|
التفسير
التفسير في اللغة:
قال الراغب الاصفهاني: (الفسر: اظهار المعنى
المعقول، ومنه
قيل لما ينبئ عنه البول:تفسرة، وسمي بها قارورة
الماء،
والتفسير في المبالغة كالفسر. والتفسير قد يقال
فيمايختص
بمفردات الالفاظ وغريبها، وفيما يختص بالتاويل،
ولهذا يقال
تفسير الرؤياوتاويلها.
قال عزوجل: (واحسن تفسيرا)(99).
(الفسر: البيان)(100).
(فسر الشيء يفسره بالكسر، ويفسره بالضم، فسرا.
وفسره: ابانه.
والتفسير مثله. ابنالاعرابي.
التفسير والتاويل والمعنى واحد. وقوله: (واحسن
تفسيرا).
الفسر: كشف المغطى. والتفسير: كشف المراد عن اللفظ
المشكل. والتاويل: رد احدالمحتملين الى مايطابق
الظاهر...) (101).
التفسير في الاصطلاح:
واذا فالتفسير في اللغة ماخوذ من الفسر: وهو: اظهار
المعنى،
وكشف الغطاءوالبيان.
ومنه التفسرة: وتعني ما يستدل بها على غيرها مما
يرتبط
بها.اي هي اسم لعملية الكشف عن الخفي بماهو ظاهر
لوجود
العلاقة بينهما.
ولفظ التفسير كغيره من الالفاظ التي اصبح لها معنى
خاص
في اصطلاح العلماء. فهو(التفسير) اسم لعلم من اهم
العلوم
والمعارف الاسلامية، واكثرها اثرا في حياة
الامةالفكرية
والتشريعية والاجتماعية وغيرها من مجالات الحياة.
ومن استقراء التعاريف التي اوردها العلماء في
كتبهم
وتحديدهم لشخصية وهوية هذاالعلم واهدافه، نجد
التقارب
بين معناه في الاصطلاح، ومعناه في اللغة.
وقد عرفه العلماء بعبارات يختلف بعضها عن بعض
احيانا. كما
عرفه البعض منهم بماعرف به التاويل، فلم يفرق
بينهما، بينما
فرق فريق آخر من العلماء بين التفسيروالتاويل
تفريقا حديا، بل
واعتبر بعضهم عدم التفريق بينهما جهلا بالتفسير
وبعلوم القرآن.
وقال السيوطي ناقلا عن الراغب تعريفه للتفسير:
(وقال
الراغب: التفسير اعم منالتاويل، واكثر استعماله
في الالفاظ
ومفرداتها، واكثر مايستعمل التاويل في
المعانيوالجمل، واكثر
ما يستعمل في الكتب الالهية. والتفسير يستعمل فيها
وفي غيرها) (102).
وقال غيره: (التفسير بيان لفظ لا يحتمل الا وجها
واحدا...)(103).
وقال الماتريدي: (التفسير القطع على ان المراد من
اللفظ هذا،
والشهادة على اللّه انهعني باللفظ هذا، فان قام
دليل مقطوع به
فصحيح، والا فتفسير بالراي وهو المنهي عنه...)(104).
وقال ابو طالب التغلبي: (التفسير بيان وضع اللفظ،
اما حقيقة،
او مجازا، كتفسيرالصراط بالطريق، والصيب بالمطر.
والتاويل
تفسير باطن اللفظ، ماخوذ من الاول،وهو الرجوع
لعاقبة الامر،
فالتاويل اخبار عن حقيقة المراد، والتفسير اخبار
عن
دليلالمراد، لان اللفظ يكشف عن المراد، والكاشف
دليل، مثاله
قوله تعالى: (ان ربكلبالمرصاد)(105)، تفسيره انه من
الرصد، يقال: رصدته رقبته، والمرصاد (مفعال)منه،
وتاويله
التحذير من التهاون بامر اللّه والغفلة عن الاهبة
والاستعداد
للعرض عليه،وقواطع الادلة تقتضي بيان المراد منه،
على
خلاف وضع اللفظ في اللغة)(106).
