|
تمهيد
مسألة: من أكبر الأدلة على وجود الله وعظمته وقدرته هو الإنسان بما اشتمل عليه من عجائب الخلق، فقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (من عرف نفسه فقد عرف ربه)(1). وما توصل إليه العلم الحديث والطب من غرائب وجود الإنسان فلا يقاس بما يجهلونه، فإنه أكثر بكثير، حتى كتبوا كتباً بعنوان (الإنسان ذلك المجهول). قال تعالى: (نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلاَ تُصَدِّقُونَ * أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ * ءأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ)(2). وقال سبحانه: (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ)(3). وقال تعالى: (إِنَّا خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً)(4). وقال سبحانه: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ علَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأكْرَمُ * الذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ)(5). وقال تعالى: (لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ)(6). وقال سبحانه: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلاَئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ)(7). وقال تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ سُلاَلَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ)(8). وقال سبحانه: (وَاللهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجاً وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلاَ تَضَعُ إِلاَ بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلاَ يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ)(9). وقال تعالى: (خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الأنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاَثٍ ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لاَ إِلَهَ إِلاَ هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ)(10). وقال سبحانه: (هُوَ الذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلاً مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * هُوَ الذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)(11). وقال تعالى: (اللهُ الذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ)(12). وقال سبحانه: (أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ * فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ * فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ)(13). وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً)(14). وقال سبحانه (هُوَ الذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ)(15). وقال عزوجل: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ * وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)(16). وقال تعالى: (الذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى* كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَاتٍ لأُولِي النُّهَى * مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى * وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى)(17). وقال سبحانه: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الأرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير)(18). وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)(19). وقال سبحانه: (أَوَلَمْ يَرَ الإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ * وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ * الذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ * أَوَلَيْسَ الذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلاَقُ الْعَلِيمُ * إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * فَسُبْحَانَ الذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)(20). وقال تعالى: (إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لاَزِبٍ)(21). وقال سبحانه: (وَيَقُولُ الإِنْسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً * أَوَلاَ يَذْكُرُ الإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً)(21). وقال تعالى: (وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً)(22). إلى غيرها من الآيات. في صفة الخلق وقد قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في خطبة له في صفة خلق الإنسان: (أم هذا الذي أنشأه في ظلمات الأرحام وشغف الأستار، نطفةً دهاقاً، وعلقةً محاقاً، وجنيناً وراضعاً، ووليداً ويافعاً، ثمّ منحه قلباً حافظاً، ولساناً لافظاً، وبصراً لاحظاً، ليفهم معتبراً، ويقصّر مزدجراً، حتى إذا قام اعتداله، واستوى مثاله، نفر مستكبراً، وخبط سادراً، ماتحاً في غرب هواه، كادحاً سعياً لدنياه، في لذات طربه، وبدوات أربه، ثمّ لايحتسب رزيّةً، ولا يخشع تقيّةً، فمات في فتنته غريراً، وعاش في هفوته يسيراً، لم يفد عوضاً، ولم يقض مفترضاً، دهمته فجعات المنيّة، في غبّر جماحه وسنن مراحه، فظلّ سادراً، وبات ساهراً، في غمرات الآلام، وطوارق الأوجاع والأسقام، بين أخ شقيق، ووالد شفيق، وداعية بالويل جزعاً، ولادمة للصّدر قلقاً، والمرء في سكرة ملهثة، وغمرة كارثة، وأنّة موجعة، وجذبة مكربة، وسوقة متعبة، ثمّ أدرج في أكفانه مبلساً، وجذب منقاداً سلساً، ثمّ ألقي على الأعواد، رجيع وصب، ونضو سقم، تحمله حفدة الولدان، وحشدة الإخوان، إلى دار غربته، ومنقطع زورته، ومفرد وحشته، حتّى إذا انصرف المشيّع، ورجع المتفجّع، أقعد في حفرته نجيّاً، لبهتة السّؤال، وعثرة الامتحان، وأعظم ما هنالك بليّةً نزول الحميم، وتصلية الجحيم، وفورات السّعير، وسورات الزّفير، لا فترة مريحة، ولا دعة مزيحة، ولا