|
المرجع في التفسير
من المجمع عليه بين المسلمين
جميعا ان النبي(ص) هوالعالم بما في القرآن، وهوالمرجع والمفسر والمبين
لما حوى
من عقيدة وفكر واحكام وتوجيه وهداية وعلومومعارف
مختلفة، فالرسول(ص) هو المخاطب بالوحي، وهو العالم
بمراد
اللّه تعالىمن كتابه العزيز، ومع بداهة هذا
ووضوحه، ثبت القرآن
مرجعية الرسول(ص) وامربالرجوع اليه، من ذلك قوله
تعالى:
(فان تنازعتم في شيء فردوه الى اللّه والرسول)وقال
تعالى:
(ولو ردوه الى الرسول والى اولي الامر منهم لعلمه
الذين
يستنبطونهمنهم) وقال تعالى: (وما ارسلنا من رسول
الا بلسان
قومه ليبين لهم) وقال تعالى:(وانزلنا اليك الذكر
لتبين للناس
ما نزل اليهم) (وما انزلنا عليك الكتاب الا لتبين
لهمالذي
اختلفوا فيه).
وهكذا يتضح ان الرسول(ص) مبلغ ومبين للقرآن، مبين
بقوله
وفعله وتقريره. وقددرس العلماء البيان النبوي
دراسة علمية
مستفيضة في علم اصول الفقه في مباحثعلاقة السنة
بالكتاب.
ويقسم البيان النبوي للقرآن الكريم الى قسمين:
1- بيان المعنى: فقد فسر رسول اللّه(ص) معنى القرآن
وايضاح
ما قد اشكل فهمهعلى ذلك الجيل الذي كان يتحدث بلغة
القرآن، ويفهم الفاظه وخطابه اللغوي.
2- بيان الجانب التطبيقي والمصداقي: وكما وضح
رسولاللّه(ص) معاني القرآنومقاصده العامة، عند
عدم
وضوحها، قام بتطبيق احكامه وتشريعاته في
مجالالعبادات
والقوانين والانظمة الاجتماعية، كاحكام الصلاة
والحج والزكاة
والميراث.فعرف المسلمون المقصود التطبيقي ومصداق
الايات.
فالسنة هي التي بينت لنا، تطبيقيا، كيفية التيمم
الذي ورد في
قوله تعالى: (فان لمتجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا)
وهي التي
بينت لنا تفصيلات احكام الزكاة بنسبهاواعيانها
الزكوية... الخ.
فقد جاء تشريع الزكاة مجملا في قوله تعالى: (خذ من
اموالهم
صدقة تطهرهم وتزكيهمبها...).
والرسول(ص) هو الذي بين للامة ما المقصود بقوله
تعالى:
(انما يريد اللّه ليذهبعنكم الرجس اهل البيت
ويطهركم
تطهيرا).
فقد روى المفسرون عن ام
سلمة زوج الرسول(ص): (ان الرسول(ص) كان في بيتهاعلى منامة له، وعليه كساء
خيبري،
فجاءت فاطمة ببرمة فيها خزيرة، فقال رسولاللّه(ص):
ادعي
زوجك وابنيك حسنا وحسينا فدعتهم، فبينما هم ياكلون
اذ
نزلت على رسول
اللّه(ص): (انما يريد اللّه ليذهب
عنكم الرجس
اهل البيت ويطهركم تطهيرا) فاخذ النبي(ص) بفضلة
ازاره
فغشاهم اياه، ثم اخرج يده من الكساء، واوما بها
الىالسماء ثم
قال: اللهم هؤلاء اهل بيتي وخاصتي فاذهب عنهم الرجس
وطهرهم تطهيراقالها ثلاث مرات، قالت ام سلمة:
فادخلت
راسي في الستر فقلت: يارسولاللّه(ص)وانا معكم؟
فقال: انك
الى خير، مرتين...)(143).
وبعد مرحلة النبوة والوحي جاءت مرحلة الصحابة
فكانت لهم
تفاسير وآراء فيما لميرد فيه بيان نبوي واضح،
وكان من ابرز
من كان لهم بيان وتفسير، هم: الامام علي(ع)،وعبد
اللّه بن
مسعود، وعبد اللّه بن عباس، وعبد اللّه بن عمر،
وغيرهم. ثم جاء
منبعدهم من التابعين فكانت لهم آراء وتفسيرات.
ومن الواضح ان هذه التفسيرات كانت تختلف وتتباين
احيانا،
فما هو المرجح لتفسيرعلى آخر؟ ومن هو المرجع في
التفسير
عند الاختلاف اذن؟
وتلك مسالة علمية وعقيدية ترتب عليها بناء وامتداد
فكري
واسع في الامة، بلوساهم الجواب على هذين السؤالين
في بنية
وتكوين المذاهب الفكرية والفقهيةوالاتجاهات
السياسية لدى
المسلمين.
ويمكننا ان نلخص هذه الاتجاهات في اتجاهين اساسيين
هما:
1 اتجاه يساوي في القيمة العلمية بين ما صدر عن
الصحابة
جميعا ثم التابعين منتفسير وبيان قرآني.
2 اتجاه يؤمن بان الامام عليا(ع) ومن بعده الائمة من
ذريته
هم المرجع عندالاختلاف في فهم القرآن وتفسيره وهم
اتباع
اهل البيت(ع) (اي شيعتهم)، وان ماصدر عنهم من تفسير
وبيان قرآني هو الحجة على الاخرين، وهو الرافع
للاختلاف،واستدلوا على ذلك بيات وروايات عديدة
كقول
الرسول(ص): «اني اوشك ان ادعىفاجيب، واني تارك
فيكم
الثقلين: كتاب اللّه عزوجل وعترتي، كتاب اللّه حبل
ممدود
من السماء الى الارض، وعترتي اهل بيتي، وان اللطيف
الخبير
اخبرني انهما لن يفترقاحتى يردا علي الحوض،
فانظروا بم
تخلفوني فيهما»(144).
وكقوله(ص) لعلي(ع): «ان اللّه امرني ان ادنيك ولا
اقصيك،
وان اعلمك وتعي، وحقعلى اللّه تعالى ان تعي،
فنزلت: (وتعيها
اذن واعية)(145).
