فهرس الكتاب

مكتبة أهل البيت (ع)

مكتبة الموقع

 

التفسير
التفسير في اللغة:
قال الراغب الاصفهاني: (الفسر: اظهار المعنى المعقول، ومنه قيل لما ينبئ عنه البول:تفسرة، وسمي بها قارورة الماء، والتفسير في المبالغة كالفسر. والتفسير قد يقال فيمايختص بمفردات الالفاظ وغريبها، وفيما يختص بالتاويل، ولهذا يقال تفسير الرؤياوتاويلها.
قال عزوجل: (واحسن تفسيرا)(99).
(الفسر: البيان)(100).
(فسر الشي‏ء يفسره بالكسر، ويفسره بالضم، فسرا. وفسره: ابانه.
والتفسير مثله. ابن‏الاعرابي.
التفسير والتاويل والمعنى واحد. وقوله: (واحسن تفسيرا).
الفسر: كشف المغط‏ى. والتفسير: كشف المراد عن اللفظ المشكل. والتاويل: رد احدالمحتملين الى مايطابق الظاهر...) (101).
التفسير في الاصطلاح:
واذا فالتفسير في اللغة ماخوذ من الفسر: وهو: اظهار المعنى، وكشف الغطاءوالبيان.
ومنه التفسرة: وتعني ما يستدل بها على غيرها مما يرتبط بها.اي هي اسم لعملية الكشف عن الخفي بماهو ظاهر لوجود العلاقة بينهما.
ولفظ التفسير كغيره من الالفاظ التي اصبح لها معنى خاص في اصطلاح العلماء. فهو(التفسير) اسم لعلم من اهم العلوم والمعارف الاسلامية، واكثرها اثرا في حياة الامة‏الفكرية والتشريعية والاجتماعية وغيرها من مجالات الحياة.
ومن استقراء التعاريف التي اوردها العلماء في كتبهم وتحديدهم لشخصية وهوية هذاالعلم واهدافه، نجد التقارب بين معناه في الاصطلاح، ومعناه في اللغة.
وقد عرفه العلماء بعبارات يختلف بعضها عن بعض احيانا. كما عرفه البعض منهم بماعرف به التاويل، فلم يفرق بينهما، بينما فرق فريق آخر من العلماء بين التفسيروالتاويل تفريقا حديا، بل واعتبر بعضهم عدم التفريق بينهما جهلا بالتفسير وبعلوم ‏القرآن.
وقال السيوط‏ي ناقلا عن الراغب تعريفه للتفسير: (وقال الراغب: التفسير اعم من‏التاويل، واكثر استعماله في الالفاظ ومفرداتها، واكثر مايستعمل التاويل في المعاني‏والجمل، واكثر ما يستعمل في الكتب الالهية. والتفسير يستعمل فيها وفي‏ غيرها) (102).
وقال غيره: (التفسير بيان لفظ لا يحتمل الا وجها واحدا...)(103).
وقال الماتريدي: (التفسير القطع على ان المراد من اللفظ هذا، والشهادة على اللّه انه‏عني باللفظ هذا، فان قام دليل مقطوع به فصحيح، والا فتفسير بالراي وهو المنهي ‏عنه...)(104).
وقال ابو طالب التغلبي: (التفسير بيان وضع اللفظ، اما حقيقة، او مجازا، كتفسيرالصراط بالطريق، والصيب بالمطر. والتاويل تفسير باطن اللفظ، ماخوذ من الاول،وهو الرجوع لعاقبة الامر، فالتاويل اخبار عن حقيقة المراد، والتفسير اخبار عن دليل‏المراد، لان اللفظ يكشف عن المراد، والكاشف دليل، مثاله قوله تعالى: (ان ربك‏لبالمرصاد)(105)، تفسيره انه من الرصد، يقال: رصدته رقبته، والمرصاد (مفعال)منه، وتاويله التحذير من التهاون بامر اللّه والغفلة عن الاهبة والاستعداد للعرض عليه،وقواطع الادلة تقتضي بيان المراد منه، على خلاف وضع اللفظ في اللغة)(106).