قوّة حاجزة، ولا موتة ناجزة، ولا سنة مسلّية، بين أطوار الموتات، وعذاب السّاعات، إنّا باللّه عائذون، عباد اللّه أين الذين عمّروا فنعموا، وعلّموا ففهموا، وأنظروا فلهوا، وسلّموا فنسوا، أمهلوا طويلاً، ومنحوا جميلاً، وحذّروا أليماً، ووعدوا جسيماً، احذروا الذّنوب المورّطة، والعيوب المسخطة، أولي الأبصار والأسماع والعافية والمتاع، هل من مناص أو خلاص، أو معاذ أو ملاذ، أو فرار أو محار، أم لا، فأنّى تؤفكون، أم أين تصرفون، أم بما ذا تغترّون، وإنّما حظّ أحدكم من الأرض ذات الطّول والعرض، قيد قدّه متعفّراً على خدّه، الآن عباد اللّه والخناق مهمل، والرّوح مرسل، في فينة الإرشاد، وراحة الأجساد، وباحة الاحتشاد، ومهل البقيّة، وأنف المشيّة، وإنظار التّوبة، وانفساح الحوبة، قبل الضّنك والمضيق، والرّوع والزّهوق، وقبل قدوم الغائب المنتظر، وإخذة العزيز المقتدر)(23). قال الشريف الرضي(رحمه الله): وفي الخبر أنه(عليه السلام) لما خطب بهذه الخطبة اقشعرت لها الجلود وبكت العيون ورجفت القلوب ومن الناس من يسمي هذه الخطبة الغراء. من حديث المفضل قال الإمام الصادق (عليه السلام) لمفضل(24): (نبتدئ يا مفضل بذكر خلق الإنسان فاعتبر به، فأول ذلك ما يدبر به الجنين في الرحم وهو محجوب في ظلمات ثلاث: ظلمة البطن وظلمة الرحم وظلمة المشيمة، حيث لا حيلة عنده في طلب غذاء ولا دفع أذى ولا استجلاب منفعة ولا دفع مضرة، فإنه يجري إليه من دم الحيض ما يغذوه كما يغذو الماء النبات، فلا يزال ذلك غذاؤه حتى إذا كمل خلقه واستحكم بدنه، وقوي أديمه على مباشرة الهواء، وبصره على ملاقاة الضياء، هاج الطلق بأمه فأزعجه أشد إزعاج وأعنفه حتى يولد، وإذا ولد صرف ذلك الدم الذي كان يغذوه من دم أمه إلى ثدييها، فانقلب الطعم واللون إلى ضرب آخر من الغذاء، وهو أشد موافقة للمولود من الدم، فيوافيه في وقت حاجته إليه، فحين يولد قد تلمظ وحرك شفتيه طلبا للرضاع، فهو يجد ثديي أمه كالإداوتين المعلقتين لحاجته إليه، فلا يزال يغتذي باللبن ما دام رطب البدن، رقيق الأمعاء، لين الأعضاء، حتى إذا تحرك واحتاج إلى غذاء فيه صلابة، ليشتد ويقوى بدنه، طلعت له الطواحن من الأسنان والأضراس، ليمضغ به الطعام فيلين عليه ويسهل له إساغته، فلا يزال كذلك حتى يدرك، فإذا أدرك وكان ذكرا طلع الشعر في وجهه فكان ذلك علامة الذكر، وعز الرجل الذي يخرج به من حد الصباء وشبه النساء، وإن كانت أنثى يبقى وجهها نقيا من الشعر لتبقى لها البهجة والنضارة التي تحرك الرجال لما فيه دوام النسل وبقاؤه. اعتبر يا مفضل اعتبر يا مفضل فيما يدبر به الإنسان في هذه الأحوال المختلفة، هل ترى يمكن أن يكون بالإهمال، أ فرأيت لو لم يجر إليه ذلك الدم وهو في الرحم ألم يكن سيذوى ويجف كما يجف النبات إذا فقد الماء، ولو لم يزعجه المخاض عند استحكامه ألم يكن سيبقى في الرحم كالموءود في الأرض، ولو لم يوافقه اللبن مع ولادته ألم يكن سيموت جوعا أو يغتذي بغذاء لا يلائمه ولا يصلح عليه بدنه، ولو لم تطلع عليه الأسنان في وقتها أ لم يكن سيمتنع عليه مضغ الطعام وإساغته أو يقيمه على الرضاع فلا يشد بدنه ولا يصلح لعمل، ثم كان تشتغل أمه بنفسه عن تربية غيره من الأولاد، ولو لم يخرج الشعر في وجهه في وقته أ لم يكن سيبقى في هيئة الصبيان والنساء فلا ترى له جلالة ولا وقارا. فقال المفضل: فقلت: يا مولاي فقد رأيت من يبقى على حالته ولا ينبت الشعر في وجهه وإن بلغ حال الكبر؟ فقال: ذلك بما قدمت أيديهم وإن الله ليس بظلام للعبيد، فمن هذا الذي يرصده حتى يوافيه بكل شيء من هذه المآرب إلا الذي أنشأه خلقا بعد أن لم يكن، ثم توكل له بمصلحته بعد أن كان، فإن كان الإهمال يأتي بمثل هذا التدبير فقد يجب أن يكون العمد والتقدير يأتيان بالخطأ والمحال، لأنهما ضد الإهمال وهذا فظيع من القول وجهل من قائله، لأن الإهمال لا يأتي بالصواب والتضاد لايأتي بالنظام، تعالى الله عما يقول الملحدون علوا كبيرا. ولو كان المولود يولد فهما عاقلا لأنكر العالم عند ولادته، ولبقي حيران تائه العقل إذا رأى ما لم يعرف، وورد عليه ما لم ير مثله، من اختلاف صور العالم من البهائم والطير إلى غير ذلك مما يشاهده ساعة بعد ساعة، ويوما بعد يوم. واعتبر ذلك بأن من سبي من بلد إلى بلد وهو عاقل يكون كالواله الحيران، فلا يسرع في تعلم الكلام وقبول الأدب كما يسرع الذي يسبى صغيرا غير عاقل، ثم لو ولد عاقلا كان يجد غضاضة إذا رأى نفسه محمولا مرضعا معصبا بالخرق مسجى في المهد لأنه لا يستغني عن هذا كله، لرقة بدنه ورطوبته حين يولد، ثم كان لا يوجد له من الحلاوة والوقع من القلوب ما يوجد للطفل، فصار يخرج إلى الدنيا غبيا غافلا عما فيه أهله، فيلقى الأشياء بذهن ضعيف ومعرفة ناقصة، ثم لايزال يتزايد في المعرفة قليلا قليلا وشيئا بعد شيء وحالا بعد حال حتى يألف الأشياء ويتمرن ويستمر عليها، فيخرج من حد التأمل لها والحيرة فيها إلى التصرف والاضطراب، إلى المعاش بعقله وحيلته، وإلى الاعتبار والطاعة والسهو والغفلة والمعصية، وفي هذا أيضا وجوه أخر، فإنه لو كان يولد تام العقل مستقلا بنفسه لذهب موضع حلاوة تربية الأولاد، وما قدر أن يكون للوالدين في الاشتغال بالولد من المصلحة، وما يوجب تربية للآباء على الأبناء من المكلفات بالبر والعطف عليهم عند حاجتهم إلى ذلك منهم، ثم كان الأولاد لا يألفون آباءهم ولا يألف الآباء أبناءهم لأن الأولاد كانوا يستغنون عن تربية الآباء وحياطتهم فيتفرقون عنهم حين يولدون، فلا يعرف الرجل أباه وأمه ولا يمتنع من نكاح أمه وأخته وذوات المحارم منه إذا كان لا يعرفهن، وأقل ما في ذلك من القباحة بل هو أشنع وأعظم وأفظع وأقبح وأبشع لو خرج المولود من بطن أمه وهو يعقل أن يرى منها ما لا يحل له ولا يحسن به أن يراه، أ فلا ترى كيف أقيم كل شيء من الخلقة على غاية الصواب وخلا من الخطأ دقيقه وجليله. بكاء الطفل اعرف يا مفضل ما للأطفال في البكاء من المنفعة، واعلم أن في أدمغة