة، وأمره أن لا يبرح من موضعه، فدخل الدار، فلمّا كان بعد ساعة خرج الخادم إليه بمائة دينار رضويّة، فقال له: يقول لكم مولاي: اجعلها في نفقتك، فقال دعبل: والله ما لهذا جئت، ولا قلت هذه القصيدة طمعاً في شيء يصل إليّ، وردّ الصرّة، وسأل ثوباً من ثياب الرضا (عليه السلام) ليتبرّك به ويتشرف به، وأنفذ الرضا (عليه السلام) جبّة خزّ مع الصرّة وقال للخادم: قل له: خذ هذه الصرّة، فإنّك ستحتاج إليها ولا تراجعني فيها.(2)

وفي رواية أخرى: أن دعبل الخزاعي قال: لما قلت (مدارس آيات) قصدت بها أبا الحسن علي بن موسى الرضا (عليهما السلام)، وهو بخراسان ولي عهد المأمون في الخلافة، فوصلت المدينة وحضرت عنده وأنشدته إياها فاستحسنها، وقال لي: لا تنشدها أحداً حتى آمرك.

واتصل خبري بالخليفة المأمون فأحضرني، وسألني عن خبري، ثم قال: يا دعبل أنشدني (مدارس آيات خلت من تلاوة) فقلت: ما أعرفها يا أمير المؤمنين، فقال: يا غلام أحضر أبا الحسن علي بن موسى الرضا.

فلم تكن إلا ساعة حتى حضر، فقال له: يا أبا الحسن سألت دعبلاً عن (مدارس آيات) فذكر أنّه لا يعرفها، فقال لي أبو الحسن: يا دعبل أنشد أمير المؤمنين، فأخذت فيها، فأنشدتها فاستحسنها، وأمر لي بخمسين ألف درهم، وأمر لي أبو الحسن علي بن موسى الرضا (عليهما السلام) بقريب من ذلك.

فقلت: يا سيّدي إن رأيت أن تهبني شيئاً من ثيابك ليكون كفني، فقال: نعم، ثم دفع إليّ قميصاً قد ابتذله ومنشفة لطيفة، وقال لي: احفظ هذا تحرس به.

ثم دفع ليّ ذو الرئاستين أبو العباس الفضل بن سهل وزير المأمون صلة وحملني على برذون أصفر خراساني.

قال: ثم كررت راجعاً إلى العراق، فلمّا صرت في بعض الطريق خرج علينا الأكراد فأخذونا، وكان ذلك اليوم مطيراً فبقيت في قميص خلق وضرّ جديد، وأنا متأسف من جميع ما كان معي على القميص والمنشفة، ومتفكّر في قول سيدي الرضا (عليه السلام)، إذ مرّ بي واحد من الأكراد الحراميّة تحته الفرس الأصفر الذي حملني عليه ذو الرئاستين ووقف بالقرب منّي ليجتمع عليه أصحابه وهو ينشد: (مدارس آيات خلت من تلاوة) ويبكي، فلمّا رأيت ذلك منه عجبت من لصّ من الأكراد يتشيّع، ثم طمعت في القميص والمنشفة فقلت: يا سيدي لمن هذه القصيدة؟ فقال: وما أنت وذلك ويلك؟ فقلت: لي فيه سبب أخبرك به، فقال: هي أشهر بصاحبها أن تجهل فقلت: من هو؟ قال: دعبل بن علي الخزاعي شاعر آل محمد جزاه الله خيراً، فقلت له: والله يا سيدي أنا دعبل وهذه قصيدتي، فقال: ويلك ما تقول؟ قلت: الأمر اشهر من ذلك، فأرسل إلى أهل القافلة فاستحضر منهم جماعة وسألهم عنّي، فقالوا بأسرهم: هذا دعبل بن علي الخزاعي.