وروى ابن عباس: ان رسول اللّه(ص) دعا لعلي(ع) بقوله:
«اللهم فقهه في الدين،وعلمه التاويل»(146).
وروى ابو بكر بن عياش محمد نصير بن سليمان الاحمسي
عن
ابيه عن علي قال: «واللّهما نزلت آية الا وقد علمت
فيم نزلت،
واين نزلت. ان ربي وهب لي قلبا عقولا، ولساناسؤولا»(147).
اللغة والتفسير
قال اللّه تعالى: (وما ارسلنا من رسول الا بلسان
قومه ليبين لهم)(148).
(لسان الذي يلحدون اليه اعجمي وهذا لسان عربي
مبين)(149).
(فانما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به
قوما
لدا)(150).
ان المعجزة الكبرى التي تحدت العرب، رغم مالديهم من
بلاغة
وفصاحة وتفوقادبي، هي القرآن الكريم، والقرآن هو
الخطاب
الالهي الذي نزل على قلب النبي الامين محمد(ص)
بلسان
العرب ولغتهم، لتفهيم المخاطبين، وتيسير فهمه لهم.
قال تعالى موضحا هذه الخصيصة: (ولقد يسرنا القرآن
للذكر
فهل من مدكر) وبذاصار القرآن حجة على العرب
المخاطبين
به، لوضوح خطابه لديهم، فان تعذر بيانشيء لم
يالفوه من
المعاني والمسميات، بينه الرسول(ص) لهم باتم بيان.
والتفسير كما عرفنا، هو بيان مراد اللّه تعالى من
كتابه، وهذا
المراد معبر عنه بلغة عربيةفصحى، لذا فان من عرف
العربية
بمستوى معرفتها في عصر الوحي، يستطيع ان
يفهمالقرآن الا
ما كان فهمه يحتاج الى بيان من خارج حدود اللغة.
وتاسيسا على ذلك اعتبر علماء اصول الفقه الامامية
الظاهر
القرآني حجة، وثبتوا قاعدةعلمية لفهم القرآن
وتفسيره،
واكتشاف الاحكام والمفاهيم بعنوان: (حجية الظهور).
فليس القرآن رموزا باطنية، ولا اشارات معقدة، كما
ذهب
الباطنيون الى ذلك، اذ ردعليهم الفقهاء هذا
المذهب، وقالوا
بحجية الظاهر القرآني، واستدلوا لحجية
الظاهرالقرآني اي ما
يفهم من ظاهر اللفظ والسياق القرآني وفق اصوله
العربية انه
حجة بادلةكثيرة موضحة في مواردها من علم اصول
الفقه.
وفي دراسة اللغة واثرها في التفسير تبرز امامنا عدة
موضوعات
هي:
1- الترادف.
2- الاشتراك.
3- الاعراب وموقع الكلمة المفردة والجملة من الكلام.
4- فهم معنى المفردة القرآنية.
5- القراءة.
6- الحقيقة والمجاز.
ولنتناول تلك الموضوعات بشيء من التفصيل ليتضح
لنا كيف
تعاملت مدرسة اهلالبيت مع المعنى القرآني من خلال
اللغة،
وكيف وظفت تلك الاداة في اكتشاف المعنىوفهمه.
1- الترادف:
من الواضح ان المفردات اللغوية هي وحدات البناء
اللغوي، وان
للالفاظ دلالاتوضعية على المعاني المراد التعريف
بها، وان
من الظواهر المالوفة في لغة العربظاهرة الاشتراك
في
المعنى، وهو مايسمى اصطلاحا ب (الاشتراك) اي
استعمال
اللفظفي اكثر من معنى. كما نجد في اللغة العربية
استعمال
لفظين لمعنى واحد ويسمى(بالترادف)، كالغيم
والسحاب،
والعقل والنهى، والريب والشك، والبارئ
والخالق.والاعتماد
على المرادف اللغوي هو منهج اساسي من المناهج
المتبعة في
تفسيرمفردات القرآن الغريبة،
ومن الامثلة العملية على وجود الترادف، وتفسيره
بالمرادف،
هو تفسير ابق ب (هرب)،وتفسير تفثهم ب (وسخهم)، وتفسير
اءجاج ب(شديد الملوحة)، وتفسير لاريب فيه ب(لاشك
فيه).
وهكذا فسرت الفاظ القرآن المفردة ذات الدلالة
الغريبة على
القارئ والسامع بمفردةلغوية اخرى مالوفة المعنى
عنده. ولهذا
الغرض اءلفت تفاسير: (مفردات غريب اءلفاظالقرآن)
لبيان
معانيها ودلالاتها، كمفردات الراغب الاصفهاني،
وغريب
القرآنللسجستاني، وغريب القرآن لابي عبيدة،
وغريب القرآن
لابن قتيبة وغيرها كثير.
وفي الحديث عن تفسير المفردة القرآنية بمفردة اخرى
مرادفة
لها ينبغي دراسةوتحليل محتوى اللفظ، وتحديد
معناه الذي
حمله الواضع اياها. وبالتحديد ينبغي انتدرس هذه
الالفاظ
المترادفة، هل هي متكافئة في معناها بشكل كامل كما
تتكافا
قطعالنقود من فئة واحدة؟ او كما تتكافا قطع
الغيار المتعددة
في اداء العمل في الماكنةالواحدة، بحيث يتحقق
تمام الغرض
القرآني عند استعمال اي من المفردات او لا؟
لكي يتضح لنا ذلك فلنصغ الى الراغب الاصفهاني احد
اعلام
مفسري مفردات القرآن،ومن اوائل المؤلفين فيه،
ليحدثنا عن
تفسير المفردة القرآنية بمفردة اخرى مرادفة
لها.قال(رحمهاللّه) في مقدمة كتابه (المفردات في
غريب
القرآن):
«واتبع هذا الكتاب ان شاء اللّه تعالى ونسا في
الاجل، بكتاب
ينبئ عن تحقيق الالفاظالمترادفة على المعنى
الواحد، وما
بينها من الفروق الغامضة، فبذلك يعرف اختصاصكل
خبر
بلفظ من الالفاظ المترادفة دون غيره من اخواته، نحو
ذكره
القلب مرة، والفؤادمرة والصدر مرة. ونحو ذكره تعالى
في عقب
قصة: (ان في ذلك لايات لقوم يؤمنون)وفي اءخرى: (لقوم
يتفكرون) وفي اءخرى: (لقوم يعلمون) وفي اءخرى:
(لقوم يفقهون) وفي اءخرى: (لاولي الابصار) وفي
اءخرى: (لذي
حجر) وفي اءخرى:(لاولي النهى) ونحو ذلك مما يعده من
لايحق الحق ويبطل الباطل، انه باب واحد،فيقدر انه
اذا فسر
الحمدللّه، بقوله الشكر للّه، ولا ريب فيه، بلا شك
فيه فقد فسر
القرآن،ووفاه التبيان، جعل اللّه لنا التوفيق
رائدا، والتقوى سائقا،
ونفعنا بما اولانا، وجعله لنامن معاون تحصيل الزاد
المامور به
في قوله تعالى: (وتزودوا فان خير الزادالتقوى)».