الأطفال رطوبة إن بقيت فيها أحدثت عليهم أحداثا جليلة وعللا عظيمة من ذهاب البصر وغيره، فالبكاء يسيل تلك الرطوبة من رؤوسهم فيعقبهم ذلك الصحة في أبدانهم والسلامة في أبصارهم، أ فليس قد جاز أن يكون الطفل ينتفع بالبكاء ووالداه لا يعرفان ذلك فهما دائبان ليسكتاه ويتوخيان في الأمور مرضاته لئلا يبكي، وهما لا يعلمان أن البكاء أصلح له وأجمل عاقبة، فهكذا يجوز أن يكون في كثير من الأشياء منافع لا يعرفها القائلون بالإهمال ولو عرفوا ذلك لم يقضوا على الشيء أنه لا منفعة فيه من أجل أنهم لا يعرفونه ولا يعلمون السبب فيه، فإن كل ما لا يعرفه المنكرون يعلمه العارفون، وكثير مما يقصر عنه علم المخلوقين محيط به علم الخالق جل قدسه وعلت كلمته. الريق فأما ما يسيل من أفواه الأطفال من الريق، ففي ذلك خروج الرطوبة التي لو بقيت في أبدانهم لأحدثت عليهم الأمور العظيمة، كمن تراه قد غلبت عليه الرطوبة فأخرجته إلى حد البله والجنون والتخليط إلى غير ذلك من الأمراض المختلفة كالفالج واللقوة وما أشبههما، فجعل الله تلك الرطوبة تسيل من أفواههم في صغرهم لما لهم في ذلك من الصحة في كبرهم، فتفضل على خلقه بما جهلوه، ونظر لهم بما لم يعرفوه، ولو عرفوا نعمه عليهم لشغلهم ذلك عن التمادي في معصيته، فسبحانه ما أجل نعمته وأسبغها على المستحقين وغيرهم من خلقه، وتعالى عما يقول المبطلون علوا كبيرا. آلات الجماع انظر الآن يا مفضل كيف جعلت آلات الجماع في الذكر والأنثى جميعا على ما يشاكل ذلك، فجعل للذكر آلة ناشزة تمتد حتى تصل النطفة إلى الرحم، إذ كان محتاجا إلى أن يقذف ماءه في غيره، وخلق للأنثى وعاء قعر ليشتمل على الماءين جميعا ويحتمل الولد ويتسع له ويصونه حتى يستحكم، أ ليس ذلك من تدبير حكيم لطيف سبحانه وتعالى عما يشركون. أعضاء البدن فكر يا مفضل في أعضاء البدن أجمع، وتدبير كل منها للإرب، فاليدان للعلاج، والرجلان للسعي، والعينان للاهتداء، والفم للاغتذاء، والمعدة للهضم، والكبد للتخليص، والمنافذ لتنفيذ الفضول، والأوعية لحملها، والفرج لإقامة النسل، وكذلك جميع الأعضاء إذا تأملتها وأعملت فكرك فيها ونظرك وجدت كل شيء منها قد قدر لشيء على صواب وحكمة. علم الخالق وقدرته قال المفضل: فقلت: يا مولاي إن قوما يزعمون أن هذا من فعل الطبيعة؟ فقال: سلهم عن هذه الطبيعة أهي شيء له علم وقدرة على مثل هذه الأفعال، أم ليست كذلك، فإن أوجبوا لها العلم والقدرة، فما يمنعهم من إثبات الخالق فإن هذه صنعته، وإن زعموا أنها تفعل هذه الأفعال بغير علم ولا عمد وكان في أفعالها ما قد تراه من الصواب والحكمة علم أن هذا الفعل للخالق الحكيم وأن الذي سموه طبيعة هو سنة في خلقه الجارية على ما أجراها عليه. الغذاء ووصوله إلى البدن فكر يا مفضل في وصول الغذاء إلى البدن وما فيه من التدبير، فإن الطعام يصير إلى المعدة فتطبخه وتبعث بصفوة إلى الكبد، في عروق رقاق واشجة بينها قد جعلت كالمصفي للغذاء، لكيلا يصل إلى الكبد منه شيء فينكاها، وذلك أن الكبد رقيقة لا تحتمل العنف، ثم إن الكبد تقبله فيستحيل بلطف التدبير دما وينفذ إلى البدن كله في مجاري مهيئة لذلك بمنزلة المجاري التي تهيأ للماء حتى يطرد في الأرض كلها وينفذ ما يخرج منه من الخبث والفضول إلى مفايض قد أعدت لذلك، فما كان منه من جنس المرة الصفراء جرى إلى المرارة، وما كان من جنس السوداء جرى إلى الطحال، وما كان من البلة والرطوبة جرى إلى المثانة، فتأمل حكمة التدبير في تركيب البدن ووضع هذه الأعضاء منه مواضعها، وإعداد هذه الأوعية فيه لتحمل تلك الفضول لئلا تنتشر في البدن فتسقمه وتنهكه، فتبارك من أحسن التقدير وأحكم التدبير وله الحمد كما هو أهله ومستحقه. نمو الأبدان قال المفضل: فقلت: صف نشوء الأبدان ونموها حالا بعد حال حتى تبلغ التمام والكمال. فقال(عليه السلام): أول ذلك تصوير الجنين في الرحم، حيث لا تراه عين ولا تناله يد ويدبره حتى يخرج سويا مستوفيا جميع ما فيه قوامه وصلاحه من الأحشاء والجوارح والعوامل إلى ما في تركيب أعضائه من العظام واللحم والشحم والمخ والعصب والعروق والغضاريف، فإذا خرج إلى العالم تراه كيف ينمي بجميع أعضائه وهو ثابت على شكل وهيئة لا تتزايد ولا تنقص، إلى أن يبلغ أشده إن مد في عمره أو يستوفي مدته قبل ذلك، هل هذا إلا من لطيف التدبير والحكمة. من خواص الإنسان يا مفضل انظر إلى ما خص به الإنسان في خلقه تشريفا وتفضيلا على البهائم، فإنه خلق ينتصب قائما ويستوي جالسا، ليستقبل الأشياء بيديه وجوارحه، ويمكنه العلاج والعمل بهما، فلو كان مكبوبا على وجهه كذات الأربع لما استطاع أن يعمل شيئا من الأعمال. حواس الإنسان انظر الآن يا مفضل إلى هذه الحواس التي خص بها الإنسان في خلقه وشرف بها على غيره، كيف جعلت العينان في الرأس كالمصابيح فوق المنارة ليتمكن من المطالعة الأشياء، ولم تجعل في الأعضاء التي تحتهن كاليدين والرجلين فتعرضها الآفات وتصيبها من مباشرة العمل والحركة ما يعللها ويؤثر فيها وينقص منها، ولا في الأعضاء التي وسط البدن كالبطن والظهر فيعسر تقلبها واطلاعها نحو الأشياء، فلما لم يكن لها في شيء من هذه الأعضاء موضع كان الرأس أسنى المواضع للحواس وهو بمنزلة الصومعة لها، فجعل الحواس خمسا تلقى خمسا لكي لا يفوتها شي من المحسوسات، فخلق البصر ليدرك الألوان فلو كانت الألوان ولم يكن بصر يدركها لم يكن منفعة فيها، وخلق السمع ليدرك الأصوات فلو كانت الأصوات ولم يكن سمع يدركها لم يكن فيها إرب، وكذلك سائر الحواس. ثم هذا يرجع متكافئا فلو كان بصر ولم يكن ألوان لما كان للبصر معنى، ولو كان سمع ولم يكن أصوات لم يكن للسمع موضع، فانظر كيف قدر بعضها يلقى بعضا، فجعل لكل حاسة محسوسا يعمل فيه، ولكل محسوس حاسة تدركه، ومع هذا فقد جعلت أشياء متوسطة بين الحواس والمحسوسات لا يتم الحواس إلا بها، كمثل الضياء والهواء، فإنه لو لم يكن ضياء يظهر اللون للبصر لم يكن البصر يدرك اللون، و لو لم يكن هواء يؤدي