وقال الاصبهاني في تفسيره: (اعلم ان التفسير في عرف
العلماء: كشف معاني القرآن،وبيان المراد، اعم من ان
يكون
بحسب اللفظ المشكل وغيره، وبحسب المعنى
الظاهروغيره،
والتاويل اكثره في الجمل. والتفسير اما ان يستعمل
في غريب
الالفاظ نحوالبحيرة والسائبة، والوصيلة، او في
وجيز يتبين
بشرح، نحو: اقيموا الصلوة وآتواالزكاة، واما لكلام
متضمن لقصة
لا يمكن تصويره الا بمعرفتها، كقوله: (انما
النسيءزيادة في
الكفر) وقوله: (وليس البر بان تاتوا البيوت من
ظهورها) (107).
وقال ابو نصر القشيري: التفسير مقصور على الاتباع
والسماع
والاستنباط، مما يتعلقبالتاويل.
وقال قوم: ما وقع مبينا في كتاب اللّه ومعينا في
صحيح السنة
سمي تفسيرا، لان معناه قدظهر ووضح، وليس لاحد ان
يتعرض اليه باجتهاد ولا غيره، بل يحمله على
المعنىالذي
ورد، لايتعداه)(108).
وقال الزركشي: (قال ابن فارس: معاني العبارات التي
يعبر بها
عن الاشياء ترجع الىثلاثة: المعنى، والتفسير،
والتاويل، وهي
وان اختلفت فالمقاصد بها متقاربة.
فاما المعنى: فهو القصد والمراد.
واما التفسير في اللغة: فهو راجع الى معنى الاظهار
والكشف...
فالتفسير: كشف المغلق من المراد بلفظه، واطلاق
للمحتبس
عن الفهمبه...)(109).
واختلفوا فقيل: التفسير: كشف المراد عن اللفظ
المشكل، ورداحد الاحتمالين الى مايطابق الظاهر...)(110).
وقال الزركشي: (واعلم ان التفسير في عرف العلماء كشف
معاني القرآن، وبيان المراداعم من ان يكون بحسب
اللفظ
المشكل وغيره، وبحسب المعنى الظاهر
وغيره،والتفسير اكثره
في الجمل)(111).
وقد عرفه الشيخ ابو علي الفضل بن الحسن الطبرسي
بقوله:
(التفسير: كشف المرادعن اللفظ المشكل)(112)،
كما عرف
التاويل بقوله: (والتاويل رد احد المحتملين الىما
يطابق
الظاهر)(113).
وعرفه السيد ابو القاسم الخوئي بقوله: (التفسير هو
ايضاح مراد
اللّه تعالى من كتابهالعزيز، فلا يجوز الاعتماد
فيه على الظنون
والاستحسان، ولا على شيء لم يثبت انهحجة من طريق
العقل،
او من طريق الشرع للنهي عن اتباع الظن، وحرمة اسناد
شيءالى اللّه بغير اذنه)(114).
اما الشهيد الصدر فقد عرف التفسير بقوله: (فتفسير
الكلام اي
كلام معناه: الكشفعن مدلوله، وبيان معناه الذي
يشير اليه
اللفظ)(115).
وبعد ان عرف الشهيد الصدر التفسير عرض اتجاهين
لتعريف
التفسير وتحديددلالته.
الاتجاه الاول: وهو الاتجاه السائد عند الاصوليين
الذي لخصه
بقوله(رحمهاللّه):(...وبتعبير آخر ان من اظهر معنى
اللفظ
يكون قد فسره، واما حيث يكون المعنىظاهرا
ومتبادرا
بطبيعته، فلا اظهار ولا تفسير.
وسيرا مع هذا الاتجاه، لا يكون من التفسير الا
اظهار احد
محتملات اللفظ، واثبات انههو المعنى المراد، او
اظهار المعنى
الخفي غير المتبادر، واثبات انه هو المعنى
المراد،بدلا من
المعنى الظاهر المتبادر. واما ذكر المعنى الظاهر
المتبادر من
اللفظ، فلا يكونتفسيرا.
وهذا الراي يمثل الراي السائد عند الاصوليين)(116).
اما الراي الثاني فهو الراي الذي تبناه
هو(رحمهاللّه) بقوله:
(ولكن الصحيح: هو انذكر المعنى الظاهر قد يكون في
بعض
الحالات تفسيرا ايضا، واظهارا لامر خفي، كماانه في
بعض
الحالات الاخرى لايكون تفسيرا، لانه يفقد عنصر
الخفاء
والغموض، فلايكون اظهارا لامر خفي او ازالة لغموض)(117).