وبذا يوضح الراغب احد ائمة التفسير اللغوي ان
المترادفات في
اللغة غير متساوية فيالمعنى تمام التساوي، وان
هناك فارقا
في المعنى بين مرادف ومرادف آخر زائدا علىمرادفه،
فالمترادفان بينهما اشتراك في المعنى اضافة الى
معنى
اضافي، غير ان المرادفيقوم بدور الوسيط في ايضاح
مرادفه،
وليس هو المؤدي تمام المعنى والاداء المساويمن
غير فرق
بينهما، ولقد طبق الراغب هذه النظرية تطبيقا عمليا
على
عمله التفسيريفي كتابه: (المفردات في غريب القرآن)
فلم
يكتف بايراد المرادف كمفسر، بل اوردهمع الفارق
الاضافي من
معنى مستبطن في اللفظ المستعمل قرآنيا، نعرف بعضا
منهالايضاح هذه النظرية في التفسير اللغوي، فمثلا
فسر كلمة
(الريب) بقوله: (الريب انتتوهم امرا ما فينكشف عما
تتوهمه)
وفسر كلمة (الشك) بقوله: (الشك: اعتدالالنقيضين عند
الانسان وتساويهما) وبذا يتضح الفارق بين الشك
والريب في
المعنى،في حين لم يفرق كثير من المفسرين بينهما،
كما لم
يفرق كثير من اصحاب القواميسبينهما.
وفسر (الامة) بقوله: (كل جماعة يجمعهم امر ما، اما
دين واحد،
او زمان واحد، اومكان واحد). ولذا فكلمة امة لا تفسر
بكلمة
جماعة مجردة من اضافة الامر الجامع.
وهكذا فان كلمة (جماعة) لا تساوي كلمة (امة)، بشكل
كامل.
وفي تفسيره (للخشوع)(بالضراعة)، وضح الفارق في
المعنى
بين المترادفين بقوله: (الخشوع: الضراعة،واكثر ما
يستعمل
الخشوع فيما يوجد على الجوارح، والضراعة اكثر ما
تستعمل
في مايوجد في القلب، ولذلك قيل فيما روي: اذا ضرع
القلب
خشعت الجوارح، وفسر(السغب) بقوله: (هو الجوع مع
التعب،
وقد قيل في العطش مع التعب).
بينما فسر السغب في قواميس اللغة بالجوع مجردا من
حالة
التعب. وهكذا فتفسيرالسغب بالجوع مجردا، لا يؤدي
الغرض
القرآني من استعمال كلمة السغب، ولميستعمل كلمة
جوع،
لانها لا تعبر عن تمام المراد، وهو وصف الحالة التي
تسيطر
علىالناس في ذلك اليوم (جوع ونصب)، او (جوع يخالطه
عطش وتعب) او كل هذهالحالات.
وفسر الاشفاق مفرقا بينه وبين مرادفه، الخوف،
بقوله:
(والاشفاق عناية مختلطةبخوف، لان المشفق يحب
المشفق
عليه، ويخاف ما يلحقه.
قال: (وهم من الساعة مشفقون) فاذا عدي بمن فمعنى
الخوف
فيه اظهر، واذا عديبفي فمعنى العناية فيه اظهر.
قال: (انا كنا
قبل في اهلنا مشفقين).
وفسر الهداية بقوله: (الهداية: دلالة بلطف... ثم قال:
ان قيل
كيف جعلت الهداية دلالةبلطف، وقد قال اللّه
تعالى: (فاهدوهم
الى صراط الجحيم) ويهديه الى عذاب السعير.قيل: ذلك
استعمل فيه استعمال اللفظ على التهكم مبالغة في
المعنى،
كقوله: فبشرهمبعذاب اليم.
وبهذا التفسير نفهم الفارق بين تفسير من يفسر
الهداية بانها:
دلالة بلطف، وبين منيفسرها بالدلالة كمرادف لها.
فالتفسير الاول يوضح مراد القرآن المودع في هذه
الكلمة
كاملا، ليوضح للناس ان اللّهسبحانه دلهم على
الطريق بلطف،
بينما لا يوضح التفسير الثاني عنصر اللطف
فيالدلالة، لذا فهو
ليس تفسيرا تاما لمراد القرآن الكريم من استعمال
لفظ الهداية
دونمرادفها.
2- الاشتراك:
وبعد ان تكونت لدينا صورة عن الترادف، وعدم دقة
التفسير
بالمرادف،لعدم قدرةمرادفه علىاداء كامل معناه،
نوضح الصنف
الثاني من الاشتراك، وهو اشتراك معنيين،او اكثر
بلفظ واحد.
اي ان يكون للفظ الواحد اكثر من معنى كلفظ (القرء)
الذي قال
فيهالراغب: (والقرء في الحقيقة اسم للدخول في
الحيض عن
طهر، ولما كان اسما جامعاللامرين معا: الطهر والحيض
المتعقب له، اطلق على كل واحد منهما.
والقرءاذا انفرد، كالمائدة للخوان والطعام، ثم قد
يسمى كل
واحد منهما بانفراده به،وليسالقرءاسما للطهر
مجردا،
ولاللحيض مجردا...(151).