الصوت إلى السمع لم يكن السمع يدرك الصوت، فهل يخفى على من صح نظره وأعمل فكره أن مثل هذا الذي وصفت من تهيئة الحواس والمحسوسات بعضها يلقى بعضا وتهيئة أشياء أخر بها تتم الحواس لا يكون إلا بعمد وتقدير من لطيف خبير. من عدم الحواس فكر يا مفضل فيمن عدم البصر من الناس وما يناله من الخلل في أموره، فإنه لا يعرف موضع قدمه ولا يبصر ما بين يديه، فلا يفرق بين الألوان وبين المنظر الحسن والقبيح، ولا يرى حفرة إن هجم عليها، ولا عدوا إن أهوى إليه بسيف، ولا يكون له سبيل إلى أن يعمل شيئا من هذه الصناعات مثل الكتابة والتجارة والصياغة، حتى أنه لولا نفاذ ذهنه لكان بمنزلة الحجر الملقى. وكذلك من عدم السمع يختل في أمور كثيرة، فإنه يفقد روح المخاطبة والمحاورة، ويعدم لذة الأصوات واللحون الشجية المطربة، ويعظم المؤونة على الناس في محاورته حتى يتبرموا به، ولا يسمع شيئا من أخبار الناس وأحاديثهم حتى يكون كالغائب وهو شاهد، أو كالميت وهو حي. فأما من عدم العقل فإنه يلحق بمنزلة البهائم، بل يجهل كثيرا مما يهتدي إليه البهائم، أفلا ترى كيف صارت الجوارح والعقل وسائر الخلال التي بها صلاح الإنسان والتي لو فقد منها شيئا لعظم ما يناله في ذلك من الخلل يوافي خلقه على التمام حتى لا يفقد شيئا منها فلم كان كذلك إلا لأنه خلق بعلم وتقدير. قال المفضل: فقلت: فلم صار بعض الناس يفقد شيئا من هذه الجوارح فيناله في ذلك مثل ما وصفته يا مولاي؟ قال(عليه السلام) : ذلك للتأديب والموعظة لمن يحل ذلك به ولغيره بسببه، كما قد يؤدب الملوك الناس للتنكيل والموعظة فلا تنكر ذلك عليهم، بل يحمد من رأيهم ويصوب من تدبيرهم، ثم للذين ينزل بهم هذه البلايا من الثواب بعد الموت أن شكروا وأنابوا ما يستصغرون معه ما ينالهم منها، حتى أنهم لو خيروا بعد الموت لاختاروا أن يردوا إلى البلايا ليزدادوا من الثواب. تعداد الأعضاء فكر يا مفضل في الأعضاء التي خلقت أفرادا وأزواجا وما في ذلك من الحكمة والتقدير والصواب في التدبير، فالرأس مما خلق فردا ولم يكن للإنسان صلاح في أن يكون أكثر من واحد، أ لا ترى أنه لو أضيف إلى رأس الإنسان رأس آخر لكان ثقلا عليه من غير حاجة إليه، لأن الحواس التي يحتاج إليها مجتمعة في رأس واحد، ثم كان الإنسان ينقسم قسمين لو كان له رأسان، فإن تكلم من أحدهما كان الآخر معطلا لا إرب فيه ولا حاجة إليه، وإن تكلم منهما جميعا بكلام واحد كان أحدهما فضلا لا يحتاج إليه، وإن تكلم بأحدهما بغير الذي تكلم به من الآخر لم يدر السامع بأي ذلك يأخذ، وأشباه هذا من الأخلاط. واليدان مما خلق أزواجا ولم يكن للإنسان خير في أن يكون له يد واحدة، لأن ذلك كان يخل به فيما يحتاج إلى معالجته من الأشياء، أ لا ترى أن النجار والبناء لو شلت إحدى يديه لا يستطيع أن يعالج صناعته وإن تكلف ذلك لم يحكمه ولم يبلغ منه ما يبلغه إذا كانت له يدان يتعاونان على العمل. الصوت والكلام أطل الفكر يا مفضل في الصوت والكلام وتهيئة آلاته في الإنسان، فالحنجرة كالأنبوبة لخروج الصوت، واللسان والشفتان والأسنان لصياغة الحروف والنغم، أ لا ترى أن من سقطت أسنانه لم يقم السين، ومن سقطت شفته لم يصحح الفاء، ومن ثقل لسانه لم يفصح الراء، وأشبه شيء بذلك المزمار الأعظم، فالحنجرة يشبه قصبة المزمار، والرية يشبه الزق الذي ينفخ فيه لتدخل الريح، والعضلات التي تقبض على الرية ليخرج الصوت كالأصابع التي تقبض على الزق حتى تجري الريح في المزمار، والشفتان والأسنان التي تصوغ الصوت حروفا ونغما كالأصابع التي يختلف في فم المزمار فتصوغ صفيره ألحانا، غير أنه وإن كان مخرج الصوت يشبه المزمار بالدلالة والتعريف، فإن المزمار بالحقيقة هو المشبه بمخرج الصوت. قد أنبأتك بما في الأعضاء من الغناء في صنعة الكلام، وإقامة الحروف، وفيها مع الذي ذكرت لك مآرب أخرى، فالحنجرة ليسلك فيها هذا النسيم إلى الرية، فتروح على الفؤاد بالنفس الدائم المتتابع الذي لو احتبس شيئا يسيرا لهلك الإنسان، وباللسان تذاق الطعوم فيميز بينها ويعرف كل واحد منها حلوها من مرها، وحامضها من مزها، ومالحها من عذبها، وطيبها من خبيثها، وفيه مع ذلك معونة على إساغة الطعام والشراب، والأسنان تمضغ الطعام حتى تلين ويسهل إساغته، وهي مع ذلك كالسند للشفتين تمسكها وتدعمهما من داخل الفم، واعتبر ذلك بأنك ترى من سقطت أسنانه مسترخي الشفة ومضطربها، وبالشفتين يترشف الشراب حتى يكون الذي يصل إلى الجوف منه بقصد وقدر، لا يثج ثجا فيغص به الشارب أو ينكي في الجوف، ثم هما بعد ذلك كالباب المطبق على الفم يفتحهما الإنسان إذا شاء ويطبقهما إذا شاء، ففيما وصفنا من هذا بيان أن كل واحد من هذه الأعضاء يتصرف وينقسم إلى وجوه من المنافع كما تتصرف الأداة الواحدة في أعمال شتى، وذلك كالفأس يستعمل في النجارة والحفر وغيرهما من الأعمال الدماغ ولو رأيت الدماغ إذا كشف عنه لرأيته قد لف بحجب بعضها فوق بعض، لتصونه من الأعراض وتمسكه فلا يضطرب، ولرأيت عليه الجمجمة بمنزلة البيضة كيما يفته هد الصدمة والصكة التي ربما وقعت في الرأس، ثم قد جللت الجمجمة بالشعر حتى صار بمنزلة الفرو للرأس يستره من شدة الحر والبرد، فمن حصن الدماغ هذا التحصين إلا الذي خلقه وجعله ينبوع الحس والمستحق للحيطة والصيانة بعلو منزلته من البدن وارتفاع درجته وخطر مرتبته. الجفن والعين تأمل يا مفضل الجفن على العين، كيف جعل كالغشاء والأشفار كالأشراج وأولجها في هذا الغار وأظلها بالحجاب وما عليه من الشعر. الأعضاء الداخلية يا مفضل من غيب الفؤاد في جوف الصدر، وكساه المدرعة التي هي غشاؤه وحصنه بالجوانح وما عليها من اللحم والعصب لئلا يصل إليه ما ينكؤه، من جعل في الحلق منفذين، أحدهما لمخرج الصوت وهو الحلقوم المتصل بالرية، والآخر منفذ الغذاء وهو المريء المتصل بالمعدة الموصل لغذء إليها وجعل على الحلقوم طبقا يمنع الطعام أن يصل إلى الرية فيقتل، من جعل الرية مروحة الفؤاد لا تفتر ولا تخل لكيلا تتحيز