فهرس الكتاب

مكتبة أهل البيت (ع)

مكتبة الموقع

 

فصل في وفاة الإِمام الحسن عليه السلام

توفي الحسن بن علي (عليه السلام) بالسّم، يوم الخميس السابع من صفر سنة تسع واربعين، وكان ابن سبع واربعين، وقيل في الثامن والعشرين منه، وقيل في آخر صفر، ودفن بالبقيع من المدينة.

الكليني، عن ابي بكر الخضرمي، قال : ان جعدة بنت الاشعث بن قيس الكندي سمَّت الحسن بن عليّ (عليه السلام) وسمَّت مولاة له، فأما

78

مولاته فقاءت السم، واما الحسن فاستمسك في بطنه ثم انتفط(1) به، فمات.

قلت : جعدة بنت الأشعث بن قيس، كانت ابنة ام فروة، اخت ابي بكر بن ابي قحافة.

رُوي ان معاوية بذل لها عشرة آلاف دينار، واقطاع عشرة ضياع من سقي سوراء(2) وسواد الكوفة على ان تسم الحسن (عليه السلام).

وقال الشيخ المفيد ضمن معاوية ان يزوجها بابنه يزيد، وأرسل اليها معاوية الف درهم، فسقته جعدة السم، فبقي اربعين يوماً مريضاً، ومضى لسبيله في صفر.

وذكر ابو الفرج في مقاتل الطالبيين ان الحسن بن عليّ (عليه السلام) بعد صلحه لمعاوية انصرف الى المدينة، فأقام بها وأراد معاوية البيعة لابنه يزيد، فلم يكن شيء اثقل عليه من امر الحسن بن علي (عليه السلام)، وسعد بن (3) أبي وقاص، فدس اليهما سما فماتا منه.

الاحتجاج، عن الاعمش، عن سالم بن ابي الجعد، قال : حدثني رجل منا قال : اتيت الحسن بن علي (عليه السلام)، فقلت : يا ابن رسول اللّه اذللت رقابنا وجعلتنا معشر الشيعة عبيداً، ما بقي معك رجل، قال : ومم ذاك قال : قلت : بتسليمك الأمر لهذا الطاغية(4) قال : واللّه ما سلّمت الأمر اليه الا أني لم اجد انصاراً، ولو وجدت انصاراً لقاتلته ليلي ونهاري حتى

__________________

(1) نفط القدر (بالكسر) أي غلت، نفط يده : قرحت او تجمع فيها بين الجلد واللحم.

(2) سوراء : بالمد والضم : موضع. قيل في جنب بغداد و يروى بالقصر (مراصد الاطلاع).

(3) من اصحاب رسول اللّه. وكان من العشرة المبشرة بالجنة بزعمهم وكان فاتح فارس على عهد عمر. والرجل وان لم يبايع علياً الا انه لم يسبه وقد دعاه اليه معاوية مراراً. فخالفه واعلن بفضائل أمير المؤمنين (عليه السلام).

(4) يعني به معاوية.

79

يحكم اللّه بيني وبينه. ولكني عرفت اهل الكوفة وبلوتهم(1)، ولا يصلح لي منهم ما كان فاسداً، انهم لا وفاء لهم، ولا ذمة(2) في قول ولا فعل، إنهم لمختلفون، ويقولون لنا : ان قلوبهم معنا وان سيوفهم لمشهورة(3) علينا، قال : وهو يكلمني : اذ تنخع الدم فدعا بطست، فحمل من بين يديه ملآن مما خرج من جوفه من الدم، فقلت له : ما هذا يا ابن رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) اني لأراك وجعاً قال أجل، دسّ إليّ هذا الطاغية من سقاني سمّاً، فقد وقع على كبدي فهو يخرج قطعاً كما ترى، قلت له : افلا تتداوى قال : قد سقاني مرتين وهذه الثالثة لا اجد لها دواء.

