|
جمع القرآن
قال اللّه تعالى: (لا تحرك به لسانك لتعجل به × ان
علينا جمعه
وقرآنه × فاذا قرآناه فاتبع قرآنه)(65).
وقال تعالى: (انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون).
وقال تعالى: (سنقرئك فلا تنسى الا ما شاء اللّه).
من القضايا المسلم بها لدى جميع المسلمين ان القرآن
نزل
على النبي(ص) مفرقاعلى امتداد ثلاثة وعشرين عاما،
وهي
مدة نزول الوحي والرسالة، وان الرسول(ص)كان اذا نزل
عليه
الشيء من القرآن قام بتبليغه، وبيان ما فيه من
العمل
والتطبيق الى منحوله، فيتلقاه منه اصحابه
بالقراءة والحفظ.
روى عبادة بن الصامت قال: (كان رسول اللّه(ص) يشغل،
فاذا
قدم رجل مهاجر علىرسول اللّه(ص) دفعه الى رجل منا
يعلمه
القرآن)(66).
وروى كليب قال: (كنت مع علي(ع) فسمع ضجتهم في
المسجد يقراون القرآن،فقال: طوبى لهؤلاء...)(67).
وعن عبادة بن الصامت قال: (كان الرجل اذا هاجر دفعه النبي(ص) الى رجل منا يعلمهالقرآن، وكان يسمع
بمسجد
رسول اللّه(ص) ضجة بتلاوة القرآن، حتى امرهم
رسولاللّه ان
يخفضوا اصواتهم، لئلا يتغالطوا)(68).
وقد رغب رسول اللّه(ص) المسلمين، وحثهم على حفظ
القرآن
وتدارسه وتعليمه،فنشطت حركة القراءة والحفظ
والتعليم،
واشتدت العناية بكتاب اللّه العزيز، فكان فيجيل
الصحابة من
يحفظ القرآن حفظا كاملا على عهد النبي(ص) وهم الامام
علي بنابي طالب(ع) وابيبن كعب، وابو الدرداء،
وسعد بن
عبيد بن النعمان، وثابت بن زيدبن النعمان، ومعاذ بن
جبل،
وعبيد بن معاوية بن زيد بن ثابت(69)، وكان هناك
منيحفظ بعضه والكثير منه.
ويستفاد من الاخبار اهتمام جيل الصحابة البالغ
بحفظ القرآن
وتلاوته.
كما روي ان بعض الصحابة كان يعرض حفظه على النبي(ص)
ليتاكد من حفظه.
ومن الثابت لدى المسلمين جميعا ان رسول اللّه(ص) كان
له
كتاب يكتبون ماينزل منالوحي فيدون على العسب
واللخاف
وجريد النخل.
قال اليعقوبي: (وكان كتابه الذين يكتبون الوحي
والكتب
والعهود: علي بن ابي طالب،وعثمان بن عفان، وعمرو بن
العاص بن امية، ومعاوية بن ابي سفيان، وشرحبيل
بنحسنة،
وعبد اللّه بن سعد بن ابي سرح، والمغيرة بن شعبة،
ومعاذ بن
جبل، وزيد بنثابت، وحنظلة بن الربيع، وابي بن
كعب، وجهيم
بن الصلت، والحصين بنالنميري)(70).
وقال زيد بن ثابت: (كنا عند النبي(ص) نؤلف القرآن من
الرقاع)(71).
ويتحصل من ذلك: ان اللّه سبحانه تعهد بحفظ القرآن من
الضياع والتحريف، كمانصت الايات الانفة الذكر. وان
الحقائق
التاريخية تدحض شبهات التحريف التافهة.
فقد كان العشرات من جيل الصحابة يحفظون القرآن عن
ظهر
قلب، وان القرآن كانمجموعا ومدونا على عهد رسول
اللّه(ص)
على قطع من الجلد او الجريد او اللخافاو العسب...
الخ.
روايات جمع القرآن:
واذا تاكد لنا ان رسول اللّه(ص) كان قد دون القرآن
على جريد
النخل واللخافوالعسب... الخ.
