فهرس الكتاب

مكتبة أهل البيت (ع)

مكتبة الموقع

 

النور الأول .. (سيِّدنا ونبيُّنا وشفيع ذنوبنا رسول اللّه أبو القاسم)

محمد سيد الكونين والثقلين والفريقين من عرب(1) ومن عجم (صلى اللّه عليه وآله وسلم):

أما نسبه الشريف فهو:

ابن عبد اللّه(2): الذي أمه فاطمة بنت عمرو بن عائذ المخزومي، توفي والده بالمدينة وله خمس(3) أو ثمان وعشرون سنة قبل أن يولد رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) ودفن(4) في دار النابغة الجعدي.

ابن عبد المطلب: اسمه (شيبة الحمد) وسمي بذلك لأنه كان في رأسه لما ولد شيبة(5). أمه سلمى بنت عمرو الخزرجية النجارية(6) وكان وجهه

_______________________

(1) بضم العين وهو خلاف العجم.

(2) وكان عبد اللّه أصغر ولد أبيه. فكان هو وأبو طالب والزبير وعبد الكعبة وعاتكة واميمة وبرة ولد عبد المطلب أمهم جميعاً فاطمة بنت عمرو بن عائذ.

(3)و (4) كامل التواريخ لابن الاثير (ص 5 - ج 2).

(5) شاب شيبة: ابيض شعره. واليبة اسم من شاب.

(6) إنما قيل له عبد المطلب لأن اباه هاشماً شخص في تجارة الى الشام فلما قدم المدينة نزل على عمرو بن لبيد الخزرجي من بني النجار وتزوج ابنته وشرط عليه أبوها أن لا تلد الا في أهلها فمضى هاشم الى الشام ورجع. فبنى بها في اهلها. ثم حملها الى مكة فلما حملت وأثقلت ردها الى اهلها التزاماً بالشرط ومضى الى الشام فمات بغزة فولدت له سلمى عبد المطلب. فمكث بالمدينة سبع سنين ولم يعلم به أعمامه فلما علم به المطلب. سافر الى المدينة وأخذه وأركبه على عجز ناقته وسار الى مكة. فقدمها صحوةً والناس في مجالسهم. فجعلوا يقولون من وراءك؟ فيقول هذا عبدي حتى أدخله منزله. ثم خرج به العشي الى مجلس بني عبد مناف. فأعلمهم أنه ابن أخيه. فكان بعد ذلك يطوف بمكة ويقال هذا عبد المطلب.

20

يضيء في الليلة المظلمة وكان يقال له: مطعم طير السماء، وكانت إليه السقاية والرفادة، وهو الذي حفر زمزم وسن خمس سنن أجراها اللّه تعالى في الإِسلام. ومات(1) بمكة وقبره بالحجون مزار مشهور ومعهُ قبر ابي طالب (عليه السلام).

ابن هاشم:

عمرو العلى هشم(2) الثريد(3) لقومه*** ورجال مكة مسنتون(4) عجاف(5)

أمه عاتكة بنت مرة السلمية ولدته(6) وعبد شمس توأمين وكانت إصبع(7) أحدهما ملتصقة بجبهة صاحبه فنحيت فسال الدم فقيل يكون بينهما دم وكانت اليه السقاية(8) والرفادة. مات(9) بغزة(10) (بفتح المعجمتين كبرَّة) وهي مدينة في أقصى الشام بينها وبين عسقلان فرسخان، بها ولد الشافعي ودفن بها هاشم ورثاه مطرد الخزاعي بقوله:

مات الندى بالشام لما أن ثوى(11)*** أودى(12) بغزة هاشم لا يبعد

فجفانُه(13) ورم(14) لمن ينتابه(15)*** والنصر أولى باللسان وباليد

_______________________

(1) وله مئة وعشرون سنة وكان قد عمي (ابن الاثير).

(2) أي كسر الخبز وبلّه بالمرق فهو هاشم.

(3) أي الخبز المفتوت المبلول بالمرق.

(4) أي أصابهم القحط.

(5) أي غير ممطورين. أو تاركي طعام لقلّة أو هزال.

(6) كان هاشم أكبر ولد عبد مناف والمطلب أصغرهم.

(7) ابن الأثير (ص 6 - ج 2).

(8) وهذا سبب خصومته مع عبد شمس.