وقال الاصبهاني في تفسيره: (اعلم ان التفسير في عرف العلماء: كشف معاني القرآن،وبيان المراد، اعم من ان يكون بحسب اللفظ المشكل وغيره، وبحسب المعنى الظاهروغيره، والتاويل اكثره في الجمل. والتفسير اما ان يستعمل في غريب الالفاظ نحوالبحيرة والسائبة، والوصيلة، او في وجيز يتبين بشرح، نحو: اقيموا الصلوة وآتواالزكاة، واما لكلام متضمن لقصة لا يمكن تصويره الا بمعرفتها، كقوله: (انما النسي‏ءزيادة في الكفر) وقوله: (وليس البر بان تاتوا البيوت من ظهورها) (107).
وقال ابو نصر القشيري: التفسير مقصور على الاتباع والسماع والاستنباط، مما يتعلق‏بالتاويل.

وقال قوم: ما وقع مبينا في كتاب اللّه ومعينا في صحيح السنة سمي تفسيرا، لان معناه قدظهر ووضح، وليس لاحد ان يتعرض اليه باجتهاد ولا غيره، بل يحمله على المعنى‏الذي ورد، لايتعداه)(108).
وقال الزركشي: (قال ابن فارس: معاني العبارات التي يعبر بها عن الاشياء ترجع الى‏ثلاثة: المعنى، والتفسير، والتاويل، وهي وان اختلفت فالمقاصد بها متقاربة.
فاما المعنى: فهو القصد والمراد.
واما التفسير في اللغة: فهو راجع الى معنى الاظهار والكشف...
فالتفسير: كشف المغلق من المراد بلفظه، واطلاق للمحتبس عن الفهم‏به...)(109).
واختلفوا فقيل: التفسير: كشف المراد عن اللفظ المشكل، ورداحد الاحتمالين الى مايطابق الظاهر...)(110).
وقال الزركشي: (واعلم ان التفسير في عرف العلماء كشف معاني القرآن، وبيان المراداعم من ان يكون بحسب اللفظ المشكل وغيره، وبحسب المعنى الظاهر وغيره،والتفسير اكثره في الجمل)(111).
وقد عرفه الشيخ ابو علي الفضل بن الحسن الطبرسي بقوله: (التفسير: كشف المرادعن اللفظ المشكل)(112)، كما عرف التاويل بقوله: (والتاويل رد احد المحتملين الى‏ما يطابق الظاهر)(113).
وعرفه السيد ابو القاسم الخوئي بقوله: (التفسير هو ايضاح مراد اللّه تعالى من كتابه‏العزيز، فلا يجوز الاعتماد فيه على الظنون والاستحسان، ولا على شي‏ء لم يثبت انه‏حجة من طريق العقل، او من طريق الشرع للنهي عن اتباع الظن، وحرمة اسناد شي‏ءالى اللّه بغير اذنه)(114).
اما الشهيد الصدر فقد عرف التفسير بقوله: (فتفسير الكلام اي كلام معناه: الكشف‏عن مدلوله، وبيان معناه الذي يشير اليه اللفظ)(115).
وبعد ان عرف الشهيد الصدر التفسير عرض اتجاهين لتعريف التفسير وتحديددلالته.
الاتجاه الاول: وهو الاتجاه السائد عند الاصوليين الذي لخصه بقوله(رحمه‏اللّه):(...وبتعبير آخر ان من اظهر معنى اللفظ يكون قد فسره، واما حيث يكون المعنى‏ظاهرا ومتبادرا بطبيعته، فلا اظهار ولا تفسير.

وسيرا مع هذا الاتجاه، لا يكون من التفسير الا اظهار احد محتملات اللفظ، واثبات انه‏هو المعنى المراد، او اظهار المعنى الخفي غير المتبادر، واثبات انه هو المعنى المراد،بدلا من المعنى الظاهر المتبادر. واما ذكر المعنى الظاهر المتبادر من اللفظ، فلا يكون‏تفسيرا.
وهذا الراي يمثل الراي السائد عند الاصوليين)(116).
