|
القرآن ومنهج تفسيره
القرآن : هو الرساله الالهيه الخالده التى صانها
اللّه سبحانه من
التحريف والتزييف الذى حدث فى التوراه والانجيل.
فقال
تعالى:
(انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون)، وقال سبحانه
وتعالى:
(ان عليناجمعه وقرانه).
وينبغى التنبيه الى ان بعض الكذابين والوضاعين قام
بدس
بعض الروايات والاحاديث التى تنسب التحريف الى
القرآن
-تحريف نصه المبارك من الزياده والنقصان.
وقد استنكر علماء الشيعه الاماميه هذا الادعاء ولم
يقبلوه،
وحكموابكمال القرآن وحفظه من التحريف، لذلك دون
علماء
الشيعه الاماميه هذه الحقيقه الكبرى فى كتبهم
ومناظراتهم
للدفاع عن سلامه القرآنوصيانه نصه... نذكر من ذلك
ما قاله
الشيخ الطوسى -من اكابر علماءالشيعه الاماميه فى
القرن
الرابع الهجرى -:
(اما الكلام فى زيادته ونقصانه فمما لا يليق به
ايضا، لان الزياده
فيه مجمع على بطلانها، والنقصان منه فالظاهر ايضا
من مذهب
المسلمينخلافه، وهو الاليق بالصحيح من مذهبنا،
وهو الذى
نصره المرتضى،وهو الظاهر فى الروايات).
وقال المفسر الكبير الطبرسى: (ان المشهور بين علماء
الاماميه ومحققيهم، بل المتسالم عليه بينهم هو
القول بعدم
التحريف).
وقال الشيخ الصدوق -وهو من علماء القرنين الثالث
والرابعالهجرى: (اعتقادنا ان القرآن الذى انزله
اللّه على نبيه هو
ما بين الدفتين،وليس باكثر من ذلك، ومن نسب الينا
انا نقول
انه اكثر من ذلك فهوكاذب).
وذكر السيد ابوالقاسم الخوئى -وهو من اعاظم فقهاء
الاماميهالمعاصرين ومحققيهم: (ولكنا نبين بعد هذا
ان شاء اللّه
تعالى: ان ماجمعه عثمان كان هو القرآن المعروف بين
المسلمين الذى تداولوه عنالنبى(ص) يدا بيد.
فالتحريف
بالزياده والنقيصه انما وقع فى تلكالمصاحف التى
انقطعت بعد
عهد عثمان، واما القرآن الموجود فليسفيه زياده
ولا نقيصه).
وجدير ذكره ان العلماء المحققين اجمعوا على ان
الروايات التى
وردتفى كتب السنه والشيعه التى تقول بتحريف
القرآن ان
هى الا رواياتضعيفه السند، ساقطه الاعتبار ولا
يعتد بها.
غير انه ينبغى التنبيه على ان بعض الروايات التى
تحدثت عن
تحريفالقرآن، الوارده عن ائمه اهل البيت، انما
كان المقصود
بها هو تحريفمعانيه من قبل بعض المفسرين واهل
الاهواء
والضلال والانحراف،ويصدق ذلك قول اللّه الحق:
(فاما الذين فى قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه
ابتغاء الفتنه
وابتغاء تاويلهوما يعلم تاويله الا اللّه
والراسخون فى العلم يقولون
امنا به كل من عند ربنا ومايذكر الا اولوا الالباب).
ايضاح وتصحيح
قبل ان نغادر الحديث عن القرآن الكريم نرى من
المفيد ايضاح
مصطلحقد اسىء فهمه، فتحول الى شبهه فى اذهان
البعض،
وهو مصطلح(مصحف فاطمه)، فعمل الساعون الى اثاره
الشبهات وتمزيق وحدهالمسلمين على تكريسه كشبهه
عقيديه
تعنى القول بوجود قرآن آخرعند اتباع اهل البيت هو
غير القرآن
المتداول بين المسلمين.
ان هذا الاصرار على الخلط وسوء فهم اللفظ والمصطلح،
هو
كما اوضحالقرآن من حال المتمسكين بما يثير الشبهه
لدى
المعرضين عن الفهم الواضح والقصد السليم. قال
تعالى: (هو
الذى انزل عليك الكتاب منه اياتمحكمات هن ام
الكتاب واخر
متشابهات فاما الذين فى قلوبهم زيغ فيتبعون
ماتشابه منه
ابتغاء الفتنه وابتغاء تاويله...).
