فهرس الكتاب

مكتبة أهل البيت (ع)

مكتبة الموقع

 

النسخ
المعنى اللغوي: (النسخ: ازالة شي‏ء بشي‏ء يتعقبه، كنسخ الشمس الظل، والظل‏الشمس، والشيب الشباب، فتارة يفهم منه الازالة، وتارة يفهم منه الاثبات، وتارة يفهم‏منه الامران)(244).
وفي المصباح المنير: (... قال ابن فارس: وكل شي‏ء خلف شيئا، فقد انتسخه. فيقال:انتسخت الشمس الظل، والشيب الشباب، اي ازاله...)(245).
المعنى الاصطلاحي: ومن الواضح ان القرآن الكريم قد استعمل الالفاظ العربية بمعان‏خاصة، فصارت لها بعد ذلك الاستعمال
دلالات شرعية. تفهم عند الاطلاق، فتحولت‏بذلك الى اصطلاحات قرآنية محددة المعنى والدلالة.
ومن خلال دراسة العلماء المختصين للنسخ في القرآن يتضح لنا ان لهذا المصطلح اكثرمن استعمال. كما لهم آراء وتطبيقات متفاوتة نذكر ابرزها بعد ايراد التعريف‏الاصطلاحي للنسخ.
عرف الراغب الاصفهاني النسخ بقوله: «نسخ الكتاب: ازالة حكم بحكم يتعقبه. قال‏تعالى: (ما ننسخ من آية او ننسها نات بخير منها) قيل: معناه ما ننزل العمل بها، اونحذفها عن قلوب العباد، وقيل: معناه ما نوجده وننزله، من قولهم نسخت‏الكتاب...»(246).
وقال الفيومي:
«...والنسخ الشرعي: ازالة ما كان ثابتا بنص شرعي، ويكون في اللفظ والحكم. وفي‏احداهما سواء فعل، كما في اكثر الاحكام او لم يفعل، كنسخ ذبح اسماعيل بالفداء، لان‏الخليل(ع) امر بذبحه، ثم نسخ قبل وقوع الفعل...»(247).
وقال الشيخ الطوسي: «واما الناسخ فهو كل دليل شرعي يدل على زوال مثل الحكم‏الثابت بالنص الاول في المستقبل، على وجه لولاه لكان ثابتا بالنص الاول مع تراخيه‏عنه‏»(248).
وعرفه الشهيد الصدر بقوله: «والنسخ اذا اخذناه بمعناه الحقيقي وهو رفع الحكم بعدوضعه وتشريعه، بل واقع في الاحكام العرفية بلاكلام، وادعي وقوعه في الاحكام‏الشرعية من قبل بعض الاصوليين، فسوف لن يكون النسخ من باب التعارض والتنافي‏بين الدليلين بحسب الدلالة ومقام الاثبات، لان الدليل الناسخ حينئذ لايكون مكذبا للدليل المنسوخ، لا بلحاظ دلالته على اصل الحكم المنسوخ، ولا بلحاظ دلالته على‏دوامه واستمراره، وانما يكون دالا على تبدل الحكم وتغيره ثبوتا بعد ان كان نظرالشرع على طبق المنسوخ حدوثا وبقاء حقيقة، فالنسخ في الشريعة على هذا الاساس‏وان كان من الاختلاف والتنافي في الحكم، وقد يكون له مبرراته من التدرج في مقام ‏التقنين والتشريع، او غيره من المبررات، الا انه يكون تنافيا في عالم الثبوت، وليس من‏التعارض الذي هو التنافي في عالم الاثبات‏»(249).
وعرف الفقيه الراحل السيد ابو القاسم الخوئي النسخ بقوله: «هو رفع امر ثابت في‏الشريعة المقدسة بارتفاع امده وزمانه‏»(250).
وعرفه بقوله ايضا: «المعروف بين العقلاء، من المسلمين وغيرهم، هو جواز النسخ‏بالمعنى المتنازع فيه: رفع الحكم عن موضوعه في عالم التشريع والانشاء»(251).
ومن خلال التعريفات الانفة الذكر يتضح لنا ان النسخ حاصل في الشريعة الاسلامية،كما هو واقع في الشرائع الالهية الاخرى، قد فعله المشرع لحكمة ومصلحة، ومن‏مظاهر هذه الحكمة ان يكون التشريع مرتبطا بالتكوين البشري، وبطبيعة
الاوضاع‏والتطورات البشرية المعاشة، لذا كان التدرج في التشريع، وكان التغيير والتبديل في‏الاحكام. وعند دراسة الاستعمالات وتعريفات (النسخ) يتضح لنا ان للنسخ عندالعلماء استعمالات متعددة، وفي التلخيص الاتي نقرا هذه الاستعمالات والمعاني.
فقد جاء في المنتقى: «وقد كانت لفظة النسخ تعني عند الصحابة والتابعين مطلق التغيرالذي يطرا على بعض الاحكام، سواء رفعها، وحل محلها، او خص ما فيها من عموم،او قيد ما فيها من اطلاق وامثالها من اساليب البيان‏»(252).
«ثم جاء المفسرون فيما بعد ليجعلوا كلمة النسخ تعني مايشمل التخصيص والتقييدوالاستثناء، وترك العمل بالحكم لانتهاء امده، او لتغيير ظرفه، او تبدل موضوعه وغيرها»(253).
وهكذا يتضح لنا ان لكلمة النسخ عدة معان استعملت فيها عبر تاريخها، غير ان‏استعمالها استقر لدى المتاخرين برفع الحكم واستبداله بحكم آخر.
وقد فصلت مواضع التخصيص والتقييد والاستثناء، والتي فهمها بعض القدماء عبارة‏عن نسخ جزئي لاختلاط موضوعاتها لديهم، ودرست دراسة مستقلة في مباحث علم‏اصول الفقه، وبذا صار مصطلح النسخ خاصا برفع الحكم الثابت في الشريعة
لانتهاءامده وزمانه.
وقد اوضح الشهيد الصدر بقوله الانف الذكر الفرق بين النسخ والتعارض، بان النسخ‏هو التنافي في عالم الثبوت، في حين يكون التعارض تنافيا في عالم الاثبات.