اما الراي الثاني فهو الراي الذي تبناه هو(رحمه‏اللّه) بقوله: (ولكن الصحيح: هو ان‏ذكر المعنى الظاهر قد يكون في بعض الحالات تفسيرا ايضا، واظهارا لامر خفي، كماانه في بعض الحالات الاخرى لايكون تفسيرا، لانه يفقد عنصر الخفاء والغموض، فلايكون اظهارا لامر خفي او ازالة لغموض)(117).
وعند دراسة وتحليل الرايين الذين عرضهما الشهيد الصدر رايه والراي الاخرنجدانهما متفقان في مفهوم التفسير ، ومختلفان في تحديد مصاديقه، فالتفسير عندهما هوكشف الغموض، وازالة الخفاء عن المعنى المراد للمتكلم.
اما اعتبار المتبادر من ظهور المعنى اذا كان من الدرجة المعقدة كما عبر الشهيد الصدرمن الغامض الخفي الذي يجب ان يكشف عنه او لا، فهو تشخيص مصداق، وليس‏تحديد مفهوم.
وبذا يتضح اتجاهان في معنى التفسير:
اولهما: يحصر التفسير في اظهار احد محتملات اللفظ، واثبات انه المعنى المراد، وبذايكون من حقق ذلك قد فسر القول.
او ان يكون المفسر قد اظهر المعنى الخفي في الكلام غير المتبادر منه، واثبت ان المرادليس المتبادر، بل غيره.
وهو الاتجاه السائد لدى الاصوليين، كما يقول الشهيد الصدر.
والاتجاه الثاني: يرى ان التفسير يصدق ايضا ببيان المعنى الظاهر اذا كان في ذلك‏العمل اظهار لامر خفي في الكلام.
وبعد هذا العرض لمفهوم التفسير، وتعريفه في اللغة والاصطلاح يتضح لنا معنى‏التفسير واهميته في الفكر الاسلامي، فهو عبارة عن بيان المحتوى القرآني الذي‏ يحتاج الى بيان، وكشف المراد منه، سواء اكان ذلك بيان معنى لمفردة لفظية اوجملة.
وبيان المحتوى القرآني (ومراد اللّه تعالى من كتابه). مسالة من اهم المسائل، واكثرهااثرا في حياة الامة الاسلامية.
تحدث الوحي عن مسالة البيان القرآني بقوله: (ان علينا جمعه وقرآنه فاذا قراناه‏فاتبع قرآنه × ثم ان علينا بيانه)(118) وبقوله: (...وانزلنا اليك الذكر لتبين للناس‏ما نزل اليهم ولعلهم يتفكرون)(119).
وهكذا يوضح القرآن ان بيان ما كان غامضا من القرآن، لا يتضح الا ببيان الرسول(ص)وهو من مهامه(ص)، وان اللّه سبحانه قد بينه له، وكشف غوامضه.
قال الشيخ الطوسي في تفسيره لقوله تعالى: (ثم ان علينا بيانه): (والبيان اظهارالمعنى للنفس بما يتميز به من غيره بان الشي‏ء يبين اذا ظهر، وابانه غيره، اي اظهره بياناوابانة. ونقيض البيان الاخفاء والاغماض. وقال قتادة: ثم ان علينا بيانه، معناه: انا نبين‏لك معناه اذا حفظته)(120).
وفسر العلامة الطباطبائي هذه الاية بقوله: (اي علينا ايضاحه عليك بعد ما كان عليناجمعه وقرآنه، فثم للتاخير الرتبي، لان البيان مترتب على الجمع والقراءة رتبة.
وقيل: المعنى: ثم ان علينا بيانه للناس بلسانك تحفظه في ذهنك عن التغيير والزوال‏حتى تقراه على الناس)(121).

من يفسر القرآن:
ان الحديث عن منهج التفسير في مدرسة اهل البيت، والادوات والوسائل التي توصل‏الى معرفة القرآن، والكشف عن معانيه، وبيان مراد اللّه تعالى منه. يقودنا الى ضرورة‏بيان مسالة اساسية من المسائل التي يرتبط بها فهم القرآن، واكتشاف محتواه الفكري‏والتشريعي والتربوي...الخ. وهي مسالة: (من المخول بفهم القرآن وتفسيره). فقدنشات في هذا الشان عدة نظريات اساسية اثارت جدلا وخلافا بين العلماء وهي:

1 النظرية التي تذهب الى ان القرآن لا يفسره الا الرسول(ص) باعتباره المخاطب به،وهو وحده يدرك ما فيه من معان ومضامين، وهو مذهب الحشوية والمجبرة، كما ذكرالشيخ الطوسي ذلك.
