فهرس الكتاب

مكتبة أهل البيت (ع)

مكتبة الموقع

 

فصل في ذكر طلب المأمون ابا الحسن الرضا عليه السلام من المدينة إلى المرو

روى الشيخ الصدوق عن محول السجستاني قال لما ورد البريد بإشخاص الرضا (عليه السلام) الى خراسان كنت انا بالمدينة فدخل المسجد ليودع رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) مراراً، كل ذلك يرجع الى القبر ويعلو صوته بالبكاء والنحيب، فتقدمت اليه وسلمت عليه فرد السلام وهنأته. فقال : ذرني فاني اخرج من جوار جدّي (عليه السلام) فأموت في غربة وادفن في جنب هارون قال : فخرجت متبعاً لطريقه حتى مات سلام اللّه عليه بطوس ودفن الى جنب هارون.

187

وفي الدر النظيم روى جماعة من اصحاب الرضا (عليه السلام) انه قال : لما اردت الخروج من المدينة الى خراسان جمعت عيالي فامرتهم أن يبكوا علي حتى اسمع بكاءهم(1) ثم فرقت فيهم اثني عشر الف دينار ثم قلت لهم : اني لا ارجع الى عيالي ابداً، ثم اخذت ابا جعفر فادخلته المسجد ووضعت يده على حافة القبر والصقته به واستحفظته برسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) فالتفت اليّ ابو جعفر فقال لي : بأبي أنت واللّه تذهب الى اللّه، وامرت جميع وكلائي وحشمي له بالسمع والطاعة وترك مخالفته وعرفتهم انه القيم مقامي.

وروى الشيخ الاربلي عن دلائل الحميري عن امية بن علي قال : كنت مع ابي الحسن (عليه السلام) بمكة في السنة التي حج فيها ثم صار الى خراسان ومعه ابو جعفر (عليه السلام) وابو الحسن (عليه السلام) يودع البيت، فلما قضى طوافه عدل الى المقام، فصلى عنده، فصار ابو جعفر (عليه السلام) على عنق موفق يطوف به فصار ابو جعفر (عليه السلام) الى الحجر فجلس فيه فأطال فقال له موفق : قم جعلت فداك فقال (عليه السلام) ما اريد ان ابرح من مكاني هذا الا ان يشاء اللّه واستبان في وجهه الغم فأتى موفق ابا الحسن (عليه السلام) فقال : جعلت فداك قد جلس ابو جعفر (عليه السلام) في الحجر وهو يأبى ان يقوم فقام ابو الحسن (عليه السلام) فاتى ابا جعفر (عليه السلام) فقال له قم يا حبيبي، فقال : ما أريد أن ابرح من مكاني هذا، قال بلى يا حبيبي. ثم قال : كيف اقوم وقد ودعت البيت وداعاً لا ترجع اليه فقال : قم يا حبيبي، فقام معه وروى ذلك المسعودي باختلاف في الالفاظ وفيه ان لأبي جعفر (عليه السلام) في ذلك الوقت سنة.

________________________

(1) وقد اشير الى ذلك في زيارته : السلام على من امر اولاده وعياله بالنياحة عليه قبل وصول القتل اليه (منه).

188

قال السيد عبد الكريم بن طاوس ان الرضا (عليه السلام) لما طلبه المأمون من خراسان توجه (عليه السلام) من المدينة الى البصرة ولم يصل الكوفة ومنها توجه على طريق الكوفة إلى بغداد ثم الى قم ودخلها وتلقاه اهلها وتخاصموا فيمن يكون ضيفه منهم، فذكر (عليه السلام) ان الناقة مأمورة(1) فما زالت حتى بركت على باب وصاحب ذلك الباب رأى في منامه أن الرضا (عليه السلام) يكون ضيفه في غد. فما مضى الا يسيراً حتى صار ذلك الموضع مقاماً شامخاً، وهو في اليوم مدرسة مطروقة، ثم منها الى فريومد(2). وقال : في حالهم الخبر المشهور، ثم وصل الى مرو وعاد الى سناباد وتوفي بها واتفق لي زيارته (عليه السلام) في جمادى الأولى سنة ثمانين وستمائة انتهى.

اقول : قد ظهر من هذا الكلام ان بلدتنا الطيبة دار الايمان قم المحمية التي كانت حرم اهل البيت وعش آل محمد (عليهم السلام) وموضع قدم جبرائيل، قد تشرفت باقدام مولانا ابي الحسن الرضا عليه آلاف التحية والتحف، وزادها الشرف فوق الشرف، وان وروده (عليه السلام) اشبه بورود جده رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) المدينة الطيبة، فقد روي عن سلمان (رضي اللّه عنه) قال : لما قدم النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) المدينة تعلق الناس بزمام الناقة فقال النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) يا قوم دعوا الناقة فانها (فهي : خ د) مأمورة، فعلى باب من بركت، فانا

________________________

(1) قد ظهر من هذا الخبر انه (عليه السلام) كان راكباً ناقة في سفره الى الخراسان ويؤيد ذلك ما رواه الراوندي في الدعوات ان رجلاً من اهل كرمند قرية من اصفهان كان جمالاً لمولانا أبي الحسن (عليه السلام) عند توجهه الى خراسان فلما اراد الانصراف قال له يا ابن رسول اللّه شرفني بشيء من خطك اتبرك به وكان الرجل من العامة فاعطاه مكتوباً فيه كن محباً لآل محمد (عليهم السلام) وان كنت فاسقاً ومحباً لمحبيهم وان كانوا فاسقين وانا احب ان اتمثل ها هنا بهذين البيتين :

وتحمله الناقة الأدماءُ معتجرا*** بالبرد كالبدر جلى ليلة الظلم

وفي عِطافَيْهِ او اثناء بردته*** ما يعلم اللّه من دين ومن كرم

(2) الظاهر ان هذه الكلمة تصحيف فربوند وهي قرية بقرب عباس آباد ومزينان على ما سمعت (منه).

