فصل فيما جرى بين ابي الحسن الهادي عليه السلام وبين بعض خلفاء زمانه
اشخص ابا الحسن (عليه السلام) المتوكل من المدينة الى سر من رأى، و كان السبب في ذلك، ان عبد اللّه بن محمد، وكان والي المدينة سعى به (عليه السلام) اليه،فكتب المتوكل اليه كتاباً، يدعو به فيه الى حضور
238
العسكر على جميل من القول، وبعث يحيى بن هرثمة ثلاثمئة رجل لاشخاصه من طريق البادية، وقد رأى يحيى منه (عليه السلام) في ايام المصاحبة معه من الدلائل والآيات ما لا يتحملها المقام.
روى المسعودي عن يحيى بن هرثمة، قال وجهني المتوكل الى المدينة لإشخاص علي بن محمد (عليه السلام) لشيء بلغه عنه، فلما صرت اليها ضج اهلها، وعجوا ضجيجاً وعجيجاً، ما سمعت مثله، فجعلت أسكنهم وأحلف اني لم أؤمر فيه بمكروه، وفتشت بيته فلم اصب فيه الا مصحفاً(1) ودعاءً وما اشبه ذلك، فاشخصته وتوليت خدمته واحسنت عشرته، فبينا انا في يوم من الايام والسماء صاحية والشمس طالعة اذ ركب وعليه ممطر وقد عقد ذنب دابته، فعجبت من فعله فلم يكن بعد ذلك الا هنيهة حتى جاءت سحابة فارخت عزاليها(3) ونالنا من المطر امر عظيم جداً، فالتفت اليَّ، وقال: انا اعلم انك انكرت ما رأيت، وتوهمت اني علمت من الامر ما لا تعلمه، وليس ذلك كما ظننت، ولكني نشأت بالبادية فانا اعرف الرياح التي يكون في عقبها المطر، فلما اصبحت هبت ريح لا تخلف، وشممت منها رائحة المطر، فتأهبت لذلك، فلما قدمت مدينة السلام بدأت باسحاق بن ابراهيم الطاطري وكان على بغداد، فقال يا يحيى ان هذا الرجل قد ولده رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) والمتوكل من تعلم، وان حرضته على قتله كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) خصمك فقلت واللّه ما وقفت منه الا على كل امر جميل، فصرت الى سامراء فبدأت بوصيف التركي، وكنت من اصحابه، فقال: واللّه لئن سقطت من رأس هذا الرجل شعرة لا يكون المطالب بها غيري، فعجبت من قولهما وعرَّفت المتوكل ما وقفت عليه وما سمعته من الثناء عليه، فاحسن جائزته واظهر بره وتكرمته. انتهي.
_________________________
(1) وفي تذكرة السبط فلم اجد فيه الا مصاحف وادعية وكتب العلم فعظم في عيني وتوليت خدمته بنفسي الخ (منه).
(2) عزالي جمع عزلاء امطارها.
239
وقال في اثبات الوصية حدَّث ابو عبد اللّه محمد بن احمد الحلبي القاضي قال: حدثني الخضر بن محمد البزاز، وكان شيخاً، مستوراً ثقة يقبله القضاة والناس: قال: رأيت في المنام كأني على شاطئ دجلة بمدينة السلام في رحبة الجسر(1) والناس مجتمعون خلقاً كثيراً يزحم بعضهم بعضاً وهم يقولون قد اقبل بيت اللّه الحرام فبينا نحن كذلك اذ رأيت البيت بما عليه من الستائر الديباج والقباطي(2) قد اقبل ماداً على الأرض يسير حتى عبر الجسر من الجانب الغربي الى الجانب الشرقي والناس يطوفون به وبين يديه حتى دخل دار خزيمة الى ان قال: فلما كان بعد أيام خرجت في حاجة حتى انتهيت الى الجسر، فرأيت الناس مجتمعين، وهم يقولون قد قدم ابن الرضا (عليه السلام) من المدينة فرأيته قد عبر من الجسر على شهري تحته كبير، يسير عليه سيراً رفيقاً، والناس بين يديه وخلفه، وجاء حتى دخل دار خزيمة بن حازم فعلمت انه تأويل الرؤيا التي رأيتها، ثم خرج الى سر من رأى انتهى.
وقال الشيخ الطبرسي، (رضي اللّه عنه)، فلما وصل إلى سرَّ من رأى تقدم المتوكل ان يحتجب عنه في منزله، فنزل في خان يعرف بخان الصعاليك(3) فقام فيه يومه، ثم تقدم المتوكل بإفراد دار له فانتقل اليها، ثم روى عن صالح بن سعيد، قال: دخلت على ابي الحسن (عليه السلام) في يوم وروده فقلت له جعلت فداك في كل الامور أرادوا اطفاء نورك، والتقصير بك، حتى انزلوك هذا الخان الاشنع، خان الصعاليك، فقال ها هنا انت يا بن سعيد ثم اومأ بيده فاذا بروضات انقات(4) وانهار جاريات فيها خيرات
___________________________
(1) أي محله المتسع.
