النسخ
المعنى اللغوي:
(النسخ: ازالة شيء بشيء يتعقبه، كنسخ الشمس الظل، والظلالشمس، والشيب الشباب، فتارة
يفهم
منه الازالة، وتارة يفهم منه الاثبات، وتارة
يفهممنه
الامران)(244).
وفي المصباح المنير: (... قال ابن فارس: وكل شيء خلف
شيئا،
فقد انتسخه. فيقال:انتسخت الشمس الظل، والشيب
الشباب،
اي ازاله...)(245).
المعنى الاصطلاحي: ومن الواضح ان القرآن الكريم قد
استعمل
الالفاظ العربية بمعانخاصة، فصارت لها بعد ذلك
الاستعمال
دلالات شرعية. تفهم عند الاطلاق، فتحولتبذلك الى
اصطلاحات قرآنية محددة المعنى والدلالة.
ومن خلال دراسة العلماء المختصين للنسخ في القرآن
يتضح
لنا ان لهذا المصطلح اكثرمن استعمال. كما لهم آراء وتطبيقات
متفاوتة نذكر ابرزها بعد ايراد التعريفالاصطلاحي
للنسخ.
عرف الراغب الاصفهاني النسخ بقوله: «نسخ الكتاب:
ازالة
حكم بحكم يتعقبه. قالتعالى: (ما ننسخ من آية او
ننسها نات
بخير منها) قيل: معناه ما ننزل العمل بها، اونحذفها
عن قلوب
العباد، وقيل: معناه ما نوجده وننزله، من قولهم
نسختالكتاب...»(246).
وقال الفيومي:
«...والنسخ الشرعي: ازالة ما كان ثابتا بنص شرعي،
ويكون في
اللفظ والحكم. وفياحداهما سواء فعل، كما في اكثر
الاحكام او
لم يفعل، كنسخ ذبح اسماعيل بالفداء، لانالخليل(ع)
امر
بذبحه، ثم نسخ قبل وقوع الفعل...»(247).
وقال الشيخ الطوسي: «واما الناسخ فهو كل دليل شرعي
يدل
على زوال مثل الحكمالثابت بالنص الاول في
المستقبل، على
وجه لولاه لكان ثابتا بالنص الاول مع
تراخيهعنه»(248).
وعرفه الشهيد الصدر بقوله: «والنسخ اذا اخذناه
بمعناه
الحقيقي وهو رفع الحكم بعدوضعه وتشريعه، بل واقع في
الاحكام العرفية بلاكلام، وادعي وقوعه في
الاحكامالشرعية من
قبل بعض الاصوليين، فسوف لن يكون النسخ من باب
التعارض
والتنافيبين الدليلين بحسب الدلالة ومقام
الاثبات، لان
الدليل الناسخ حينئذ لايكون مكذبا للدليل المنسوخ،
لا بلحاظ
دلالته على اصل الحكم المنسوخ، ولا بلحاظ دلالته
علىدوامه
واستمراره، وانما يكون دالا على تبدل الحكم وتغيره
ثبوتا بعد
ان كان نظرالشرع على طبق المنسوخ حدوثا وبقاء
حقيقة،
فالنسخ في الشريعة على هذا الاساسوان كان من
الاختلاف
والتنافي في الحكم، وقد يكون له مبرراته من التدرج
في
مقام التقنين والتشريع، او غيره من المبررات، الا
انه يكون
تنافيا في عالم الثبوت، وليس منالتعارض الذي هو
التنافي في
عالم الاثبات»(249).
وعرف الفقيه الراحل السيد ابو القاسم الخوئي النسخ
بقوله:
«هو رفع امر ثابت فيالشريعة المقدسة بارتفاع امده
وزمانه»(250).
وعرفه بقوله ايضا: «المعروف بين العقلاء، من
المسلمين
وغيرهم، هو جواز النسخبالمعنى المتنازع فيه: رفع
الحكم عن
موضوعه في عالم التشريع والانشاء»(251).
ومن خلال التعريفات الانفة الذكر يتضح لنا ان النسخ
حاصل
في الشريعة الاسلامية،كما هو واقع في الشرائع
الالهية الاخرى،
قد فعله المشرع لحكمة ومصلحة، ومنمظاهر هذه
الحكمة ان
يكون التشريع مرتبطا بالتكوين البشري، وبطبيعة
الاوضاعوالتطورات البشرية المعاشة، لذا كان
التدرج في
التشريع، وكان التغيير والتبديل فيالاحكام. وعند
دراسة
الاستعمالات وتعريفات (النسخ) يتضح لنا ان للنسخ
عندالعلماء
استعمالات متعددة، وفي التلخيص الاتي نقرا هذه
الاستعمالات والمعاني.