الحرارة في الفؤاد فتؤدي إلى التلف، من جعل لمنافذ البول والغائط أشراجا تضبطهما لئلا يجريا جريانا دائما فيفسد على الإنسان عيشه، فكم عسى أن يحصي المحصي من هذا، بل الذي لا يحصى منه ولا يعلمه الناس أكثر، من جعل المعدة عصبانية شديدة وقدرها لهضم الطعام الغليظ، ومن جعل الكبد رقيقة ناعمة لقبول الصفو اللطيف من الغذاء ولتهضم وتعمل ما هو ألطف من عمل المعدة إلا الله القادر، أ ترى الإهمال يأتي بشيء من ذلك، كلا بل هو تدبير من مدبر حكيم قادر عليم بالأشياء قبل خلقه إياها لا يعجزه شيء (وهُوَ اللَطِيفُ الْخَبِيرُ)(25). المخ والدم و... فكر يا مفضل لم صار المخ الرقيق محصنا في أنابيب العظام هل ذلك إلا ليحفظه ويصونه، لم صار الدم السائل محصورا في العروق بمنزلة الماء في الظروف إلا لتضبطه فلا يفيض، لم صارت الأظفار على أطراف الأصابع إلا وقاية لها ومعونة على العمل، لم صار داخل الأذن ملتويا كهيئة الكوكب إلا ليطرد فيه الصوت حتى ينتهي إلى السمع وليتكسر حمة الريح فلا ينكي في السمع، لم حمل الإنسان على فخذيه وأليتيه هذا اللحم إلا ليقيه من الأرض فلا يتألم من الجلوس عليهما كما يألم من نحل جسمه وقل لحمه إذا لم يكن بينه وبين الأرض حائل يقيه صلابتها. الذكر والأنثى من جعل الإنسان ذكرا وأنثى إلا من خلقه متناسلا، ومن خلقه متناسلا إلا من خلقه مؤملا، ومن خلقه مؤملا ومن أعطاه آلات العمل إلا من خلقه عاملا، ومن خلقه عاملا إلا من جعله محتاجا، ومن جعله محتاجا إلا من ضربه بالحاجة، ومن ضربه بالحاجة إلا من توكل بتقويمه، ومن خصه بالفهم إلا من أوجب له الجزاء، ومن وهب له الحيلة إلا من ملكه الحول، ومن ملكه الحول إلا من ألزمه الحجة، ومن يكفيه ما لا تبلغه حيلته إلا من لم يبلغ مدى شكره، فكر وتدبر ما وصفته هل تجد الإهمال على هذا النظام والترتيب تبارك الله عما يصفون. وصف القلب أصف لك الآن يا مفضل الفؤاد، اعلم أن فيه ثقبا موجهة نحو الثقب التي في الرية تروح عن الفؤاد، حتى لو اختلفت تلك الثقب وتزايل بعضها عن بعض لما وصل الروح إلى الفؤاد ولهلك الإنسان، أ فيستجيز ذو فكر وروية أن يزعم أن مثل هذا يكون بالإهمال، ولا يجد شاهدا من نفسه ينزعه عن هذا القول. من الحكمة الإلهية لو رأيت فردا من مصراعين فيه كلوب أ كنت تتوهم أنه جعل كذلك بلا معنى، بل كنت تعلم ضرورة أنه مصنوع يلقى فردا آخر فتبرزه ليكون في اجتماعهما ضرب من المصلحة، وهكذا تجد الذكر من الحيوان كأنه فرد من زوج مهيأ من فرد أنثى، فيلتقيان لما فيه من دوام النسل وبقائه، فتبا وخيبة وتعسا لمنتحلي الفلسفة كيف عميت قلوبهم عن هذه الخلقة العجيبة، حتى أنكروا التدبير والعمد فيها، لو كان فرج الرجل مسترخيا كيف كان يصل إلى قعر الرحم حتى يفرغ النطفة فيه، ولو كان منعظا أبدا كيف كان الرجل يتقلب في الفراش أو يمشي بين الناس وشيء شاخص أمامه، ثم يكون في ذلك مع قبح المنظر تحريك الشهوة في كل وقت من الرجال والنساء جميعا، فقدر الله جل اسمه أن يكون أكثر ذلك لا يبدو للبصر في كل وقت، ولا يكون على الرجال منه مئونة، بل جعل فيه القوة على الانتصاب وقت الحاجة إلى ذلك، لما قدر أن يكون فيه دوم النسل وبقاؤه. خروج الأذى اعتبر الآن يا مفضل بعظيم النعمة على الإنسان في مطعمه ومشربه وتسهيل خروج الأذى، أ ليس من حسن التقدير في بناء الدار أن يكون الخلاء في أستر موضع فيها، فكذا جعل الله سبحانه المنفذ المهيأ للخلاء من الإنسان في أستر موضع منه، فلم يجعله بارزا من خلفه، ولا ناشرا من بين يديه، بل هو مغيب في موضع غامض من البدن، مستور محجوب، يلتقي عليه الفخذان وتحجبه الأليتان بما عليهما من اللحم فيواريانه، فإذا احتاج الإنسان إلى الخلاء، وجلس تلك الجلسة ألفى ذلك المنفذ منه منصبا مهيئا لانحدار الثفل، فتبارك الله من تظاهرت آلاؤه ولا تحصى نعماؤه. الطواحن فكر يا مفضل في هذه الطواحن التي جعلت للإنسان، فبعضها حداد لقطع الطعام وقرضه، وبعضها عراض لمضغه ورضه، فلم ينقص واحد من الصفتين إذ كان محتاجا إليهما جميعا. الشعر والأظفار تأمل واعتبر بحسن التدبير في خلق الشعر والأظفار، فإنهما لما كانا مما يطول ويكثر حتى يحتاج إلى تخفيفه أولا فأولا، جعلا عديمي الحس، لئلا يؤلم الإنسان الأخذ منهما، ولو كان قص الشعر وتقليم الأظفار مما يوجد له مس من ذلك، لكان الإنسان من ذلك بين مكروهين، إما أن يدع كل واحد منهما حتى يطول فيثقل عليه، وإما أن يخففه بوجع وألم يتألم منه. قال المفضل: فقلت: فلم لم يجعل ذلك خلقه لا تزيد فيحتاج الإنسان إلى النقصان منه؟ فقال(عليه السلام): إن لله تبارك اسمه، في ذلك على العبد نعما لا يعرفها فيحمد عليها، اعلم أن آلام البدن وأدواءه تخرج بخروج الشعر في مسامه وبخروج الأظفار من أناملها، ولذلك أمر الإنسان بالنورة وحلق الرأس وقص الأظفار في كل أسبوع ليسرع الشعر والأظفار في النبات فتخرج الآلام والأدواء بخروجها، وإذا طالا تحيرا وقل خروجهما، فاحتبست الآلام والأدواء في البدن، فأحدثت عللا وأوجاعا. ومنع مع ذلك الشعر من المواضع التي يضر بالإنسان ويحدث عليه الفساد والضرر، لو نبت الشعر في العين أ لم يكن سيعمى البصر، ولو نبت في الفم أ لم يكن سيغص على الإنسان طعامه وشرابه، ولو نبت في باطن الكف أ لم يكن سيعوقه عن صحة اللمس وبعض الأعمال، فلو نبت في فرج المرأة أو على ذكر الرجل أ لم يكن سيفسد عليهما لذة الجماع، فانظر كيف تنكب الشعر هذه المواضع لما في ذلك من المصلحة. ثم ليس هذا في الإنسان فقط بل تجده في البهائم والسباع وسائر المتناسلات فإنك ترى أجسامهن مجللة بالشعر، وترى هذه المواضع خالية منه، لهذا السبب بعينه، فتأمل الخلقة كيف تتحرز وجوه الخطأ والمضرة وتأتي بالصواب والمنفعة. إن المنانية وأشباههم حين اجتهدوا في عيب الخلقة والعمد عابوا الشعر النابت على الركب والإبطين ولم يعلموا أن ذلك من رطوبة تنصب إلى هذه المواضع، فينبت فيها الشعر كما ينبت العشب في مستنقع المياه، أفلا ترى إلى هذه