ولكى تتضح الاساءه فى الفهم والعمد فى اثاره الشبهه
وتكريسها، فلنقرامعنى كلمه مصحف فى اللغه، ثم
لنعرف هل
هى اسم من اسماء القرآنالشرعيه او لا؟ ثم نتناول
الروايه
الوارده عن الامام الصادق فى الحديثعن مصحف فاطمه
لنعرف ما حقيقه هذا المصحف بشكل موجز.
قال الراغب الاصفهانى: (الصحيفه: المبسوط من
الشىء،
كصحيفهالوجه، والصحيفه التى كتب فيها، وجمعها
صحائفوصحف...والمصحف ما جعل جامعا للصحف المكتوبه
وجمعهمصاحف).
وقال الرازى: (والصحيفه الكتاب، والجمع صحف
وصحائف.والمصحف بضم الميم وكسرها. واصله الضم، لانه
ماخوذ من اصحف:اى جمعت فيه الصحف).
وقد عرفت العرب هذا اللفظ واستعملته فى الدلاله على
مجموعالصحف التى يكتب فيها، اى ان كلمه مصحف هى
اسم
للكتابالمكون من مجموعه صفحات، وليس هو اسما
للقرآن
الكريم.
وانما اطلق المسلمون على كتاب اللّه اسم المصحف،
بعد ان
جمع فىكتاب واحد من صحائف من الجلد. فهو ليس اسما
شرعيا من اسماءكتاب اللّه. فلكتاب اللّه اسماء
شرعيه سماه اللّه
بها خاصه هى: (القرآن،الفرقان، الذكر، الكتاب، كلام
اللّه)، كما
له اوصاف عديده: كالنور المبينوالسراج
والهدى...الخ.
ولم يسمه اللّه سبحانه مصحفا، وانما سمى بهذا الاسم
من
قبلالمسلمين بعد جمعه فى صحف.
لذلك فان العلماء عندما يتحدثون عن كتاب اللّه
لايستعملون
اسمالمصحف، انما يستعملون اسم القرآن او الكتاب
او الذكر
الحكيم اوالفرقان او كلام اللّه.
اما ما ورد عن الامام الصادق من روايه تتحدث عن مصحف
فاطمهفجاءت تتحدث عن علم ورثوه عن رسول اللّه(ص)
مدون فىمصحفونصها: (وعندنا واللّه مصحف
فاطمه(ع)، اما
واللّه ماهو فىالقرآن).
وورد الحديث عن مصحف فاطمه فى روايه اخرى نصها:
(...وعندناواللّه مصحف فاطمه، ما فيه آيه من
كتاباللّه، وانه
لاملاء رسولاللّه(ص)وخطه على بيده..).
وهكذا يوضح الحديث المروى عن الامام الصادق بوضوح
وجلاء
ان مااملاه رسول اللّه(ص) على الامام على -حسب ما جاء
فى
الروايههو ليسقرآنا ، وليس فيه آيه من القرآن،
وهذا يعنى ان
النبى(ص) املى علوماومعارف واحكاما دونها الامام
على(ع)
فى صحيفه لفاطمه(ع). لذاسمى مصحف فاطمه، اى كتابها
الذى املاه لها ابوها(ص) وخطه على(ع)بيده.
وان ائمه اهل البيت يستفيدون علوما ومعارف من هذا
الكتاب،
وليسكما صور المرجفون ان هذا المصحف هو قرآن آخر.
فقد
اجمع علماءالاسلام بمختلف مذاهبهم -شيعه وسنه على
ان
القرآن الذى يتداولهالمسلمون اليوم هو كامل ما
نزل على
النبى(ص) من قرآن من غير زياده اونقص. فقد تعهد اللّه
سبحانه بحفظه وجمعه فقال:
(انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون).
وقال: (ان علينا جمعه وقرانه).
ولا يعتنى العلماء والباحثون المحققون بروايات
الاحاد الشاذه
الضعيفهالتى رواها رواه فى كتب السنه والشيعه
تخالف هذا
الاجماع والتواتر فىحفظ كتاب اللّه، الذى هيا له
اللّه تعالى فى
كل جيل آلافا ومئات منالحفاظ منذ عهد النبى(ص)
وحتى
يومنا الحاضر.
كما وان القرآن كان مجموعا مدونا على عهد رسول
اللّه(ص)
وكان للنبىكتاب وحى خاصون، وقد تلقى المسلمون
القرآن
عن النبى مباشرهونقلوه مخطوطا جيلا بعد جيل
بعنايه فائقه.
