فهرس الكتاب

مكتبة أهل البيت (ع)

مكتبة الموقع

الصفحة الرئيسية

 

مصر ـ القاهرة

السيدة زينب (عليها السلام)

تعتبر عقيلة بني هاشم السيدة زينب بنت الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، بطلة كربلاء مثال المرأة المسلمة التي استوعبت الإسلام وسعت في سبيله بكل ما أُوتيت من حول وطول، وبكل صلابة وصمود، فلا غرو فهي خرِّيجة مدرسة الإمام علي (عليه السلام).

وُلدت السيدة زينب في المدينة المنورة في الخامس من جمادى الأولى السنة السادسة للهجرة وبها تَرَبَّت في حجر النبوة ومهبط الوحي والتحقت بركب أخيها الإمام الحسين (عليه السلام) في محرم عام 61 للهجرة، وبعد حادثة كربلاء الرهيبة كانت السيدة زينب تواصل البكاء والنوح على شهيد كربلاء في دارها بالمدينة، مما أخاف الحكام الأمويين وجودها في المدينة فقرروا إبعادها إلى مصر، وكانت بها حتى توفيت في الرابع عشر من رجب عام 62 للهجرة، هذه هي حصيلة ما وَصَلَتُ إليه من التحقيق حول مرقدها وسبب قدومها إلى القاهرة وتوضيح ذلك يقتضي استعراض النصوص التاريخية الموجودة اليوم.

قال الشيخ محمد بن محمد بن النعمان المفيد المتوفي سنة 313هـ، في كتاب (الإرشاد) في بنات الإمام علي (عليه السلام) ما نصه: (زينب الكبرى وزينب الصغرى أم كلثوم وأمهما فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وزينب أخرى - مع أخريات - لأمهات شتى)... انتهى.

وعليه كان للإمام علي (عليه السلام) ثلاث بنات كل منهنّ تسمى زينب، وكذلك صرح شيخ الشرف يحيى بن الحسين العبيدلي المتوفى سنة 277هـ أن له (عليه السلام) ثلاث بنات كل تسمى زينب ووصفهن بالكبرى والوسطى والصغرى، والكلام هنا في خصوص تربة الكبرى التي هي شقيقة الحسين من أمه وأبيه والمعروفة ببطلة كربلاء، والظاهر أن تربتها في القاهرة بناء على ما أورده النسابة العبيدلي المذكور، وهو شيخ الشرف أبو الحسين يحيى بن الحسن العقيقي ابن جعفر الحجة ابن عبد الله بن الأعرج المولود عام 214 والمتوفى 277هـ. وهو أول من صنف من الطالبين وليس بوسع أي باحث الاستغناء عن النصوص والروايات التي أوردها العبيدلي في هذا الباب إذ ليس التاريخ إلا استنباطاً من النصوص المروية واستيعابها ثم الأخذ بأوثقها وهذا العبيدلي يعتبر أقدم وأتقن النسابة وخاصة في هذا الموضوع.

وكتابه يسمى ب (أخبار الزينبات) جمع زينب وذكره شيخنا العلامة الطهراني أعلى الله مقامه، باسم أخبار الزينبيات بالنسبة إلى زينب والظاهر أنه سهوٌ مِنْ قلمه الشريف، فإنه لا وجه لياء النسبة فيها وأن الصحيح في النسبة هو الزينبات جمع زينب.

وقال ( ره) في (الذريعة): إنه طبع بمصر عام 1333هـ وحدثني نسابة العصر ففيه أهل البيت السيد شهاب الدين المرعشي النجفي النازل بقم، أنه رأى نسخة من هذا الكتاب ملحقة بنسخة من كتاب (التبيان) للشيخ الطوسي في الخزانة الغروية في النجف ووصفها دام فضله بأنها نسخة قديمة.

قال الجلالي : بالرغم من السعي البليغ للوقوف على تلك النسخة ما أمكنني ذلك ولكن من حسن التوفيق أن الأستاذ السيد قاسم المصري كان قد عثر على نسخة قديمة من الكتاب ونشره في القاهرة في عام 1333هـ فجزاه الله خير الجزاء، وقال: إن الأصل عنده كان بتاريخ 676هـ وإن كاتبها الحاج محمد البلتاجي الطائفي المجاور بالحرم الشريف النبوي وأنه نقله عن الأصل بتاريخ 483هـ مخطوط بخط السيد محمد الحسيني الواسطي الأصل المتوطن بحيدر آباد وعلى هذه الطبعة اعتمادي، وقد أورد العبيدلي ثمانية أحاديث في ترجمة السيدة زينب أكتفي بحديثين منها:

- بالسند المرفوع إلى رقية بنت عقبة بن نافع الفهري قالت: كنت فيمن استقبل زينب بنت علي لما قدمت مصر لمصيبة، فتقدم إليها مسلمة بن خالد وعبد الله بن الحارث وأبو عمرة فعزّاها مسلمة وبكى فبكت وبكى الحاضرون وقالت: (هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون)، ثم احتملها إلى داره بالحمراء فأقامت به أحد عشر شهراً وخمسة عشر يوماً وتوفيت وشهدت جنازتها وصلّى عليها مسلمة بن مخلد في جمع بالجامع ورجعوا بها فدفنوها بالحمراء بمخدعها من الدار بوصيتها.

- حدثني إسماعيل بن محمد البصري عابد مصر ونزيلها قال: حدثني إسماعيل بن محمد، قال: أخبرني الشريف أبو عبد الله القرشي قال سمعت هند تقول: توفيت زينب بنت علي عشية يوم الأحد لخمسة عشر يوماً مضت من رجب سنة 62هـ بالحمراء القصوى حيث بساتين عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف الزهري. انتهى كلامه، رفع مقامه.

ولغرض تعيين موقعة الدار هذه نترك الكلام للأستاذ المصري حسن قاسم في كتابه (السيدة زينب) الصفحة 67 فقد قال ما نصه:

(المنطقة التي يقع بها المشهد الزينبي الآن هي إحدى الحمراوات الثلاث التي عرفت في صدر الإسلام إلى أن قال: - ثم ما برحت هذه المنطقة تعرف كذلك إلى أن افتتح المسلمون أرض مصر وابتنى بها عمرو بن العاص فسطاطه وبعد مضي سبعة أعوام على وفاة السيدة أعني في 69هـ بنى عبد العزيز بن مروان بطرف من هذه المنطقة قنطرته التي أُزيلت وعوض عنها قنطرة السد وبها عرفت المنطقة، ثم عرفت بخط قناطر السباع)، انتهى.

لمحة عن حياتها:

ولدت في 5/ج1/6 للهجرة وسارت مع أبي الشهداء الحسين إلى مكة ثم إلى كربلاء وتوفيت في الرابع عشر من رجب سنة 62هـ - 683م وعمرها 57عاماً.

وكان زوجها عبد الله بن جعفر الطيار من الصحابة الأخيار وكان قد ولد في أرض الحبشة أيام الهجرة الأولى للمسلمين إليها وهو أول مولود بها في الإسلام، روى عن النبي (صلى الله عليه وآله) وعن أمه أسماء بنت عميس وعمّه علي بن أبي طالب وتوفي في عام 80 للهجرة، ودفن بالبقيع، ومن أولادها محمد الأكبر قتل بصفين، وعون قتل بكربلاء.

قال الأستاذ قاسم: (ثم بعد مرور عام على وفاتها وفي نفس اليوم الذي توفيت فيه أجمع أهل مصر قاطبة وفيهم الفقراء والقراء وغير ذلك وأقاموا لها موسماً عظيماً برسم الذكرى على ما جرت به العادة، ومن ذلك الحين لم ينقطع هذا الموسم إلى وقتنا هذا من يوم وفاتها إلى الآن وإلى ما شاء الله وهذا الموسم المذكور و المعبر عنه بالمولد الزينبي الذي يبتدأ من أول شهر رجب من كل سنة وينتهي ليلة النصف منه وهي ليلة الختام وتحيي هذه الليالي بتلاوة آي القرآن الكريم، والأذكار الشرعية ويكون لذلك مهرجان عظيم ويفد الناس من كلّ فج عميق إلى زيارة ضريحها الشريف، ولذلك يقصدها النّاس بالزيارة بكثرة لا سيما في يوم الأحد وهي عادة قديمة ورثها الخلف من السلف، والأصل في ذلك أن أفضل ما يزار فيه الولي من الأيام هو اليوم الذي توفي فيه)، انتهى.