فقد جاء في المنتقى: «وقد كانت لفظة النسخ تعني عند
الصحابة والتابعين مطلق التغيرالذي يطرا على بعض
الاحكام،
سواء رفعها، وحل محلها، او خص ما فيها من عموم،او
قيد ما
فيها من اطلاق وامثالها من اساليب البيان»(252).
«ثم جاء المفسرون فيما بعد ليجعلوا كلمة النسخ تعني
مايشمل التخصيص والتقييدوالاستثناء، وترك العمل
بالحكم
لانتهاء امده، او لتغيير ظرفه، او تبدل موضوعه
وغيرها»(253).
وهكذا يتضح لنا ان لكلمة النسخ عدة معان استعملت
فيها عبر
تاريخها، غير اناستعمالها استقر لدى المتاخرين
برفع الحكم
واستبداله بحكم آخر.
وقد فصلت مواضع التخصيص والتقييد والاستثناء،
والتي
فهمها بعض القدماء عبارةعن نسخ جزئي لاختلاط
موضوعاتها
لديهم، ودرست دراسة مستقلة في مباحث علماصول
الفقه،
وبذا صار مصطلح النسخ خاصا برفع الحكم الثابت في
الشريعة
لانتهاءامده وزمانه.
وقد اوضح الشهيد الصدر بقوله الانف الذكر الفرق بين
النسخ
والتعارض، بان النسخهو التنافي في عالم الثبوت،
في حين
يكون التعارض تنافيا في عالم الاثبات.
مجالات النسخ:
ويدرس النسخ في مجالين اثنين هما:
1- نسخ اللاحق من
الشرائع لما قبلها، كنسخ الشريعة
الاسلامية لما سبقها منالشرائع.
2- نسخ بعض احكام
الشريعة الاسلامية لاحكام اخرى والحلول
محلها.
ولتوضيح نسخ الرسالة الاسلامية لما سبقها من
الرسالات
ونلخصه بالاتي:
1- ان العقيدة
التي بشر بها الانبياء جميعا، وهي عقيدة
التوحيد، وما ارتبط بها من وحيونبوة وبعث وجزاء،
وغير ذلك
من فروع العقيدة ومسائلها، هي عقيدة واحدة،
لاتغيير فيها،
ولا نسخ ولاتبديل، غير ان ما جاء به النبيون، كموسى
وعيسى(ع) قدحرف وغير على ايدي المخربين العابثين
برسالات اللّه، لذا نجد التفاوت بينها وبين ماجاء
به القرآن
الكريم.
2- ان كل ما اخبر
اللّه به النبيين من وقائع وحوادث وتعريف
بحقائق الوجود وامثالها لانسخ فيه ولا تبديل، لانه
اخبار حق
عن واقع وحقائق قائمة.
3- ان الاخلاق
والقيم التي جاء بها النبييون، هي قيم اخلاقية
واحدة، كالصدق والامانةوالعدل... الخ فلا نسخ فيها
ولا تبديل.
4- ان النسخ واقع
في التشريع من العبادات والمعاملات
واحكام القضاء...الخ فمانسخته الشريعة الاسلامية من
الرسالات
الالهية السابقة هو محصور في التشريع.
5- وكما نسخت
الشريعة الاسلامية الشرائع السابقة، فقد وقع
النسخ في احكامالشريعة الاسلامية ذاتها لحكمة
ومصلحة
تتعلق بالتدرج في تطبيق الاحكام، واذافالحكم
المنسوخ هو
حكم مؤقتقد شرعه المشرع الحكيم الى اجل ليستبدله
بغيرهلحكمة ومصلحة تتعلق بالانسان ذاته.
مجالات النسخ في الرسالة الاسلامية:
سبق الحديث عن مجالات النسخ بين الرسالات الالهية،
ونعود
هنا فنتحدث عنالنسخ في الشريعة الاسلامية ذاتها
كما نثبت
ايضا ان النسخ في الشريعة الاسلامية لايشمل الا
جانب الاحكام
ايضا، كما مر سابقا، فلانسخ في العقيدة، وقيم
الاخلاق،
اومااخبر اللّه سبحانه وتعالى به من وقائع، او
مابينه من علوم
ومعارف، ولقداختلفعلماءالاسلامفي مايمكن ان
ينسخ من
القرآن اي ماينسخ من آيات القرآن ومالاينسخ.
ولايضاح هذه المسالة المتنازع عليها بين المسلمين
نلخصها
بالاتي:
1- ان الاية
الكريمة هي عبارة عن نص لفظي يحمل حكما
شرعيا او مفهوما عقيديا اومعرفة حقة، وهي قرآن
يتلى.