المواضع أستر وأهيأ لقبول تلك الفضلة من غيرها، ثم إن هذه تعد مما يحمل الإنسان من مئونة هذا البدن وتكاليفه لما له في ذلك من المصلحة، فإن اهتمامه بتنظيف بدنه وأخذ ما يعلوه من الشعر مما يكسر به شرته ويكف عاديته ويشغله عن بعض ما يخرجه إليه الفراغ من الأشر والبطالة. تأمل الريق وما فيه من المنفعة فإنه جعل يجري جريانا دائما إلى الفم ليبل الحلق واللهوات فلا يجف فإن هذه المواضع لو جعلت كذلك كان فيه هلاك الإنسان، ثم كان لا يستطيع أن يسيغ طعاما إذا لم يكن في الفم بلة تنفذه تشهد بذلك المشاهدة، واعلم أن الرطوبة مطية الغذاء وقد تجري من هذه البلة إلى موضع آخر من المرة فيكون في ذلك صلاح تام للإنسان، ولو يبست المرة لهلك الإنسان. ولقد قال قوم من جهلة المتكلمين وضعفة المتفلسفين بقلة التميز وقصور العلم: لو كان بطن الإنسان كهيئة القباء يفتحه الطبيب إذا شاء فيعاين ما فيه، ويدخل يده فيعالج ما أراد علاجه، أ لم يكن أصلح من أن يكون مصمتا محجوبا عن البصر واليد لا يعرف ما فيه إلا بدلالات غامضة، كمثل النظر إلى البول وحس العرق وما أشبه ذلك مما يكثر فيه الغلط والشبهة حتى ربما كان ذلك سببا للموت؟ فلو علم هؤلاء الجهلة أن هذا لو كان هكذا كان أول ما فيه أنه كان يسقط عن الإنسان الوجل من الأمراض والموت، وكان يستشعر البقاء ويغتر بالسلامة، فيخرجه ذلك إلى العتو والأشر، ثم كانت الرطوبات التي في البطن تترشح وتتحلب فيفسد على الإنسان مقعده ومرقده وثياب بذلته وزينته، بل كان يفسد عليه عيشه، ثم إن المعدة والكبد والفؤاد إنما تفعل أفعالها بالحرارة الغريزية التي جعلها الله محتبسة في الجوف، فلو كان في البطن فرج ينفتح حتى يصل البصر إلى رؤيته واليد إلى علاجه، لوصل برد الهواء إلى الجوف فمازج الحرارة الغريزية وبطل عمل الأحشاء، فكان في ذلك هلاك الإنسان، أ فلا ترى أن كل ما تذهب إليه الأوهام سوى ما جاءت به الخلقة خطأ وخطل. غرائز الإنسان فكر يا مفضل في الأفعال التي جعلت في الإنسان من الطعم والنوم والجماع وما دبر فيها، فإنه جعل لكل واحد منها في الطباع نفسه محرك يقتضيه ويستحث به، فالجوع يقتضي الطعم الذي به حياة البدن وقوامه، والكرا تقضي النوم الذي فيه راحة البدن وإجمام قواه، والشبق يقتضي الجماع الذي فيه دوام النسل وبقاؤه. ولو كان الإنسان إنما يصير إلى أكل الطعام لمعرفته بحاجة بدنه إليه ولم يجد من طباعه شيئا يضطره إلى ذلك كان خليقا أن يتوانى عنه أحيانا بالتثقل والكسل حتى ينحل بدنه فيهلك، كما يحتاج الواحد إلى الدواء بشيء مما يصلح ببدنه فيدافع به حتى يؤديه ذلك إلى المرض والموت. وكذلك لو كان إنما يصير إلى النوم بالتفكر في حاجته إلى راحة البدن وإجمام قواه كان عسى أن يتثاقل عن ذلك فيدمغه حتى ينهك بدنه. ولو كان إنما يتحرك للجماع بالرغبة في الولد كان غير بعيد أن يفتر عنه حتى يقل النسل أو ينقطع فإن من الناس من لا يرغب في الولد ولا يحفل به، فانظر كيف جعل لكل واحد من هذه الأفعال التي بها قوام الإنسان وصلاحه محرك من نفس الطبع يحركه لذلك ويحدوه عليه. القوى الأربع واعلم أن في الإنسان قوى أربعا: قوة جاذبة تقبل الغذاء وتورده على المعدة، وقوة ممسكة تحبس الطعام حتى تفعل فيه الطبيعة فعلها، وقوة هاضمة وهي التي تطبخه وتستخرج صفوه وتبثه في البدن، وقوة دافعة تدفعه وتحدر الثفل الفاضل بعد أخذ الهاضمة حاجتها. تفكر في تقدير هذه القوى الأربعة التي في البدن وأفعالها وتقديرها للحاجة إليها والإرب فيها وما في ذلك من التدبير والحكمة، ولولا الجاذبة كيف يتحرك الإنسان لطلب الغذاء التي بها قوام البدن، ولولا الماسكة كيف كان يلبث الطعام في الجوف حتى تهضمه المعدة، ولولا الهاضمة كيف كان ينطبخ حتى يخلص منه الصفو الذي يغذو البدن ويسد خلله، ولولا الدافعة كيف كان الثفل الذي تخلفه الهاضمة يندفع ويخرج أولا فأولا، أفلا ترى كيف وكل الله سبحانه بلطيف صنعه وحسن تقديره هذه القوى بالبدن والقيام بما فيه صلاحه. وسأمثل لك في ذلك مثالا، إن البدن بمنزلة دار الملك وله فيها حشم وصبية وقوام موكلون بالدار فواحد لإقضاء حوائج الحشم وإيرادها عليهم، وآخر لقبض ما يرد وخزنه إلى أن يعالج ويهيأ، وآخر لعلاج ذلك وتهيئته وتفريقه، وآخر لتنظيف ما في الدار من الأقذار وإخراجه منها، فالملك في هذا هو الخلاق الحكيم ملك العالمين، والدار هي البدن، والحشم هي الأعضاء، والقوام هي هذه القوى الأربع، ولعلك ترى ذكرنا هذه القوى الأربع وأفعالها بعد الذي وصفت فضلا وتزدادا وليس ما ذكرته من هذه القوى على الجهة التي ذكرت في كتب الأطباء ولا قولنا فيه كقولهم، لأنهم ذكروها على ما يحتاج إليه في صناعة الطب وتصحيح الأبدان، وذكرناها على ما يحتاج في صلاح الدين وشفاء النفوس من الغي كالذي أوضحته بالوصف الشافي والمثل المضروب من التدبير والحكمة فيها)(26) الحديث. تفصيل الجسم روي أن نصرانيا سأل الصادق (عليه السلام) أسرار الطب، ثم سأله عن تفصيل الجسم؟ فقال(عليه السلام) : (إن الله خلق الإنسان على اثني عشر وصلا، وعلى مائتين وثمانية وأربعين عظما، وعلى ثلاثمائة وستين عرقا، فالعروق هي التي تسقي الجسد كله، والعظام تمسكها، واللحم يمسك العظام، والعصب يمسك اللحم.. وجعل في يديه اثنين وثمانين عظما، في كل يد أحد وأربعون عظما، منها في كفه خمسة وثلاثون عظما، وفي ساعده اثنان، وفي عضده واحد، وفي كتفه ثلاثة، فذلك أحد وأربعون عظما، وكذلك في الأخرى. وفي رجله ثلاثة وأربعون عظما، منها في قدمه خمسة وثلاثون عظما، وفي ساقه اثنان، وفي ركبته ثلاثة، وفي فخذه واحد، وفي وركه اثنان، وكذلك في الأخرى. وفي صلبه ثماني عشرة فقارة، وفي كل واحد من جنبيه تسعة أضلاع، وفي وقصته ثمانية، وفي رأسه ستة وثلاثون عظما، وفي فيه ثمانية وعشرون، أو اثنان وثلاثون عظما)(27). قال العلامة المجلسي(رحمه الله): يمكن أن يكون المراد وصل الأعضاء العظيمة بعضها ببعض كالرأس والعنق، العضدين والساعدين، والوركين مع