2 النظرية القائلة ان القرآن لا يفسره الا الرسول(ص) والائمة من اهل البيت(ع)باعتبارهم الحجة على الخلق بعد رسول اللّه(ص)، ووفق هاتين النظريتين يتوقف‏دور العقل والاجتهاد في فهم القرآن.
3 النظرية التي تذهب الى ان القرآن خطاب عربي مبين، وان كل من عرف لغة العرب‏يستطيع ان يفهم القرآن.
4 النظرية التي تذهب الى ان القرآن خطاب الهي موجه الى البشرية جميعها، بلغة‏عربية فصيحة، وبالاعتماد على العنصر اللغوي وادوات علمية اخرى نستطيع ان نفهم‏القرآن وفق ظهوره اللغوي، كما نستطيع ان نستنبط الكثير من معانيه عن طريق العقل‏والتدبر، غير ان هناك بعض المعاني والمفاهيم التي يحتاج الناس في بيانها الى‏الرسول(ص) او الامام الذي ورث علوم الرسول(ص) فلابد فيها من الرجوع اليه،فهو المرجع من بعده وان بيانه هو الحجة عند الخلاف في فهم القرآن، وبذا يكون فهم‏القرآن والاستنباط منه عملا علميا جائزا لغير النبي(ص) والامام(ع) اذا كان قدتوفرت لديه الوسائل العلمية التي تؤهله لفهم القرآن، وهذه النظرية هي النظرية‏العلمية السائدة لدى مفسري وفقهاء الشيعة الامامية، وفي ذلك تحدث الشيخ الطوسي‏مبينا بطلان النظريات الاولى والثانية والثالثة، واثبات النظرية الرابعة، وقد صرح بذلك‏عند تفسيره الاية
الكريمة: (افلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير اللّه لوجدوا فيه ‏اختلافا كثيرا)(122).
قال: هذه الاية الكريمة تدل على اشياء:
احدها: على بطلان التقليد، وصحة الاستدلال في اصول الدين: لانه حث ودعاء الى‏التدبر، وذلك لا يكون الا بالفكر والنظر. الثاني: يدل على فساد مذهب من زعم ان القرآن لايفهم معناه الا بتفسير الرسول(ص)من الحشوية والمجبرة، لانه تعالى حث على تدبره ليعملوا به(123).
وعند تفسيره لقوله تعالى: (افلا يتدبرون القرآن ام على قلوب اقفالها)
(124) قال:معناه: (افلا يتدبرون القرآن بان يتفكروا فيه، ويعتبروا به، ام على قلوبهم قفل يمنعهم ‏من ذلك، تنبيها لهم على ان الامر بخلافه، وليس عليها ما يمنع من التدبر والتفكر،والتدبر: النظر في موجب الامر وعاقبته. وعلى ذلك دعاهم الى تدبر القرآن.
وفي ذلك حجة على بطلان قول من يقول: لا يجوز تفسير شي‏ء من ظاهر القرآن الا بخبر وسمع)(125).
هذه الاية تدل على اشياء وذكر منها: انها تدل على فساد مذهب من زعم ان القرآن‏لايفهم معناه الا بتفسير الرسول من الحشوية والمجبرة، لانه تعالى حث على تدبره‏ليعملوا به.
وتحدث الفقيه الشهيد السيد محمد باقر الصدر(رحمه‏اللّه) في هذه النظريات في‏احد كتبه الاصولية المدرسية فقال: (ذهب جماعة من العلماء الى استثناء ظواهرالكتاب الكريم من الحجية، وقالوا: بانه لايجوز العمل فيما يتعلق بالقرآن العزيز الا بماكان نصا في المعنى، او مفسرا تفسيرا محددا من قبل النبي(ص) او المعصومين من‏آله عليهم الصلاة والسلام)(126).