وروى الثقة الجليل عليّ بن محمد الخزاز القمي بسنده عن جنادة بن أبي اميّة، قال : دخلت على الحسن بن عليّ بن ابي طالب (عليه السلام) في مرضه الذي توفّي فيه، وبين يديه طست يقذف عليه الدم، ويخرج كبده قطعة قطعة من السم الذي اسقاه معاوية، فقلت : يا مولاي مالك لا تعالج نفسك فقال : يا عبد اللّه بماذا اعالج الموت، قلت : انا للّه وإنا اليه راجعون. ثم التفت اليّ فقال : واللّه لقد عهد الينا رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) ان هذا الامر يملكه اثنا عشر اماماً من ولد عليّ وفاطمة، ما منا الا مسموم او مقتول. ثم رُفعت الطست وبكى قال، فقلت له : عظني يا ابن رسول اللّه قال : نعم استعد لسفرك وحصّل زادك قبل حلول اجلك، واعلم انك تطلب الدنيا والموت يطلبك، ولا تحمل هم يومك الذي لم يأت على يومك الذي انت فيه، وساق الكلام في ذكر موعظته (عليه السلام) الى أن قال : ثم انقطع نفسه واصفر لونه حتى خشيت عليه ودخل الحسين (عليه السلام)، والاسود بن ابي الاسود، فانكب(4)، عليه حتى قبّل رأسه وعينيه، ثم قعد عنده فتسارا جميعاً، فقال ابو الأسود : إنا للّه ان الحسن قد نُعَيت اليه نفسه، وقد أوصى الى الحسين (عليه السلام)، وتوفّي يوم

_____________________________

(1) أي امتحنتهم.

(2) أي الامان والعهد.

(3) شهر سيفه: أي اخرجه من الغمد.

(4) أي لزمه.

80

الخميس في آخر صفر سنة خمسين من الهجرة وله سبعة واربعون سنة ودفن بالبقيع انتهى.

قلت : ومما اوصى (عليه السلام) الى اخيه الحسين (عليه السلام) ان قال : اذا انا متُّ فهيئني ثم وجهني الى قبر جدّي رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) لأجدّد به عهداً، ثم ردني الى قبر جدتي فاطمة(1) فادفني هناك، وستعلم يا ابن امي ان القوم يظنون انكم تريدون دفني عند رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) فيجلبون(2) في ذلك ويمنعونك منه، وباللّه اقسم عليك ان تهرق في امري محجمة(3) دم، ثم وصى اليه باهله وولده، وتركاته، وما كان وصى اليه أمير المؤمنين (عليه السلام)، حين استخلفه، فلما قبض (سلام اللّه عليه) غسله(4) الحسين (عليه السلام) وكفنه وحمله على سريره وانطلق به الى مصلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) الذي كان يصلي فيه على الجنائز، فصلى عليه ولم يشك مروان ومن معه من بني امية انهم سيدفنونه عند رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) فتجمعوا ولبسوا السلاح فلما توجه به الحسين (عليه السلام) الى قبر جده رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم)، ليجدد به عهداً، اقبلوا اليه في جمعهم ولحقتهم الحميراء، على بغل، وهي تقول : مالي ولكم تريدون ان تدخلوا بيتي من لا أحبُّ، نحُّوا ابنكم عن بيتي فانه لا يدفن فيه شيء ولا يهتك على رسول اللّه حجابه :

منعته عن حرم النَّبي ضلالةً*** وهو ابنهُ فلأيِّ امر يمنعُ

فكأنه روحُ النبَّي وقد رأت*** بالبعد بينهما العلائق تقطعُ

______________________

(1) أي فاطمة بنت الاسد يعني ام ابيه أمير المؤمنين.

(2) أي يتوعدون بالشر.

(3) الة الحجامة وهي شيء كالكأس يفرغ من الهواء ويوضع على الجلد فيحدث فيه تهيجاً ويجذب الدم بقوة.

(4) وفي كشف الغمة ولي غسله الحسين عليه السلام ومحمد والعباس واخوته وصلى عليه سعيد بن العاص.

81

فقال لها الحسين (عليه السلام): قديما هتكت انت وابوك حجاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم)، وأدخلت بيته من لا يحب رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) قربه، وان اللّه تعالى يسألك عن ذلك، وجعل مروان يقول: يا رب هيجاء هي خير من دعة ايدفن عثمان في اقصى المدينة، ويدفن الحسن مع النبي، لا يكون ذلك ابدا، وانا(1) احمل السيف، وكادت الفتنة ان تقع بين بني هاشم وبين بني امية، فبادر ابن عباس الى مروان فقال له: ارجع يا مروان من حيث جئت فإنّا ما نريد دفن صاحبنا عند رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) ولكنا نريد ان نجدد به عهداً بزيارته ثم نرده الى جدته فاطمة فندفنه عندها بوصيته بذلك، ولو كان اوصى بدفنه مع النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) لعلمت انك اقصر باعاً من ردنا عن ذلك لكنه كان أعلم باللّه وبرسوله وبحرمة قبره من ان يطرق عليه هدما كما طرق ذلك غيره، ودخل بيته بغير اذنه، وفي المناقب ورموا(2) بالنبال جنازته حتى سل(3) منها سبعون نبلاً.