وكلفظ (المولى) الذي يعني العبد والسيد، وكلفظ (دين)
الذي
يعني: العادة والشانوالجزاء والمكافاة.
وعرف اللفظ المشترك بانه: (اللفظ الذي تعدد معناه،
وقد
وضع للجميع كلا علىحدة ولكن من دون ان يسبق وضعه
لبعضها لبعض على وضعه للاخر، مثل (عين)الموضوع،
لحاسة
النظر، وينبوع الماء، والذهب، وغيرها(152).
وقد ذكر بعض العلماء استحالة استعمال لفظ واحد في
معنيين
في استعمالواحد.
وحين يرد اللفظ المشترك في القرآن الكريم ينبغي
التعامل
معه انه من المجملات،وينحل الاجمال بالقرائن
اللفظية
والسياقية وغيرها من القرائن التي توضح مراد
القرآنمن
المعنى المستعمل فيه.
قال الشيخ الطوسي في مقدمة تفسير التبيان: (ومتى كان
اللفظ مشتركا بين شيئين او مازاد عليهما، ودل
الدليل على انه
لا يجوز ان يريد الا وجها واحدا، جاز ان يقال انه
هوالمراد).
وقال الشيخ محمد رضا المظفر(رحمهاللّه): «ولا شك
في
جواز استعمال اللفظالمشترك في احد معانيه بمعونة
القرينة
المعينة، وعلى تقدير عدم القرينة يكون
اللفظمجملا، لا دلالة
له على احد معانيه»(153).
لذا ينبغي للمفسر ان يلم بهذه الاستعمالات، ويشخص
القرائن
المفسرة لهذاالاستعمال المجمل ليستطيع تشخيص
المراد
القرآني.
3- الاعراب:
من الواضح لدى المختصين بعلم النحو ان الاعراب في
حقيقته
هو: عبارة عن بيانموقع الكلمة او الجملة من
الكلام، وذلك
يعتمد على فهم المعنى وتحديده، وقدوضعت علامات
الاعراب
للفظ المفرد لتكون دليلا على موقعه من الكلام، او
علامة قرائية لبيان المعنى. والقرآن كما نعرف هو
آية في
البلاغة والفصاحة والاتقاناللغوي، لذا فان
تفسيره، وفهمه
لغويا، الذي يكشف لنا عن معناه يحتاج الى
فهماعراب الكلمة
والجملة. وكما نعرف فان المفسر الذي عاش، او يعيش في
بيئة
غير بيئةاللغة القرآنية اي يعيش في غير عصر
الاحتجاج
اللغوي فهو ليس من اهل اللغة، كماكان المعاصرون
لنزول
القرآن، امثال ابن عباس، واءبي وغيرهم، انما
يتعلمها تعلما.
وكما نعلم فان للنحويين مذاهب ونظريات نحوية، كما
ان فهم
المفسر الاعرابييختلف من شخص لاخر ، لذلك نجد
الاختلاف
في اعراب الكلمة والجملة القرآنيةلدى المفسرين
والنحويين.
وينعكس هذا الاختلاف في الاعراب على الاختلاف في
فهم
المعنى واكتشافه، ممايستوجب توفر القدرة اللغوية
لدى
المفسر في هذا الحقل من علوم اللغة. ومساحةهذا
المجال في
القرآن الكريم واسعة، وذات اثر هام.
وللايضاح نذكر امثلة من الخلاف في الاعراب الذي
ينتج عنه
خلاف في التفسير.فالذي جاء في اعراب (الا ) الواقعة
في قوله
تعالى: (ياايها الذين آمنوا لا تاكلوا
اموالكمبينكم بالباطل الا ان
تكون تجارة عن تراض منكم...)(154)... ماياتي:
ذكر العلامة الطباطبائي ان بعضهم اعربها بانها
استثناء منقطع،
واعربها آخرون بانهااستثناء متصل، اما هو فقد
فسرها بقوله:
(فتقييد الجملة، اعني قوله: لا تاكلوا
اموالكمبينكم بعد تقييدها
بقوله: بالباطل، النهي عن المعاملات الناقلة التي
لا تسوق
المجتمعالى سعادته ونجاحه، بل تضره وتجره الى
الفساد
والهلاك، وهي المعاملات الباطلة فينظر الدين،
كالربا والقمار
والبيوع الغررية... وعلى هذا فالاستثناء الواقع في
قولهتعالى: (الا
ان تكون تجارة عن تراض منكم) استثناء منقطع جي به
لدفعالدخل...)(155).
ثم قال: (وربما يقال ان الاستثناء متصل، وقوله
بالباطل قول
توضيحي جي به لبيانحال المستثنى منه بعد خروج
المستثنى وتعلق النهي)(156).
غير انه رفض هذا الاعراب ثم علق على ما اورد من آراء:
(وهذا
الذي ذكرناه من انقطاعالاستثناء هو الاوفق بسياق
الاية...)(157).
وهكذا ربط العلامة الطباطبائي بين التفسير
والاعراب
والسياق.
ولعل من اوضح الاثار الاعرابية في تفسير القرآن هو
الاختلاف
في اعراب آيةالوضوء: (يا ايها الذين آمنوا اذا
قمتم الى الصلاة
فاغسلوا وجوهكم وايديكم الىالمرافق وامسحوا
برؤوسكم
وارجلكم الى الكعبين...)(158).
فقد صار الاختلاف في القراءة والاعراب سببا
للاختلاف في
التفسير وبالتالي سبباللاختلاف في حكم القدمين في
الوضوء،
هل هو الغسل او المسح ؟ ويلاحظ ايضا انالقراءة
تؤثر بدورها
في تحديد الاعراب، فكلاهما يقوم على اساس فهم
للمعنى،
كمايتضح من تفسير الطوسي لهذه الاية، وللاية
السابقة.
قال: (وقوله: ارجلكم الى الكعبين، عطف على الرؤوس،
فمن
قرا بالجر ذهب الى انهيجب مسحهما، كما وجب مسح
الراس،
ومن نصبها ذهب الى انه معطوف على موضعالرؤوس، لان
موضعها نصب لوقوع المسح عليها، وانما جر الرؤوس
لدخول
الباءالموجبة للتبعيض على مابيناه. فالقراءتان
جميعا تفيدان
المسح على ما نذهب اليه.