وقد استوفى البحث حول المرقد بما لا يستغنى عنه الباحث المنصف.

شبهة وحل:

قد توهم السيد الأمين (ره) في كتابه (أعيان الشيعة) 13ص 271 حيث استظهر إلى أن صاحبه القبر المطهر في القاهرة هي زينب بنت يحيى المتوج ابن الحسن الأنوار ابن الحسن السبط ابن علي بن أبي طالب (عليه السلام) استناداً إلى ما جاء في (الطراز المذهب) لميرزا عباس قلي خان طبع بمبئي صفحة 69 من أنها صاحبة القبر المشهور المعروف بالسيدة زينب وقال السيد الأمين ما نصه:

(وهذا المشهد مزور عظيم مشيد البناء بناؤه في غاية الإتقان فسيح الأرجاء دخلته وزرته في سفري إلى الحجاز بطريق مصر عام 1340هـ ويعرف بمشهد السيدة زينب، وأهل مصر يتوافدون لزيارته زرافات ووحداناً وتلقى فيه الدروس وهم يعتقدون أن صاحبة القبر زينب بنت علي بن أبي طالب، حتى إني رأيت كتاباً مطبوعاً في مصر لا أتذكَّر الآن اسمه ولا اسم مؤلفه وفيه أن صاحبة هذا المشهد هي زينب بنت علي بن أبي طالب، ثم يتساءل أنها كيف جاءت إلى مصر ولم يذكر ذلك أحد؟

ويجيب بأنه يمكن أن تكون نقلت جثتها أو جاءت بطريق غير مألوف ولا معروف أو نحواً من ذلك فتأمل وأعجب)، انتهى.

فإنه مجرد توهم، فإنه رحمه الله مع جلالة قدره لم يقف على رسالة العبيدلي وكان غير عالم بها ولا بوجودها وإلا لما كان يكتفي بذكر كتاب لا يتذكر اسمه ولا اسم مؤلفه ويعرض عن كتاب العبيدلي النسابة المعتمد في هذا الباب، فإن العبيدلي الذي ذكر زينب الكبرى كما تقدم كذلك أيضاً ذكر في كتابه المذكور (أخبار الزينبات) زينب بنت يحيى المتوّج المذكور وإليك نص كلامه:

(زينب بنت يحيى بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب أمها أم ولد، حدثني أبو جعفر الحسين عن محمد بن يحيى العثماني، قال: كنت بمصر حين قدمت زينب بنت يحيى مع عمتها نفيسة بنت الحسن قال، وسألتها كم لك في خدمة عمتك نفيسة؟ قالت: أربعين سنة، ماتت زينب بنت يحيى بمصر ولا عقب لها)، انتهى.

وأما عن موضع قبرها فيقول الأستاذ قاسم المصري:

(وفي قرافة قريش شرقي مقام الشافعي مشهورة بالسيدة زينب بنت يحيى المتوج أخت السيدة نفيسة بنت السيد حسن المدني أمير المدينة في خلافة أبي جعفر المنصور، دخلت مصر 193هـ كما ذكره العبيدلي)، انتهى.

وهم آخر:

ومثل هذا الوهم ما حصل لنسابة النجف اليوم السيد الجليل السيد عبد الرزاق كمونة دام فضله فاحتمل أن صاحب القبر هي زينب بنت أحمد بن محمد بن عبد الله بن جعفر بن محمد المعروف بابن الحنفية ابن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام).

قال: (فنسبتها إلى علي بن أبي طالب بوسائط) قاله في (مشاهد العترة صفحة 241).

والسبب في هذا الوهم أيضاً ما تقدم، فإن العبيدلي ذكر هذه أيضاً قائلاً: (زينب بنت أحمد بن محمد بن عبد الله بن جعفر بن محمد الحنفية بن علي بن أبي طالب، ذكر لنا جعفر بن الحسن أنَّها دخلت مصر هي وأخ لها يدعى محمد في سنة 212 مائتين وإثني عشرة، أو قال وثلاثة عشرة)، انتهى.

وقد ذكر الأستاذ المصري (حسن قاسم) موضع قبرها قائلاً:

( خارج باب النصر ويعرف بمعبد السيدة زينب وهي بنت أحمد بن محمد بن عبد الله بن جعفر بن محمد الحنفية بن علي بن أبي طالب ذكر العبيدلي أنها قدمت مصر وعرف عن مشهدها المقريزي في الخطط)، انتهى.

(وبالجملة) الزينبان المذكورتان هما غير زينب الكبرى وأنهن جميعاً نزلن مصر وإن موضع تربة الزينبين المذكورين معروفة ولا توهم أو اشتباه أو التباس في تربتهن وإنما ذهب كل من العلمين الأمين وكمونة بالرغم من رسوخ قدميهما إلى المذهب بسبب عدم اطلاعهما على رسالة العبيدلي التي تعتبر أقدم مصدر معتمد في هذا الباب وإنما العصمة لأهلها.

من تاريخ المرقد:

يقع الضريح الطاهر - اليوم - في الميدان المعروف (بميدان السيدة زينب) وهو واقع في الحي المعروف (بحي السيدة زينب) وبقرب الضريح قبران لعالمين جليلين من الأشراف الحسينيين هما العتريس واسمه محمد ابن أبي المجد ابن قريش الحسيني، والعيدروس وهو وجيه الدين أبو المراحم عبد الرحمن الحسيني اليمني المتوفي 1192هـ وحدثني إمام الحضرة الزينبية عام زيارتي للقاهرة 1396هـ في طريقي إلى الحج وهو الشيخ إبراهيم جهلوم أنهما اختارا جوار السيدة زينب حياً وأوصيا عندها ميتاً وهما القبران الظاهران في الروضة الزينبية الطاهرة ولا قبر ظاهر غيرهما، وبجنب الروضة الزينبية مسجد كبير تنعقد فيها حلقات الدرس والذكر والصلاة في مواقيتها وكان يؤمّها آنذاك الشيخ جهلوم، وهناك لوحة تذكارية منصوبة تفيد أن توسعة المسجد حصلت في عهد جمال عبد الناصر بتاريخ يوم الجمعة 24 من جمادى الآخرة 1384هـ - 1964م.

وقال السيد حسن محمد قاسم في كتابه (السيدة زينب) ص78: إن أوّل من بنى عليه أبو تميم معد بن نزار بن المعز لدين الله عام 369هـ، وقد وصف الرحالة أبو عبد الله محمد الكوهيني الفاسي المتوفى 418هـ زيارته للروضة بتاريخ 14 - محرم - 369هـ بما نصه:

(ثم دخلنا مشهد زينب بنت علي - على ما قيل لنا - فوجدناه داخل حجرة كبيرة وهوي في طرفها البحري يشرف على الخليج فنزلنا إليه بدرج وعالياً الضريح وجدنا عليه - در نورا - قيل لنا أنه من القماري فاستبعدنا ذلك لكن شممنا منه رائحة طيبة ورأينا بأعلى الضريح قبة بناؤها من الجص، ورأينا في صدر الحجرة ثلاث محاريب أطولها الذي في الوسط وعلى ذلك كله نقوش في غاية الإتقان ويعلو باب الحجرة زليخة قرانا فيها بعد البسملة (إن المساجد الله فلا تدعوا مع الله أحداً) هذا ما أمر به عبد الله ووليّه أبو تميم أمير المؤمنين الإمام العزيز بالله صلوات الله تعالى عليه وعلى آبائه الطاهرين وأبنائه المكرمين، أمر بعمارة هذا المشهد على مقام السيدة الطاهرة بنت الطاهرة بنت الزهراء البتول زينب بنت الإمام علي بن أبي طالب صلوات الله تعالى وعلى آبائها الطاهرين أبنائها المكرّمين)، انتهى.

وقد أورد الشيخ جعفر النقدي في كتابه (زينب الكبرى) ما يأتي: (وفي القرن السادس أيام الملك العادل سيف الدين أبي بكر ابن أيوب أجرى في هذا المشهد عمارة أمير مصر ونقيب أشراف الزينبين بها الشريف فخر الدين ثعلب الجعفري الزينبي صاحب البساتين التي عرفت بمنشأة ابن ثعلب ومنشئ المدرسة الشريفيّة التي تعرف الآن بجامع العربي بالجودرية، وما برج هذا المشهد على هذه العمارة إلى أن كان في القرن العاشر الهجري فاهتمّ بعمارته وتشييده وجعل له مسجداً يتصل به الأمير باشا الوزير والي مصر من قبل السلطان سليمان خان ابن السلطان سليم الفاتح، وكان ذلك من شهور 956هـ.