الفخذين والساقين، والأضلاع من اليمين والأضلاع من الشمال، وكأن المراد بالوقصة العنق... فعدها ثمانية باعتبار ضم بعض فقرات الظهر إليها لقربها منها وانحنائها، ويحتمل أن يكون في الأصل: وفي وقيصته وهي عظام وسط الظهر، وهي على المشهور سبعة فتكون الثمانية بضم الترقوة إليها... وقوله(عليه السلام) (وفي فيه ثمانية وعشرون)، أي في بدء الإنبات ثم ينبت في قريب من العشرين أربعة أخرى تسمى أسنان الحلم بالكسر بمعنى العقل أو بالضم بمعنى الاحتلام يعني البلوغ، ولذا قال(عليه السلام) بعده واثنان وثلاثون، ويحتمل أن يكون باعتبار اختلافها في الأشخاص. قال في القانون: الأسنان اثنتان وثلاثون سنا، وربما عدمت النواجذ منها في بعض الناس، وهي الأربعة الطرفانية فكانت ثماني وعشرين سنا، فمن الأسنان ثنيتان ورباعيتان من فوق، ومثلهما من أسفل للقطع، ونابان من فوق، ونابان من تحت للكسر، وأضراس للطحن في كل جانب، فوقاني وسفلاني، أربعة أو خمسة، فكل ذلك اثنتان وثلاثون سنا، أو ثماني وعشرون، والنواجذ تنبت في الأكثر في وسط زمان النمو وهو بعد البلوغ إلى الوقف، وذلك أن الوقوف قريب من ثلاثين سنة ولذلك تسمى أسنان الحلم(28). ثم أشار المجلسي(رحمه الله) إلى اختلاف الأطباء في الأسنان، فمنهم من ذهب إلى أنها عظم، وقيل هو عصب، وقيل عضو مركب، وقال بعضهم إنه لا حس لها ولم تحلها الحياة، وقال بعضهم: لها حس، قال في القانون: ليس لشيء من العظام حس البتة إلا للأسنان، فإن جالينوس قال: بل التجربة تشهد أن لها حسا أعينت به بقوة تأتيها من الدماغ ليميز أيضا بين الحار والبارد، وقال القرشي: قال جالينوس: ليس بشيء من العظام حس إلا للأسنان، لأن قوة الحس تأتيها في عصب لين، وهذا عجب فإنه كيف جعل لينا وهو مخالط للعظام وينبغي أن يكون شبيها بجرمها فيكون صلبا لئلا تتضرر بمماستها، وقال: بقي هاهنا بحث وهو أن الأسنان عظام أو ليس بعظام وقد شنع جالينوس على من لا يجعلها عظاما وجعلهم سوفسطائية واستدل على أنها عظام بما هو عين السفسطة، وذلك لأنه قال ما هذا معناه: لأنها لو لم تكن عظاما لكانت إما أن تكون عروقا أو شرايين أو لحما أو عصبا ومعلوم أنها ليست كذلك، وهذا غير لازم فإن القائلين بأنها ليست بعظام يجعلونها من الأعضاء المؤلفة لا من هذه المفردة ويستدلون على تركيبها بما يشاهد فيها من الشظايا وتلك رباطية وعصبية، قالوا: وهذا يوجد في أسنان الحيوانات الكبار ظاهرا(29). من علم التشريح لقد شرح علماء التشريح أعضاء الإنسان وعظامه ومفاصله وما أشبه، فقالوا: الهيكل العظمي إن الهيكل العظمي: هيكل يشكل سناداً لجسم الإنسان والحيوان الفقاري، ويصون أعضاءه الحيوية، وهو قسمان: 1: الهيكل العظمي المحوري. 2: الهيكل العظمي الزائدي أو الطرفاني. أما الهيكل المحوري فيشمل الجمجمة والعمود الفقري وعظم العجز والعصعص والأضلاع ـ وعددها أربعة وعشرون ـ والقص، وأما الهيكل العظمي الزائدي أو الطرفاني فيشمل عظام الذراعين والرجلين والحزام الحوضي، وعظام الهيكل العظمي يتصل بعضها ببعض في مواضع تعرف بالمفاصل. العظم والعظم هو النسيج الصلب الذي يتألف منه الهيكل العظمي في الإنسان وسائر الثدييات وكذلك الزواحف والبرمائيات والطيور وبعض الأسماك، والجسم البشري يحتوي على أكثر من مائتي عظم، فإن العظم سناد الجسد ودعامته، وهو يقي الأعضاء الرخصة، وينتج الكريات الحمر في الدم، ويختزن المعادن وخاصة (الكلسيوم) و(الفوسفات) التي يحتاج إليها الجسد. ويتألف العظم من ماء 44% ومن مادة صلبة 56% وكثير من العظام يشتمل على نقي أو مخ(30)، وهو مادة بانية للدم تشتمل على بروتينات وأدهان مركبة حديدية. والعظام تقسم من حيث شكلها إلى طويلة وقصيرة ومسطحة وغير ذلك، ومن العظام البشرية الطويلة عظم العضد وعظم الفخد، ومن العظام القصيرة عظم الرسغ وعظم الكاحل، إما العظام المسطحة فتوجد في الجمجمة وفي الحوض. والعظام تكون في أول أمرها لينة وغضروفية، ثم تتصلب تدريجياً وتأخذ في النمو، ويتوقف العظم البشري عن النمو في الثامنة عشر عند الفتيات تقريباً، وفي الثانية والعشرين عند الفتيان عادة. المفصل والمفصل هو موضع اتصال عظمين من عظام الجسد، والمفصل نوعان: 1: المفاصل الثابتة. 2: المفاصل المتحركة. فأما المفاصل الثابتة فتتميز بطبقة نسيج ليفي، تشد أحد العظمين إلى الآخر على نحو محكم، كخطوط الاتصال بين عظام الجمجمة، وأما المفاصل المتحركة كمفاصل اليد والإصبع والركبة، فتتألف من العظمين نفسيهما ومن طبقة غضروفية تكسو طرفي العظمين ومن أنسجة ليفية تعرف بالأربطة ومن غشاء يكتنف العظمين ويزلقهما. الغضروف والغضروف هو نسيج ضام في الإنسان والحيوانات الفقارية، يشكل أساس التعظم (تكون العظام) وبه يتصل العظام ببعضها الآخر، ونسيج الغضروف على خلاف مواد الجسد الأخرى أبيض مرن شبه شفاف. الجلد والجلد هو العضو الذي يألفه المرء أكثر من سائر أعضاء جسده، فإن الإنسان لا يزال يجهل كثيراً من خصائصه التشريحية والفيسيولوجية ومعظم اضطراباته وأمراضه وعلاجه وما يتربط بجسمه.. والجلد هو طبقة النسيج الخارجية التي تكسو الجسم، ويتألف الجلد البشري من طبقتين: إحداهما: باطنية وتسمى بـ (الأدمة). والأخرى: سطحية وتدعى (البشرة). وتتألف الأدمة من نسيج ليفي مرن، وهي تشتمل على الأعصاب والأوعية الدموية المسؤولة عن أداء الجلد ووظيفته السوية وعن مدة الغذاء أيضا، كما تشتمل على جذور الشعر والغدد العرقية والغدد الدهنية، وعلى بعض العضلات الصغيرة التي تجعل الشعر يقف عند الرعب. أما البشرة عادة تكون سوداء في المناطق الحارة، وسمراء في المناطق المعتدلة، وبيضاء في المناطق الباردة. والجلد هو العضو الخاص بحاسة اللمس، وبه يستشعر الإنسان الألم والحرارة والبرودة وما أشبه، وهو يحول دون دخول الجراثيم إلى الجسم، ومن أجل ذلك يسارع إلى تغطيته إذا جرح. ومن وظائف الجلد أيضا التنفس وإفراز بعض النفايات عن طريق التعرق، مضافاً إلى تنظيم حرارة الجسم بحيث تبقى على مستواها السوي. الغدد العرقية الغدد العرقية هي مجموعة كبيرة من الغدد الموجودة في الجلد، وهي غدد قنوية خارجية الإفراز تفرز العرق على سطح الجلد، وهذه الغدد تنقسم إلى قسمين: 1: الغدد العرقية الأبوكرينية. 