مجالات النسخ:
ويدرس النسخ في مجالين اثنين هما:
1- نسخ اللاحق من الشرائع لما قبلها، كنسخ الشريعة الاسلامية لما سبقها من‏الشرائع.
2- نسخ بعض احكام الشريعة الاسلامية لاحكام اخرى والحلول محلها.
ولتوضيح نسخ الرسالة الاسلامية لما سبقها من الرسالات ونلخصه بالاتي:
1- ان العقيدة التي بشر بها الانبياء جميعا، وهي عقيدة التوحيد، وما ارتبط بها من وحي‏ونبوة وبعث وجزاء، وغير ذلك من فروع العقيدة ومسائلها، هي عقيدة واحدة، لاتغيير فيها، ولا نسخ ولاتبديل، غير ان ما جاء به النبيون، كموسى وعيسى(ع) قدحرف وغير على ايدي المخربين العابثين برسالات اللّه، لذا نجد التفاوت بينها وبين ماجاء به القرآن الكريم.
2- ان كل ما اخبر اللّه به النبيين من وقائع وحوادث وتعريف بحقائق الوجود وامثالها لانسخ فيه ولا تبديل، لانه اخبار حق
عن واقع وحقائق قائمة.
3- ان الاخلاق والقيم التي جاء بها النبييون، هي قيم اخلاقية واحدة، كالصدق والامانة‏والعدل... الخ فلا نسخ فيها ولا تبديل.
4- ان النسخ واقع في التشريع من العبادات والمعاملات واحكام القضاء...الخ فمانسخته الشريعة الاسلامية من الرسالات
الالهية السابقة هو محصور في التشريع.

5- وكما نسخت الشريعة الاسلامية الشرائع السابقة، فقد وقع النسخ في احكام‏الشريعة الاسلامية ذاتها لحكمة ومصلحة تتعلق بالتدرج في تطبيق الاحكام، واذافالحكم المنسوخ هو حكم مؤقت‏قد شرعه المشرع الحكيم الى اجل ليستبدله بغيره‏لحكمة ومصلحة تتعلق بالانسان ذاته.