وفي سنة 1174هـ أعاد بناءه وشيّد أركانه الأمير عبد الرحمن كتخدا الفاز وعلي وأنشأ به ساقية وحوضاً وبنى أيضاً مقام الشيخ محمد العتريس.

وفي سنة 1210هـ جدّدت المقصورة الشريفة من النحاس الأصفر وكتب فيه على بابها (يا سيدة زينب ابنة فاطمة الزهراء مددك 1210هـ).

وفي سنة 1112هـ ظهر الصدع في حوائط المسجد وبنائه فندبت حكومة المماليك عثمان بك المرادي لتجديده وإنشائه فابتدء بالبناء فيه وما لبث أن توقف العمل لدخول الفرنسيين القطر المصري فأكمله بعد ذلك يوسف باشا الوزير في شهور 1216هـ وأرخ ذلك بأبيات خطت على لوح في المقام ونصّها:

نــــــور بنــــــت النـبي زينب يعلو          مسجداً فيـــــــه قــــــبرها والمزار

قـــــد بــــناه الوزير صدر المعالي          يوســــــــف وهـــــو للعلى مختار

زاد إجــــــلاله كمــــــا قــلت أرخ:          مســــجد مــــــشرق بـــــــه أنوار

قلت هذا التاريخ كما تراه لا يوافق العدد المذكور ولعلّه كان متقدماً على تاريخ الإكمال.

قال: ثم حالت دون اتمام عمارته موانع فأكملها المغفور له محمد علي باشا الكبير جدّ الأُسرة العلوية وأراد عباس باشا أيام حكومته أن يجدد هذا المسجد ويوسعه وشرع في ذلك ووضع الأساس بيده عام 1270هـ ولكنه عاجله الأجل فانقطع العمل فأتمّه بعده المرحوم سعيد باشا وأمر بتجديد الواجهة الغربية والبحرية ومقام العتريس والعيد روس وكان ذلك سنة 1276هـ وبعد تمام هذه العمارة كتب على لوح تاريخها في أبيات نصها:

فــــــي ظــــــل أيـــام السعيد محمد          رب الفــــــخار مليـــــك مصر الأفخم

مـــــن فائض الأوقاف اتحف زينبا          عــــون الـــــــورى بنت النبيّ الأكرم

من بات ينوي للوضوء مــــــؤرخاً          يسعد فــــــإن وضـــــــوءه من زمزم

وكتب على باب المقام هذا البيت:

يـــــا زائريها قفوا بالباب وابتهلوا          بنت الرســـول لهذا القطر مصباح

وفي سنة 1294هـ جدد الباب المقابل لباب القبّة من المرمر المصري والاستانبولي على الهيئة الموجودة الآن بأمر الخديوي محمد توفيق باشا.

وفي سنة 1297هـ أمر بتجديد القبّة والمسجد والمنارة، فتمّ ذلك في شهور 1320هـ وكتب على أبواب القبة الشريفة:

بـــــاب الشـــــفاعة عند قبة زينب          يــــــلــــــقاه غاد للمــــــقام وراح

مــــن يــجني توفيق العزيز مؤرخ          نور علــــــــى باب الشفاعة رائح

وأيضاً:

قـــــــف تــــوسل بــباب بنت علي          بخضوع وســـــــل إلــــــه السماء

يـــــــحظ بـــــــالعز والقبول وأرخ          باب أخت الحســــــين بــاب العلاء

وأيضاً

رفـــــــعوا لــــــزينب بـنت طه قبةً          عليـــــــاء مــــحكمة البناء مشيدة

نــــــور القـبول يقول عن تاريخها          بـــــاب الرضا والعدل باب السيدة

قلت: وهذا التاريخ كما تراه 1293هـ وهو ينقص واحداً عن تجديد الباب بأمر الخديوي محمد توفيق 1294هـ.

قال: وفي عصر هذا التاريخ نقشت القبة والمشهد بنقوش بديعة أكستها ثوباً جديداً وأُنيرت أرجاء المسجد والمشهد بالأنوار الكهربائية. انتهى كلامه.

قال الجلالي: راجعت كثيراً مما ذكره النقدي فوجدته، صحيحاً وأوردته هنا بطوله لاستيفائه تاريخ المرقد حتى عصره وقد جاء وصف المسجد في كتاب (مساجد مصر) للدكتورة سعاد ماهر بما يستدرك به على النقدي وإليك نص كلامها:

(يقع جامع السيدة زينب في الميدان الذي يعرف باسمها وكان يعرف قبل ذلك باسم قنطرة السباع نسبة إلى نقش السباع الموجودة على القنطرة التي كانت مقامة على الخليج الذي كان يخرج من النيل عند فم الخليج وينتهي عند السويس وكانت السباع (رنك) شارة الظاهر بيبرس الذي أقام القنطرة وفي عام 1315هـ 1898م تم ردم الجزء الأوسط من الخليج وبردمه اختفت القناطر ومع الردم تم توسيع الميدان، وعند عمليّة التوسيع اكتشفت واجهة جامع السيدة زينب الذي كان الوالي العثماني علي باشا قد جدده سنة 951هـ 1547م ثم أعاد تجديده الأمير عبد الرحمن كتخدا سنة 1170هـ - 1768م، ومنذ اكتشاف واجهة الجامع في القرن التاسع عشر أصبح يطلق على الميدان بل والحي كله اسم عقيلة بني هاشم، وقد أقامت وزارة الأوقاف سنة 1940م المسجد الموجود حالياً ويتكون من سبعة أروقة موازية القبلة يتوسطها صحن مربع مغطى بقبة، ويقابل القبلة قبة ضريح السيدة زينب ويتقدم المسجد من الواجهة الشمالية رحبتان يوجد بينهما مدخلان رئيسيان يفصل بينهما مستطيل تعلوه (شخشيخة)، وفي الطرف الشمالي الغربي يوجد ضريح سيدي العتريس وقامت وزارة الأوقاف بعد ذلك بإضافة مساحة تبلغ 17 ´ 32م إلى المسجد الأصلي وفي سنة 1969م أضافت وزارة الأوقاف مساحة ثانية مماثلةً تماماً للمسجد الأصلي وبنفس مساحته، بحيث أصبحت الإضافة الأولى تفصل بين المسجد الأصلي والتوسعة الأخيرة لذلك فقد عمل في منتصف التجديد الأول محراب يتوسط المسجد الجديد مع الإبقاء على المحراب القديم.

ويقابل ضريح السيدة زينب في التجديد الثاني رحبة ممثلة للصحن مغطاة أيضاً. وفي الواجهة الغربية يوجد مدخلان أحدهما يتوسط التجديد الأول والثاني في التجديد الأخير)، انتهى.

هذا ما توصلت إليه من تاريخ العمارات للمرقد الشريف والمسجد المجاور له ولا يزالا مورداً لزيارة عامة المسلمين والحمد لله رب العالمين.

من تراث السيدة زينب:

جاء في روايات أهل البيت عليهم السلام أن زينب الكبرى تدرّس تفسير القرآن في الكوفة وكانت حلقة درسها خاصة بالنساء، وكانت ممن حضرت هذه الجلسة زوجة يزيد بن معاوية أيام إقامتها بالكوفة ومن تراثها، خطبتها البليغة التي ارتجلتها بعد مقتل الحسين في حادثة كربلاء الرهيبة عام 61هـ. فقد روى خزيمة الأسدي قال: دخلت الكوفة بعد مقتل الحسين فرأيت زينب بنت علي فلم أرَ والله خَفِرَةً أَنطَقَ منها، ومن أشدّ خطبها حماساً وتأثيراً في المجتمع الإسلامي آنذاك خطبتها في مجلس يزيد نورد هنا نص الخطبة:

(بسم الله الرحمن الرحيم الحمدُ لله رب العالمين وصلّى الله على رسوله وآله أجمعين صدق الله سبحانه كذلك يقول: (ثم كان عاقبة الذين أساؤوا السوأى أن كَذَّبو بآيات الله وكانوا بها يستهزؤن).