(9) ابن الأثير.

(10) وله عشرون سنة وقيل خمس وعشرون سنة وهو أول من مات من بني عبد مناف.

(11) ثوى المكان وفيه وبه: أقام. ثوى الرجل: مات.

(12) أودى الرجل: هلك.

(13) الجفنة: القصعة الكبيرة، جمعها: جفان.

(14) الورم - مصدر بمعنى الفاعل. أي مراوم.

(15) انتابهم. أي اتاهم مرة بعد أخرى: من النوب.

21

ابن عبد مناف: اسمه المغيرة(1) ويقال(2) له القمر لجماله، أُمه حُبى بنت حُليل (بالمهملة المضمومة وفتح اللام) وقبره بمكة عند عبد المطلب وفيه يقول الشاعر:

كانت قريش بيضة فتَفَلّقَتْ*** فالمخُّ خالصُهُ لعبدِ منافِ

ابن قُصَي: مصغراً اسمه(3) زيد وأمه فاطمة بنت سعد. وقصي هو الذي أجلى خزاعة عن البيت وجمع قومه الى مكة من الشعاب والأودية والجبال فسمي مجمعاً. قال الشاعر:

أبوكم قصي كان يدعى مجمِّعاً*** به جمع اللّه القبائل من فِهْر(4)

وكانت اليه(5) الحجابة والسقاية والرفادة والندوة واللواء فحاز شرف قريش كله، وقسم مكة أرباعاً بين قومه وتيمَّنت قريش بأمره فما تنكح، ولا يُتشاور، ولا يُعقد لواء الا في داره، وكان أمره في قومه كالدين المتَّبع في حياته وبعد موته، فاتَّخذ دار الندوة وبابها في المسجد، وفيها كانت قريش تقضي أمورها. ولما توفي قُصي دفن بالحجون فكانوا يزرون قبره ويعظمونه.

ابن كلاب(6): وأمه هند بنت سرير، وهو أخو تيم من أبيه، وتيم هو الذي ينتهي اليه نسب أبي بكر.

______________________

(1) وكنيته أبو عبد شمس. وسبب تسميته بعبد مناف أن أمه لما ولدته، دفعته الى مناف (صنم بمكة) تديناً به.

(2) ابن الأثير.

(3) ابو المغيرة.

(4) هو ابو القبائل.

(5) أي حجابة البيت وسقاية الحاج ورفادة الضيوف و مركزية دار الشورى وعقد ألوية الحروب العامة.

(6) ويكنى أبا زهرة.

22

ابن مرة(1): (بضم الميم وشد الراء) وأمه محشية بنت شيبان، وأخوه عدي جد عمر بن الخطاب.

ابن كعب(2): وامه مارية بنت كعب القضاعية وكان عظيم القدر عند العرب وأرخوا(2) لموته الى عام الفيل وكان بينهما خمسمئة وعشرون سنة.

ابن لؤي(3): تصغير اللأي وهو النور: وأمه عاتكة(4) بنت يخلد بن النضر.

ابن غالب(5): وأمه ليلى بنت الحرث.

ابن فهر(6): (بالكسر) أمه جذلة بنت عامر الجرهمية وكان فهر رئيس الناس بمكة، وكان جمَّاع قريش.

ابن مالك: أمه عاتكة بنت عدوان.

ابن النضر: (بفتح النون وسكون الضاد المعجمة) سُمي بذلك لنضارة وجهه، قيل: كان اسمه (7) قريش (فكل من ولد من النضر فهو قرشي ومن لم يلده النضر فليس بقرشي) أمه برة بنت مر بن اد بن طابخة.

ابن كنانة: امه عوانة بنت سعد.

ابن خزيمة: (تصغير خزمة) امه سلمى بنت أسلم.

___________________

(1) ويكنى أبا يقظة.

(2) ابن الأثير (ص9 - ج 2).

(3) ويكنى أبا كعب.

(4)وهي أول العواتك التي ولدن رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) من قريش.

(5) ويكنى أبا تيم.

(6) ويكني أبا غالب.

(7) قيل لما جمعهم قصي قيل لهم قريش. والتقرش: التجمع. وقيل لاجتماع خصال الخير فيه.

23

ابن مدركة: سمي بمدركة لأنه أدرك كل ما كان في آبائه. أمه خندف(1).