2: الغدد العرقية الأكرينية. فأما الغدد العرقية الأبوكرينية فمحصورة في الإبطين والأذنين والحلمتين والأعضاء التناسلية، وهي المسؤولة عن الرائحة التي تفوح من الجسد في بعض الأحيان. وأما الغدد العرقية الأكرينية فمبثوثة في مختلف أنحاء الجسد، ولكنها تكثر أكثر ما تكثر في باطن اليدين وأخمص القدمين، وهي تبدأ في الإفراز منذ الطفولة، وذلك على خلاف الغدد العرقية الأبوكرينية التي تنشط ابتداء من سن المراهقة ثم تضعف فعاليتها في خريف العمر، ويقدر العلماء أن في جسم كل إنسان ما يقارب من مليون غدة عرقية أكرينية. عظام الإنسان قالوا: إن في الرأس أحد عشر عظماً، وفي العينين ستة أعظم، وفي الجبين عظمان، وفي الأنف أربع، وعظمتان فيها الثنايا والرباعيات والأضراس ويسمى الفك الأسفل والضغن أيضاً، أما عظام الأسنان فهي ستة عشر من فوق وستة عشر من أسفل الثنايا والرباعيات والأنياب والأضراس.. ويتصل بعظام الرأس من خلف فقرات الظهر وهي أربع وعشرون فقرة، ويتصل بهذه الفقرات عظم العجز وهو الذي قال عنه بعض الخبراء لو لم يبق من ابن آدم إلا عظم الذنب لكان كذا، ويتصل به من أسفل عظام العصعص وهي ستة وهي كالأساس لسائر البدن، ويتصل بعظام العجز عظم الخاصرتين، وفيهما يدخل عظما رأس الفخذين. وأما هيئة عظام المقدم فإن دون الرقبة عظما الترقوتين، وعظام الكتفين أربعة، وفي العضدين عظمان، وفي الزندين أربعة، وعظام الصدر سبعة وتسمى هذه العظام القص والزور، وعظام الأضلاع من كل جانب اثنا عشر مزدوجة.. وأما عظام اليدين فمنها عظام رسغ الكفين ستة عشر عظماً، ومجمع عظام الذراع، وما يلي الكف يسمى الرسغ، والكوع منه ما يلي الإبهام، والذي يلي الخنصر يسمى كرسوع، وعظام مشطي الكفين ثمانية، وعظام الأصابع من اليدين ثلاثون، لكل إصبع ثلاثة أعظم، وتسمى المثلثات، وأما عظام الرجلين فمنها في الوركين عظمان وفي الفخدين عظمان، وفي الركبتين عظمان، وفي الساقين أربعة، وفي الكعبين عظمان، وفي العينين عظمان، وفي العظام اروز فيه عظمان وهما يحتويان على الكعب يتم بهما حركة القدمين، وعظام رسغ القدمين ثمانية، وعظام مشطي القدمين عشرة، وعظام أصابع الرجلين ثمانية وعشرون، لكل إصبع ثلاثة إلا الإبهام، فان له عظمان.. ولما كانت هذه العظام لا تقوم بذاتها أثبت الخالق لها من أطرافها أجساماً يشدّها ويربطها تسمى الأوتار، وجعل من حركتها بالعضلات، وعدد العضلات خمسمائة وتسعة وعشرون عضلة، وتركيب العضل من لحم وعصب، ثم تتصل بهذه الجملة الشرايين والعروق والأعضاء ليعطيها الحياة والحس والحركة والغذاء، ثم يغشي هذه الجملة اللحم والشحم وقد جعل الله سبحانه اللحم ليسدّ خلل الأعضاء، ومنه ما هو أميل الوطاء مثل لحم الفخذين والأليتين. ثم أودع الله سبحانه في الجلد ضروب الحس واللمس، وأوصل به فوهات العروق ففي أيّ موضع وخزته ولو بإبرة نبع منه الدم، وذلك سبب تغذيته، ثم أثبت فيه أنواع النبات من الشعر والأظافر، وجعل من الشعر ما هو للزينة والوقاية مثل شعر الرأس والحاجبين هُدب العينين ليوقى العين من أي شيء يقع فيها، وللزينة أيضاً ولو تصورنا رجلاً محلوق الرأس والحاجبين لكان أشنع الأشكال وأقبحها. من حكمة الأظافر ومن بديع حكمة الله سبحانه أن جعل في رؤوس الأصابع الأظافر لتقوى حركتها وتمنع رؤوس الأصابع من التآكل، وجعلت تطول شيئاً فشيئاً إذ لو كانت جامدة لا تطول لتآكلت من كثرة الأعمال، وقد ورد في الحديث الأمر بتقليمها ودفنها كقوله (صلى الله عليه وآله): (خمس من الفطرة تقليم الأظافر وقص الشارب ونتف الإبط وحلق العانة والإختتان)(31). وقد نقل عن بعض علماء الغرب انه كان ملحداً ثم آمن، فقيل له: ما سبب إيمانك؟. قال: سقط ذات مرة ظفر من أظافري فدخلت المستشفى فلاحظت الدقة ما بين الظفر وبين لحم الإصبع، فكان هناك آلة صغيرة جميلة مدوّرة تدويراً حسب الأصبع حتى يجعل اللحم عظماً بهذا الشكل الظريف فعرفت أنه لا يمكن أن يكون هذا إلا بخالق حكيم عالم. أقول: وكل شيء في بدن الإنسان دليل بل أدلة على الخالق سبحانه وتعالى، كما قال الشاعر: تدل على أنه واحد وفي كل شيء له آية ومن الواضح أن الخالق لابد أن يكون واحداً، قال سبحانه: (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا)(32)، وذلك للتناسق والترابط الموجود بين المخلوقات، وتفصيل هذا الأمر مذكور في علم الكلام كما في (شرح التجريد) وقد ذكرناه في (القول السديد). وسنذكر في هذا الكتاب بعض الآداب الطبية التي وردت في القرآن الكريم والسنة المروية عن الرسول وأهل بيته الطاهرين (عليهم السلام).
هوامش: 1- غوالي اللآلي: ج4 ص102 ح149. 2- سورة الواقعة: 57-59. 3- سورة الأعراف: 11. 4- سورة الإنسان: 2. 5- سورة العلق: 1-5. 6- سورة التين: 4. 7- سورة الحجر: 28-30. 8- سورة المؤمنون: 12-14. 9- سورة فاطر: 11. 10- سورة الزمر: 6. 11- سورة غافر: 67-68. 12- سورة الروم: 54. 13- سورة المرسلات: 20-24. 14- سورة النساء: 1. 15- سورة الأنعام: 2. 16- سورة الروم: 20-21. 17- سورة طه: 53-56. 18- سورة الحج: 5-6. 19- سورة الحجرات: 13. 20- سورة يس: 77-83. 21- سورة الصافات: 11. 22- سورة مريم: 66-67. 23- سورة نوح: 14. 24- نهج البلاغة: الخطب 83، ومن خطبة له (عليه السلام) وهي الخطبة العجيبة وتسمى (الغراء). 25- بحار الأنوار: ج3 ص63 – 80 ب4 الخبر المشتهر بتوحيد المفضل. 26- سورة الملك: 14. 27- بحار الأنوار: ج3 ص63-80 ب44 الخبر المشتهر بتوحيد المفضل. 28- بحار الأنوار: ج58 ص317 ب47 ح27. 29- بحار الأنوار: ج58 ص317-319 ب47 ذيل ح27. 30- انظر بحار الأنوار: ج58 ص317-319 ب47 ذيل ح27. 31- Marrow. 32- وسائل الشيعة: ج2 ص133 ب8 ح1718. 33- سورة الأنبياء: 22. |