أظننتَ يا يزيد حيث أخذت علينا أقطار الأرض وآفاق السماء فأصبحنا نساق كما تساق الإسراء إن بنا على الله هواناً وبك عليه كرامةً؟ وإن ذلك لعظم خطرك عنده؟ فشمخت بأنفك ونظرت في عطفك حين رأيت الدنيا لك مستوثقة والأمر متّسقة وحين صفا لك ملكنا وسلطاننا فمهلاً أنسيت قول الله تعالى: (ولا تحسبن الذين كفروا إنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً ولهم عذاب مهين).

أَمِنَ العدل يا ابن الطلقاء تخديرك حرائرك وإمائك، وسوقك بنات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سبايا قد هتكت ستورهن وأبديت وجوههن تحدو بهن الأعداء من بلد إلى بلد ويستشرفهن أهل المناهل ويتصفح وجوههن القريب والبعيد والدني والشريف ليس معهن من رجالهن ولي ولا من حماتهن حمي وكيف يرتجى مراقبة من لفظ فوه أكباد الأذكياء ونبت لحمه من دماء الشهداء، وكيف يستبطأ في بغضنا أهل البيت من نظر إلينا بالثقب والشنآن والأحن والأضغان ثم تقول غير متأثم ولا مستعظم:

لأهلـــوا واستـــــــهلوا فـــــــــرحاً          ثم قــــــــالوا يـــــــا يــزيد لا تشل

منتحياً على ثنايا أبي عبد الله سيد شباب أهل الجنة تنكتها بمخصرتك، وكيف لا تقول ذلك وقد نكأت القرحة واستأصلت الشأفة بإراقتك دماء ذرية محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونجوم الأرض من آل عبد المطلب، وتهتف بأشياخك زعمت أنك تناديهم فلتردن وشيكاً موردهم ولتودون إنّك شللت وبكمت ولم تقل ما قلت وفعلت ما فعلت، اللهم خذ لنا بحقنا وانتقم ممن ظلمنا واحلل غضبك بمن سفك دماءنا وقتل حماتنا فوالله ما فريت إلا جلدك ولا حززت إلا لحمك ولتردن على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بما تحملت م دماء ذريته وانتهكت من حرمته في عترته ولحمته حيث يجمع الله شملهم ويلم شعثهم ويأخذ بحقهم (ولا تحسبنَّ الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون) وحسبك بالله حاكماً وبمحمد صلى الله عليه وآله وسلم خصيماً، وبجبرائيل ظهيراً وسيعلم من سوّل لك ومكنك من رقاب المسلمين بئس للظالمين بدلاً وأيكم شر مكاناً وأضعف جنداً، ولئن جرّت عليَّ الدواهي مخاطبتك إني لأستصغر قدرك وأستعظم تقريعك وتوبيخك لكن العيون عبرى والصدور حرّى، ألا فالعجب كل العجب لقتل حزب الله النجباء، بحزب الشيطان الطلقاء فهذه الأيدي تنطف من دماءنا والأفواه تنحلب من لحومنا وتلك الجثث الطواهر الزواكي تنتابها العواسل وتعقرها الأمهات الفراعل، ولئن اتخذتنا مغنماً لتجدنا وشيكاً مغرماً حين لا تجد إلا ما قدمت يداك وما ربك بظلاّم للعبيد، فإلى الله المشتكى وعليه المعول، فكد كيدك واسع سعيك وناصب جهدك فوالله لا تمحو ذكرنا ولن تميت وحينا ولا تدرك أمرنا ولن ترخص عنك عارها وهل رأيك إلا فند وأيامك ألاّ عَدَد وجمعك إلا بَدَد يوم ينادي المنادي ألا لعنة الله على الظالمين فالحمد لله رب العالمين الذي ختم لأَوَّلنا بالسعادة والمغفرة، ولآخرنا بالشهادة والرحمة ونسأل الله أن يكمل لهم الثواب ويوجب لهم المزيد ويحسن علينا الخلافة إنه رحيم ودود وحسبنا الله ونعم الوكيل).

 

رأس الحسين (عليه السلام)

جــــــاؤوا برأسك يا بن بنت محمد          مـــــــترملاً بدمـــــــائه تــــرميلا

وكأنمـــــــا بـــــك يا بن بنت محمد          قـــــتلوا جــــهاراً عامدين رسولا

قتــــــلوك عطــــــشاناً ولمّا يرقبوا          في قتــــــــلك التــــأويل والتنزيلا

ويكـــــــبرون بــــــأن قــتلت وإنما          قتـــــــلوا بــــــك التكبير والتهليلا

قاله خالد بن معدان التابعي (رضي الله عنه) لما رأى رأس الحسين (عليه السلام) في الشام وكان قد حمله شمر بن ذي الجوشن الكلابي وهو أحد قتلة الحسين.

لقد وقع الخلاف بين المؤرخين في موضع دفن رأس سيد الشهداء الحسين (عليه السلام) في كربلاء ودمشق والقاهرة وغيرها ولعل السبب في هذا الخلاف أن الحكومة الأموية أمرت بأن يطاف بالرؤوس في البلدان كما ينص عليه التاريخ وفي كل موضع وضِع الرأس الشريف كان المسلمون المؤمنون بأهداف الحسين يتخذونه مقاماً يرمز إلى التضحية والجهاد، وعمدة الأقوال في الباب ثلاثة:

الأول: إن الرأس المقدس دفن مع الجسد بكربلاء قاله ابن حجر في (الإصابة: ج2 ص7): ولهذا السبب يعبر البعض عن يوم الأربعين بيوم مرّد الرأس في العراق، وفي رواية أبي مخنف أن غلاماً من خاصة يزيد اشترى رأس الحسين عليه لسلام بمائة ألف دينار وردّه إلى كربلاء.

قال السيد ابن طاووس: (فأما رأس الحسين فروي أنه أُعيد فدفن بكربلاء مع جسده الشريف وكان عمل الطائفة على هذا وريت آثار كثيرة مختلفة على ما ذكرناه)، انتهى.

وهذه قد تكون معارضة بما نقله ابن طاووس في المقتل فقد جاء ما نصه:

(قال (يزيد) لعلي بن الحسين (عليه السلام) اذكر حاجتك الثلاث اللاتي وعتك قضائهن، قال: أن تريني وجه سيدي ومولاي أبي الحسين فأتزود منه، والثانية: أن ترد علينا ما أُخذ منا، والثالثة: إن كنت عزمت على قتلي أن تُوجِّه مع هؤلاء النسوة من يردّهن إلى حرم جدّهن (صلى الله عليه وآله).

فقال يزيد: أما وجه أبيك فلا تراه أبداً..) إلخ.

فنرى أن يزيد قَبِلَ طلب الإمام زين العابدين ما عدا رد الرأس وذلك علماً منه بأن رد الرأس إليه يكون سبباً للنياح والبكاء المستلزم لفضح أمره وكشف الواقعة وأسبابها وهو إنما يريد أن يُنسى أهل البيت ومواليهم ذلك.

الثاني: إن مدفن الرأس في النجف فقد روى المجلسي في (البحار المجلد 100ص341) إن مولى من موالي أهل البيت سرقه ودفنه في النجف ولا يزال يوجد في النجف في يومنا هذا موضع يعرف بمسجد الحنانة، والمشهور عند العوام أنها موضع رأس الحسين (عليه السلام) وله مقام وشباك خاص ويدّعي العوام أنها حنّت للرأس الشريف وهذا غلط في التسمية، فإن الموضع إنما كان يسمى بالجبانة (بالجيم المعجمة بعدها باء معجمة من تحت) وقد شاع هذا التصحيف في اللفظ وتبعه التحريف في المعنى. وقد شرحت ذلك في مقال لي (جُبّانة لا حَنَّانة) وكيف كان فقد روى عبد الله بن طلحة النهدي عن الصادق أنه بعدما زار أمير المؤمنين في النجف قال لإسماعيل قم فسلم على جدك الحسين. فقلت: جعلت فداك أليس الحسين بكربلاء؟

قال نعم، ولكن لما حمل رأسه سرقه مولى لنا فدفنه بجنب أمير المؤمنين رواه في (التهذيب ج2، ص12) وفي (فرحة الغري ص52) بأسانيدهما. وعقد الحر العاملي في (الوسائل ج10، ص309) باباً لذلك وأورده فيه ثمانية روايات كلها مروية عن الصادق (عليه السلام) واللفظ في بعضها (موضع رأس الحسين)، وعليه قد يكون المراد أن الرأس قد وضع في ذلك الموضع في مسير سبايا أهل البيت إلى الكوفة.