ابن الياس: امه الرباب قيل لما توفي إلياس حزنت عليه خندف حزناً شديداً فلم تقم حيث مات ولم يظلها سقف حتي هلكت فضرب بها المثل، وكانت تبكي كل خميس، من غدوته الى الليل، لأن الياس توفى يوم الخميس، وكان إلياس يدعى كبير قومه وسيد عشيرته ولا يقطع أمرُ ولا يقضى مهمُّ دونه، ولم تزل العرب تعظم الياس تعظيم اهل الحكمة كلقمان وأشباهه.

ابن مضر: (بضم وفتح)، معدول عن ماضر، وهو اللبن قبل أن يروب، واسمه عمر، وامه سودة بنت عك، وإخوته إياد وربيعة وأنمار، ولهم قصة(2) لطيفة في تقسيم اموال أبيهم ورجوعهم الى حكم الافعى الجرهمي في ذلك. وكان مضر أحسن الناس صوتاً، و هو أول من حدا.

ابن نزار: (بكسر النون) من النزر أي القليل سمي بذلك لأن اباه حين ولد له ونظر الى النور الذي بين عينيه، وهو نور النبوة فرح فرحاً شديداً ونحر واطعم وقال: إن هذا كله نزر في حق هذا المولود، فسُمِّيَ نزازاً، وأمه معانة بنت(3) حوشم.

ابن معد: كمرد أمه مهدة.

ابن عدنان: روي عن النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) قال: اذا بلغ نسبي إلى عدنان فأمسكوا(4). أمه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة.

_______________

(1) اسمها ليلى، قيل لها خندف لمشيتها تخندفاً. والخندفة، ضرب من المشي.

(2) ذكرها ابن الجوزي في الأذكياء والدميري في حياة الحيوان في الافعى (منه) أقول وذكرها أيضاً ابن الأثير في تاريخه (ص 11 ج 2) وفيها غرابة.

(3) في تاريخ ابن الاثير (بالجيم المعجمة).

(4) لعله لاختلاف النسّابين فيمن بعد عدنان اختلافاً عظيماً لا يحصل منه على غرض. فبعضهم=

24

ولد: (صلى اللّه عليه وآله وسلم) يوم الجمعة السابع عشر(1) من شهر ربيع الأول بعد طلوع الفجر في عام الفيل بمكة المعظمة، في زمن الملك العادل أنوشيروان في الدار المعروف(2) بدار محمد بن يوسف، وكان للنبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) فوهبه لعقيل بن ابي طالب فباعه أولاده لمحمد بن يوسف أخي الحجاج، فأدخله في داره. فلما كان زمن هارون اخذته خيزران امه فأخرجته وجعلته مسجداً، وهو الآن معروف يزار ويصلَّى فيه، وبُعث (صلى اللّه عليه وآله وسلم) بالرسالة يوم السابع والعشرين من رجب.

روى الشيخ الصدوق عن ابي عبد اللّه (عليه السلام) قال: كان إبليس لعنه اللّه يخترق السماوات السبع فلما ولد عيسى (عليه السلام) حُجب عن ثلاث سماوات وكان يخترق أربع سموات فلما ولد رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) حُجب عن السبع كلها، ورميت الشياطين بالنجوم وقالت قريش: هذا قيام الساعة الذي كنا نسمع أهل الكتاب يذكرونه، وقال عمرو بن امية وكان من أزجر أهل الجاهلية، أنظروا هذه النجوم التي يُهتدى بها ويُعرف بها أزمان الشتاء والصيف، فإن كان رُمي بها فهو هلاك كل شيء وإن كان ثبتت ورُمي بغيرها فهو أمر حدث، وأصبحت الأصنام كلها صبيحة ولد النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) ليس منها صنم الا وهو منكب على وجهه، وارتجس(3) في تلك الليلة إيوان كسرى وسقطت منه أربعة عشر شرفة وغاضت(4) بحيرة ساوة، وفاض(5) وادي السماوة(6) وخمدت نيران

_______________________

= يجعل بين عدنان وإسماعيل (عليه السلام) أربعة آباء ويجعل آخر بينهما أربعين أباً.

(1) في قول مشهور بين الشيعة ولكن أكثر العامة وبعض الشيعة قالوا بولادته في اثني عشر منه وفيها أقوال أخر غير مشهورة.