189

عنده، فاطلقوا زمامها وهي تهف(1) في السير حتى دخلت المدينة فبركت على باب أبي ايوب الانصاري(2) (رضي اللّه عنه) ولم يكن في المدينة افقر منه فانقطعت قلوب الناس حسرة على مفارقة النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم)، ولا غرو في ذلك من مولانا الرضا (عليه السلام) فانه بضعة النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) ووضع اللّه عز وجل عليه اعباء(3) النبوة ومنحه الاضطلاع بها وكان صلوات اللّه عليه شبيهاً به تحكي شيمتّه شيمتَه ما تخرم(4) مشيتُه مشيتَه، بل روي أنه ( عليه السلام ) كان ؟شبه الناس برسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم)، وكل من رأى رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) في المنام رآه على صورته (عليه السلام).

الصدوق، عن ابن المتوكل، عن علي عن ابيه عن يوسف بن عقيل، عن اسحاق بن راهويه، قال : لما وافى ابو الحسن الرضا (عليه السلام) نيسابور وأراد أن يرحل منها الى المأمون اجتمع اليه اصحاب الحديث فقالوا له يا ابن رسول اللّه ترحل عنا ولا تحدثنا بحديث فنستفيده منك، وقد كان قعد في العمارية فأطلع رأسه وقال : سمعت ابي موسى بن جعفر، يقول : سمعت ابي جعفر بن محمد، يقول : سمعت ابي محمد بن علي يقول : سمعت ابي علي بن الحسين، يقول : سمعت ابي الحسين بن علي يقول : سمعت ابي أمير المؤمنين علي بن ابي طالب (عليهم السلام)، يقول : سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم)، يقول : سمعت جبرائيل (عليه السلام) يقول : سمعت اللّه عز وجل، يقول : لا اله الا اللّه حصني، فمن دخل حصني امن عذابي فلما مرت الراحلة نادانا بشروطها وانا من شروطها.

____________________________

(1) الهفيف : سرعة السير والخفة (منه).

(2) هو زيد بن خالد الخزرجي من بني النجار. شهد القعبة وبدراً وسائر المشاهد وشهد مع امير المؤمنين مشاهده كلها وكان من خواص اصحابه. ولما غزا يزيد بن معاوية الروم اخذ معه ابا ايوب (تبركاً) وكان شيخاً هرماً فتوفي عند القسطنطنية فامر يزيد ان يدفن بالقرب من سورها وكانت وفاته سنة 50 خمسين.

(3) جمع عبء وهو الثقل.

(4) أي لا تعدل عنها.

190

وروى الصدوق ايضاً عن ابي الصلت الهروي، قال : لما خرج الرضا عليّ بن موسى (عليه السلام) من نيسابور إلى المأمون، فبلغ قرب القرية الحمراء، قيل له : يا ابن رسول اللّه قد زالت الشمس افلا تصلي فنزل (عليه السلام) فقال : إيتوني بماء فقيل ما معنا ماء فبحث (عليه السلام) بيده الأرض فنبع من الماء ما توضأ به هو ومن معه، واثره باق الى اليوم فلما دخل سناباد اسند الى الجبل الذي ينحت منه القدور، فقال : اللهم انفع به وبارك فيما ينحت منه ثم امر فنحت له قدور من الجبل، وقال لا يطبخ ما آكله الا فيها، وكان (عليه السلام) خفيف الأكل قليل الطعم(1) فاهتدى الناس اليه من ذلك اليوم وظهرت بركة دعائه (عليه السلام) فيه.

ثم دخل دار حميد بن قحطبة الطائي ودخل القبة التي فيها قبر هارون الرشيد ثم خط بيده الى جانبه، ثم قال : هذه تربتي وفيها ادفن وسيجعل اللّه هذا المكان مختلف شيعتي واهل محبتي واللّه ما يزورني منهم زائر، ولا يسلّم عليّ منهم مسلم، الا وجب له غفران اللّه ورحمته بشفاعتنا اهل البيت، ثم استقبل القبلة وصلّى ركعات ودعا بدعوات، فلما فرغ سجد سجدة طال مكثه فيها، فاحصيت له فيها خمسمائة تسبيحة ثم انصرف.

مهج الدعوات عن ياسر الخادم، قال : لما نزل ابو الحسن علي بن موسى الرضا (عليه السلام) قصر حميد بن قحطبة نزع ثيابه وناولها حميداً فاحتملها وناولها جارية له لتغسلها فما لبثت ان جاءت ومعها رقعة فناولتها حميداً، وقالت : وجدتها في جيب ابي الحسن ( عليه السلام) فقلت : جعلت فداك، ان الجارية وجدت رقعة في جيب قميصك فها هي، قال: يا حميد : هذه عوذة لا نفارقها فقلت لو شرفتني بها، فقال : هذه عوذة من امسكها في جيبه كان البلاء مدفوعاً عنه وكانت له حرزا من الشيطان الرجيم ثم املى على الحميد العوذة، وهي بسم اللّه الرحمن الرحيم بسم اللّه اني اعوذ بالرحمن منك الخ.

______________________

(1) كالخبز وزنا : الطعام.

191