نعم بعضها ظاهرة أو صريحة في الدفن ربما أن المستند فيها إلى السرقة وهي لا تحصل عادة إلا بالخفاء فلا بد أن يستلزم اختفاء الحقيقة من العامة إن صحت الرواية.

الثالث: إن مدفن الرأس في القاهرة وهو المشهور بين الجمهور ويساعده الاعتبار فإن من الثابت تاريخياً أن عدو الله يزيد نكت بمخصرته وجهه الشريف وفعل ما فعل وقال ما تقشعر منه الأبدان كما هو في المقاتل، وأيضاً طلب الإمام زين العابدين (عليه السلام) للرأس، وامتناع يزيد من ذلك خوفاً من غضب جمهور المسلمين، كل ذلك يدلّ على أن الرأس الشريف كان في الشام ولم تتحقق السرقة قبل ذلك و القول بتحقق ذلك فيما بعد بعيد فإن صحت الرواية بحفظه وحراسته عند الأمويين ثم نقله إلى عسقلان ومنها إلى القاهرة.

ولو صحت رواية السرقة فإن الرأس الشريف الموجود اليوم بالقاهرة لا شك أنه من رؤوس شهداء كربلاء الذي استشهدوا مع الحسين (عليه السلام) عام 61 للهجرة.

ولنعم ما قاله المقريزي في خططه ج2 ص285 من أن لحفظه الآثار وأصحاب الحديث ونقله الأخبار ما أن طولع وقف منه على المسطور وعلم منه ما هو غير المشهور.

وإنما هذه البركات مشاهدة مرئية وهي بصحة الدعوى ملية. قال الجلالي: والأهم هو الاعتبار بالأهداف التي قتل من أجلها الحسين (عليه السلام) والتي من أجلها يكرم المسلمون هذا المكان الذي دفن فيه رأس الحسين (عليه السلام)، ولأجل نسبته إلى الحسين أو أحد شهداء واقعة كربلاء الرهيبة، ولنعم ما قال سبط ابن الجوزي: ففي أي مكان كان رأس الحسين فهو ساكن في القلوب والضمائر قاطن في الأسرار والخواطر، انتهى. واقتبس ذلك أبو بكر الآلوسي فقال:

لا تـــــــطلـــبوا رأس الحســـــــين          بشــــــــــــــرق أرض أو بـــــغرب

ودعــــــوا الجـــــــمـــيع وعـرجوا          نحـــــوي فمـــــــشــــــهده بــقلبي

من تاريخ المشهد:

قال الشبلنجي (رضي الله عنه) في (نور الأبصار ص134) ذهبت طائفة إلى أن يزيد بن معاوية أمر بأن يطاف به البلاد (أي رأس الحسين (عليه السلام)) فطيف به حتى انتهى به إلى عسقلان فدفنه أميرها بها، فلما غلب الفرنج على عسقلان افتداه منه الصالح طلائع وزير الفاطميين بمال جزيل ومشى للقائه من عدة مراحل ووضعه في كيس حرير أخضر على كرسي من الأبنوس وفرش تحته المسك والطيب وبنى عليه المشهد الحسيني المعروف بالقاهرة قريباً من خان الخليلي، انتهى.

ونقل المقريزي أن المشهد في عسقلان بناه أمير الجيوش بدر الجمالي وأكمله ابنه الأفضل سنة 491 هـ قال المقريزي في خططه ج2 ص283: (في شعبان سنة 491هـ خرج الأفضل بن أمير الجيوش إلى بيت المقدس - إلى قوله - فدخل عسقلان وكان بها مكان دارس، فيه قبر رأس الحسين بن علي بن أبي طالب فأخرجه وعطره وحمله في سفط إلى أصل دار بها وعمّر المشهد، فلما تكامل حمل الأفضل الرأس الشريف على صدره وسعى به ماشياً إلى أن أحلّه في مقبرة.

وفي سنة 548هـ كان قد نقل رأس الحسين من عسقلان الشام إلى القاهرة وقد وصل بالرأس الشريف الأمير سيف المملكة تميم والي عسقلان في يوم الأحد ثامن جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين وخمسمائة (1153م) كما يقوله المقريزي، وقد وصف ذلك المقريزي بقول: (فقدم به الأستاذ مكنون في عشاريّ من عشاريّات الخدمة وأنزل به إلى الكافوري ثم حمل في السرداب إلى قصر الزمرد ثم دفن عند قبة الديلم بباب دهليز الخدمة)، انتهى.

وفي سنة 549هـ بنى الملك الصالح طلائع بن رزيك جامعه خارج باب زويلة ليدفن الرأس فيه فيفوز بهذا الفخار فغلبه أهل القصر وقالوا: لا يكون ذلك إلا عندنا فعمدوا هذا المكان (المعروف اليوم بمشهد رأس الحسين) وبنوا له ونقلوا الرخام إليه وذلك في خلافة الفائز على يد الملك الصالح.

وفي سنة 578هـ وصف المهد، الرحالة ابن جبير فقال في (رحلته) ما نصه: المشهد العظيم الشأن الذي بمدينة القاهرة حيث رأس الحسين بن علي بن أبي طلاب (رضي الله عنه). وهو في تابوت فضة مدفون تحت الأرض قد بني عليه حفيل يقصر الوصف عنه، ولا يحيط الإدراك به مجلل بأنواع الديباج محفوف بأمثال العمد الكبار شمعاً أبيض ومنه ما دون ذلك قد وضع أكثره في أنوار فضة طالعة ومنها مذهبة، وعلقت عليه قناديل فضة وحف أعلاه كله بأمثال التقاحيح ذهباً في مصنع شبيه الروضة يقيد الأبصار حسناً وجمالاً، فيه من أنواع الرخام المجزع الغريب الصنعة البديع الترصيع مما لا يتخيله المتخيّلون والمدخل إلى هذه الروضة على مسجد مثالها في التأنيق والغرابة، وحيطانها كلّها رخام على الصفة المذكورة وعن يمين الروضة المذكورة وشمالها وهما أيضاً على تلك الصفة بعينها والأستار البديعة الصنعة من الديباج معلقة على الجميع)، انتهى.

وفي سنة 634هـ أنشأ أبو القاسم ابن يحيى بن ناصر السكري منارة على باب المشهد والمتبقي اليوم قاعدتها وعليها ما نصه:

(بسم الله الرحمن الرحيم: الذي أوصى بإنشاء هذه المأذنة المباركة على باب مشهد السيد الحسين تقرباً إلى الله ورفعاً لمنار الإسلام الحاج إلى بيت الله أبو القاسم ابن يحيى بن ناصر السكري المعروف بالزرزور تقبل الله منه وكان المباشر بعمارتها ولده لصلبه الأصغر الذي انفق عليها من ماله بقية عمارتها خارجاًً عما أوصى به والده المذكور وكان فراغها في شهر شوال سنة أربع وثلاثين وستمائة).

وفي سنة 640هـ احترق المشهد في عهد الملك الصالح نجم الدين أيوب بسبب أن أحد خزّان الشمع دخل ليأخذ شيئاً فسقطت منه شعلة، فوقف الأمير جمال الدين نائب الملك الصالح بنفسه حتى أطفئ كما يرويه المقريزي.

وفي سنة 662 هـ زاد الملك الظاهر ركن الدين بيبرس المملوكي، وفي سنة 684هـ بنى فيه الملك الناصر محمد بن قلاوون إيواناً وبيوتاً للفقهاء العلوية.

وفي سنة 740هـ احترق المشهد كما نقله جرجي زيدان فأُعيد بناؤه.

وفي سنة 1004هـ أمر السلطان سليم العثماني بتوسيع المسجد فاستمر حتى عام 1006هـ.

وفي سنة 1175هـ قام الأمير عبد الرحمن كتخدا بإعادة بناء المسجد الملحق بالروضة وأضاف إليه إيوانين ورتب للسدنة مرتبات.

وفي سنة 1279هـ زار السلطان عبد العزيز العثماني الروضة الحسينية.

وأمر الخديوي أن يقوم بالعمارة التي استمرت حتى عام 1290هـ.

وفي سنة 1290هـ أُضيف عباس حلمي الثاني قاعة الآثار النبوية بها.

وفي سنة 1372هـ - 1965م في أول شوال أهدت طائفة البهرة الإسماعيلية مقصورة شباك من الفضة المرصعة بفصوص من الألماس إلى المشهد الشريف، وقد رأيت حجراً تذكارياً يفيد ذلك منصوباً هناك.

