فهرس الكتاب

مكتبة أهل البيت (ع)

مكتبة الموقع

 

فصل في ذكر بعض كلامه عليه السلام

قال: لا تمار(2) فيذهب بهاؤك، ولا تمازح فيجترئ عليك. وقال: من التواضع السلام على كل من تمر به والجلوس دون شرف المجلس. وقال: من الجهل الضحك من غير عجب. وقال: أورع الناس من وقف عند الشبهة، اعبد الناس من اقام على الفرائض، ازهد الناس من ترك الحرام اشد الناس اجتهادا من ترك الذنوب. وقال: المؤمن بركة على المؤمن وحجة على الكافر. وقال: اذا نشطت القلوب فأودعوها واذا نفرت فودعوها(3). وقال: قلب الاحمق في فمه وفم الحكيم في قلبه. وقال: لا يشغلك رزق مضمون عن عمل مفروض. وقال: ليس من الأدب اظهار الفرح عند المحزون. وقال: رياضة الجاهل ورد المعتاد عن عادته كالمعجز. وقال: التواضع نعمة لا يحسد عليها. وقال: لا تكرم الرجل بما يشق عليه. وقال: من وعظ اخاه سراً فقد زانه، ومن وعظه علانية فقد شانه. وقال: ما اقبح بالمؤمن تكون له رغبة تذله. وقال: لو عقل اهل الدنيا خربت. وقال: ان للجود مقدارا فاذا زاد عليه فهو سرف، وللحزم مقداراً

___________________

(2) من المراء وهو الجدال والنزاع.

(3) يقول اذا كانت القلوب ذات نشاط فاصرفوها في طلب العلم واقبلوا بها الى العبادة واذا كانت غير نشيطة وذات كدورة فدعوها وذروها ولا تتكلفوا التعلم والعبادة.

264

فاذا زاد عليه فهو جبن، وللاقتصاد مقدارا فاذا زاد عليه فهو بخل، وللشجاعة مقدارا فاذا زاد عليه فهو تهور، كفاك ادباً لنفسك تجنبك ما تكره من غيرك. وقال: حسن الصورة جمال ظاهر، وحسن العقل جمال باطن. وقال: من أنس باللّه استوحش من الناس. وقال: من أكثر المنام رأى الاحلام، يعني ان طالب الدنيا كالنائم وما يظفر به كالحلم. وقال: جعلت الخبائث في بيت والكذب مفاتيحها. وقال: من كان الورع سجيته والكرم طبيعته والحلم خلته كثر صديقه والثناء عليه وانتصر من اعدائه بحسن الثناء عليه. وقال: ان الوصول الى اللّه عز وجل سفر لا يدرك الا بامتطاء(1) الليل، من لم يحسن ان يمنع لم يحسن ان يعطي.

وكتب (عليه السلام) الى الشيخ الجليل، عليّ بن الحسين بن بابويه القمي المدفون بقم (رحمه اللّه) بسم اللّه الرحمن الرحيم، الحمد للّه رب العالمين والعاقبة للمتقين والجنة للموحدين، والنار للملحدين، ولا عدوان الا على الظالمين، ولا إله الا اللّه احسن الخالقين، والصلاة على خير خلقه محمد وعترته الطاهرين، اما بعد، اوصيك يا شيخي ومعتمدي وفقيهي (خ) ابا الحسن علي بن الحسين القمي، وفقك اللّه لمرضاته، وجعل من صلبك اولاداً صالحين برحمته، بتقوى اللّه، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، فإنه لا تقبل الصلاة من مانع (مانعي خ د) الزكاة، واوصيك بمغفرة الذنب، وكظم الغيظ وصلة الرحم، ومواساة الاخوان، والسعي في حوائجهم في العسر واليسر، والحلم عند الجهل، والتفقه في الدين، والتثبت في الامور، والتعاهد للقرآن، وحسن الخلق، والامر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال اللّه تعالى: (لا خير في كثير من نجويهم الا من امر بصدقة او معروف او اصلاح بين الناس)، واجتناب الفواحش كلها، وعليك بصلاة الليل، فان النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) اوصى عليّاً (عليه السلام) فقال: يا علي عليك بصلاة الليل، عليك بصلاة الليل،

_____________________

(1) أي بركوب الليل وجعلها مطية لسفره الى اللّه تعالى.

265

ومن استخف بصلاة الليل فليس منا، فاعمل بوصيَّتي وامُر جميع شيعتي بما امرتك به حتى يعملوا عليه، وعليك بالصبر وانتظار الفرج، فإن النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) قال: افضل اعمال امتي انتظار الفرج، ولا تزال شيعتنا في حزن حتي يظهر ولدي الذي بشَّر به النبيُّ (صلى اللّه عليه وآله وسلم): انه يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، فاصبر يا شيخي ومعتمدي ابا الحسن، وأمر جميع شيعتي بالصبر، (فان الأرض للّه يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين)، والسلام عليك وعلى جميع شيعتنا ورحمة اللّه وبركاته، وحسبنا اللّه ونعم الوكيل نعم المولى ونعم النصير.

اقول: قد اكد (عليه السلام) التوصية بالصبر لما في الصبر من الفوائد والعوائد(1)،قال أبو جعفر (عليه السلام) الجنة محفوفة بالمكاره والصبر، وقال الصادق (عليه السلام) اذ ا أُدخل المؤمن قبره كانت الصلاة عن يمينه، والزكاة عن يساره، والبرُّ مطلّ(2) عليه ويتنحى الصبر ناحية، فاذا دخل عليه الملكان اللذان يليان مساءلته قال الصبر للصلاة والزكاة والبر: دونكم صاحبكم، فان عجزتم عنه فأنا دونه، وعن امير المؤمنين (عليه السلام) قال:

اني وجدت وفي الايام تجربة*** للصبر عاقبة محمودة الأثر

وقلَّ من جد في امر يطالبه*** فاستصحب الصبر الا فاز بالظفر

حكي عن بعض التواريخ، انه سخط كسرى على بوذرجمهر، فحبسه في بيت مظلم وامر أن يصفد(1) بالحديد، فبقي اياماً على تلك الحال، فأرسل اليه من يسأله عن حاله، فاذا هو منشرح الصدر، مطمئن القلب،

____________________

(1) اقول المراد بالصبر هنا الصبر في انتظار الفرج بقرينة قوله قبل وعليك بالصبر وانتظار الفرج وذكر الآية بعده.

(2) أي مشرف عليه.

(1) يصفد: أي يقيد ويوثق به.

266

فقالوا له أنت في هذه الحالة من الضيق ونراك ناعم(1) البال؟ فقال اصطنعت ستة اخلاط، وعجنتها واستعملتها فهي التي ابقتني على ما ترون، فقالوا صف لنا هذه الأخلاط لعلنا تنتفع بها عند البلوى، فقال نعم، اما الخلط الأول: فالثقة باللّه عز وجل، واما الثاني: فكل مقدَّر كائن، واما الثالث: فالصبر خير ما استعمله الممتحن، واما الرابع: فاذا لم اصبر فماذا اصنع؟ ولا اعين على نفسي بالجزع، واما الخامس: فقد تكون اشد مما انا فيه، واما السادس: فمن ساعة الى ساعة فرج، فبلغ ما قاله كسرى فاطلقه واعزه.

______________________________________

(1) أي مرفه الحال: طيب العيش ومتسعه.