وعند دراسة وتحليل الرايين الذين عرضهما الشهيد
الصدر
رايه والراي الاخرنجدانهما متفقان في مفهوم
التفسير ،
ومختلفان في تحديد مصاديقه، فالتفسير عندهما هوكشف
الغموض، وازالة الخفاء عن المعنى المراد للمتكلم.
اما اعتبار المتبادر من ظهور المعنى اذا كان من
الدرجة
المعقدة كما عبر الشهيد الصدرمن الغامض الخفي الذي
يجب
ان يكشف عنه او لا، فهو تشخيص مصداق، وليستحديد
مفهوم.
وبذا يتضح اتجاهان في معنى التفسير:
اولهما: يحصر التفسير في اظهار احد محتملات اللفظ،
واثبات
انه المعنى المراد، وبذايكون من حقق ذلك قد فسر
القول.
او ان يكون المفسر قد اظهر المعنى الخفي في الكلام
غير
المتبادر منه، واثبت ان المرادليس المتبادر، بل
غيره.
وهو الاتجاه السائد لدى الاصوليين، كما يقول
الشهيد الصدر.
والاتجاه الثاني: يرى ان التفسير يصدق ايضا ببيان
المعنى
الظاهر اذا كان في ذلكالعمل اظهار لامر خفي في
الكلام.
وبعد هذا العرض لمفهوم التفسير، وتعريفه في اللغة
والاصطلاح يتضح لنا معنىالتفسير واهميته في
الفكر
الاسلامي، فهو عبارة عن بيان المحتوى القرآني
الذي يحتاج
الى بيان، وكشف المراد منه، سواء اكان ذلك بيان
معنى
لمفردة لفظية اوجملة.
وبيان المحتوى القرآني (ومراد اللّه تعالى من
كتابه). مسالة من
اهم المسائل، واكثرهااثرا في حياة الامة
الاسلامية.
تحدث الوحي عن مسالة البيان القرآني بقوله: (ان
علينا جمعه
وقرآنه فاذا قراناهفاتبع قرآنه × ثم ان علينا
بيانه)(118)
وبقوله: (...وانزلنا اليك الذكر لتبين للناسما نزل
اليهم
ولعلهم يتفكرون)(119).
وهكذا يوضح القرآن ان بيان ما كان غامضا من القرآن،
لا يتضح
الا ببيان الرسول(ص)وهو من مهامه(ص)، وان اللّه
سبحانه قد
بينه له، وكشف غوامضه.
قال الشيخ الطوسي في تفسيره لقوله تعالى: (ثم ان
علينا
بيانه): (والبيان اظهارالمعنى للنفس بما يتميز به من
غيره بان
الشيء يبين اذا ظهر، وابانه غيره، اي اظهره
بياناوابانة. ونقيض
البيان الاخفاء والاغماض. وقال قتادة: ثم ان علينا
بيانه، معناه:
انا نبينلك معناه اذا حفظته)(120).
وفسر العلامة الطباطبائي هذه الاية بقوله: (اي
علينا ايضاحه
عليك بعد ما كان عليناجمعه وقرآنه، فثم للتاخير
الرتبي، لان
البيان مترتب على الجمع والقراءة رتبة.
وقيل: المعنى: ثم ان علينا بيانه للناس بلسانك تحفظه
في
ذهنك عن التغيير والزوالحتى تقراه على الناس)(121).
من يفسر القرآن:
ان الحديث عن منهج التفسير في مدرسة اهل البيت،
والادوات
والوسائل التي توصلالى معرفة القرآن، والكشف عن
معانيه،
وبيان مراد اللّه تعالى منه. يقودنا الى
ضرورةبيان مسالة اساسية
من المسائل التي يرتبط بها فهم القرآن، واكتشاف
محتواه
الفكريوالتشريعي والتربوي...الخ. وهي مسالة: (من
المخول
بفهم القرآن وتفسيره). فقدنشات في هذا الشان عدة
نظريات
اساسية اثارت جدلا وخلافا بين العلماء وهي:
1 النظرية التي تذهب الى ان القرآن لا يفسره الا
الرسول(ص)
باعتباره المخاطب به،وهو وحده يدرك ما فيه من معان
ومضامين، وهو مذهب الحشوية والمجبرة، كما ذكرالشيخ
الطوسي ذلك.