وقد أطالت الدكتورة المعاصرة سعاد ماهر في وصف الروضة والمسجد بما لا يستغني عنه ومما قالت ما نصه:

وبالجامع منبر خشبي بديع مطليّ بطلاء مذهب وهو في الأصل منبر جامع ازبك الذي كان عند العتبة الخضراء، فلما تخرب المسجد نقل إلى مشهد الحسين وفي مؤخرة المسجد دكه تبليغ كبيرة أما صحن الجامع فيحتوي على أربعة وأربعين عموداً عليه بوائك حاملة للسقف، وهو من الخشب المطلي بزخارف نباتية وهندسية متعددة الألوان ومذهبة غاية في الدقة والإبداع وفي وسط السقف ثلاث منائر مرتفعة مسقوفة كذلك. وفي جدران المسجد الأربعة يوجد ثلاثون شباكاً كبيراً من النحاس المطلي بالذهب يعلوها شبابيك أخرى صغيرة دوائرها من الرخام، وللمسجد مئذنتان إحداهما قصيرة وقديمة وهي التي بناها أبو القاسم ابن يحيى بن ناصر السكري المعروف بالزرزور سنة 634هـ (1236م) فوق القبّة - كما سبق أن أشرنا إليه - وقد طوقتها جمعية حفظ الآثار بحزامين من الحديد محافظة على بقائها، أما المئذنة الثانية فتقع في مؤخر المسجد وهي مرتفعة ورشيقة على الطراز العثماني الذي يشبه المسلة أو القلم الرصاص وعليه لوحان بخط السلطان عبد المجيد خان كتبهما سنة 1366هـ، أحدهما من سورة الأنعام الآية 6: (أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده قل لا أسألكم عليه أجراً إن هو إلا ذكر للعالمين).

وآخر (أحب أهل بيتي وإليّ الحسن والحسين).

وقالت أيضاً: في سنة 1953م (فقد عنيت عناية خاصة بتجديد مسجد الحسين وزيادة مساحته وفرشه وإضاءته حتى يتسع لزائريه والمصلين به، فقد كان المسجد القديم يضيق بهم وخاصة في المواسم والأعياد فزيدت مساحته حتى بلغت مساحته 3340 متراً مربعاً بعد أن كانت 1500 متراً أي بإضافة 1840 متراً مربعاً إليه) إلى آخر الكلام الطويل.

شبهة مدحوضة:

قال الحافظ السخاوي المتوفى سنة 903هـ في (المقاصد المحسنة ص481) ما نصه:

(والمكان المعروف بالمشهد الحسيني بالقاهرة ليس الحسين مدفوناً فيه باتفاق وإنما فيه رأسه فيما ذكره بعض المصريين ونفاه بعضهم قاله شيخنا (ابن حجر) ومنهم ابن تيمية فقد رأيت له جواباًً بالغ في إنكار ذلك وأطال به) انتهى.

ومن العجب من ابن تيميه أن نجد فيه النصب والعداء لأهل البيت الذين طهرهم الله من الرجس فإنه قد نفى وجود الرأس الشريف استناداً إلى ما تقتضيه هذه العداوة بعيداً عن منطق العلم حيث قال ما نصه:

(إن أهل العلم اتفقوا على أن مشهد عسقلان أُنشئ بعد قتل الحسين بأكثر من 430 سنة)، انتهى. فيرد عليه:

أولاً : من هؤلاء الذين وصفهم بأهل العلم فإنه لم يذكر أحداً منهم.

ثانياً: هل يصح أن ينفي وجود جسد النبي الأطهر صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة بين القبور اليوم استناداً إلى هذا الاستدلال والواهي بأن بناءها كان متأخراً؟ بمثل هذا المنطق ينفي وجود الرأس وهذا مما لا يقوله من يخاف الله أو يرعى منطق العلم، ولا أقل من أن يحتمل الحق فيتوقف ولكن العصبية تعمي القلوب والأبصار ولا حول ولا قوة إلا بالله.

توضيح ذلك:

إن بناء القبر وتجديده شئ ووجود القبر في مكان شئ آخر، وإن إنشاء القبر والمشهد لا يستلزم دفن المقبور في نفس الوقت. فإن المشاهد إنما تبنى بعد الدفن لإحياء ذكر الميت ولم تظهر إقامة المشاهد إلا بعد مئات السنين حتى بالنسبة إلى قبر النبي الأطهر صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة، فإن المشاهد أُقيمت لهم بعد وفاتهم بمئات السنين وهل كان يتوقع ابن تيمية أن يقام المشهد فور مقتل الحسين (عليه السلام) وفي زمن الطاغية يزيد بالذات؟

مع كثرة أعداء أهل البيت الذين كانوا ولا يزالون يسعون ليلاً ونهاراً لإطفاء نور الله. (ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره المشركون)، فإن هؤلاء ما أرادوا إحقاق الحق ولا اتقوا بالله في كلامهم ولسانهم، وإنما غاضهم إكرام المسلمين لأهل البيت النبوي وأرادوا التمويه، ولكن الحق يعلو ولا يعلى عليه فإن المسلمين يعلمون أن الواجب عليهم إكرام الروضة المطهرة الحاوية على الرأس الشريف، وأن تعظيم هذا المقام هو تكريمٌ لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتعظيم للحق الذي من أجله استشهد الحسين (عليه السلام).

 

محمد بن أبي بكر رضي الله عنه

هو ابن الخليفة الأول أبي بكر وأُمه أسماء بنت عميس الخثعمية تزوّجها جعفر بن أبي طالب، فلما مات تزوجها أبو بكر ولما مات تزوجها الإمام علي وقد ولاّه الإمام علي مصر في رمضان عام 37هـ قال القلقشندي في (قلائد الجمان) ص143 ما نصه:

(كان من نساك قريش وأمه أسماء بنت عميس الخثعمية ولاّه عثمان في خلافته مصر ثم ولاه أيضاً عليّ في خلافته، بعد مرجعه من صفين فجرى بينه وبين عمرو بن العاص حرب انتهت به الحال فيه إلى أن هرب محمد بن أبي بكر، فيقال إنه وجد حماراً ميتاً فدخل في جوفه فوجد فاحرق فيه فمات، وقيل: بل قتل ثم جعل فيه وأُحرق وذلك في سنة ثمان وثلاثين من الهجرة)، انتهى.

وكان عمرو بن العاص من ولاة مصر الذين هربوا منها حين ثار المصريون ناقمين عليه واتصلوا بعثمان وجرى ما جرى.

فاتصل بمعاوية واشترط عليه ولاية مصر ولم ينفك من الدساس حتى دخلها على رأس جيوش الشام واقتتلوا قتالاً شديداً، ولما أسر محمد بن أبي بكر في جمع من أصحابه طلب الماء، فقال معاوية بن خديج: لا سقاني الله إن سقيتك قطرة أبداً إنكم منعتم عثمان شرب الماء والله لأقتلنك حتى يسقيك الله من الحميم الغَسّاق.

فقال محمد بن أبي بكر: يا ابن اليهودية النساجة ليس ذلك إليك إنما ذلك إلى الله يسقي أولياءه ويظمئ أعداءه أنت وأمثالك أما والله لو كان سيفي بيدي لما بلغتم من هذا. فقال ابن خديج أتدري ما أصنع بك؟ أدخلك جوف حمار ثم أحرقك بالنار.

فقال محمد بن أبي بكر: إن فعلت بي ذلك فطالما فعلتم ذلك بأولياء الله تعالى وإني لأرجو أن يجعلها عليك وعلى أوليائك معاوية وعمرو ناراً تلظى كلما أُطفئت زادها الله سعيراً.

ثم قتله ابن خديج وألقاه في جيفة حمار ثم أحرقه بالنار، كما في (الكامل لابن الأثير ج3، ص180).