بل وان جمعا من الصحابهكانوا قد عرضوا حفظهم على
النبى(ص) فاقره، وقد اثبت علماء اهلالبيت ذلك كلما
بحثوا
هذا الموضوع طوال قرون عديده: كالصدوقوالمفيد
والمرتضى
والطوسى والعلامه الحلى وغيرهم من العلماء
فىعصرنا
الحاضر.
منهج الفهم والتفسير
التفسير: (هو ايضاح مراد اللّه تعالى من كتابه
العزيز).
روى عن الامام على بن الحسين(ع) قوله: (آيات القرآن
خزائن،
فكلمافتحت خزينه ينبغى لك ان تنظر فيها).
اهتم المسلمون من عهد الصحابه وحتى عصرنا الحاضر
بفهم
القرآنوتفسيره، فللتفسير دوره واثره فى بناء
الفكر الاسلامى
واصالته.
وبسببالخطا فىالفهم والتفسير، شط التفكير
وانحرف.
وبسبب تعددالفهم والاستفاده من القرآن، نشات
الاراء
والمذاهبالفكريه والفقهيهالمتعدده فى الصف
الاسلامى.
وللتفسير اصوله ومناهجه. لذا فقد ثبتت مدرسه اهل
البيت(ع)
اصولاومنهجا للتفسير يعتمد علىالاسس الاتيه:
1 - الالتزام بحجيه الظهور: فقد اعتبرت هذه المدرسه
ان ما
يفهم منالظاهر القرآنى وفق اصول الفهم العربى
السليم هو
حجه يجب الالتزامبها، فان القرآن نزل بلغه العرب،
وخاطب
الناس وفق نظامها اللغوى فىعصر نزوله. قال تعالى:
(انا انزلناه
قرانا عربيا لعلكم تعقلون).
2 - التفسير بما اثر عن النبى(ص) وعن الائمه الذين
اخذوا عن
النبى(ص)،فالنبى هو المبين لكتاب اللّه والعارف بما
حوى. قال
تعالى: (وما انزلناعليك الكتاب الا لتبين لهم الذى
اختلفوا
فيه...).
3 - الاعتماد على العقل فى الفهم والتفسير: فقد
دعاالقرآن الى
استخدام العقل فى فهم كلام اللّه تعالى
واستنباط معانيه بقوله:
(افلا يتدبرون القران ام على قلوب اقفالها).وهكذا
يتاصل منهج
التفسير فى مدرسه اهل البيت على اصول قرآنيه،لذا
منع ائمه
اهل البيت وعلماوهم من تفسير القرآن بالراى ومن
غيرعلم او
دليل يقوم على تلك الاسس.
منهج اثبات السنه:
السنه النبويه: (هى اسم يطلق على كل ما صدر عن النبى
من
قول او فعلاو تقرير).
تلقى جيل الصحابه السنه النبويه من رسول اللّه(ص)
مباشره او
نقلا عمنسمع منه او شاهد فعله ومواقفه.
فكانت السنه فى تلك الفتره صحيحه محفوظه من الكذب
والدس، وانحصلت محاولات من بعض الكذابين فان
معرفه
الصحيح وتصحيحالخطا او الكذب المتعمد كان امرا
ممكنا
لوجود الرسول(ص) نفسه،ووجود جيل يشهد بما سمع وراى
من النبى(ص).
وبعد تقادم الزمن والابتعاد عن عصر النبى(ص) وعدم
تدوين
السنه فىكتاب متداول محدد يرجع اليه
المسلمونكما دون
القرآن، وجمع فى مصحف واحد، ولان كلام النبى كلام
بشرىيمكن الدس فيه، وصعوبه تمييزه عن غيره من
الكلام
الموضوع، فقدنسب الى رسول اللّه(ص) الكثير من
الروايات
المكذوبه، واخفى الكثيرمما صدر عنه او حرف.
وينبغى ان نوضح هنا ان اتباع ائمه اهل البيت قد
اعتبروا ما
صدر عنالائمه من بيان للاحكام امتدادا للسنه،
ومصدرا
للاحكام معتمدين علىقول الرسول(ص):
(وانى تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه عز وجل وعترتى،
كتاب
اللّه حبل ممدود منالسماء الى الارض، وعترتى اهل
بيتى. وان
اللطيف الخبير اخبرنى انهما لن يفترقاحتى يردا على
الحوض فانظرونى بم تخلفونى فيهما).