وبعد ان عرف بهذه النظرية رد عليها استدلالها، وناقش ادلتها التي استدلت بها من‏الكتاب والروايات التي احتجت بها.
فمن القرآن استدلوا بقوله تعالى: (هو الذي انزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن ام‏الكتاب واخر متشابهات) ويمكن تلخيص رد الشهيد الصدر(217) على هذا الاتجاه‏بالاتي:

1- رده على ما استدل به من القرآن الكريم ويبتنى على:
ا ان اللفظ الظاهر ليس من المتشابه.
ب لو سلمنا بان الظاهر من المتشابه فلا نسلم ان الاية تنهى عن مجرد العمل‏بالمتشابه، وانما هي في سياق ذم من يلتقط المتشابهات فيركز عليها بصورة منفصلة‏عن المحكمات ابتغاء الفتنة، وهذا مما لا شك في عدم جوازه.
ج يلزم من قال بعدم حجية الظهور بطلان احتجاجه بهذه الاية، لانه احتجاج‏بظهورها.
2- رده (128) على ما استدل به من الروايات الناهية عن العمل بظاهر الكتاب،ويلخص رده بالاتي:
ا ضعف هذه الروايات، وان رواتها في الغالب من اصحاب الاتجاهات الباطنية‏المنحرفة.
ب ان هذه الروايات معارضة للكتاب الكريم الدال على انه تبيان لكل شي‏ء وهدى‏وبلاغ، والمخالف من اخبار الاحاد للكتاب لا يشمله دليل حجية خبر الواحد.
ج ما دل من الروايات على وجوب التمسك بالقرآن، ذلك لان التمسك به يعني عرفاالعمل بظواهره.
ونخلص من دراسة آراء اولئك الاعلام ان المنهج الامامي في التفسير يثبت مبدا ان‏القرآن يمكن ان يفسره غير النبي او الامام،يفسر ما لم يرد فيه بيان من النبي(ص) او الامام(ع) من بعده، وان الماثور الثابت‏الصحة هو المرجع والمقياس في التفسير والتاويل.
ولعل في ذلك الرد الكافي على الاتجاه الباطني الخارج على منهج اهل البيت(ع) كماان في ذلك الرد الكافي على من خلط بين منهج مدرسة اهل البيت في التفسير، وبين ‏المنهج الباطني، ولعل من اوضح صور الخلط والتشويه، وسوء الفهم المؤسف، هو ماجاء في كتاب (دور الشيعة في تطور العراق السياسي الحديث) للدكتور عبد اللّه فهدالنفيسي. قال:
(ان نظرة الشيعة الى مصادر الشريعة الاسلامية تختلف اختلافا كليا عن نظرة السنة‏اليها، فالسنة تعتبر المصدر الاول للشرع القرآن الكريم، ثم الحديث الشريف (السنة)والاجماع والقياس، ولكن الشيعة، في صورة عامة يتطلعون الى امام بالتعيين من قبل‏اللّه بواسطة رسوله يستطيع وحده تفسير القرآن، ويدرك معناه الباطني. وبسبب هذاالخلاف الجوهري في النظرة الى الاسلام، فان الشيعة تنظر الى قضية خلاص الانسان‏من زاوية تختلف عن نظرة السنة. فان الخلاص البشري في نظر الشيعة، لا يتم كماترى السنة بواسطة اتباع احكام القرآن، اي ان تكون حياة المسلم منسجمة مع اوامر اللّهونواهيه، كما نصها الوحي.
وانما بواسطة امام الزمان...)(129).
وقد اكد ائمة اهل البيت(ع) في مواضع عديدة، وعلى امتداد وجودهم انهم ورثة علوم‏رسول اللّه، ورواة معارفه، فمنها ياخذون، وعليها يؤسسون، وان كل ما صدر عنهم، هوماخوذ عما وصلهم ابا عن اب عن رسول اللّه(ص).
وفي ذلك يقول الامام الصادق(ع): (حديثي حديث ابي، وحديث ابي حديث جدي،وحديث جدي حديث ابيه، وحديث ابيه حديث علي بن ابي طالب، وحديث علي‏حديث رسول اللّه، وحديث رسول اللّه(ص) قول اللّه عزوجل)(130).