وقد دفن رأس محمد بن أبي بكر في المكان المعروف اليوم بـ (جامع محمد الصغير) بشارع الوداع بمصر القديمة تزوره العامة وتقرأ الفاتحة وقد جاء في وصف الجامع وصفاً دقيقاً في كتاب مساجد مصر للدكتورة سعاد ماهر طبع سنة 1393هـ وإليك نص كلامها بطوله:

(يقع هذا المسجد في مصر القديمة بشارع باب الودائع قريباً من الباب عن يسرة السالك نحو الشرق إلى باب الوداع وبجوار قبر منهدم يعرف بالكردي، ويعرف الجامع باسم (محمد الصغير) كما كان يعرف باسم (زمام) وذلك أنه بعد مضيّ مدة من قتله أتى زمام مولى محمد بن أبي بكر إلى الموضع الذي دفن فيه وحفر فلم يجد سوى الرأس فأخذه ومضى به إلى المسجد المعروف اليوم بمسجد زمام فدفنه فيه وبنى عليه المسجد، ويقال إن الرأس مدفون في القبلة وبه سمي مسجد الزمام، وقيل: لما شق بعض أساس الدار التي كانت لمحمد بن أبي بكر وجد رمّة رأس قد ذهب فكه الأسفل فشاع في الناس أنه رأس محمد بن أبي بكر، وتنادر الناس ونزلوا الجدار وموضعه قبلة المسجد القديم كما حفر محراب مسجد زمام و طلب الرأس منه فلم يوجد وحفرت أيضاً الزاوية الشرقية من هذا المسجد والمحراب القديم المجاور له والزاوية الغربية فلم يجدوا شيئاً، على أنه مهما قيل في وجود رأس محمد بن أبي بكر في المحراب أو في جدار بيته فإنه من الثابت أن مشهده موجود في مكان المسجد المعروف باسمه بمصر القديمة الآن، فقد جاء في (الكواكب السيارة) إن أكثر قبور أهل مصر فيها الاختلاف ولم يكن بمصر أصح من قبر مسلمة بن مخلد ومشهد محمد بن أبي بكر الصديق ومشهد زين العابدين ومشهد عفان، كذلك الأسعد النسابة في تاريخه (مشاهد الرؤوس). وذكر من بينها مشهد رأس محمد بن أبي بكر، وقد أُعيد بناء المسجد في القرن التاسع الهجري سنة 830هـ (1426م) في عهد السلطان الأشرف برسياي على يدي المعز تاج الدين الشوكلي الشامي والي القاهرة، وأُقيمت فيه صلاة الجمعة وباقي الأوقات وعمل فيه السماعات، وهو مكن مشهور بإجابة الدعاء عند أهل مصر. ثم جدد في العصر العثماني سنة 1287هـ على يدي سعادة محمد باشا أمير، كما هو ثابت من اللوحة التي تعلو المدخل الرئيسي، ويعتبر المسجد من الجوامع المعلقة إذ يصعد إليه بمجموعة من الدرجات ويقع المدخل الرئيسي في الجهة الشمالية المواجهة لحائط القبلة ويتكون من عقد كبير مرتفع ذي ثلاثة فصوص ملئ تجويفه بمجموعة من الدلايات المنحوتة في الحجر والمسجد من الداخل مغطى كله، وفي الركن الشمالي الغربي منه توجد غرفة الضريح التي ترجع عمارتها إلى العصر المملوكي وهي عبارة عن مربع تحيط به أربعة عقود وكانت تعلوها قبة سقطت هي والجزء العلوي من المئذنة إثر زلزال أطاح به، والسقف مغطى الآن بألواح خشبية وتعلو المئذنة مدخل المسجد وتتكون من ثلاث دورات الاولى مربعة والثاني مثمنة وبكل وجهة من أوجه المثمن تجويف مخلق في جانبيه عمودان وبه فتحة واحدة يتقدمها شرفة للمؤذن ويفصل بين الدورة الثانية والثالثة شرفة خشبية، أما الدورة الثالثة فهي مجددة وترجع إلى العصر العثماني وهي تشبه المسلة أو طرف قلم الرصاص)، انتهى.

 

مشهد زين العابدين (عليه السلام)

يوجد في القاهرة حيّ باسم حي زين العابدين لوجود مشهد فيه يعرف بمشهد زين العابدين وذلك لأن فيه مدفن رأس زيد بن الإمام زين العابدين بن علي بن الحسين بن علي (عليه السلام) الذي ثار على الظلم الأموي حتى سقط شهيداً في صفر سنة 121هـ، وصلب جسده، ثم حمل رأسه إلى دمشق الشام إلى هشام بن عبد الملك الأموي.

قال في (النجوم الزاهرة) ما نصه: (في ولاية حنظلة بن صفوان على مصر سنة 123هـ، قدم عليه بمصر رأس زيد بن علي زين العابدين فأُمر بتعليقها وطيف بها)، انتهى.

وعن (الجوهر المكنون) ما نصه: (إنه بعد قدوم رأس (زيد) إلى مصر طيف بها، ثم نصبت على المنبر بالجامع بمصر في 122هـ فسرقت ودفنت في هذا الموضع وبني عليها مشهد في الدولة الفاطمية)، انتهى.

وجاء في وصف المشهد في مساجد مصر للدكتورة سعاد ماهر ما نصه: (كان يعرف في أوائل العصر الإسلامي باسم الحمراء القصوى، وتقع هذه المنطقة إلى الشمال الشرقي من مدينة الفسطاط (مصر القديمة الآن) وعليها أسس العباسيون مدينة العسكر ثاني عواصم مصر الإسلامية، والمسجد الموجود حالياً يرجع إلى أوائل القرن التاسع عشر فقد جدده وأعاد معظم مبانيه عثمان آغا مستحفظان، أما عمارة الدولة الفاطمية فلم يبقَ منها سوى عقد واحد يوجد بالطرفة الداخلية على يمين الداخل إلى روائق القبلة كما توجد لوحة تذكارية مثبتة على مدخل المسجد القديم بالواجهة الغربية كتب عليها ما يلي:

(بسم الله الرحمن الرحيم هذا مشهد الإمام علي زين العابدين ابن الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب (صلوات الله عليهم أجمعين) في سنة 549هـ). أما القبّة التي تعلو الضريح فترجع إلى العصر المملوكي في القرن الثامن الهجري. وفي أواخر القرن الثالث عشر الهجري عملت مقصورة جديدة للضريح تعتبر نموذجاً لصناعة الحديد المزخرف بمصر كتب عليها أُنشأ هذه المقصورة سعادة محمد قطفان باشا سنة 1280هـ كذلك كسى عتب باب القبة ببلاطات من القيشاني الأزرق العثماني الجميل)، انتهى.

 

السيدة نفيسة

قال جمال الدين ابن عنبة النسابة المتوفى سنة 828هـ في ترجمة زيد بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) ما نصه:

وكان لزيد ابنة اسمها نفيسة خرجت إلى الوليد بن عبد الملك بن مروان، فولدت منه، وماتت بمصر ولها هناك قبر يزار وهي التي تسميها أهل مصر الست نفيسة ويعظِّمون شأنها ويقسمون بها وقد قيل: إنها خرجت إلى عبد الملك بن مروان وأنها ماتت حاملاً منه والأصح الأوّل... وقد قيل إن صاحبة القبر بمصر نفيسة بنت الحسين بن زيد وأنها كانت تحت إسحاق بن جعفر الصادق والأول هو الثبت المروي عن ثقات النسابين)، انتهى.

وفي (سر السلسلة) أنها كانت تحت العباس بن علي أمير المؤمنين قتل عنها زوجها يوم الطف مع الحسين وتزوجها الوليد بن عبد الملك.

قال الجلالي: من هنا يظهر أن الأمويين أرادوا بمثل هذه الأمور أن يغطوا جرائمهم النكراء في حادثة كربلاء الرهيبة وذلك بمصاهرة أهل البيت النبوي، ولكن الجرح لما يندمل، هذا ولكن المشهور الذي تلهج به الألسنة ومثبت في اللوحات، إن صاحبة القبر هي بنت الحسن الأنور بن زيد بن الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب (عليه السلام).

لمحة عن حياتها:

ولدت بمكة المكرمة في الإربعاء 11 - ربيع الأول - 145هـ ونشأت بالمدينة وذهبت إلى مصر عام 193هـ وأقامت بها إلى أن توفيت، نزلت مصر في 26رمضان بدار أم هاني.

وفي رواية إنها كانت تحاول المغادرة إلى أهلها ولكن حاكم مصر منعها كما رويت لها كرامات، وذكر ابن حجر لها ما يقرب من مائة كرامة وكان الإمام الشافعي كلما مسّه ضرّ أرسل إليها رسولاً يسألها الدعاء فلا يعود الرسول من عندها إلا ويكون قد شفي، وإن في مرضه الأخير أرسل إليها رسولاً فقالت متعه الله بالنظر إلى وجهه فلما بلغ الخبر الشافعي علم أنه ميت. وفي (طبقات الشعراني ج1، ص66): إن الشيخ أبا المواهب الشاذلي رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال له:

(يا محمد إن كانت لك إلى الله تعالى حاجة فانذر لنفيسة الطاهرة ولو بدرهم يقضي الله تعالى حاجتك.