2 النظرية القائلة ان القرآن لا يفسره الا الرسول(ص)
والائمة
من اهل البيت(ع)باعتبارهم الحجة على الخلق بعد رسول
اللّه(ص)، ووفق هاتين النظريتين يتوقفدور العقل
والاجتهاد
في فهم القرآن.
3 النظرية التي تذهب الى ان القرآن خطاب عربي مبين،
وان
كل من عرف لغة العربيستطيع ان يفهم القرآن.
4 النظرية التي تذهب الى ان القرآن خطاب الهي موجه
الى
البشرية جميعها، بلغةعربية فصيحة، وبالاعتماد
على العنصر
اللغوي وادوات علمية اخرى نستطيع ان نفهمالقرآن
وفق
ظهوره اللغوي، كما نستطيع ان نستنبط الكثير من
معانيه عن
طريق العقلوالتدبر، غير ان هناك بعض المعاني
والمفاهيم
التي يحتاج الناس في بيانها الىالرسول(ص) او
الامام الذي
ورث علوم الرسول(ص) فلابد فيها من الرجوع اليه،فهو
المرجع
من بعده وان بيانه هو الحجة عند الخلاف في فهم
القرآن، وبذا
يكون فهمالقرآن والاستنباط منه عملا علميا جائزا
لغير
النبي(ص) والامام(ع) اذا كان قدتوفرت لديه الوسائل
العلمية
التي تؤهله لفهم القرآن، وهذه النظرية هي
النظريةالعلمية
السائدة لدى مفسري وفقهاء الشيعة الامامية، وفي
ذلك تحدث
الشيخ الطوسيمبينا بطلان النظريات الاولى
والثانية والثالثة،
واثبات النظرية الرابعة، وقد صرح بذلكعند تفسيره
الاية
الكريمة: (افلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير
اللّه لوجدوا
فيه اختلافا كثيرا)(122).
قال: هذه الاية الكريمة تدل على اشياء:
احدها: على بطلان التقليد، وصحة الاستدلال في اصول
الدين:
لانه حث ودعاء الىالتدبر، وذلك لا يكون الا
بالفكر والنظر.
الثاني: يدل على فساد مذهب من زعم ان القرآن لايفهم
معناه
الا بتفسير الرسول(ص)من الحشوية والمجبرة، لانه
تعالى حث
على تدبره ليعملوا به(123).
وعند تفسيره لقوله تعالى: (افلا يتدبرون القرآن ام
على قلوب
اقفالها)(124) قال:معناه: (افلا يتدبرون القرآن
بان يتفكروا فيه، ويعتبروا به، ام على قلوبهم قفل يمنعهم
من
ذلك، تنبيها
لهم على ان الامر بخلافه، وليس عليها ما يمنع من
التدبر
والتفكر،والتدبر: النظر في موجب الامر وعاقبته.
وعلى ذلك
دعاهم الى تدبر القرآن.
وفي ذلك حجة على بطلان قول من يقول: لا يجوز تفسير
شيء من ظاهر القرآن الا بخبر وسمع)(125).
هذه الاية تدل على اشياء وذكر منها: انها تدل على
فساد مذهب
من زعم ان القرآنلايفهم معناه الا بتفسير الرسول
من
الحشوية والمجبرة، لانه تعالى حث على
تدبرهليعملوا به.
وتحدث الفقيه الشهيد السيد محمد باقر
الصدر(رحمهاللّه) في
هذه النظريات فياحد كتبه الاصولية المدرسية فقال:
(ذهب
جماعة من العلماء الى استثناء ظواهرالكتاب الكريم
من
الحجية، وقالوا: بانه لايجوز العمل فيما يتعلق
بالقرآن العزيز الا
بماكان نصا في المعنى، او مفسرا تفسيرا محددا من
قبل
النبي(ص) او المعصومين منآله عليهم الصلاة
والسلام)(126).
وبعد ان عرف بهذه النظرية رد عليها استدلالها،
وناقش ادلتها
التي استدلت بها منالكتاب والروايات التي احتجت
بها.
فمن القرآن استدلوا بقوله تعالى: (هو الذي انزل عليك
الكتاب
منه آيات محكمات هن امالكتاب واخر متشابهات)
ويمكن
تلخيص رد الشهيد الصدر(217) على هذا الاتجاهبالاتي:
1- رده على ما استدل به من القرآن الكريم ويبتنى على:
ا ان اللفظ الظاهر ليس من المتشابه.