(2) لما كانت لفظة الدار من المؤنثات السماعية كان الأولى إرجاع ضمائر المؤنثة اليها.

(3) الارتجاس الاضطراب والتزلزل الذي يسمع منه الصوت الشديد (منه).

(4) غاضت بحيرة ساوة أي غار ماؤها وذهب (منه).

(5) وفاض الوادي أي كثر ماؤه حتى سال (منه).

(6) والسماوة بادية بين الكوفة والشام (منه).

25

فارس ولم تخمد قبل ذلك بألف عام، ورأى الموبذان(1) في تلك الليلة في المنام إبلاً صعاباً تقود خيلاً عراباً قد قطعت دجلة وانسربت(2) في بلادهم وانفصم طاق الملك كسرى من وسطه وانخرقت(3) عليه دجلة العوراء وانتشر في تلك الليلة نور من قبل الحجاز ثم استطال حتى بلغ المشرق، ولم يبق سرير لملك من ملوك الدنيا الا أصبح منكوساً، والملك مخرساً لا يتكلم يومه ذلك، وانتزع علم الكهنة وبطل سحر السحرة ولم تبق كاهنة في العرب إلا حُجبت عن صاحبها، وعظمت قريش في العرب وسُمُّوا آل اللّه، قال أبو عبد اللّه الصادق (عليه السلام) انما سموا آل اللّه لأنهم في بيت اللّه الحرام.

وقالت آمنة: إن ابني، واللّه سقط، فاتَّقى الأرض بيده ثم رفع رأسه الى السماء فنظر اليها، ثم خرج مني نور أضاء كل شيء فسمعت في الضوء قائلاً يقول: انك قد ولدت سيد الناس فسمِّيه محمداً. وأتي به عبد المطلب لينظر اليه وقد بلغه ما قالت أمه، فأخذه ووضعه في حجره، ثم قال: الحمد للّه الذي أعطاني هذا الغلام الطيب الأردان قد ساد في المهد على الغلمان ثم عوذه بأركان الكعبة، وقال فيه أشعاراً، قال: وصاح إبليس لعنه اللّه في أبالسته فاجتمعوا اليه فقالوا:ما الذي أفزعك يا سيدنا؟ فقال لهم: ويلكم لقد أنكرت السماء والأرض منذ الليلة لقد حدث في الأرض حدث عظيم ما حدث مثله منذ رفع عيسى بن مريم (عليه السلام) فاخرجوا وانظروا ما هذا الحدث الذي قد حدث. فافترقوا ثم اجتمعوا اليه فقالوا: ما وجدنا شيئاً. فقال إبليس لعنه اللّه: أنا لهذا الأمر. ثم صار مثل الصرّ وهو العصفور فدخل من قبل حراء(4) فقال له جبرئيل (عليه السلام)

___________________________

(1) والموبذان بضم الميم وفتح الباء فقيه الفرس وحاكم المجوس (منه).

(2) وانسربت أي دخلت.

(3) وانخرقت عليه دجلة العوراء يظهر أن كسرى كان سكن بعض دجلة وبنى عليها بناء فلعله لذلك وصفوا دجلة بعد ذلك بالعوراء لأنه عور وطم بعضها فانخرقت عليه وانهدم بنيانه (منه).

(4) حراء بالكسر والتخفيف والمد: جبل من جبال مكة على ثلاثة أميال (منه).

26

وراءك(1) لعنك اللّه فقال له: حرف اسألك عنه يا جبرئيل، ما هذا الحدث الذي حدث منذ الليلة في الأرض، فقال له : ولد محمد (صلى اللّه عليه وآله وسلم) فقال: هل لي فيه نصيب؟ قال: لا. قال: ففي امته؟ قال: نعم. قال رضيت.

