فصل في علمه عليه السلام
روي عن محمد بن عيسى اليقطيني انه جمع من مسائله (عليه السلام) مما سأل عنه واجاب عنه خمسة عشر الف مسألة، وفي رواية اخرى ثمانية عشر الف مسألة.
الشيخ الطبرسي عن ابي الصلت قال : ما رأيت اعلم من عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام) ولا رآه عالم الا شهد له بمثل شهادتي، ولقد جمع المأمون في مجالس له ذوات عدد علماء الاديان وفقهاء الشريعة والمتكلمين فغلبهم عن آخرهم حتى ما بقي احد منهم الا اقر له بالفضل واقر على نفسه بالقصور، ولقد سمعت علي بن موسى الرضا (عليه السلام) يقول : كنت اجلس في الروضة والعلماء بالمدينة متوافرون فاذا اعيى الواحد منهم عن مسألة اشاروا اليّ باجمعهم وبعثوا الي بالمسائل فاجيب (فاجبت. ظ) عنها قال ابو الصلت : ولقد حدثني محمد بن اسحاق بن موسى بن جعفر عن ابيه ان موسى بن جعفر (عليه السلام) كان يقول لبنيه : هذا اخوكم عليّ بن موسى
184
عالم آل محمد (عليهم السلام) فاسألوه عن اديانكم واحفظوا ما يقول لكم، فانّي سمعت ابي جعفر بن محمد (عليه السلام) غير مرة يقول لي : ان عالم آل محمد (عليه السلام) لفي صلبك وليتني ادركته فانه سميُّ امير المؤمنين عليّ (عليه السلام).
قال شيخنا الصدوق (رحمه اللّه) كان المأمون يجلب إلى (علي ظ) الرضا (عليه السلام) من متكلمي الفرق واهل الاهواء المضلّة كل من سمع به، حرصاً على انقطاع الرضا (عليه السلام) عن الحجة مع واحد منهم وذلك حسداً منه له ولمنزلته من العلم فكان لا يكلمه احد الا اقر له بالفضل وألزم الحجة له عليه.
وروي عن علي بن محمد بن الجهم، قال : حضرت مجلس المأمون وعنده الرضا علي بن موسى (عليه السلام)، فقال له المأمون : يا ابن رسول اللّه اليس من قولك ان الانبياء معصومون، قال : بلى قال : فما معنى قول اللّه عز وجل وعصى آدم ربه فغوى فاجابه (عليه السلام) ثم سأله عن آية اخرى فاجابه فلم يزل يسأله ويجيبه (عليه السلام) الى ان قال عليّ بن محمد بن الجهم، فقام المأمون الى الصلاة واخذ بيد محمد بن جعفر بن محمد (عليه السلام) وكان حاضراً المجلس وتبعتهما قال له المأمون كيف رأيت ابن اخيك، فقال : عالم ولم نره يختلف الى أحد من اهل العلم، فقال المأمون : ان ابن اخيك من اهل بيت النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) الذين قال فيهم : الا ان ابرار عترتي واطايب ارومتي(1) احلم الناس صغاراً وأعلم الناس كباراً لا تعلّموهم فانهم اعلم منكم، لا يخرجونكم من باب هدى ولا يدخلونكم في باب ضلال وانصرف الرضا (عليه السلام) الى منزله، فلما كان من الغد غدوت عليه واعلمته ما كان من قول المأمون وجواب عمه محمد بن جعفر له فضحك ثم قال : يا ابن الجهم لا يغرنك ما سمعته منه فانه سيغتالني(2) واللّه ينتقم لي منه.
_____________________
(1) الارومة : اصل الشجرة.
(2) أي سيفتك بي ويقتلني غيلة.
185
وفي الدر النظيم عن يحيى بن اكثم قال كنت يوماً عند المأمون وعنده عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام) ودخل الفضل بن سهل ذو الرياستين فقال للمأمون : قد وليت الثغر الفلاني فلاناً التركي فسكت المأمون، فقال الرضا (عليه السلام) : ما جعل اللّه تعالى لإِمام المسلمين وخليفة رب العالمين القائم بامور الدين ان يولي شيئاً من ثغور المسلمين احداً من سبي ذلك الثغر، لأن الانفس تحن الى اوطانها، وتشفق على اجناسها، وتحب مصالحها وان كانت مخالفة لاديانها، فقال المأمون : اكتبوا هذا الكلام بماء الذهب.
اقول : من أراد أن يقف على بعض ما يخبر عن علمه (عليه السلام) فعليه بان يراجع الخطب المروية عنه (عليه السلام) واحتجاجه (عليه السلام) مع الجاثليق ورأس الجالوت ورؤساء الصابئين والهربذ الأكبر واصحاب الزردشت ونسطاس الرومي والمتكلمين في مجلس المأمون وجوابه (عليه السلام) لاسئلة عمران الصابيء واسلام عمران ببركته، وكان عمران جدلاً لم يقطعه عن حجته احد قط واحتجاجه (عليه السلام) على سليمان المروزي واحد خراسان وغير ذلك(1).
ومن كلماته (عليه السلام)، صديق كل امرئ عقله وعدوه جهله. وقال (عليه السلام) : التودد الى الناس نصف العقل.
وقال : ان اللّه تعالى يبغض القيل والقال واضاعة المال وكثرة السؤال. وقال : إنا اهل بيت نرى ما وعدنا علينا ديناً كما صنع رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) : وقال : يأتي على الناس زمان تكون العافية فيه عشرة اجزاء تسعة منها في اعتزال الناس وواحد في الصمت.
وقال عونك للضعيف افضل من الصدقة وقال الصمت باب من ابواب الحكمة ان الصمت يكسب المحبة، انه دليل على كل خير.
_____________________________
(1) راجع الاحتجاج للشيخ الطبرسي وبحار الأنوار للعلامة المجلسي ج 12 و4.
186
وقال ان العابد من بني اسرائيل لم يكن عابداً حتى يصمت عشر سنين فاذ صمت عشر سنين كان عابداً.
وقال من رضي عن اللّه تعالى بالقليل من الرزق رضي اللّه منه بالقليل من العمل. وقال الاسترسال بالانس يذهب المهابة.
عن عبد العظيم الحسني (رضي اللّه عنه) عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال : يا عبد العظيم ابلغ عنّي اوليائي السلام وقل لهم ان لا يجعلوا للشيطان على انفسهم سبيلاً، ومرهم بالصدق في الحديث واداء الامانة، ومرهم بالسكوت وترك الجدال فيما لا يعنيهم واقبال بعضهم على بعض والمزاورة فان ذلك قربة إليَّ ولا يشغلوا انفسهم بتمزيق(1) بعضهم بعضاً فانّي آليت على نفسي انه من فعل ذلك واسخط وليّاً من اوليائي دعوت اللّه ليعذبه في الدنيا أشد العذاب وكان في الآخرة من الخاسرين.
_____________________
(1) أي بشق اعراضهم والطعن فيها.