وقد اعتمدت مدرسه ائمه اهل البيت(ع) على حفظ السنه
ونقلها عنائمه اهل البيت والرواه المتورعين،
فكانت بايديهم
امينه محفوظه، غيران الذين رووا عن ائمه اهل
البيت(ع)
اندس فيهم الوضاعون والكذابونوالغلاه والمفوضه
والمجسمه
وغيرهم، كما اندسوا فى رواه الحديثالنبوى مباشره.
لذا فان المنهج العلمى فى المدرسه الاماميه لاثبات
السنه
يقوم على:
1 - عدم قبول الحديث المنسوب الى النبى(ص) او الائمه
الا
بعد التحقيقفى سند الحديث ومتنه.
2 - ان من ابرز ادله الاثبات هو عدم معارضته لكتاب
اللّه
والثابت منالسنه المطهره.
وبناء على هذا المبدا فان مدرسه الشيعه الاماميه لم
يثبت لديها
كتابحديث صحيح بكل ما جاء فيه، بل اعتبرت كتب
الحديث
والروايهجميعها عباره عن مجامع للحديث خاضعه
للتحقيق
العلمى.
3 - ان الاساس فى قبول الروايه فى هذه المدرسه هو صدق
الراوىووثاقته، بغض النظر عن مذهبه واتجاهه
الفكرى.
الختام
(شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذى اوحينا اليك
وما
وصينا به ابراهيموموسى وعيسى ان اقيموا الدين ولا
تتفرقوا
فيه كبر على المشركين ما تدعوهماليه اللّه يجتبى
اليه من يشاء
ويهدى اليه من ينيب).
فى هذا الخطاب الالهى نقرا الدعوه الى اقامه الدين،
والنهى
عن التفرقفيه.
فهى دعوه الى الوحده الفكريه والسياسيه التى تحفظ
للمسلمينقوتهموقدرتهم على
مواجههالتحدياتالحضاريه
والعقيديه المعاديهللاسلام، وفى هذا الخطاب نجد
الالزام
بالعمل بشرعهاللّه وتطبيقاحكامهباقامه
المجتمع الاسلامى
والدوله الاسلاميه وبناء الحياه علىاساسه.
وانطلاقا من هذه الدعوه القرآنيه، فنحن جميعا
ملزمون بتركيز
الجهودفى اقامه الدين وتوحيد المسلمين ونبذ الفرقه
والخلاف.
ان اسس الوحده ومعالمها واضحه لدى الجميع،
فالمسلمون
-سنهوشيعه متفقون على ان من شهد الشهادتين فهو
مسلم،
له ما للمسلمينوعليه ما عليهم، فهم جميعا يومنون
باللّه
وكتبه ورسله وملائكته وقضائهوقدره واليوم الاخر،
وان الرساله
الاسلاميه قائمه بكتاب اللّه وسنه نبيهالكريم
محمد(ص)، وانهم
جميعا اجازوا الاجتهاد والاستنباط منهماوعملوا
بنتائجه.
وقد اجمعوا على الايمان بفرائض الاسلام الاساسيه،
ووجوب
ادائهاكالصلاه والصوم والحج والزكاه والجهاد فى
سبيل اللّه
والامر بالمعروفوالنهى عن المنكر...الخ، وان (حلال
محمد
حلال الى يوم القيامه،وحرام محمد حرام الى يوم
القيامه).
وما نشاهده من خلاف بين المذاهب والاراء الاسلاميه
المتعدده
فهوخلاف فكرى يجب ان يخضع للحوار العلمى والنقد
الموضوعى النزيه.
فالمسلمون مدعوون الى ان يكونوا صفا واحدا لمواجهه
اعداء
اللّهوالانسان والهجمات والمخططات التى تدبر
ضدهم، ونبذ
الخلافاتوالنزاعات التى تضعف قوتهم وتهدد
كيانهم.
وان فى طليعه من يتحمل مسووليه توحيد المسلمين ولم
شملهم، همالعلماء والكتاب والمفكرون الاسلاميون.
فعليهمان
يوجهواجهودهمالمخلصه الىتوحيد المسلمين،
وتعريفهم
بالاسلام عقيدهوفكرا وشريعه وحضاره ويبددوا
الشبهات
ومحاولات المخربين.وان خير ما نختتم به هذا الحديث
هو
قوله تعالى:
(واعتصموا بحبل اللّه جميعا ولا تفرقوا).
وقوله: (اقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه) .
وآخر دعوانا ان الحمد للّه رب العالمين
|