وفي (نور الأبصار ج2، ص231) إنها لما احتضرت قرأت سورة الأنعام، فلما وصلت إلى قوله تعالى: (لهم دار السلام عند ربهم) ماتت.

قال المقريزي في خططه ج3، ص341 (يقال إنها حفرت قبرها هذا وقرأت فيه تسعين ومائة ختمة)، انتهى.

وهذا ينبئ عن مدى ضجرها من الحياة مع الحكام والإنقطاع إلى الله تعالى.

من تاريخ المرقد:

وصف ابن بطوطة المشهد بقوله: وهذه التربة أنيقة البناء مشرفة عليها رباط مقصود)، انتهى.

وجاء في مساجد مصر ج2 ص138 ما نصه: (يقال إن أول من بنى على قبرها هو عبيد الله بن السري بن الحكم أمير مصر وفي سنة 482هـ أمر الخليفة الفاطمي المستنصر بالله بتجديد الضريح كما أمر الخليفة الحافظ لدين الله سنة 532هـ بتجديد القبّة.

وفي سنة 1173هـ جدّد الضريح والمسجد الأمير عبد الرحمن كتخدا، وقد أتلف الحريق قسماً كبيراً من المسجد في سنة 1310هـ وهو المسجد القائم الآن بالحيّ المعروف باسمها)، انتهى.

وجاء في (مراقد المعارف ج2 ص254) ما نصه:

(مرقدها في مصر فوق القاهرة بالقرافة عند المشاهد وكان الموضع يعرف قديماً بدرب السباع فخرب الدرب ولم يبقَ هناك سوى المشهد، وأول من بنى على قبرها قبة هو عبيد الله بن السري بن الحكم أمير مصر من قبل المأمون العباسي، وقد كتب على رخامة بباب ضريحها ما نصه:

(بسم الله الرحمن الرحيم نصر من الله وفتح قريب لعبد الله وليه محمد بن نجيم الإمام المستنصر بالله أمير المؤمنين، أمر بعمارة هذا الباب السيد الأجل أمير الجيوش سيف الإسلام ناصر الأنام كافل قضاء المسلمين وهادي دعاة المسلمين عضد الله به الدين وأمتع الله بقاء أمير المؤمنين، وأدام قدرته وأعلى كلمته وشد عضده بولده الأجل الأفضل سيف الإسلام وشرف الأنام ناصر الدين الجليل أمير المؤمنين، زاد الله في علاه ومتّع أمير المؤمنين بطول بقاه في شهر ربيع الآخر سنة اثنين وثمانين وأربعمائة (482هـ)، انتهى.

وقد وجدته عام زيارتي للمشهد سنة 1396هـ مشهداً عامراً بالزوار ومحبي أهل البيت كما وجدت على القبر المطهر سترة عليها ما نصه بالذهب ( هذا ستر السيدة نفيسة زهرة سيدنا حسن الأنوار المزارة في 11/ربيع الأول/145هـ تشرف بإهدائه السيد كمال الدين عبد النبي الفقير إلى الله ورسوله وآل بيته في يوم مولدها تم التسجيل بدار الكسوة الشريفة 1391هـ)، انتهى.

وقد جاء على ضريحها البيتان التاليان:

مقصــــــورة اتـــــقنت للَّه صنعتها          تستوجب الشـكر عند اللَّه والناس

تــــــذيع هــــــمّة منــشيها مؤرخة          مــــن بــــــعض طيب جاه العباس

 

مالك الأشتر

ولنختم هذه المزارات ونجعله ختام المسك الأذفر بلمحة عن مزار مالك الأشتر الذي قال فيه الإمام علي (عليه السلام): (كان لي كما كنت لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقضى حياته لنصرة أهل البيت عليهم السلام. ولما كانت مصر كلها موالية لأهل البيت ما عدا قرية خربتا، ومنها ثار المسلمون في وجه الظلم الأموي ونظراً لأهميتها في العالم الإسلامي، كان الجيش المعادي للإمام علي (عليه السلام) يحاول بشتى الطرق أن لا يستمر فيها حكومة الإمام وولاته، وكان للإمام علي (عليه السلام) فيها أربعة ولاة هم كالآتي:

أولاً: محمد بن أبي حذيفة (اغتيل).

ثانياً: قيس بن سعد بن عبادة الخزرجي (استدعاه الإمام (عليه السلام) للمشاركة في حرب صفين).

ثالثاً: مالك الأشتر الذي قتل مسموماً وكان آخرهم.

ولّى الإمام (عليه السلام) مالك الأشتر مصر في عام 37هـ، ولما أُخبر بذلك معاوية أرسل رسولاً إلى والي قلزم بأنه سيعفيه عن الخراج ما دام حياً إذا تمكن من اغتيال مالك، ولما نزل مالك القلزم أكرمه غاية الإكرام ثم سقاه شربة عسلٍ مات على أثرها، وأبلغ معاوية بذلك فقال:

(كان لعليّ يمينان قطع إحداهما بصفين والآخر في القلزم) يعني بالأول الصحابي عمار بن ياسر وبالثاني مالك الأشتر (رضي الله عنهما) وافتعل الحديث: (إن الله جنوداً من العسل). وقد تكلمنا عنه في المعجم، فراجع.

قال في (صبح الأعشى ج3 ص319) ما نصه: ثم وليها (مصر) عنه أمير المؤمنين علي (عليه السلام) مالك بن الحارث النخعي المعروف بالأشتر في وسط سنة سبع وثلاثين، وكتب له عنه عهداً يأتي ذكره في الكلام على العهود فسمّ ومات قبل دخوله إلى مصر، انتهى.

قال الجلالي: أورد العهد في ج10، ص12 وقد روى العهد بأسانيد متعددة استوعبنا البحث حوله في (مستند نهج البلاغة) فليراجع.

ولا يخفى أن مراد المقريزي بقوله مصر هو خصوص القاهرة وحدها ولا يزال هو المتبادر اليوم عند المصريين أنفسهم، ففي عام زيارتي لها (1386هـ) كان المصريون يعنون بمصر خصوص القاهرة على خلاف غير المصريين فإنهم يعنون بمصر دولة مصر.

وأما مرقد مالك فقد عرفت أن المؤرخين صرحوا بأنه نزل القلزم وتوفي بها مسموماً وقبره اليوم خارج القاهرة في منطقة تسمى (القلج) والعامة تلفظ القاف ألفاً. وفيها محطة سكة حديد يمر القطار في طريقها من ميدان باب التحرير بالقاهرة وتبعد حوالي عشرة كيلومترات عن القاهرة والقبر عامر مشيد عليه قبة علية وعلى القبر الشريف لوحة نصها كالآتي:

تلــــــــك آثـــــــارنا تــــــدل عـلينا          فـــــــانظروا بعــــــــدنا إلى الآثار

سيدنا مالك الأشتر النخعي هو مالك بن الحارث النخعي الكوفي أحد الأبطال المشهورين من شيعة الإمام علي بن أبي طالب (سلام الله عليه)، وكان جليل القدر متقدماً عند الخليفة وتابعيه ورئيس قومه وكان ممن شهد واقعة الجمل وصفين ولاه عمر بن الخطاب على مصر (كذا) بعد قيس بن سعد بن عبادة، فلما وصل إلى القلزم شرب شربة عسل فمات رحمة الله عليه رحمة واسعة فقد مات سعيداً وعاش حميداً، وكانت وفاته سنة 37 هجرية وحفظ الأثر الجليل، وقد أبدع وأودع هذه العلامة عبد الرسول الشيرازي المقيم بمصر أعانه الله وإيانا لما يحب ويرضى وهو حسبنا ونعم الوكيل في سنة 1343هجرية)، انتهى.

ولنجعل هذا المزار ختام المسك لمزارات أهل البيت في القاهرة عسى أن يقيض إليه بعض ذوي الهمة في التتبع والتحقيق عن سائرها وخاصة بعض أهلها، فإن أهل البيت هم أدرى بما في البيت وكتب هذا الفقير إلى الله الغني محمد حسين بن محسن بن علي الحسيني الجلالي الحائري أحسن الله إليه وبصره عيوب نفسه ووفّقه لما يحب ويرضى إنه سميع مجيب والمرجو من القارئ الكريم أن يذكرنا بفاتحة.