2- اجمع المسلمون
على وقوع نسخ حكم الاية مع بقاء التلاوة
اي ان الاية باقية، وهيجزء من القرآن يتلوها
المسلمون، غير
ان حكمها معطل تعطيلا نهائيا، لاستبداله بغيرهمن
الاحكام،
كية النجوى: وهي قوله تعالى: (يا ايها الذين آمنوا
اذا ناجيتم
الرسولفقدموا بين يدي نجواكم صدقة...).
3- نسخ التلاوة
وبقاء الحكم: اختلف المسلمون في وقوع
النسخ بهذا المعنى، فذهبالشيعة الامامية الى عدم
وقوع هذا
الصنف من النسخ وان ما اعتمد عليه في هذاالمجال، ان
هو الا
اخبار آحاد، لاصحة فيها، اضافة الى ان النسخ لا
يثبت باخبار
الاحادباجماع المسلمين، فليس هناك آية نسخت
تلاوتها وبقي
حكمها. اي ليست هناك آيةكانت جزءا يتلى من القرآن،
ثم
رفعها اللّه سبحانه، وهي غير موجودة الان
بتلاوتها، معبقاء
حكمها. وذهب اتباع المذاهب الستة الى جواز ذلك. وقد
مر
علينا في تعريفالنسخ المتبنى في هذه المدرسة، كما
في
تعريف الفيومي الذي جاء فيه (...ويكون فياللفظ
والحكم او
في احداهما).
وقد اشار الراغب الاصفهاني الى هذه النظرية عند
تفسيره قوله
تعالى: (ما ننسخ منآية او ننسها نات بخير منها) قيل:
معناه
مانزيل العمل بها، او نحذفها عن قلوبالعباد...) وقد
استدل
القائلون بهذه النظرية بية الرجم.
ذكر السيوطي ان ابن اشتة: (اخرج في المصاحف عن
الليث بن
سعد: اول من جمعالقرآن ابو بكر، وكتبه زيد... وان
عمر اتي بية
الرجم فلم يكتبها، لانه كانوحده)(254).
وآية الرجم التي ادعى عمر انها من القرآن، ولم يقبل
منه. رويت
بوجوه: منها: (اذا زنىالشيخ والشيخة فارجموهما
البتة نكالا
من اللّه واللّه عزيز حكيم)(255).
4- نسخ التلاوة
والحكم: ولقد اختلف في وقوع هذا الصنف من
الاحكام فذهبالشيعة الامامية الى عدم وقوعه في
القرآن،
وليس هناك من دليل عليه، وذهب بعضعلماء المدرسة
السنية الى وقوع ذلك في القرآن، واستدلوا بروايات
آحاد على
ذلك،منها ان عروة بن الزبير روى عن عائشة انها قالت:
(وكانت
سورة الاحزاب تقرا فيزمن النبي(ص) مائتي آية، فلما
كتب
عثمان المصاحف، لم نجد منها الا ماهوالان)(256).
وقال السيوطي: (النسخ في القرآن ثلاثة اضرب: احدها
ما نسخ
تلاوته وحكمه معا.قالت عائشة: كان فيما انزل: عشر
رضعات
معلومات، فنسخن بخمس معلومات،فتوفي رسول اللّه،
وهن
مما يقران رواه الشيخان...)(257).
ادوات النسخ:
اما ادوات النسخ كما ذكرها العلماء، فهي:
1- ان السنة
المتواترة والاجماع القطعي الكاشف عن السنة
الناسخة ينسخان الحكمالثابت بالقرآن(258)،
ولكن ليس
لهذا الصنف من النسخ مثل واحد في
الشريعةالاسلامية، وانما
هو مجرد قول بالامكان والجواز، واجمع المسلمون ان
النسخ
لايثبت بخبر الاحاد.
2- ان الحكم الثابت
بالقرآن ينسخ بية اخرى منه ناظرة الىالحكم المنسوخ ومبينةرفعه، وهذا القسم ايضا
لااشكال
فيه(259).
3- ان الحكم الثابت بالقرآن ينسخ بية اخرى غير ناظرة
الى
الحكم السابق ولا مبينةلرفعه، وانما يلتزم
بالنسخ لمجرد
التنافي بينهما، فيلتزم بان الاية المتاخرة
ناسخةلحكم الاية
المتقدمة.
والتحقيق ان هذا القسم غير واقع في القرآن(260).
وقال السيوطي: متحدثا عن ادوات النسخ و اختلف
العلماء، فقيل: لاينسخ القرآن الا بالقرآن، لقوله تعالى: (ما
ننسخ من آية
او ننسها نات بخير منها او مثلها) قالوا: ولايكون
مثل القرآن،
وخيرا الا القرآن.
وقيل: بل ينسخ القرآن بالسنة، لانها ايضا من عند
اللّه: قال
تعالى: (وما ينطق عنالهوى) وجعل منه آية الوصية
الاتية.
