الحمد للّه رب العالمين والصلاه على سيد المرسلين
محمد وآله الطاهرينوصحبه الميامين وبعد: فان هذا البحث
الموجز (على خطى اهل البيت) هومحاوله ثقافيه للتعريف بمنهج
اهل البيت(ع) كخط فكرى ومنهج سياسى،انطلق من عمق الرويه
والاصاله الاسلاميتين، فحمل الحب
والولاءلالالبيت النبوى
الكريم، وتبنى منهجهم وعطاء مدرستهم فى فهم
العقيدهوالتشريع والمعارف التى حملها الكتاب
والسنه
المطهره، فتبلور كمدرسهفكريه وخط سياسى من بين
المدارس الفكريه والفقهيه الاسلاميه الاخرى.
وهذا التعريف الموجز يستهدف الدعوه الى توحيد
المسلمين
وازاحه مايثار من ضباب وعواصف فى محيط الرويه
واجواء
الوئام والوحده، وهوبعد ذلك عرض مبسط للاسس
والمنطلقات التى بنى عليها هذا الاتجاهالمدرسى
وتوضيح
لنشاته.
داعين الاخوه القراء من ابناء الاسلام، والعاملين
على نشر
مبادئه الساميه،والمجاهدين من اجل توحيد المسلمين
والعوده الى الاسلام كمنهج حياه، ونظام مجتمع،
ومشروع
دوله ان يتفهموا حقيقه المخططاتالاستكباريه التى
تسعى
لاثاره النعرات الطائفيه، وافتعال الشبهات،
ووضعالحواجز
النفسيه بين المذاهب، واصحاب المناهج الاسلاميه
لتفريقوحده الامه وتشتيت شملها، وان يكون رائدنا
هو الدعوه
الى الحوارالعلمى، والتزام الموضوعيه فى النقد،
والتمسك
بمنهج القرآن ودعوته الىتوحيد الامه وتماسك
كيانها
السياسى لمواجهه التحديات السياسيهوالحضاريه.
راجين من اللّه التوفيق وقبول العمل انه سميع مجيب.
المولف
مدخل
فى ظل النبوه وفى مرحله الدعوه كانت الامه
الاسلاميه تعيش
الوحدهالفكريه والسياسيه، فكان الرسول الهادى
محمد(ص)
هو المبلغ والمبينللشريعه، وهو القائد وولى
الامر.
وما ان التحق بالرفيق الاعلى، وفى الساعات الاولى
من وفاته
ظهرتالاتجاهات الفكريه والسياسيه المتعدده. فكان
الخلاف
فى امر الخلافهوالامامه الذى انطلق من روى وافهام
متفاوته.
ثم كان الخلاف فى فهم الاسلام وبيان احكامه وتطبيق
مبادئه،
فتعددتالمواقف والاراء والمدارس الفكريه.
وفى خضم هذا الصراع الفكرى والسياسى كان لاهل البيت
النبوى(ع)- على وبنيه مدرستهم الفكريه وسيرتهم
العمليه
ومنهجهم السياسى،وكان طبيعيا ان ينقسم المسلمون
الى
اتباع للمذاهب الفكريه والفقهيهوللمواقف
السياسيه هذه.
ويحدثنا التاريخ ان اول تجمع نشا حول الامام على(ع)
على
شكل تكتلمتميز كان يوم وفاه رسول اللّه(ص) من
طلائع
الصحابه الذين عارضوا بيعهالسقيفه ونادوا باحقيه
الامام على(ع) بالخلافه. ثم تحول هذا الموقفالى قناعه
صامته،
حتىتسلط الحزب الاموى فى
عهدالخليفهعثمان،فظهرت
الطلائع من اتباع اهل البيت(ع) امثال ابى ذر الغفارى
وعمار
بنياسر ومحمد بن ابى بكر وغيرهم، ظهرت على مسرح
الحياه
السياسيهوالدعوه الى الاصلاح.
ثم تميز الولاء لالالبيت(ع) والاتباع الفكرى
والسياسى
بالمناداه بالبيعهلعلى بعد مقتل الخليفه عثمان.
فانحاز لعلى
البدريون واهل بيعهالرضوان وسائر المهاجرين
والانصار للوقوف
بوجه السلطه الامويه التىقادها معاويه ابن ابى
سفيان فى
الشام.
وحين توارى نجم الخلافه باستشهاد الامام على بن ابى
طالب(ع) عام(40 ه ) واضطرار الامام الحسن بن على
للتنازل
عن الخلافه لمعاويه بعدعده اشهر من توليه شوون
الخلافه،
تحول الولاء الى اهل البيت واتباعمنهجهم الى
جريمه فى عرف
الحكم الاموى، يعاقب عليها بالقتلوالسجن
والاضطهاد. ورغم
ذلك فقد استمر الولاء والاتباع لال البيت،وتعميق
منهجهم
الفكرى والفقهى وترسيخ مسارهم السياسى.