بدا بمولده المسعود طالعُهُ*** بدرَ الهدى واختفت فيه الأضاليلُ

وزال عن رأس كسرى التاجُ*** من فوق بهرام للايمان إكليلُ

بخاتمِ الرُّسل قد زالت(2) أساورُهُ*** فعرشهُ بعد كرسي الملك مشلولُ

سبحانَ من خص بالإِسراء رتبته*** بقربه حيث لا كيف وتمثيلُ

بالجسم أسرى به والروح(3) خادمه*** له من اللّه تعظيم وتبجيلُ

له البراق حواد والسما طُرق*** مسلوكةُ ودليل السير جبريلُ

له شريعة حقٍّ للهدى وله*** شريعة في الندى من دونها النيلُ

وجاءه الروح بالقرآن ينسخ منْ*** شريعةِ الروح(4) ما يحويه إنجيلُ

وكل أسفار توراة الكليم لها*** من بعد إِسفار(5) صبح الذكر تعطيلُ

لولاه ما كان لا علم ولا عمل*** ولا كتاب ولا نصّ وتأويلُ

ولا وجود ولا إنس ولا ملَك*** ولا حديث ولا وحي وتنزيل

له الخوارق فالعُرجون في يده*** مهند(6) من سيوف اللّه مسلولُ(7)

حروبه ومغازية لها سِيَر*** بها يحدِّث جيل بعده جيلُ

******************

وقال الشيخ الأزري:

ما عسى أن أقول في ذي معالٍ*** علة الكون كله إحداها

____________________

(1) أي ارجع الى ورائك.

(2) السوار: حلية كالطوق تلبسه المرأة في زندها جمعه: أساور وأساورة.

(3) يعني به جبرئيل.

(4) وهو المسيح (عليه السلام) (منه).

(5) أي الإِشراق.

(6) أي سيف هندي.

(7) أي خارج عن الغمد.

27

بشّرت أمة به الرسل طراً*** طرباً باسمه فيا بشراها

نوهت(1) باسمه السماوات والأرض*** كما نوهت بصبح ذكاها(2)

طربت لاسمه الثرى(3) فاستطالت*** فوق(4) عُلوية السما سُفلاها

لا تُجلْ(5) في صفات احمد (ص) فكراً*** فهي الصورة التي لن تراها

تلك نفس عزَّت على اللّه قدراً*** فارتضاها لنفسه واصطفاها

ما تناهت عوالم العلم إلا*** والي كُنه احمد منتهاها

حاز قدسية العلوم وإن لَمْ*** يُؤْتَها أحمدُ فَمن يؤتاها

علَم اقسمت جميع المعالي*** أنه ربُّها الذي ربَّاها

فاض للخلق منه علم وحلم*** أخذت عنهما العقول نهاها(6)

وسمت باسمه سفينةُ نوحٍ*** فاستقرت به على مجراها

وبه نال خلة اللّه ابرا*** هيم والنار باسمه أطفاها

وبسرِّ سَرى له في ابنِ عِمْرا*** ن أطاعت تلك اليمين عصاها

وبه سخر المقابر عيسى*** فاجابت نداءه موتاها

وهو سر السجود في الملاء الأع*** لى ولولاه لم تعفِّر جباها

لم تكن هذه العناصر إلا*** من هيولاه حيث كان أباها

قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في وصف النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) ولقد قرن اللّه تعالى به من لدن كان فطيماً، أعظم ملك من ملائكته، يسلك به طريق المكارم ومحاسن اخلاق العالم ليله ونهاره ولقد كنت معه أتِّبعه اتِّباع الفصيل إثر أمه يرفع لي في كل يوم علماً من أخلاقه ويأمرني بالاقتداء به ولقد كان يجاور في كل سنة بحراء(7) فأراه ولا يراه غيري ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الإِسلام غير رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) وخديجة وأنا ثالثهما أرى نور الوحي والرسالة وأشم ريح النبوة.

_______________________

(1) أي أظهرت ورفعت.

(2) الذكاء بالضم: علم للشمس.

(3) الثرى: التراب.

(4) علو الشيء: نقيض سفله.

(5) من الجولان.

(6) النهى: العقل.

(7) كهف قرب مكة.

28

(قال البوصيري(1))

فاق النبيين في خلق وفي خلق*** ولم يدانوه في علم ولا كرم

وكلهم من رسولِ اللّه ملتمس*** غَرفاً(2) من البحر أو رشفاً(3) من الديمِ(4)

فهو الذي تم معناه وصورته*** ثم اصطفاه حبيبا بارئ النسيمِ

منزَّه عن شريك في محاسنه*** فجوهر الحسن فيه غير منقسمِ

دع ما ادَّعته(5) النصارى في نبيهم*** واحكم بما شئت مدحاً فيه واحتكم

فانسبْ الى ذاته ما شئت من شرف*** وانسب الى قدره ما شئت من عظمِ

فان فضل رسول اللّه ليس له*** حدّ فيعرف عنه ناطق بقمِ

وكيف يدرك في الدنيا حقيقته*** قوم نيام تسلوا(6) منه بالحلُمِ(7)