مجالات النسخ في الرسالة الاسلامية:
سبق الحديث عن مجالات النسخ بين الرسالات الالهية، ونعود هنا فنتحدث عن‏النسخ في الشريعة الاسلامية ذاتها كما نثبت ايضا ان النسخ في الشريعة الاسلامية لايشمل الا جانب الاحكام ايضا، كما مر سابقا، فلانسخ في العقيدة، وقيم الاخلاق، اومااخبر اللّه سبحانه وتعالى به من وقائع، او مابينه من علوم ومعارف، ولقداختلف‏علماءالاسلام‏في مايمكن ان ينسخ من القرآن اي ماينسخ من آيات القرآن ومالاينسخ.

ولايضاح هذه المسالة المتنازع عليها بين المسلمين نلخصها بالاتي:
1- ان الاية الكريمة هي عبارة عن نص لفظ‏ي يحمل حكما شرعيا او مفهوما عقيديا اومعرفة حقة، وهي قرآن يتلى.
2- اجمع المسلمون على وقوع نسخ حكم الاية مع بقاء التلاوة اي ان الاية باقية، وهي‏جزء من القرآن يتلوها المسلمون، غير ان حكمها معطل تعطيلا نهائيا، لاستبداله بغيره‏من الاحكام، كية النجوى: وهي قوله تعالى: (يا ايها الذين آمنوا اذا ناجيتم الرسول‏فقدموا بين يدي نجواكم صدقة...).
3- نسخ التلاوة وبقاء الحكم: اختلف المسلمون في وقوع النسخ بهذا المعنى، فذهب‏الشيعة الامامية الى عدم وقوع هذا الصنف من النسخ وان ما اعتمد عليه في هذاالمجال، ان هو الا اخبار آحاد، لاصحة فيها، اضافة الى ان النسخ لا يثبت باخبار الاحادباجماع المسلمين، فليس هناك آية نسخت تلاوتها وبقي حكمها. اي ليست هناك آية‏كانت جزءا يتلى من القرآن، ثم رفعها اللّه سبحانه، وهي غير موجودة الان بتلاوتها، مع‏بقاء حكمها. وذهب اتباع المذاهب الستة الى جواز ذلك. وقد مر علينا في تعريف‏النسخ المتبنى في هذه المدرسة، كما في تعريف الفيومي الذي جاء فيه (...ويكون في‏اللفظ والحكم او في احداهما).
وقد اشار الراغب الاصفهاني الى هذه النظرية عند تفسيره قوله تعالى: (ما ننسخ من‏آية او ننسها نات بخير منها) قيل: معناه مانزيل العمل بها، او نحذفها عن قلوب‏العباد...) وقد استدل القائلون بهذه النظرية بية الرجم.
ذكر السيوط‏ي ان ابن اشتة: (اخرج في المصاحف عن الليث بن سعد: اول من جمع‏القرآن ابو بكر، وكتبه زيد... وان عمر اتي بية الرجم فلم يكتبها، لانه كان‏وحده)(254).
وآية الرجم التي ادعى عمر انها من القرآن، ولم يقبل منه. رويت بوجوه: منها: (اذا زنى‏الشيخ والشيخة فارجموهما البتة نكالا من اللّه واللّه عزيز حكيم)(255).
4- نسخ التلاوة والحكم: ولقد اختلف في وقوع هذا الصنف من الاحكام فذهب‏الشيعة الامامية الى عدم وقوعه في القرآن، وليس هناك من دليل عليه، وذهب بعض‏علماء المدرسة السنية الى وقوع ذلك في القرآن، واستدلوا بروايات آحاد على ذلك،منها ان عروة بن الزبير روى عن عائشة انها قالت: (وكانت سورة الاحزاب تقرا في‏زمن النبي(ص) مائتي آية، فلما كتب عثمان المصاحف، لم نجد منها الا ماهوالان)(256).
وقال السيوط‏ي: (النسخ في القرآن ثلاثة اضرب: احدها ما نسخ تلاوته وحكمه معا.قالت عائشة: كان فيما انزل: عشر رضعات معلومات، فنسخن بخمس معلومات،فتوفي رسول اللّه، وهن مما يقران رواه الشيخان...)(257).

ادوات النسخ:
اما ادوات النسخ كما ذكرها العلماء، فهي:
1- ان السنة المتواترة والاجماع القطعي الكاشف عن السنة الناسخة ينسخان الحكم‏الثابت بالقرآن(258)، ولكن ليس لهذا الصنف من النسخ مثل واحد في الشريعة‏الاسلامية، وانما هو مجرد قول بالامكان والجواز، واجمع المسلمون ان النسخ لايثبت بخبر الاحاد.