وان القرآن كان مجموعا في صدور الحفاظ فما معنى جمع
القرآن الذي تحدثت بهالروايات التاريخية بعد
النبي(ص)
وبشكل متعارض، فكان بعضها يقول ان ابا بكر قدجمع
القرآن،
وبعضها يقول ان عمر بن الخطاب كان قد جمع القرآن،
وبعضها
يقول انعثمان هو الذي جمع القرآن، واخرى تقول ان
الذي
جمعه هو الامام علي(ع).
فيما يلي نستعرض بعضا من تلك الروايات:
روى زيد بن ثابت، قال: (ارسل الي ابو بكر مقتل اهل
اليمامة
فاذا عمر بن الخطابعنده. قال ابو بكر: ان عمر
اتاني، فقال: ان
القتل قد استحر يوم اليمامة بقراء القرآن،واني
اخشى ان يستحر
القتل بالقراء بالمواطن ، فيذهب كثير من القرآن،
واني ارى
انتامر بجمع القرآن. قلت لعمر: كيف تفعل شيئا لم
يفعله
رسول اللّه(ص)؟ قال عمر:هذا واللّه خير، فلم يزل ابو
بكر
يراجعني حتى شرح اللّه صدري لذلك، ورايت في
ذلكالذي
رآى عمر، قال زيد: قال ابو بكر: انك رجل شاب عاقل
لانتهمك،
وقد كنتتكتب الوحي لرسول اللّه(ص) فتتبع القرآن
باجمعه،
فواللّه لو كلفوني نقل جبل منالجبال ما كان اثقل
علي مما
امرني به من جمع القرآن. قلت: كيف تفعلون شيئا لم
يفعلهرسولاللّه(ص)؟ قال: هو واللّه خير، فلم يزل
ابو بكر
يراجعني حتى شرح اللّه صدريللذي شرح له صدر ابي
بكر
وعمر، فتتبعت القرآن اجمعه من العسب،
واللخاف،وصدور
الرجال حتى وجدت آخر سورة التوبة مع ابي خزيمة
الانصاري،
لم اجدهامع احد غيره.
(لقد جاءكم رسول من انفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص
عليكم بالمؤمنين رؤوفرحيم × فان تولوا فقل حسبي
اللّه لا اله
الا هو عليه توكلت وهو رب العرشالعظيم)(72).
حتى خاتمة براءة فكانت الصحف عند ابي بكر حتى توفاه
اللّه ثم
عند عمر حياته، ثمعند حفصة بنت عمر)(73).
وهناك روايات تقول ان عمر بن الخطاب هو الذي جمع
القرآن:
فقد روى يحيى بنعبد الرحمن بن حاطب، قال: (اراد عمر
بن
الخطاب ان يجمع القرآن فقام في الناس،فقال: من كان
تلقى
من رسول اللّه(ص) شيئا من القرآن فلياتنا به، وكانوا
كتبوا
ذلك فيالصحف، والالواح، والعسب، وكان لا يقبل من
احد
شيئا حتى يشهد شهيدان، فقتلوهو يجمع ذلك اليه،
فقام
عثمان، فقال: من كان عنده من كتاب اللّه شيء
فلياتنا به، وكان
لا يقبل من ذلك شيئا حتى يشهد عليه شهيدان، فجاء
خزيمة
بن ثابت، فقال: انيقد رايتكم تركتم آيتين لم
تكتبوهما، قالوا:
ما هما ! قال: تلقيت من رسول اللّه(ص):(لقد جاءكم رسول
من
انفسكم عزيز عليه ما عنتم...). الى آخر السورة فقال
عثمان:وانا
اشهد انهما من عند اللّه، فاين ترى ان نجعلهما؟ قال
اختم بهما
آخر ما نزل منالقرآن فختمت بهما براءة)(74).