وسال رجل الامام الصادق(ع) فقال: (ارايت ان كان كذا وكذا ما يكون القول فيها؟ فقال‏له: مه ما اجبتك فيه من شي‏ء، فهو عن رسول‏اللّه(ص)(131).
وساله احد اصحابه قال: (باي شي‏ء يفتي الامام؟ قال: بالكتاب والسنة؟ قلت: فما لم‏يكن في الكتاب؟ قال: بالسنة، قلت: فما ما لم يكن في الكتاب والسنة، قال: ليس شي‏ءالا في الكتاب والسنة. قال: فكررت مرتين او اثنتين، قال: يسدد ويوفق، فاما ما تظن‏فلا)(132).
وقد علق العلا مة المجلسي على ذلك بقوله: (يوفق ويسدد، اي لان يعلم ذلك من‏الكتاب والسنة).
وعن جابر قال: قال ابو جعفر الباقر(ع) «ياجابر لو كنا نفتي الناس براينا لكنا من‏الهالكين، ولكنا نفتيهم بثار من رسول اللّه واصول علم عندنا يتوارثها كابر عن كابر،نكنزها، كما يكنز هؤلاء ذهبهم وفضتهم‏»(133).
وتحدث الامام الحسن(ع) عن تفسير اهل البيت(ع) للقرآن فقال: «نحن حزب اللّهالغالبون، وعترة رسول اللّه(ص) الاقربون، واهل بيته الطيبون الطاهرون، واحدالثقلين اللذين خلفهما رسول اللّه(ص) في امته، تالي كتاب اللّه الذي فيه تفصيل كل‏شي‏ء، لا ياتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه، فالمعول علينا تفسيره، لانتظنن‏تاويله، بل نتيقن حقائقه...»(134).
وبضم الاحاديث بعضها الى بعض، ودراستها دراسة تحليلية يتضح لنا ان الامام حين‏يفتي الناس بكتاب اللّه عزوجل، ويبين محتواه انما يعتمد على آثار علم من رسول‏اللّه(ص) وان لا شي‏ء الا وقد نزله اللّه في كتابه، وبينه لنبيه، وان ائمة اهل البيت قدورثوا هذا البيان عن جدهم الهادي محمد(ص) فبينوه للناس، كما ان قوله(ع) «يوفق ويسدد» يوضح ان الامام بما يحمل من طهارة النفس، وكمال العلم، والتعلق المطلق‏باللّه تعالى، يوفق ويسدد لمعرفة ما هو غامض على غيره من كتاب اللّه عزوجل، لذاكانوا هم المرجع في فهم القرآن وتفسيره عند الخلاف.
وقد اعترف علماء الاسلام بمختلف مذاهبهم باعلمية ائمة اهل البيت(ع)ومرجعيتهم العلمية.
ومن الثابت تاريخيا، ان الصحابة جميعا كانوا يرون ان الامام عليا(ع) هو اعلمهم،ومرجعهم في الاحكام والمعارف الاسلامية، وبيان ما لم يكن جليا مشخصا منها بعدان شخص لهم الرسول(ص) هذه الحقيقة بقوله: «اقضاكم علي‏»(135). و «انا مدينة‏العلم وعلي بابها»(136).
قال ابن عطية: (اما صدر المفسرين والمؤيد فيهم فعلي بن ابي طالب، ويتلوه عبد اللّهبن عباس، وهو تجرد للامر وكمله.
وقال ابن عباس: ما اخذت من تفسير القرآن فعن علي بن ابي‏طالب)(137).
وقد وصفت زوج الرسول(ص) عائشة عليا(ع) بقولها: (اما انه اعلم الناس‏بالسنة)(138).
ونقل المفسرون عن علي(ع) ان رسول اللّه(ص) دعا له ربه بان تكون اذنه هي الاذن‏الواعية لاحكام الشريعة، واصول الاسلام، عند نزول قوله تعالى: (وتعيها اذن‏واعية)(139)، فقد قال: قال (لي) النبي (ص): «سالت ربي ان يجعلها اذنك ياعلي‏»(140)، فقال علي(ع): «فما سمعت شيئا من رسول اللّه(ص)فنسيته‏»(141).