فقال: قد أطلقت كل ما أُخذ من القافلة خلالة فما فوقها، كرامة لك، ثم نادى في أصحابه من اخذ شيئاً فليردّه فرجع على الناس جميع ما أخذ منهم ورجع إليّ جميع ما كان معي، ثم بذرقنا ـ أي كنّا في حمايته ـ إلى المأمن فحرست أنا والقافلة ببركة القميص والمنشفة.(3)

وفي رواية: أنّ دعبل أخذ الصرّة والجبّة وانصرف وصار من مرو في قافلة، فلمّا بلغ (ميان قوهان)، وقع عليهم اللّصوص، فأخذوا القافلة بأسرها وكتّفوا أهلها، وكان دعبل فيمن كتّف، وملك اللّصوص القافلة، وجعلوا يقسّمونها بينهم، فقال رجل من القوم متمثّلاً بقول دعبل في قصيدته:

أرى فــيأهم في غيرهم متقسـماً         وأيديـــــهم من فيئهم صـفرات

فسمعه دعبل فقال له: لمن هذا البيت؟ فقال: لرجل من خزاعة، يقال له دعبل بن علي، قال دعبل: فأنا دعبل قائل هذه القصيدة التي منها هذا البيت، فوثب الرجل إلى رئيسهم، وكان يصلّي على رأس تلّ، وكان من الشيعة، وأخبره فجاء بنفسه حتى وقف على دعبل، وقال له: أنت دعبل؟ فقال: نعم، فقال له: أنشد القصيدة، فأنشدها فحلّ كتافه وكتاف جميع أهل القافلة، وردّ عليهم جميع ما أخذ منهم كرامة لدعبل.

وسار دعبل حتى وصل إلى قم فسأله أهل قم أن ينشدهم القصيدة، فأمرهم أن يجتمعوا في المسجد الجامع، فلمّا اجتمعوا صعد المنبر فأنشدهم القصيدة فوصله الناس من المال والخلع بشيء كثير، واتصل بهم خبر الجبّة فسألوه أن يبيعها منهم بألف دينار، فامتنع من ذلك، فقالوا له: فبعنا شيئاً منها بألف دينار، فأبى عليهم وسار عن قم.

فلمّا خرج من رستاق البلد لحق به قوم من أحداث العرب وأخذوا الجبّة منه، فرجع دعبل إلى قم وسألهم ردّ الجبّة عليه، فامتنع الأحداث من ذلك، وعصوا المشايخ في أمرها، فقالوا لدعبل: لا سبيل لك إلى الجبّة فخذ ثمنها ألف دينار، فأبى عليهم، فلمّا يئس من ردّهم الجبّة عليه سألهم أن يدفعوا إليه شيئاً منها، فأجابوه إلى ذلك، وأعطوه بعضها ودفعوا إليه ثمن باقيها ألف دينار.

وانصرف دعبل إلى وطنه فوجد اللّصوص قد أخذوا جميع ما كان في منزله، فباع المائة دينار التي كان الرضا (عليه السلام) وصله بها من الشيعة كلّ دينار بمائة درهم، فحصل في يده عشر آلاف درهم، فذكر قول الرضا (عليه السلام): إنّك ستحتاج إلى الدنانير.

وكانت له جارية لها من قلبه محل، فرمدت رمداً عظيماً، فأدخل أهل الطّب عليها، فنظروا إليها فقالوا: أمّا العين اليمنى فليس لنا فيها حيلة، وقد ذهبت، وأمّا اليسرى فنحن نعالجها، ونجتهد ونرجو أن تسلم.

فاغتم لذلك دعبل غمّا شديداً، وجزع عليها جزعاً عظيماً، ثم ذكر ما كان معه من فضلة الجبّة فمسحها على عيني الجارية، وعصبها من أول الليل فأصبحت وعيناها أصحّ ممّا كانتا قبل، ببركة الإمام الرضا (عليه السلام).(4)

وإنّما ذكرنا هذه الرواية بطولها لما فيها من الطرافة واللّطافة والدلائل، كما أنّ فيها دلالة على ولاء أهل قم وحبّهم لآل محمد (عليهم السلام).

 

1 - مستدرك سفينة البحار: ج8، ص600.

2 - عيون أخبار الرضا: ج1، ص263-264.

3 - كشف الغمة: ج2، ص261-263.

4 - عيون أخبار الرضا: ج2، ص263-265.