وممن قال بالمسح ابن عباس والحسن البصري وابو علي
الجبائي ومحمد بن جريرالطبري وغيرهم ممن ذكرناهم
في
الخلاف...)(159).
4- معنى المفردة القرآنية:
ومن ضرورات التفسير هو احاطة المفسر بمعنى
المفردات
اللغوية، فنوع الفهمللمفردة يقود الى تحديد ما
يفهمه المفسر
من كتاب اللّه تعالى. فالمفردات اللغوية
منالاسماء والحروف
والافعال لها معان ودلالات، تجب معرفتها معرفة
دقيقة، كما
انلبعضها اكثر من معنى كما ذكرنا في الاشتراك،
وفهم
المعنى المراد في هذا الاستعماليؤثر تاثيرا
بالغا في فهم
العقيدة والمعارف والاحكام الشرعية.
ومن الامثلة على ذلك هو الخلاف في تحديد معنى (ما) في
قوله تعالى: «انما نمليلهم» ومعنى (اللام) في
قوله تعالى:
(ليزدادوا اثما) في الاية الكريمة: (ولا
يحسبنالذين كفروا انما
نملي لهم خير لانفسهم انما نملي لهم ليزدادوا اثما
ولهم
عذاب مهين)(160).
قال المفسر الكبير الشيخ الطبرسي(رحمهاللّه): «و
(ما)
يحتمل امرين: احدهما: انيكون بمعنى (الذي) فيكون
تقديره:
لايحسبن الذين كفروا ان الذي نمليه لهم
خيرلانفسهم، و
(الاخر) ان يكون ما نملي بمنزلة (الاملاء) فيكون
مصدرا لم
يقتض راجعااليه».
ثم فسر معنى (اللام) بانه لام العاقبة وليس بلام
الارادة. وعلى
فهمه لمعنى (ما) و(اللام) فسر الاية بقوله: ثم بين
سبحانه ان
امهال الكفار لاينفعهم اذا كان يؤدي الىالعقاب
فقال (ولا
يحسبن) ايلايظنن (الذين كفروا انما نملي لهم خير
لانفسهم) اي ان اطالتنا لاعمارهم، وامهالنااياهم،
خير لهم من
القتل في سبيل اللّه باحد، لان قتل الشهداء اداهم
الى الجنة،
وبقاءهؤلاء في الكفر يؤديهم الى العقاب، ثم ابتدا
سبحانه فقال:
(انما نملي لهم) اي: انمانطيل عمرهم، ونترك المعاجلة
لعقوبتهم (ليزدادوا اثما) اي: لتكون عاقبة
امرهمبازديادهم
الاثم فيكون اللام لام العاقبة. مثل اللام في قوله:
(فالتقطه آل
فرعونليكون لهم عدوا وحزنا) وهم انما اخذوه ليكون
لهم
سرورا وقرة عين، ولكن لما علماللّه انه يصير في
آخر امره عدوا
وحزنا قال كذلك، ومثله في قول الشاعر:
اموالنا لذوي الميراث نجمعهاودورنا لخراب الدهر
نبنيها
وقول الاخر:
ءاءم سماك فلا تجزعيفللموت ما تلد الوالدة
وقول الاخر:
فللموت تغذو الوالدات سخالهاكما لخراب الدهر تبنى
المساكن
وقول الاخر: لدوا للموت وابنوا للخراب، ولا يجوز ان
يكون اللام
لام الارادةوالغرض لوجهين: (احدهما) ان ارادة
القبيح
قبيحة.وتلك عنه سبحانه منفية (والاخر) انها لو كانت
لام
الارادة لوجب ان يكون الكفارمطيعين للّه تعالى، من
حيث فعلوا
ما وافق ارادته، وذلك خلاف الاجماع. وقد قال عزاسمه:
(وما
خلقت الجن والانس الا ليعبدون) (وما ارسلنا من رسول
الا
ليطاع باذناللّه) (وما اءمروا الا ليعبدوا اللّه)
والقرآن يصدق
بعضه بعضا، وعلى هذا فلابد منتخصيص الاية فيمن
علم منه
انه لا يؤمن، لانه لو كان فيهم من يؤمن لما توجه
اليهمهذا
الوعيد المخصوص، وقال ابو القاسم البلخي معناه ولا
يحسبن
الذين كفروا اناملاءنا لهم رضا بافعالهم، وقبول
لها، بل هو شر
لهم، لانا نملي لهم، وهم يزدادون اثمايستحقون به
العذاب
الاليم، ومثله: ولقد ذرانا لجهنم كثيرا من الجن
والانس، اي:
ذراناكثيرا من الخلق سيصيرون الى جهنم بسوء
افعالهم، وقد
يقول الرجل لغيره، وقدنصحه فلم يقبل نصحه: ما زادك
نصحي الا شرا و وعظي الا فسادا، ونظيره قوله:(حتى
انسوكم
ذكري) ومعلوم ان الرسل ما انسوهم ذكر اللّه على
الحقيقة، وما
بعثواالا للتذكير والتنبيه دون الانساء مع ان
الانساء ليس من
فعلهم، فلا يجوز اضافته اليهم،ولكنه انما اضيف
اليهم، لان
دعاءه اياهم لما كان لاينجع فيهم، ولا يردهم
عنمعاصيهم،
فاضيف الانساء اليهم، وفي هذا المعنى قوله حكاية عن
نوح:
(فلم يزدهمدعائي الا فرارا).
وروي عن ابي الحسن الاخفش والاسكافي (انما) الاخيرة
مفتوحة الهمزة، لانهامعمول ليحسبن على هذا القول،
وان
يكون انماالاولى مكسورة الهمزة، لانها مبتدا على
هذا القول،
والتقديموالتاخير لايغيران الاعراب عن
استحقاقه، وذلك
خلاف ماعليه القراءة، لان القراء قداجمعوا على كسر
الثانية،
واكثرهم علىفتح الاولى».