وان اكثرها وضوحا والزاما، هو قول الهادي محمد(ص): «اني قد تركت فيكم ما ان‏اخذتم به لن تضلوا بعدي: الثقلين، احدهما اكبر من الاخر: كتاب اللّه وعترتي اهل‏بيتي، الا انهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض(142)»، فان هذا الحديث يؤكد التلازم‏بين اهل البيت(ع) وبين كتاب اللّه فهم لايفترقون عنه في العلم والعمل، وبذا وجب ان‏يكونوا المرجع والمصدر في معرفة الشريعة، ورفع الاختلاف.

99- معجم مفردات الفاظ القرآن : مادة ( فسر ) .
100-
مختار الصحاح : الرازي ، مادة ( الفسر ) .
101-
ابن منظور ، لسان العرب : مادة ( فسر ) .
102-
الاتقان في علوم القرآن : 4/167 .
103-
الاتقان في علوم القرآن : 4/167 .
104-
الاتقان في علوم القرآن : 4/167 .
105-
سورة الفجر ، الاية 14 .
106-
الاتقان في علوم القرآن : 4/167 168 .
107-
الاتقان في علوم القرآن : 4/168 .
108-
المصدر السابق : 168 .
109-
الزركشي ، البرهان في علوم القرآن : 2/162 163 .
110-
الزركشي ، البرهان في علوم القرآن : 2/164 .
111-
المصدر السابق : 164 165 .
112-
مجمع البيان في تفسير القرآن المقدمة : ص‏80 .
113-
المصدر السابق .
114-
السيد الخوئي ، البيان في تفسير القرآن : ص‏421 .
115-
علوم القرآن ، السيد محمد باقر الحكيم : ص‏66 .
116-
علوم القرآن ، السيد محمد باقر الحكيم : ص‏66 67 .
117-
علوم القرآن ، السيد محمد باقر الحكيم : ص‏67 .
118-
سورة القيامة ، الاية 17 19 .
119-
سورة النحل ، الاية 44 .
120-
التبيان : 10 / 196 197 دار احياء التراث العربي بيروت .
121-
الميزان : 20 / 110 / ط 2 .
122-
سورة النساء ، الاية 82 .
123-
التبيان في تفسير القرآن : 3/270 . دار احياء التراث العربي .
124-
سورة محمد ، الاية 24 .
125-
التبيان في تفسير القرآن : 9/303 ، دار احياء التراث العربي .
126-
دروس في علم الاصول : المجلد الاول ، الحلقة الثانية ، الدليل الشرعي ص‏216 . 3 ظواهر الكتاب الكريم ، دار الكتاب اللبناني بيروت (ط سنة 1978) .
217-
المصدر السابق .
218-
المصدر السابق .
129-
دور الشيعة في تطور العراق السياسي الحديث : ص 25 26 .
130-
بحار الانوار ، المجلسي : 2/178 ، كتاب العلم .
131-
الاصول من الكافي ، الكليني : 1/112 .
132-
المجلسي ، بحار الانوار : 2/176 .
133-
بحار الانوار ، المجلسي : 2/173 .
134-
تاريخ التواريخ : خطبة الحسن بعد البيعة .
135-
الاستيعاب لابن عبد البر ( المطبوع ضمن الاصابة ) 3/38 ، الجراحي ، كشف‏الخفاء : 1/162 ح 489 .
136-
المستدرك للحاكم : 3/137 ح‏4637 . الحموئي ، فرائد السمطين : 1/98ح‏67 .
137-
تفسير القرطبي : 1/27 .
138-
ذخائر العقبى : ص‏78 . الحموئي ، فرائد السمطين : 1/368 ، ح‏297 .
139-
سورة الحاقة ، الاية 12 .
140-
ابونعيم الاصفهاني ، حلية الاولياء : 1/67 . الحموئي ، فرائد السمطين : 1/198ح 155 .
141-
رواه ابن جرير الطبري في تفسيره للاية ورواه الزمخشري في الكشاف في ‏تفسيره للاية والسيوط‏ي في الدر
المنثور .
142-
مسند احمد بن حنبل : 3/462 رقم الحديث : 1167 .