فمبلغ العلم فيه أنّه بشر*** وأَنه خير خلق اللّه كلهمِ

وكل آيٍ اتى الرسل الكرام بها*** فانما اتصلت من نوره بهمِ

فانه شمس فضل هم كواكبُها*** يظهرن انوارها للناس في الظُّلَم

يا خير من(8) يمم العافون ساحته*** سعياً وفوق متون الأينق(9) الرُّسمِ

سَرَيْتَ من حَرَم ليلا الى حرم*** كما سرى البدر في داج(10) من الظلَمِ

فَظِلْتَ ترقى الى ان نلتَ منزلة*** من قاب قوسين لم تدرك(11) ولم تُرَمِ

____________________

(1) البوصيري هو شرف الدين ابو عبد الله محمد بن سعيد الدلاصي المتوفى سنة 694 صاحب القصيدة المعروفة بالبردة الموسومة بالكواكب الدرية في مدح خير البرية عليه وآله آلاف التسليم والتحية اولها:

أمِن تذكر جيران بذي سلم ***مزجت دمعاً جرى من مقلة بدم (منه).

(2) اغترف الماء بيده: اخذه بها .

(3) أي نداوة.

(4) أي المطر الشديد.

(5) أي يدعون انه ابن الله تعالى عن ذلك.

(6) أي انكشف عنهم.

(7) النومة الطيبة .

(8) أي قصد.

(9) جمع ناقة.

(10) اسم فاعل من دجى الليل أي اظلم.

(11) أي لم تقصد.

29

وقَدَّمتك جميع الأنبياء بها*** والرسل تقديم مخدوم على خَدَمِ

وانت تحترق السبعَ الطباقَ بهم*** في موكب كنت فيه صاحبَ العلمَ

حتى إذا لم تدع شأواً(1) لمنسبق*** من الدنوّ ولا مرقى لمستنم(2)

خفضت كلَّ مقام بالاضافة اذ*** نوديتَ بالرفع مثل المفردِ العلمِ

وقال الشيخ حسين بن عبد الصمد الحارثي (رحمه اللّه)

محمد المصطفى الهادي البشير رسو*** ل اللّه افضل خلق اللّه كلهم

لولا هداه لكان الناس كلهم***كاحرف ما لها معنى من الكلم

ولو تفرق بعض من خلائقه*** في الناس لم يبق ذو جهل ولا غَرَم(3)

لو لم تطأ رجله فوق التراب لما*** غدا طهوراً وتسهيلاً على الامم

لو لم يكن سجد البدر المنير له*** ما اثر التُربُ في خدية بالوسمِ

فيا نجوم السما طوفوا بكعبته*** سَعِدْتُمُ إذ له صرتم من الخدم

ولو تكلف صُمُّ فوق طاعته*** سعت اليه جبال الحلِ والحرمِ

زاكي الفعال ومحمود الخصال ومب*** ذول النوال ومختار من القدم

نصرت بالرعب حتى كاد سيفك ان*** يسطو(4) بغير انسلال في رقابهم

البدر يخبر أنّ النور مكتسبُ*** فيه ونورك أصليُّ وذو شمم(5)

كفاك فخراً كمالات خَصِصْت بها*** اخاك حتى دَعَوه بارئ النسيمِ

وقال الصفي الحلي في مدحه صلى اللّه عليه وآله في قصيدته البديعية

شخص هو العالم الكليُّ في شرفٍ*** ونفسه الجوهر القدسيُّ في عِظَمِ

هو النبيُّ الذي آياتهُ ظهرت*** من قبل مظهره للناس في القدَمِ

صلى عليه اله العرش ما طلعت*** شمس وما لاح نجم في دجى الظُّلمِ

وآله امناء اللّه من شهدت*** لقدرهم سورة الاحزاب في العِظَمِ

__________________________

(1) مصدر شأى القوم: أي سبقهم او اسم بمعنى الغاية.

(2) أي الماشي الى العلو.

(3) أي الخسران.

(4) أي يهجم.

(5) أي ذو علو وبعد.

30