ومن امثلة تاثير فهم معنى المفردات اللغوية على فهم
مراد اللّه
تعالى من كتابه، هواختلاف المفسرين في فهم المراد
من حرف
(الى) في قوله تعالى: (واذا قمتم الىالصلاة فاغسلوا
وجوهكم
وايديكم الى المرافق).
فقد فسرها بعضهم بمعنى: الغاية والانتهاء، اي منتهى
ما يطلب
غسله من اليد، وهذايعني ان الابتداء في الغسل من
رؤوس
الاصابع. وفسرها البعض الاخر بانها تعني(مع).
قال الطوسي(رحمهاللّه) (وقوله: وايديكم الى
المرافق، منصوب
بالعطف علىالوجوه الواجب غسلها.
ويجب عندنا غسل الايدي من المرافق، وغسل المرافق
معها
الى رؤوس الاصابع، ولايجوز غسلها من الاصابع الى
المرافق. و
(الى) في الاية بمعنى (مع)، كقوله: (لا تاكلوااموالهم
الى
اموالكم...)(161).
5- القراءة:
والمقصود هنا القراءة القرآنية، وهي مصطلح من
المصطلحات
المتداولة في علومالقرآن، وقد عرفت بانها: (النطق
بحروف
القرآن كما نطق بها النبي(ص)(162).
لقد نزل القرآن الكريم من رب العزة على النبي
الامين
محمد(ص) بلسانه الذي ينطقبه، لذا فان نزوله كان
بقراءة
واحدة، كما ورد عن ائمة اهل البيت(ع) وكما يفهم
منقوله
تعالى: (انما يسرناه بلسانك) وقال تعالى: (فاذا
قراناه فاتبع
قرآنه).
فالاية الاولى صريحة بان القرآن انزل بلسان قريش
(بلهجتها)
وانه بهذه اللغة واللهجةقرئ على النبي الكريم
محمد(ص) ولم
ينزل بقراءات متعددة، فقد ورد في رواياتجمع
القرآن ان
عثمان بن عفان قال للرهط القرشيين الثلاثة بعد ان
كلفهم
بجمع القرآن: «اذا اختلفتم انتم وزيد بن ثابت في
شيء من
القراءات فاكتبوه بلسان قريش فانما نزلالقرآن
بلسانهم».
وقد ورد عن ائمه اهل البيت(ع) ان القرآن نزل بحرف
واحد
على النبي الكريم(ص)،فقد جاء عن الامام ابي جعفر
الباقر(ع):
(ان القرآن واحد، نزل من عند واحد، ولكنالاختلاف
يجي من
قبل الرواة)(163).
وذهب بعض علماء المسلمين الى ان القرآن نزل على
سبعة
احرف، واولوا ذلك بانهنزل على سبع قراءات،
معتمدين على
روايات آحاد لاتصمد امام الحوارالعلمي(164).
ويؤيد ذلك ان عثمان بن عفان حين وضع المصحف الامام
انما
اراد توحيد القراءات بعد ان اختلف الناس في
الامصار، وتعددت
قراءاتهم، وتشير الروايات الكثيرة الى انسبب وضع
مصحف
موحد بامر من عثمان بن عفان، هو الاختلاف في
القراءات،
كماروى البخاري عن انس ان حذيفة بن اليمان افزعه
الاختلاف في القراءة، بعد ان سمعاختلاف اهل
ارمينية واهل
العراق واذربيجان والشام، فاخبر عثمان بن عفان
بذلك،فاقدم
عثمان على جمع الناس على قراءة واحدة، وارسل سبعة
مصاحف الى مكةوالشام واليمن والبحرين والبصرة
والكوفة
وحبس واحدا بالمدينة(165).
(وقال الحارث المحاسبي: المشهور عند الناس ان جامع
القرآن
عثمان، وليس كذلك،انما حمل عثمان الناس على
القراءة بوجه
واحد على اختيار وقع بينه وبين من شهدهمن
المهاجرين
والانصار لما خشي الفتنة عند اختلاف اهل العراق
والشام في
حروفالقراءات. فاما قبل ذلك فقد كانت المصاحف
بوجوه من
القراءات المطلقات علىالحروف السبعة...)(166).
ويمكننا تلخيص الاراء الاساسية في مدرسة الشيعة
الخاصة
بالقراءات بالاتي:
1- ان القرآن نزل بقراءة واحدة على النبي محمد(ص).
2- القراءات المتعددة غير متواترة وطرقها آحاد.
3- ان الاختلاف في القراءة، هو من اجتهاد القراء،
ومن قبل
الرواة.
4- ان بعض القراءات يغير المعنى، وهذا التغيير هو
تحريف
للقرآن.
5- جوز فقهاء الشيعة الامامية القراءة بالقراءات
السبع، كما
جوزوا القراءة بغيرها منالقراءات المتعارفة في
عهد ائمة
اهل البيت (ع)
(167)، وللايضاح ننقل عن السيد
الخوئي(رحمه اللّه) قوله: (يجوز القراءة في الصلاة
بكل
قراءة كانت متعارفة فيزمان اهل البيت(ع)، والواجب
هو قراءة
القرآن بخصوصه، لا ما تصدق عليه القراءةالعربية
الصحيحة.
نعم الظاهر جواز الاكتفاء بكل قراءة متعارفة عند
الناس، ولو
كانتمن غير السبع)(168).
وقال الطوسي: (فالوجه الاخير اصلح الوجوه على ماروي
عنهم(ع) من جواز القراءةبما اختلف القراء فيه)(169).
ويبدو ان المستند لما ورد اعلاه كما يتضح من السيد
ابو
القاسم (رحمهاللّه) هو ماروي عن ائمة اهل البيت(ع):
«اقراوا
كما يقرا الناس»(170) و «اقراوا كماعلمتم»(171).
6- عدم حجية القراءات السبع وغيرها
في الاستنباط، فلا
يستدل بها على الحكمالشرعي، اي ان الفقيه لا
يعتمد في
استنباط الحكم من القرآن الكريم على قراءة
احدالقراء باعتبارها
حجة(172).
وينبغي ان نوضح هنا ان القرآن هو غير القراءة، كما
يؤكد
العلماء، (ان تواتر القرآن لايستلزم تواتر
القراءات)(173).