2- ان الحكم الثابت بالقرآن ينسخ بية اخرى منه ناظرة الىالحكم المنسوخ ومبينة‏رفعه، وهذا القسم ايضا لااشكال فيه(259).
3- ان الحكم الثابت بالقرآن ينسخ بية اخرى غير ناظرة الى الحكم السابق ولا مبينة‏لرفعه، وانما يلتزم بالنسخ لمجرد التنافي بينهما، فيلتزم بان الاية المتاخرة ناسخة‏لحكم الاية المتقدمة.
والتحقيق ان هذا القسم غير واقع في القرآن(260).
وقال السيوطي: متحدثا عن ادوات النسخ و اختلف العلماء، فقيل: لاينسخ القرآن الا بالقرآن، لقوله تعالى: (ما ننسخ من آية او ننسها نات بخير منها او مثلها) قالوا: ولايكون مثل القرآن، وخيرا الا القرآن.
وقيل: بل ينسخ القرآن بالسنة، لانها ايضا من عند اللّه: قال تعالى: (وما ينطق عن‏الهوى) وجعل منه آية الوصية الاتية.
والثالث: اذا كانت السنة بامر اللّه تعالى من طريق الوحي نسخت، وان كانت‏باجتهاد(261) فلا. حكاه ابن حبيب النيسابوري في تفسيره.
وقال الشافعي: «حيث وقع نسخ القرآن بالسنة، فمعها قرآن عاضد لها وحيث وقع نسخ‏السنة بالقرآن فمعه سنة معاضدة له، ليتبين توافق القرآن والسنة...»(262).
ومن القضايا التي ينبغي ايضاحها عند الحديث عن النسخ هو ماذهب اليه البعض من‏ان الشيعة تؤمن بان الائمة مفوض اليهم نسخ القرآن، وقد سجل الشيخ الطوسي ذلك الزعم ورد عليه قائلا:
«وحكى البلخي في كتاب التفسير فقال: قال قوم ليسوا ممن يعتبرون، ولكنهم من‏الامة على حال: ان الائمة المنصوص عليهم بزعمهم مفوض اليهم نسخ القرآن‏وتدبيره، وتجاوز بعضهم حتى خرج من الدين بقوله: ان النسخ قد يجوز على وجه‏البداء، وهو ان يامر اللّه عزوجل عندهم بالشي‏ء، ولا يبدو له، ثم يبدو له فيغيره، ولايريد في وقت امره به ان يغيره هو، ويبدله وينسخه، لانه عندهم لا يعلم الشي حتى‏يكون، الا ما يقدره فيعلمه علم تقدير، وتعجرفوا فزعموا ان ما نزل بالمدينة ناسخ لمانزل بمكة‏»(263).
ثم علق الطوسي رادا على ذلك بقوله: «واظن انه عنى بهذا اصحابنا الامامية، لانه ليس‏في الامة من يقول بالنص على الائمة(ع) سواهم، فان كان عناهم فجميع ما حكاه عنهم باطل، وكذب عليهم، لانهم لا يجيزون النسخ على احد من الائمة(ع) ولا احد منهم‏يقول بحدوث العلم، وانما يحكى عن بعض من تقدم من شيوخ المعتزلة كالنظام‏والجاحظ وغيرهما وذلك باطل، وكذلك لا يقولون: ان المتاخر ينسخ المتقدم الا بالشرط الذي يقوله جميع من اجاز النسخ، وهو ان يكون بينهما تضاد وتناف لا يمكن‏الجمع بينهما، واما على خلاف ذلك فلا يقوله محصل منهم‏»(264).
واوضح الفقيه الاسلامي الكبير الشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر ان النسخ‏محصور في سنة الرسول(ص) دون ما صدر عن الائمة(ع) جاء في قوله: «وهكذا يتضح ان تغير آراء الشريعة عن طريق النسخ يكون ايضا احد العوامل المستوجبة‏للتعارض بين الاحاديث‏والنصوص، ولكن التعارض على اساس هذا العامل تنحصر دائرته في النصوص‏الصادرة عن النبي(ص) ولا تعم النصوص الصادرة عن الائمة(ع) لما ثبت في محله‏من انتهاء عصر التشريع بانتهاء عصر النبي(ص) وان الاحاديث الصادرة عن الائمة‏المعصومين ليست الا بيانا لما شرعه النبي(ص) من الاحكام وتفاصيلها»(265).