والثالث: اذا كانت السنة بامر اللّه تعالى من طريق
الوحي
نسخت، وان كانتباجتهاد(261) فلا. حكاه ابن حبيب
النيسابوري في تفسيره.
وقال الشافعي: «حيث وقع نسخ القرآن بالسنة، فمعها
قرآن
عاضد لها وحيث وقع نسخالسنة بالقرآن فمعه سنة
معاضدة له،
ليتبين توافق القرآن والسنة...»(262).
ومن القضايا التي ينبغي ايضاحها عند الحديث عن
النسخ هو
ماذهب اليه البعض منان الشيعة تؤمن بان الائمة
مفوض اليهم
نسخ القرآن، وقد سجل الشيخ الطوسي ذلك الزعم ورد
عليه
قائلا:
«وحكى البلخي في كتاب التفسير فقال: قال قوم ليسوا
ممن
يعتبرون، ولكنهم منالامة على حال: ان الائمة
المنصوص
عليهم بزعمهم مفوض اليهم نسخ القرآنوتدبيره،
وتجاوز
بعضهم حتى خرج من الدين بقوله: ان النسخ قد يجوز على
وجهالبداء، وهو ان يامر اللّه عزوجل عندهم
بالشيء، ولا يبدو له،
ثم يبدو له فيغيره، ولايريد في وقت امره به ان يغيره
هو،
ويبدله وينسخه، لانه عندهم لا يعلم الشي حتىيكون،
الا ما
يقدره فيعلمه علم تقدير، وتعجرفوا فزعموا ان ما نزل
بالمدينة
ناسخ لمانزل بمكة»(263).
ثم علق الطوسي رادا على ذلك بقوله: «واظن انه عنى
بهذا
اصحابنا الامامية، لانه ليسفي الامة من يقول
بالنص على
الائمة(ع) سواهم، فان كان عناهم فجميع ما حكاه عنهم
باطل،
وكذب عليهم، لانهم لا يجيزون النسخ على احد من
الائمة(ع)
ولا احد منهميقول بحدوث العلم، وانما يحكى عن بعض
من
تقدم من شيوخ المعتزلة كالنظاموالجاحظ وغيرهما
وذلك
باطل، وكذلك لا يقولون: ان المتاخر ينسخ المتقدم
الا بالشرط
الذي يقوله جميع من اجاز النسخ، وهو ان يكون بينهما
تضاد
وتناف لا يمكنالجمع بينهما، واما على خلاف ذلك
فلا يقوله
محصل منهم»(264).
واوضح الفقيه الاسلامي الكبير الشهيد السعيد السيد
محمد
باقر الصدر ان النسخمحصور في سنة الرسول(ص) دون ما
صدر عن الائمة(ع) جاء في قوله: «وهكذا يتضح ان تغير
آراء
الشريعة عن طريق النسخ يكون ايضا احد العوامل
المستوجبةللتعارض بين الاحاديثوالنصوص، ولكن
التعارض
على اساس هذا العامل تنحصر دائرته في
النصوصالصادرة عن
النبي(ص) ولا تعم النصوص الصادرة عن الائمة(ع) لما
ثبت
في محلهمن انتهاء عصر التشريع بانتهاء عصر
النبي(ص) وان
الاحاديث الصادرة عن الائمةالمعصومين ليست الا
بيانا لما
شرعه النبي(ص) من الاحكام وتفاصيلها»(265).
وبذا يوضح الشهيد الصدر ان احاديث الائمة ليس لها
قوة نسخ
احاديثالرسول(ص) فكيف تكون لها قوة نسخ القرآن.
وهكذا يتضح بطلان التهمة الموجهة الى عقيدة الشيعة
الامامية في هذه المسالة منخلال ما قرانا من رد
الشيخ
الطوسي، وتوضيح الشهيد الصدر.
واخيرا نخلص الى:
1- ان النسخ هو عبارة عن رفع الحكم الثابت لانتهاء
امده
وزمانه.
2- ان النسخ محصور فقط برفع الحكم مع بقاء التلاوة.
3- لم تنسخ آية من كتاب اللّه من الناحية الفعلية الا
بية اخرى.
4- ان نسخ الاية لاية اخرى محصور في ان تكون الاية قد
جاءت
موجهة لنسخ تلكالاية فقط. اما ان تكون الاية
اللاحقة مخالفة
للسابقة فلا تعد ناسخة لها.
لذا فقد ابطل بعض المحققين المتاخرين كثيرا مما قيل
انها
آيات ناسخة، واخرىمنسوخة، ولعل كتاب البيان في
تفسير
القرآن للسيد ابي القاسم الخوئي شاهد علميمعاصر
على هذا
الاتجاه.