فالقرآن هو ما نزل على النبي محمد(ص) من الوحي بلفظه
ومعناه ونظمه. والقراءةهي النطق بالقرآن.
والقراءة يجب ان تؤخذ عن النبي(ص) كما تلقاها عن رب
العزة،
قال تعالى: (فاذاقراناه فاتبع قرآنه) فان النطق
بالقرآن المغاير
للكيفية التي قرا بها الرسول الامينمحمد(ص) غير
جائز، انما
اجاز العلماء القراءات التي لا تخل بالمعنى الذي
تضمنهالقرآن،
والتي لم ترد فيها قراءة معتمدة عن النبي(ص).
وينبغي الانتباه هنا الى حقيقة بلاغية، وهي ان
اللّه سبحانه
حينما اختار هذا المفرداللغوي دون غيره، ووضعه الى
جنب
لفظ دون غيره، كان الاختيار لحكمة اعجازية،فايقاع
الحروف،
وتناسق النطق بها، والتناغم بين الكلمات والحروف
والاصواتوغيرها، كلها من مقاصد الصياغة
القرآنية، لذا فان
استبدال كلمة بكلمة اخرى فيالقراءة التي هي من
قبيل
التفسير لايحفظ جمال القرآن واعجازه. فقوله
تعالى:(كالعهن
المنفوش) لايساويه في الصياغة والبلاغة: كالصوف
المنفوش،
كما فيبعض القراءات (كما يروى عن ابن مسعود).
ونخلص في نهاية المطاف الى ان لا صحة للراي القائل:
ان
القرآن نزل على سبعةاحرف، فقد رد العلماء
المحققون هذه
الروايات، كما اكدوا ان القراءات
السبعةالمشهورة، ليست هي
القراءات الوحيدة، بل هناك قراءات عشر واربع عشرة،
وانحصر
القراءات في سبعة، كما ذكرنا جاء متاخرا، ويعود
تمييز هذه
القراءات عن غيرهاوتبنيها بالشكل المتميز الى
الامام ابي بكر
احمد بن موسى بن العباس بن مجاهدببغداد على راس
الثلاثمائة من الهجرة...(174).
وفيما يلي نذكر نموذجا لاختلاف القراءات، وتعددها،
واثرها في
المعنى:
(ولا يحسبن الذين كفروا انما نملي لهم خير لانفسهم
انما
نملي لهم ليزدادوا اثما ولهمعذاب مهين).
« القراءة » قرا ابن كثير وابو عمرو ولا يحسبن الذين
كفروا ولا
يحسبن الذين يبخلونولا يحسبن الذين يفرحون كلهم
بالياء
وكسر السين، وكذلك فلا يحسبنهم بضم الباءوالياء
وكسر
السين، وقرا حمزة كلها بالتاء وفتح السين وفتح
الباء من
يحسبنهم، وقرااهل المدينة والشام ويعقوب كلها
بالياء، الا قوله
فلا تحسبنهم بالتاء، وفتح الباء، الا اناهل
المدينة ويعقوب
كسروا السين، وفتحها الشامي، وقرا عاصم والكسائي،
وخلف،كل ما في هذه السورة بالتاء الا حرفين، ولا
يحسبن
الذين كفروا، ولا يحسبن الذينيبخلون، فانهما
بالياء، غير ان
عاصما فتح السين، وكسرها الكسائي.
« الحجة والاعراب » من قرا بالياء فالذين في هذه
الاية في
موضع الرفع بانه فاعل واذاكان الذين فاعلا، ويقتضي
حسب
مفعولين، او ما يسد مسد المفعولين، نحو حسبت
انزيدا
منطلق، وحسبت ان يقوم عمرو، فقوله تعالى: (انما نملي
لهم
خير لانفسهم) قدسد مسد المفعولين الذين يقتضيهما
يحسبن. (وما) يحتمل امرين (احدهما) ان يكونبمعنى
الذي
فيكون تقديره لا يحسبن الذين كفروا ان الذي نمليه
لهم خير
لانفسهم(والاخر) ان يكون ما نملي بمنزلة الاملاء،
فيكون
مصدرا، واذا كان مصدرا لم يقتضراجعا اليه، وقال
المبرد من
قرا يحسبن بالياء فتح ان، ويقبح الكسر مع الياء،
وهو جائزعلى
قبحه، لان الحسبان ليس بفعل حقيقي، فهو يبطل عمله
مع
ان المكسورة، كمايبطل مع اللام، كما يجوز حسبت لعبد
اللّه
منطلق يجوز على بعد حسبت ان عبد اللّهمنطلق، وقال
ابو
علي الوجه فيه ان يتلقى بها القسم، كما يتلقى بلام
الابتداء،
وتدخلكل واحد منهما على الابتداء والخبر، فكانه
قال: لا
يحسبن الذين كفروا للاخرة خيرالهم، واما قراءة
حمزة بالتاء من
تحسبن، وبفتح ان، فقد خطاه البصريون في ذلك،
لانهيصير
المعنى ولا تحسبن الذين كفروا املاءنا، وذلك لا
يصح، غير ان
الزجاج قال:يجوز على البدل من الذين، والمعنى ولا
تحسبن
املاء للذين كفروا خيرا لهم، ومثلهفي الشعر.
وما كان قيس هلكه هلك واحدولكنه بنيان قوم تهدما
قال ابو علي: لا يجوز ذلك لانك اذا ابدلت ان من الذين
كفروا
لزمك ان تنصب خيرامن حيث كان المفعول الثاني، ولم
ينصبه
احد من القراء واذا لم يصح البدل لم يجز فيهالا
كسر ان على انه
يكون ان وخبرها في موضع المفعول الثاني من
تحسبن)(175).
ومن خلال ما تقدم من حوارات بين
القراء يتضح لنا اثر القراءة في تحديد المعنى
التفسير والسياق القرآني
عرف الشهيد الصدر السياق واثره في فهم مراد
المتكلم بقوله:
«... ونريد بالسياق كل ما يكشف اللفظ الذي نريد فهمه
من
دوال اخرى، سواء كانتلفظية، كالكلمات التي تشكل
مع اللفظ
الذي نريد فهمه كلاما واحدا مترابطا، او
حالية كالظروف
والملابسات التي تحيط بالكلام، وتكون ذات دلالة
فيالموضوع...»(176).