وبذا يوضح الشهيد الصدر ان احاديث الائمة ليس لها قوة نسخ احاديث‏الرسول(ص) فكيف تكون لها قوة نسخ القرآن.

وهكذا يتضح بطلان التهمة الموجهة الى عقيدة الشيعة الامامية في هذه المسالة من‏خلال ما قرانا من رد الشيخ الطوسي، وتوضيح الشهيد الصدر.

واخيرا نخلص الى:
1- ان النسخ هو عبارة عن رفع الحكم الثابت لانتهاء امده وزمانه.
2- ان النسخ محصور فقط برفع الحكم مع بقاء التلاوة.
3- لم تنسخ آية من كتاب اللّه من الناحية الفعلية الا بية اخرى.
4- ان نسخ الاية لاية اخرى محصور في ان تكون الاية قد جاءت موجهة لنسخ تلك‏الاية فقط. اما ان تكون الاية اللاحقة مخالفة للسابقة فلا تعد ناسخة لها.
لذا فقد ابطل بعض المحققين المتاخرين كثيرا مما قيل انها آيات ناسخة، واخرى‏منسوخة، ولعل كتاب البيان في تفسير القرآن للسيد ابي القاسم الخوئي شاهد علمي‏معاصر على هذا الاتجاه.

 

المحكم والمتشابه
من المباحث الاساسية في علوم القرآن هو مبحث المحكم والمتشابه. والمحكم‏والمتشابه هما مصطلحان قرآنيان، استعملهما القرآن الكريم وعرف ان آياته فيهاالمحكم والمتشابه.
وتعني كلمة المحكم في اللغة المتقن الذى لا اضطراب فيه ولا اختلاف. (ومنه حديث‏صفة القرآن (وهو الذكر الحكيم) اي الحاكم لكم، او هو المحكم الذي منه حديث ابن‏عباس: قرات المحكم على عهد رسول اللّه، يريد المفصل من القرآن، لانه لم ينسخ منه‏شي‏ء، وقيل: ما لم يكن متشابها، لانه احكم بيانه بنفسه، ولم يفتقر الى غيره‏»(266).
عرف العلماء المختصون بالتفسير والدراسات القرآنية المحكم والمتشابه بتعاريف‏مختلفة، وحددوا معناهما، فكانت هناك اتجاهات وآراء في تحديد وفهم معنى‏المحكم والمتشابه.
وفيما يلي نورد عددا من تلك التعاريف:
عرف الراغب الاصفهاني المحكم بقوله: (ما لا يعرض فيه شبهة من حيث اللفظ، ولامن حيث المعنى‏»(267).
ونقل الحافظ جلال الدين السيوط‏ي تعاريف عديدة للمحكم والمتشابه نذكر منها: «المحكم ما عرف المراد منه، اما بالظهور، واما بالتاويل، والمتشابه ما استاثر اللّه بعلمه،كقيام الساعة، وخروج الدجال والحروف المقطعة في اوائل السور»(268).
وقيل: «المحكم ما لا يحتمل من التاويل الا وجها واحدا، والمتشابه ما احتمل‏اوجها»(269).
ونقل عن عبد بن حميد عن الضحاك: «المحكمات ما لم ينسخ منه، والمتشابهات ما قدنسخ‏»(270).
وروي عن عكرمة وقتادة وغيرهما: «ان المحكم الذي يعمل به، والمتشابه الذي يؤمن‏به، ولا يعمل به‏»(271).