وفي زيارة امير المؤمنين: وانتم بين صريع في المحراب قد فلق السيف هامته(4) وشهيد فوق الجنازة قد شكت بالسهام اكفانه وقتيل بالعراء(5) قد رفع فوق القناة رأسه ومكبل(6) في السجن قد رضّت(7) بالحديد اعضاؤه ومسموم قد قطعت بجرعة السم امعاؤه.

(اقول شكت بالشين بعدها الكاف أي خرقت وشبكت بالموحدة بينهما تصحيف، ففي الحديث ان رجلا دخل بيته فوجد حية فشكها بالرمح أي خرقها وانتظمها به).

__________________________

(1) لفظ الواو هنا للحال.

(2) الواو للعطف على ما سبق.

(3) سل الشيء من الشيء: انتزعه واخرجه برفق.

(4) الهامة: راس كل شيء وتطلق على الجثة.

(5) العراء: الفضاء لا يستتر بشيء.

(6) أي مقيد. والكبل بالفتح او الكسر: القيد، او اعظم ما يكون من القيد.

(7) أي دقت.

82

«وقال الشاعر في رثاء الحسن (عليه السلام)»:

نعش له الروحُ الأمينُ مشيِّع*** وغدت به زمرُ الملائكِ تخضعُ

نَثَلوا له حقد الصدورِ فما يُرى*** منها لِقوس بالكنانةِ منزعُ

ورموا جنازتَه فعادَ وجسمُهُ*** غرض لراميةِ السهامِ وموقعُ

شكّوة حتى اصبحت من نعشهِ*** تستلُّ غاشيةُ النبالِ وتنزعُ

روى المسعودي في مروج الذهب عن أهل البيت (عليهم السلام)، انه لما دفن الحسن (عليه السلام)، وقف محمد بن الحنفية اخوه على قبره فقال: ابا محمد لئن طابت حياتك، لقد فجع مماتك، وكيف لا تكون كذلك وانت خامس اهل الكساء، وابن محمد المصطفى، وابن عليّ المرتضى، وابن فاطمة الزهراء، وابن شجرة طوبى ثم انشأ يقول:

ءأدَهن رأسي ام تطيب مجالسي*** وخدك معفور(3) وأنت سليبُ(4)

ءاَشرب ماءَ المزنِ(5) من غير مائِهِ*** وقد ضمن الاحشاءَ منكَ لهيبُ

سأبكيكَ ما ناحتْ حمامةُ ايكةٍ(6)*** وما اخضرّ في دوح(7) الحجازِ قضيبُ(8)

غريب(9) واكناف الحجازِ تحوطهُ*** الا كلّ من تحت الترابِ غريبُ

وفي المناقب، وقال الحسين (عليه السلام) لما وضع الحسن (عليه السلام) في لحده:

ءَاَدهن رأسي ام اطيب محاسني*** ورأسك معفور وأنت سليب

_________________

(1) أي مجعول عليه التراب ومغبرة به.

(2) أي مأخوذ عنا.

(3) أي السحاب.

(4) الشجر الكثير الاغصان.

(5) الشجرد العظيمة او البيت الضخم. والمراد هنا الروض.

(6) الشجرة الرطبة.

(7) أي انت غريب.

83

الحميري عن جعفر عن ابيه (عليهما السلام)، قال: ان الحسين بن عليّ (عليه السلام) كان يزور قبر الحسن (عليه السلام) في كل عشية جمعة.

وروى الشيخ في يَب، انه قال الحسن بن عليّ (عليه السلام): يا رسول اللّه ما لمن زارنا، قال: من زارني حياً او ميتاً او زار اباك حيّاً او ميتاً او زار اخاك حياً او ميتاً او زارك حيّاً او ميتاً كان حقاً عليَّ ان استنقذه يوم القيامة، الى آخره.

84