(2) القبطية بضم القاف وبكسرها: ثياب من كتان منسوبة الى القبط. جمعها: القباطي.
(3) صعلوك كعصفور: درويش. صعاليك جمع، وصعاليك العرب: لصوصهم وفقراؤهم (منه).
(4)اي معجبات مؤثرات على ما سواها.
240
عطرات وولدان كانهن اللؤلؤ المكنون فحار بصري وكثر عجبي، فقال: حيث كنا فهذا يا ابن سعيد لسنا في خان الصعاليك.
وفي اثبات الوصية روى انه (عليه السلام) دخل دار المتوكل فقام يصلي فاتاه بعض المخالفين فوقف حياله فقال له: الى كم هذا الرياء؟ فاسرع الصلاة وسلم، ثم التفت اليه فقال: ان كنت كاذباً سحتك اللّه، فوقع الرجل ميتا فصار حديثاً في الدار.
وروي عنه (عليه السلام) قال: اخرجت الى سر من رأى كرهاً ولو أخرجت عنها أخرجت كرهاً، قيل ولم يا سيدي؟ قال لطيب هوائها وعذوبة مائها وقلة دائها.
الشيخ المفيد عن ابن قولويه عن الكليني عن علي بن محمد عن ابراهيم بن محمد الطاهري، قال: مرض المتوكل من خرّاج(1) خرج به فأشرف منه على الموت، فلم يجسر احد ان يسِمه بحديدة، فنذرت أمه إن عوفي ان تحمل الى ابي الحسن علي بن محمد (عليه السلام) مالاً جليلاً من مالها وقال له الفتح بن خاقان لو بعثت الى هذا الرجل يعني ابا الحسن (عليه السلام) فسألته فإنه ربما كان عنده صفة شيء يفرج اللّه به عنك، فقال ابعثوا اليه فمضى الرسول ورجع، فقال: خذوا كسب(2) الغنم فديفوه(3) بماء الورد وضعوه على الخراج فانه نافع، باذن اللّه، فجعل من يحضر المتوكل يهزأ من قوله، فقال لهم الفتح: وما يضر من تجربة ما قال، فواللّه اني لأرجو الصلاح به، فاحضر الكسب وديف بماء الورد ووضع على الخراج فانفتح وخرج ما كان فيه وسرّت أم المتوكل بعافيته فحملت الى ابي الحسن (عليه السلام) عشرة آلاف دينار تحت ختمها واستقل(4) المتوكل من
__________________
(1) خراج كغراب: القرحة (منه).
(2) و(3) الكسب بالضم عصارة الدهن ولعل المراد ها هنا ما يشبهها مما يتلبد من السرقين تحت ارجل الشاة والدوف الخلط والبل بماء ونحوه (منه).
(4) الظاهر انه تصحيف والصحيح استبل بالباء مكان القاف قال في منتهى الارب استبل.
241
علته، فلما كان بعد أيام، سعى البطحائي بأبي الحسن (عليه السلام) الى المتوكل، وقال عنده اموال وسلاح فتقدم المتوكل الى سعيد الحاجب، ان يهجم عليه ليلاً ويأخذ ما يجده عنده من الأموال والسلاح ويحمل اليه، قال ابراهيم بن محمد، قال لي سعيد الحاجب: صرت الى دار ابي الحسن (عليه السلام) بالليل ومعي سلم فصعدت منه الى السطح ونزلت من الدرجة الى بعضها في الظلمة فلم ادر كيف أصل الى الدار فناداني ابو الحسن (عليه السلام) من الدار يا سعيد مكانك، حتى يأتوك بشمعة، فلم ألبث ان آتوني بشمعة فنزلت فوجدت عليه جبة صوف وقلنسوة منها، وسجادته على حصير بين يديه، وهو مقبل على القبلة، فقال لي: دونك البيوت، فدخلتها وفتشتها فلم اجد فيها شيئاً ووجدت البدرة مختومة بخاتم ام المتوكل، وكيساً مختوماً معها، فقال لي ابو الحسن (عليه السلام): دونك المصلى فرفعته فوجدت سيفاً في جفن ملبوس، فاخذت ذلك، وصرت اليه، فلما نظر الى خاتم امه على البدرة بعث اليها فخرجت اليه فسألها عن البدرة فأخبرني بعض خدم الخاصة انها قالت: كنت نذرت في علتك ان عوفيت ان أحمل اليه من مالي عشرة آلاف دينار فحملتها اليه وهذا خاتمي على الكيس، ما حركه، وفتح الكيس الآخر فاذا فيه أربعمئة دينار فأمر أن يضم الى البدرة بدرة اخرى، وقال لي: احمل ذلك الى ابي الحسن (عليه السلام) واردد عليه السيف والكيس بما فيه فحملت ذلك اليه واستحييت منه، فقلت له: يا سيدي عزَّ(1) عليَّ دخولي دارك بغير اذنك، ولكني مأمور، فقال لي وسيعلم الذين ظلموا أيَّ منقلب ينقلبون.
242