واتسعتدائره
الانتماء اليهم، لاسيما بعد ثوره الامام الحسين بن
على على
سلطهيزيد بن معاويه واستشهاده عام (61ه ) ، ولقد
اطلق على
اتباع اهل البيتاسم (الشيعه)، وسمى الانتماء
والولاء لهم
(تشيعا).
ويذكر لنا كتاب السير ان اسم الشيعه كان يطلق فى عهد
النبى(ص) علىاربعه من الصحابه (ابى ذر وسلمان
وعمار ابن
ياسر والمقداد)، فقد كانوايعرفون بشيعه على(ع) فى
ذلك
العهد.
وفى هذا البحث الموجز سنعرف بابرز معالم هذه
المدرسه
الفكريهوهذا الاتجاه الاسلامى الاصيل (التشيع)
الذى اسس
على يد علىوبنيه وحمل منهجهم ورويتهم للاسلام
وفهمهم
لمحتوىالكتابوالسنه المطهره.
التشيع .. النشاه الاولى
الشيعه فى اللغه: هم الاتباع والانصار، ثم صار اسم
الشيعه
مصطلحاخاصا واسما علما لاتباع آل البيت النبوى -على
وبنيه.
عرف ابن منظور الشيعه فى قاموسه اللغوى الشهير
(لسان
العرب) نقلاعن الازهرى: (والشيعه قوم يهوونهوى
عتره
النبى(ص) ويوالونهم، وقد غلب هذا الاسم على من
يتولىعليا
واهل بيته حتى صار لهم اسما خاصا).
ان دراسه وتحليل التشيع ككيان ومدرسه واتجاه
اسلامى
توصلنا الى انالامامه لال البيت النبوى -على
وبنيه هى حجر
الزاويه فى بنائه،والاساس الذى شيد عليه، ذلك لان
الامامه
تشكل الركن الاساس مناركان المعتقد الاسلامى
والامتداد
المتواصل للمسيره النبويه، لما لهامن اهميه كبرى
فى بيان
الفكر الاسلامى، وحفظالشريعه وتطبيقها، ومواصله
مسووليه
الدعوه والتغيير بعد النبوه. لذااجمع المسلمون على
وجوبها الا
من شذ من الخوارج والمعتزله.
ويقرر القرآن الكريم اهميه الامامه وقيمتها
الفكريه والسياسيه
والعقيديهعندما يجعلها عهدا الهيا للخيره
والصفوه المختاره
من عباده.
قال تعالى مصورا الحوار حول الامامه مع نبيه وخليله
ابراهيم(ع): (واذابتلى ابراهيم ربه بكلمات فاتمهن
قال انى
جاعلك للناس اماما قال ومن ذريتى قال
لاينال
عهدى
الظالمين).
وفى آيه اخرى نقرا بيانا آخر لموقع الامامه وقيمتها
واهميتها
فى الحياهالبشريه من خلال وصفه للنبيين الذين
استحقوا
الامامه.
قال تعالى: (وجعلنا منهم ائمه يهدون بامرنا لما
صبروا وكانوا
باياتنايوقنون).
ولاهميه الامامه فى استمرار المسيره الاسلاميه
منخلال اقامه
الدوله، وبيان الشريعه، وحفظ النقاء والاصاله، نجد
الرسولالكريم محمدا(ص) يربط بينها وبين الايمان
بحقيقته
وجوهرهفيقول(ص):
(من مات وهو لا يعرف امام زمانه مات ميته جاهليه).
وبقوله: (من مات وليس فى عنقه بيعه مات ميته جاهليه).
وبقوله: (من مات بغير امام مات ميته جاهليه).
وتاسيسا على هذا البيانالنبوى نجد الامام
الصادق(ع) يتحدث
عناهميه الامام القائد للامه فى مسيرها الفكرى
والسياسى
والحضارى ووجوب الامامه، فيقول:
(لو لم يكن فىالارض الا اثنان لكان الامام احدهما).
وانطلاقا من هذه الحقائق اعطى الفكر الشيعى مساله
الامامه
الاهميه الكبرى، وآمن بان الامامه خلافه النبوه،
وانها:(رئاسه
عامه فى امورالدين والدنيا لشخص من الاشخاص نيابه
عن
النبى).
لذا كانت الامامه فى الفكر الشيعى مساله عهد نبوى،
ونيابه
عنالنبى(ص). وتحديد اشخاصها والمضطلعين بها بعد
النبوه
هى من مهام النبى(ص).
ولذلك آمن الاتجاه الشيعى: ان مساله خطيره تتعلق
بمصير
الامهوالرساله كمساله الامامه لا يمكن ان يهملها
النبى(ص)
لتواجه مشاكل الخلاف والتمزق والصراع، وهو الحريص
علىمستقبل الامه، والمكلف بحفظ المسيره.