وعرف الفقيه السيد محمد باقر الصدر المحكم والمتشابه بقوله: «فالمحكم من الايات‏ما يدل على مفهوم معين لانجد صعوبة، او ترددا في تجسيد صورته، او تشخيصه في‏مصداق معين. والمتشابه‏ما يدل على مفهوم معين تختلط علينا صورته الواقعية ومصداقه الخارجي‏»(272).
وعرف الفخر الرازي المحكم والمتشابه بقوله: «...ان اللفظ اما ان يكون نصا، اوظاهرا، او مؤولا، او مشتركا، او مجملا».
اما النص والظاهر فيشتركان في حصول الترجيح الا ان النص راجح مانع عن الغير.والظاهر راجح غير مانع من الغير، فهذا القدر المشترك هو المسمى بالمحكم.
واما المجمل والمؤول فهما مشتركان في ان دلالة اللفظ عليه غير راجحة. وان لم يكن‏راجحا لكنه غير مرجوح. والمؤول مع انه غير راجح فهو مرجوح لا بحسب الدليل‏المنفرد. فهذا القدر المشترك هو المسمى بالمتشابه، لان عدم الفهم حاصل في‏القسمين جميعا...»(273).
وورد عن الامام جعفر الصادق(ع): «ان القرآن محكم ومتشابه، فاما المحكم فنؤمن‏به، ونعمل به، وندين به، واما المتشابه فنؤمن به، ولا نعمل به، وهو قول اللّه عزوجل:(واما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه...)...».
وورد عن ائمة اهل البيت(ع) ايضا: «من رد متشابه القرآن الى محكمه هدي الى‏صراط مستقيم‏»(274).
واستعمل القرآن الكريم وصف (المحكم والمتشابه) لكل ما ورد فيه، فهو:
1- وصف آياته كلها بانها محكمة، فقال تعالى: (الر # كتاب اءحكمت آياته...).
ومعنى الاحكام الوارد في هذه الاية وامثالها هو الضبط والاتقان، فلا شي‏ء في آي‏القرآن غير محكم في لغته واسلوبه وبيانه ودقة معانيه، وانسجامه مع غيره من الايات،وعدم تناقضه معها.
(لو كان من عند غير اللّه لوجدوا فيه اختلافا كثيرا).
(صنع اللّه الذي اتقن كل شي‏ء...).
2- وصف آياته كلها بالمتشابه، جاء ذلك بقوله تعالى (اللّه نزل احسن الحديث كتابامتشابها)(275).
ويقصد بالتشابه هنا التماثل في الاتقان والبلاغة والاهداف والاتساق.
3- وصف القرآن آياته بان فيها المحكم والمتشابه، بالمعنى الاصطلاحي الذي حدده‏العلماء. جاء هذا الوصف في قوله تعالى: (هو الذي انزل عليك الكتاب منه آيات‏محكمات هن اءم الكتاب واءخر متشابهات فاما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه‏منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تاويله وما يعلم تاويله الا اللّه والراسخون في العلم يقولون‏آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر الا اولوا الالباب)(276).
ومن خلال تعاريف العلماء ودراساتهم للمحكم والمتشابه نعرف دلالة هذه الاية،وماذا يعني المحكم والمتشابه الواردان فيها؟ ولماذا كانت هناك آيات متشابهة، ولم‏تكن جميعها محكمة بهذا المعنى؟