الواضح ان المتكلم والكاتب حينما يرتب افكار
الحديث والفاظه
او موضوعهالكتابي، ويضع العبارات في سياق
متتابع، فيضع
هذه العبارة في موقع معين، ويضعغيرها في موضع
آخر، وهو
ملتفت الى ما يفعل، وقاصد لذلك انما يريد ان
يوضحمراده
بتنظيم كلامه، وترتيب افكاره وعباراته، وبعبارة
اخرى يكون
السياق او البنيةالمتتالية للنص قرينة يلجا
اليها في فهم مراده
وقصده من كلامه.
والقرآن الحكيم هو كلام اللّه تعالى المتصف بالدقة
والاتقان، لذا
فان اختيار هذهالمفردة دون غيرها لم يكن امرا
جزافا، بل
لغرض وغاية ترتبط بالبلاغة والمعنى.
والقرآن قد نظم بمشيئة الهية على شكل سور، تشكل كل
سورة
منه وحدة قرآنيةمستقلة، كما ان موضع كل كلمة
وجملة وآية
في القرآن، قد حدد تحديدا الهيا في سياقالسورة
وبنيتها لابراز
المعنى المراد.
وقد بين ابن عباس اهتمام الوحي بالسياق القرآني،
وان موضع
الاية في السورة منالقرآن انما هو وضع الهي، اي
جزء من الهية
القرآن.
وبين ذلك بقوله (رض): «كان جبريل(ع) اذا نزل على النبي
محمد(ص) بالوحييقول له: ضع هذه الاية في سورة كذا،
في
موضع كذا. فلما نزل عليه: (اتقوا يوماترجعون فيه الى
اللّه) قال:
ضعها في سورة البقرة».
لذا فان الاية السابقة واللاحقة كثيرا ما تعين على
فهم الاية
ذات العلاقة بها، ومعرفةدلالتها ومصداقها الا
اذا وجدنا قرينة
اخرى مفسرة على خلاف السياق، كسببالنزول، او بيان
نبوي... الخ.
ولننقل مثالا على اثر السياق في تفسير المعنى عن
المفسر
الكبير الشيخالطبرسي(رحمهاللّه) قال:
«النظم: ووجه اتصال قوله (وليس البر بان تاتوا
البيوت من
ظهورها
(177) بقوله(يسالونك عن الاهلة)
انه لما بين ان
الاهلة مواقيت للناس والحج، وكانوا اذا
احرموايدخلون البيوت
من ورائها عطف عليها قوله (وليس البر بان تاتوا
البيوت
منظهورها) وقيل: انه لما بين ان امورنا مقدرة
باوقات قرن به
قوله (وليس البر بان تاتواالبيوت من ظهورها) اي فكما
ان
اموركم مقدرة باوقات، فلتكن افعالكم جارية
علىالاستقامة
باتباع ما امر اللّه به، والانتهاء عما نهى عنه،
لان اتباع ما امر به،
خير من اتباع مالم يامر به».
6 الحقيقة والمجاز:
من المباحث الاساسية في علوم اللغة هو مبحث الحقيقة
والمجاز، وهو من مباحثعلم البلاغة، واستعمال
الحقيقة
والمجاز من الاستعمالات الشائعة في لغة
العربشيوعا واسعا،
كقولهم للشجاع (اسد)، ولجميل الوجه (قمر)، ولكثير
العلم
(بحر).
ويشكل مبحث (الحقيقة والمجاز) احد البحوث الاساسية
في
علم البلاغة، ولهذاالمبحث تاثير بالغ في فهم دلالة
كثير من
الالفاظ القرآنية وتاويلها، لا سيما ذاتالدلالة
العقيدية التي
تحدثت عن الصفات، فقد ساهم حمل اللفظ على الحقيقة
اوالمجاز في تحديد المعتقد، ونسبة الصفة الى اللّه
تعالى، وكان
هذا الحمل هو الفاصلبين الفهمين، والمميز بين
التجسيم
والتشبيه، وبين التنزيه عن المشابهة.
ومن الامثلة على ذلك تاويل قوله تعالى: (وسع كرسيه
السماوات والارض) علىاساس حمل الاستعمال على
المجاز، ف
(الكرسي) في هذه الاية كناية عن الملكوالسلطان،
وليس
الكرسي بمعناه الحسي، فاستعمله القرآن مجازا، ولم
يستعمله
علىنحو الحقيقة.
وكقوله تعالى: (يد اللّه فوق ايديهم)، ف (يد اللّه) في
هذه الاية
كناية عن الهيمنة والقهروالسلطان، وليست اليد
بمعناها
الحسي فاللفظ مستعمل في المجاز، وليس فيالحقيقة.
وكل تلك الاستعمالات هي من الاستعمال المجازي، فان
حملها على الحقيقة يقودالى التجسيم والتشبيه، وهو
سبحانه
منزه عن ذلك، فهو كما وصف نفسه: (ليسكمثله شيء
وهو
السميع البصير).
ومثلها قوله تعالى: (وجاء ربك والملك صفا صفا) فقد
فسره
الزمخشري بقوله:(واعلم ان الكلمة كما توصف بالمجاز،
لنقلها
عن معناها الاصلي، كما مضى، توصفبه ايضا لنقلها
عن اعرابها
الاصلي الى غيره، لحذف لفظ او زيادة لفظ. اما
الحذففكقوله
تعالى: (واسال القرية) اي اهل القرية. فاعراب القرية
في الاصل
هو الجر،فحذف المضاف، واعطي المضاف اليه اعرابه.
ونحوه قوله تعالى: (وجاء ربك)، اي امر ربك...)(178).
وهكذا يتضح الفارق العقيدي بين من يجعل المجيء
للّه، وهو
يعني الانتقال والحركةاللتين يتنزه اللّه عنهما،
وبين من يجعل
المجي لامر اللّه، كما فسره الزمخشري، محمولاعلى
المجاز.
واعتماد المجاز في التفسير منهج لغوي اتبعه معظم
المفسرين
من مختلف المذاهبالاسلامية، عدا اهل الظاهر
والحشوية
وامثالهم من المشبهة والمجسمة.
|