ب لو سلمنا بان الظاهر من المتشابه فلا نسلم ان
الاية تنهى
عن مجرد العملبالمتشابه، وانما هي في سياق ذم من
يلتقط
المتشابهات فيركز عليها بصورة منفصلةعن المحكمات
ابتغاء
الفتنة، وهذا مما لا شك في عدم جوازه.
ج يلزم من قال بعدم حجية الظهور بطلان احتجاجه بهذه
الاية، لانه احتجاجبظهورها.
2- رده
(128)
على ما استدل به من الروايات الناهية عن
العمل بظاهر الكتاب،ويلخص رده بالاتي:
ا ضعف هذه الروايات، وان رواتها في الغالب من اصحاب
الاتجاهات الباطنيةالمنحرفة.
ب ان هذه الروايات معارضة للكتاب الكريم الدال على
انه
تبيان لكل شيء وهدىوبلاغ، والمخالف من اخبار
الاحاد
للكتاب لا يشمله دليل حجية خبر الواحد.
ج ما دل من الروايات على وجوب التمسك بالقرآن، ذلك
لان
التمسك به يعني عرفاالعمل بظواهره.
ونخلص من دراسة آراء اولئك الاعلام ان المنهج
الامامي في
التفسير يثبت مبدا انالقرآن يمكن ان يفسره غير
النبي او
الامام،يفسر ما لم يرد فيه بيان من النبي(ص) او
الامام(ع) من
بعده، وان الماثور الثابتالصحة هو المرجع
والمقياس في
التفسير والتاويل.
ولعل في ذلك الرد الكافي على الاتجاه الباطني
الخارج على
منهج اهل البيت(ع) كماان في ذلك الرد الكافي على من
خلط
بين منهج مدرسة اهل البيت في التفسير، وبين المنهج
الباطني، ولعل من اوضح صور الخلط والتشويه، وسوء
الفهم
المؤسف، هو ماجاء في كتاب (دور الشيعة في تطور
العراق
السياسي الحديث) للدكتور عبد اللّه فهدالنفيسي.
قال:
(ان نظرة الشيعة الى مصادر الشريعة الاسلامية تختلف
اختلافا
كليا عن نظرة السنةاليها، فالسنة تعتبر المصدر
الاول للشرع
القرآن الكريم، ثم الحديث الشريف (السنة)والاجماع
والقياس،
ولكن الشيعة، في صورة عامة يتطلعون الى امام
بالتعيين من
قبلاللّه بواسطة رسوله يستطيع وحده تفسير
القرآن، ويدرك
معناه الباطني. وبسبب هذاالخلاف الجوهري في النظرة
الى
الاسلام، فان الشيعة تنظر الى قضية خلاص
الانسانمن زاوية
تختلف عن نظرة السنة. فان الخلاص البشري في نظر
الشيعة،
لا يتم كماترى السنة بواسطة اتباع احكام القرآن، اي
ان تكون
حياة المسلم منسجمة مع اوامر اللّهونواهيه، كما
نصها الوحي.
وانما بواسطة امام الزمان...)(129).
وقد اكد ائمة اهل البيت(ع) في مواضع عديدة، وعلى
امتداد
وجودهم انهم ورثة علومرسول اللّه، ورواة معارفه،
فمنها
ياخذون، وعليها يؤسسون، وان كل ما صدر عنهم،
هوماخوذ
عما وصلهم ابا عن اب عن رسول اللّه(ص).
وفي ذلك يقول الامام الصادق(ع): (حديثي حديث ابي،
وحديث ابي حديث جدي،وحديث جدي حديث ابيه، وحديث
ابيه حديث علي بن ابي طالب، وحديث عليحديث رسول
اللّه،
وحديث رسول اللّه(ص) قول اللّه عزوجل)(130).
وسال رجل الامام الصادق(ع) فقال: (ارايت ان كان كذا
وكذا ما
يكون القول فيها؟ فقالله: مه ما اجبتك فيه من
شيء، فهو عن
رسولاللّه(ص)(131).
وساله احد اصحابه قال: (باي شيء يفتي الامام؟ قال:
بالكتاب
والسنة؟ قلت: فما لميكن في الكتاب؟ قال: بالسنة،
قلت: فما ما
لم يكن في الكتاب والسنة، قال: ليس شيءالا في
الكتاب
والسنة. قال: فكررت مرتين او اثنتين، قال: يسدد
ويوفق، فاما
ما تظنفلا)(132).