لماذا المتشابه في القرآن:
اتضح لنا ان القرآن كله كتاب محكم في المبنى والمعنى، في الشكل والمضمون، سواءما سمي منه محكما، او ما اطلق عليه اسم المتشابه. وعرفنا المقصود بالمتشابه بانه‏الاي الذي يصعب تشخيص مصداقه في العالم الخارجي، كما يذهب الشهيد الصدر،رضوان اللّه عليه الى ذلك، ومفسرون آخرون. وقد يورد البعض سؤالا لماذا كان المتشابه في القرآن ؟.. اليس القرآن كتاب بيان‏وهداية للبشرية؟ او ليس المفروض ان يكون كله محكما لاتشابه فيه؟ فهو صادر عن‏خالق الوجود، وهو القادر العليم.
ويجيب العلماء الباحثون على هذا الاشكال بان الداعي لوجود المتشابه في القرآن، هومستوى قدرة الانسان على فهم الحقائق التي تحدث عنها القرآن في هذه الايات،وادراكها اولا.

وحقيقة القضايا التي تحدث عنها في تلك المواضع ثانيا.

فمثلا تحدث القرآن عن صفات اللّه تعالى، وعن عوالم الغيب المجردة عن الحسيات،وعالم الممكنات المعهود لدى الانسان، فعبر عنها باللفظ الذي يقرب الفهم الى ذهنه،فاستعمل كلمة (العرش) و (الكرسي) و (اليد) و (الغضب) و (المكر) و (السخط) و(الرضا) عند وصفه للخالق سبحانه، او التعريف بملكه وسلطانه، لتقريب المعاني‏والحقائق الخارجية الى ذهن الانسان.
كما ان من اسباب وجود المتشابه في القرآن، هو دعوة العقل البشري الى التحري‏والبحث، وبلورة الفهم المختلط، ولاختبار الانسان في عقيدته وايمانه، فهو يواجه‏المحكم والمتشابه، وهو مدعو الى فهم المتشابه على ضوء المحكم لاسباب لغوية،كالمشتركات اللفظية، وكاللجوء الى استعمال المجاز.. وثبت ائمة اهل البيت(ع) المنهج السليم لفهم المتشابه، فقد ورد عن الامام‏الصادق(ع): «من رد متشابه القرآن الى محكمه فقد هدي الى صراط مستقيم‏».
فمن المحكمات مثلا قوله تعالى: (ليس كمثله شي‏ء...) وقوله تعالى: (لا تدركه‏الابصار وهو يدرك الابصار).
فيرد المتشابه في صفات اللّه تعالى اليها كقوله تعالى: (يد اللّه فوق ايديهم) وقوله: (وسع كرسيه السماوات والارض). وقوله تعالى: (وجوه يومئذ ناضرة الى ربها ناظرة). فتفسير كلمة (ناظرة) بالراجية‏المنتظرة للعطاء بعد ردها الى قوله تعالى: (لاتدركه الابصار وهو يدرك الابصار).
ينهي ماقد يتوهمه البعض من التجسيم ورؤية اللّه بالبصر البشري.

244- الراغب الاصفهاني ، المفردات في غريب القرآن : كتاب النون .
245-
الفيومي : المصباح المنير .
246-
المفردات في غريب القرآن .
247-
القيومي ، المصباح المنير .
248-
مقدمة التبيان : 1/12 ، دار احياء التراث العربي بيروت .
249-
السيد محمود الهاشمي ، الجزء 4 مجلد7 ، تقرير ابحاث الشهيد السعيد آية اللّهالسيد محمد باقر الصدر : تعارض الادلة ص‏29 30 .
250-
البيان في تفسير القرآن : ص‏296 .
251-
البيان في تفسير القرآن : ص‏297 .
252-
علوم القرآن ، المنتقى : ص‏169 .
253-
العتائقي الحلي ، الناسخ والمنسوخ : تحقيق الدكتور الفضلي ، مقدمة المحقق‏7 .
254-
الاتقان : 1/167 168 ، المكتبة العصرية بيروت ط سنة 1408 ه .
255-
ابو القاسم الخوئي ، البيان في تفسير القرآن : ص‏220 221 .
256-
المصدر السابق .
257-
الاتقان : 1/62 .
258-
ابو القاسم الخوئي، البيان في تفسير القرآن : ص‏305 . منقول من الاصل‏بتصرف.
259-
المصدر السابق : ص 305 306 .
260-
المصدر السابق .
261-
من الغريب حقا ان يقال ان الرسول يجتهد من عند نفسه في تشريع ، وهوليس امرا من اللّه سبحانه .
262-
الاتقان : 3/60 .
263-
الطوسي ، التبيان : المقدمة ، ص‏13 14 .
264-
المصدر نفسه .
265-
آية اللّه السيد محمود الهاشمي ، تقريرات بحوث آية اللّه العظمى السيد محمدباقر الصدر ، تعارض الادلة الشرعية : ص‏30 .
266-
ابن الاثير ، النهاية في غريب الحديث والاثر : 1/419 ، مؤسسة اسماعيليان .
267-
معجم مفردات الفاظ القرآن .
268-
جلال الدين السيوط‏ي ، الاتقان في علوم القرآن : ص‏3 .
269-
جلال الدين السيوط‏ي ، الاتقان في علوم القرآن : ص‏4 .
270-
جلال الدين السيوط‏ي ، الاتقان في علوم القرآن : ص‏5 .
271-
جلال الدين السيوط‏ي ، الاتقان في علوم القرآن : ص‏5 .
272-
علوم القرآن : ص‏137 .
273-
الفخر الرازي ، التفسير الكبير : تفسير سورة آل عمران ، الاية 7 .
274-
علوم ‏القرآن عند المفسرين: 3/74، مكتب الاعلام الاسلامي ‏في الحوزة العلمية/قم.
275-
سورة الزمر ، الاية 23 .
276-
سورة آل عمران ، الاية 7 .