واستدلوا لذلك
بالبيانالقرآنى، وبالمواقف والتصريحات النبويه
التى دلت دلاله
صريحه علىان الرسول الهادى محمدا(ص) كان منذ بدء
الدعوه مواظبا على اعدادطليعه من اصحابه والمومنين
برسالته، ليكونوا طلائع الفكر والمسير،وتلامذه
يعون محتوى
الرساله، ويستوعبون مضمون الاسلام بعمقهوشموله
وحركته
التغييريه الكبرى. وان العنايه النبويه قد تركزت
باعدادشخصيه
الامام على(ع) وتربيته اكثر من ايه شخصيه اخرى
منشخصيات الصحابه.
فقد ضمه النبى (ص) الى اسرته منذ نشاته الاولى،
ورباه فى
بيته علىخلقه وادبه قبل ان يبعث(ص) نبيا، فكانت
نشاته فى
بيت النبوه قد صانتهمن رجس الجاهليه، وعصمته من
سلوك
ذلك المجتمع الوثنى، فلميسجد لصنم قط.
وحين اختار اللّه نبيه محمدا(ص) لحمل الرساله
وهدايه
البشريه كان الامامعلى هو اول المصدقين به،
والمتلقين
لدعوته، فعايش الدعوه والرسالهمن ساعاتها الاولى
بفكره
ووعيه وسلوكه، من خلال ما اولاه النبى(ص)فى هذه
المرحله
من عنايه الاعداد الرسالى، وتلقينه العلوم
والمعارفالتى تلقاها
من رب العزه، كما يعتنى الاستاذ بابرز تلامذته
وطليعه الموهلين منهم.
اخرج النسائى عن ابن عباس عن على(ع) قوله:(كانت لى ساعه من السحر ادخل فيها علىرسول اللّه(ص)
فان
كان فىصلاته سبح،فكانذلك اذنه لى، وانلم
يكنفى
صلاتهاذن لى).
واخرج النسائى ايضا عن على انه قال:
(كان لى من النبى(ص) مدخلان: مدخل بالليل، ومدخل
بالنهار، فكنت اذا دخلتبالليل تنحنح لى).
ثم اخرج ايضا عن على قوله:
(كنتاذاسالترسولاللّه(ص)اعطانى،واذاسكتابتدانى).
وروى الحاكم فى المستدرك هذا الحديث، وقال: (صحيح
على
شرطالشيخين ولم يخرجاه).
ولقد كان الامام على يصف علاقته برسول اللّه حين
احتضنه
ورباه فىبيته، فيقول:
(ولقد كنت اتبعه اتباع الفصيل اثر امه، يرفع لى فى
كل يوم من
اخلاقه علما،ويامرنى بالاقتداء به...).
وتتابع الاهتمام النبوى بعلى، والتصريح فى مواقف
عديده
بمقامهومكانته، حتى اتضح لجيل الصحابه ان
النبى(ص) كان
يعده، ويوهلهلمسووليه الامامه والقياده.
فقد روى عنه(ص) يوم امره اللّه ان ينذر عشيرته بقوله:
(وانذر
عشيرتكالاقربين) انه دعا ثلاثين رجلا من عشيرته واطعمهم،
فلما انتهوا منتناول الطعام قال لهم: (من يضمن عنى
دينى،
ومواعيدى، ويكون خليفتى،ويكون معى فى الجنه؟).
فقال على: انا. فقال: انت.
كما روى عن النبى(ص) قوله لعلى، حين استخلفه على
المدينه فى غزوهتبوك: (اما ترضى ان تكون منى
بمنزله هارون
من موسى الا انه لا نبى بعدى).
وروى عنه(ص) ايضا قوله: (ان عليا منى وانا من على، لا
يودى
عنى الا انا اوعلى).
وكما احتج الاتجاه المشايع لال البيت(ع) بهذه
المواقفالنبويه
الكريمهاحتج ايضا بما جاء فى كتاب اللّه، وهو
يعرف بعلى
ومقامه فى آياتعديده، منها قوله تعالى: (انما يريد
اللّه ليذهب
عنكم الرجس اهل البيتويطهركم تطهيرا). فقد فسر
النبى
هذه الايه بقوله وفعله.
روى جلال الدين السيوطى فى تفسيره الدر المنثور
فى تفسير
هذه الايه:ان رسول اللّه جمع عليا وفاطمه والحسن
والحسين
تحت ردائه عندنزول هذه الايه، وقال: (اللهم هولاء
اهل محمد
فاجعل صلواتك وبركاتك علىآل محمد كما جعلتها على
آل
ابراهيم). وايد هذه الروايه كل من الحاكم فىشواهد
التنزيل،
والطحاوى فى مشكل الاثار، واحمد ابن حنبل
فىمسنده،
والنسائى فى السنن الكبرى.
واحتج بما اجمع عليه المسلمون ان قوله تعالى: (انما
وليكم
اللّه ورسولهوالذين امنوا الذين يقيمون الصلاه
ويوتون الزكاه
وهم راكعون × ومن يتولاللّه ورسوله والذين امنوا
فان حزب اللّه
هم الغالبون) نزل فى على، حينتصدق على فقير دخل
المسجد وهو راكع فى صلاته.