وقد علق العلا مة المجلسي على ذلك بقوله: (يوفق
ويسدد، اي
لان يعلم ذلك منالكتاب والسنة).
وعن جابر قال: قال ابو جعفر الباقر(ع) «ياجابر لو كنا
نفتي
الناس براينا لكنا منالهالكين، ولكنا نفتيهم
بثار من رسول اللّه
واصول علم عندنا يتوارثها كابر عن كابر،نكنزها،
كما يكنز هؤلاء
ذهبهم وفضتهم»(133).
وتحدث الامام الحسن(ع) عن تفسير اهل البيت(ع) للقرآن
فقال: «نحن حزب اللّهالغالبون، وعترة رسول اللّه(ص)
الاقربون،
واهل بيته الطيبون الطاهرون، واحدالثقلين اللذين
خلفهما
رسول اللّه(ص) في امته، تالي كتاب اللّه الذي فيه
تفصيل
كلشيء، لا ياتيه الباطل من بين يديه، ولا من
خلفه، فالمعول
علينا تفسيره، لانتظننتاويله، بل نتيقن
حقائقه...»(134).
وبضم الاحاديث بعضها الى بعض، ودراستها دراسة
تحليلية
يتضح لنا ان الامام حينيفتي الناس بكتاب اللّه
عزوجل، ويبين
محتواه انما يعتمد على آثار علم من رسولاللّه(ص)
وان لا شيء
الا وقد نزله اللّه في كتابه، وبينه لنبيه، وان
ائمة اهل البيت
قدورثوا هذا البيان عن جدهم الهادي محمد(ص) فبينوه
للناس، كما ان قوله(ع) «يوفق ويسدد» يوضح ان الامام
بما
يحمل من طهارة النفس، وكمال العلم، والتعلق
المطلقباللّه
تعالى، يوفق ويسدد لمعرفة ما هو غامض على غيره من
كتاب
اللّه عزوجل، لذاكانوا هم المرجع في فهم القرآن
وتفسيره عند
الخلاف.
وقد اعترف علماء الاسلام بمختلف مذاهبهم باعلمية
ائمة اهل
البيت(ع)ومرجعيتهم العلمية.
ومن الثابت تاريخيا، ان الصحابة جميعا كانوا يرون
ان الامام
عليا(ع) هو اعلمهم،ومرجعهم في الاحكام والمعارف
الاسلامية، وبيان ما لم يكن جليا مشخصا منها بعدان
شخص
لهم الرسول(ص) هذه الحقيقة بقوله: «اقضاكم
علي»(135).
و «انا مدينةالعلم وعلي بابها»(136).
قال ابن عطية: (اما صدر المفسرين والمؤيد فيهم فعلي
بن ابي
طالب، ويتلوه عبد اللّهبن عباس، وهو تجرد للامر
وكمله.
وقال ابن عباس: ما اخذت من تفسير القرآن فعن علي بن
ابيطالب)(137).
وقد وصفت زوج الرسول(ص) عائشة عليا(ع) بقولها: (اما
انه
اعلم الناسبالسنة)(138).
ونقل المفسرون عن علي(ع) ان رسول اللّه(ص) دعا له ربه
بان تكون اذنه هي الاذنالواعية لاحكام الشريعة،
واصول الاسلام،
عند نزول قوله تعالى: (وتعيها اذنواعية)(139)،
فقد قال:
قال (لي) النبي (ص): «سالت ربي ان يجعلها
اذنك ياعلي»(140)، فقال علي(ع): «فما سمعت
شيئا من
رسول اللّه(ص)فنسيته»(141).
وان اكثرها وضوحا والزاما، هو قول الهادي محمد(ص):
«اني
قد تركت فيكم ما اناخذتم به لن تضلوا بعدي:
الثقلين،
احدهما اكبر من الاخر: كتاب اللّه وعترتي
اهلبيتي، الا انهما
لن يفترقا حتى يردا علي الحوض(142)»، فان هذا الحديث
يؤكد التلازمبين اهل البيت(ع) وبين كتاب اللّه فهم
لايفترقون
عنه في العلم والعمل، وبذا وجب انيكونوا المرجع
والمصدر
في معرفة الشريعة، ورفع الاختلاف. |