وهناك روايات تقول ان عثمان بن عفان هو الذي جمع
القرآن:
فقد روى ابن شهاب انانس بن مالك حدثه: (ان حذيفة بن
اليمان قدم على عثمان، وكان يغازي اهل الشام
فيفتح
ارمينية واذربيجان مع اهل العراق. فافزع حذيفة
اختلافهم في
القراءة. فقالحذيفة لعثمان: يا امير المؤمنين
ادرك هذه الامة
قبل ان يختلفوا في الكتاب اختلافاليهود
والنصارى، فارسل
عثمان الى حفصة ان ارسلي الينا بالصحف ننسخها
فيالمصاحف، ثم نردها اليك، فارسلت بها حفصة الى
عثمان
فامر زيد بن ثابت، وعبد اللّهبن الزبير، وسعيد بن
العاص، وعبد
الرحمن بن الحرث بن هشام، فنسخوها فيالمصاحف،
وقال
عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: اذا اختلفتم انتم
وزيد بن ثابت
فيشيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فانما نزل
بلسانهم،
ففعلوا حتى اذا نسخواالصحف في المصاحف رد عثمان
الصحف
الى حفصة، وارسل الى كل افق بمصحفمما نسخوا، وامر
بما
سواه من القرآن في كل صحيفة او مصحف ان يحرق)(75).
قال ابن شهاب: واخبرني خارجة بن زيد بن ثابت سمع زيد
بن
ثابت قال: فقدت آيةمن الاحزاب حين نسخنا المصحف،
قد
كنت اسمع رسول اللّه(ص) يقرا بها،فالتمسناها
فوجدناها مع
خزيمة بن ثابت الانصاري.
(من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا اللّه عليه)(76)
فالحقناها في سورتها فيالمصحف(77).
وعن محمد بن اسحاق: روى الثقة ان حذيفة بن اليمان
قدم
على عثمان بن عفان، وكانبالعراق، وقال لعثمان:
ادرك هذه
الامة قبل ان يختلفوا في الكتاب اختلاف
اليهودوالنصارى.
فارسل عثمان الى حفصة ان ارسلي الينا بالصحف ننسخها
في
المصاحف،ثم نردها اليك، فارسلت بها حفصة الى
عثمان، فامر
عثمان زيد بن ثابت، وعبد اللّه بنالزبير، وسعيد
بن العاص،
وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فنسخوها
فيالمصاحف)(78).
وهناك روايات تقول ان الامام علي بن ابي طالب(ع) هو
الذي
جمع القرآن.
قال اليعقوبي: (روى بعضهم ان علي بن ابي طالب كان
جمعه
لما قبض رسول اللّه،واتى به يحمله على جمل، فقال:
هذا
القرآن قد جمعته، وكان قد جزاه سبعةاجزاء...)(79).
ونقل ابن النديم في كتابه الفهرست: (... عن علي(ع) انه
راى
من الناس طيرة عند وفاةالنبي(ص) فاقسم انه لا يضع
عن
ظهره رداءه حتى يجمع القرآن، فجلس في بيته
ثلاثةايام حتى
جمع القرآن، فهو اول مصحف جمع فيه القرآن من قلبه،
وكان
المصحفعند اهل جعفر، ورايت انا في زماننا عند ابي
يعلى
حمزة الحسني(رحمهاللّه)مصحفا قد سقط منه اوراق
بخط
علي بن ابي طالب يتوارثه بنو حسن على مر
الزمان،وهذا
ترتيب السور من ذلك المصحف...)(80).
ونجد في رواية اسلام عمر وثيقه تاريخه تؤيد عناية
رسول
اللّه(ص) بتدوين القرآنفي مكة المكرمة، ومن بدء
نزوله،
والمواظبة على حفظه، وانه كان يتداول
بينهممكتوبا على
صحف تحوي النازل منه كله او بعضه آنذاك، كما كان
يتداول
حفظا.
فقد جاء في تلك الرواية: (...فرجع عمر عامدا الى اخته
وختنه،
وعندهما خباب بنالارت معه صحيفة، فيها (طه)
يقرءهما
اياها،فلما سمعوا حس عمر، تغيب خباب في مخدع لهم،
او في
بعض البيت، واخذتفاطمة بنت الخطاب الصحيفة
فجعلتها
تحت فخذها...)(81).
وجاء ايضا ان عمر هاجم بيت اخته فاطمة وزوجها، وهما
يقرئان
القرآن، فضربهما،فقالت له اخته: (وان كان الحق في
غير دينك
اني اشهد ان لا اله الا اللّه وان محمدا
عبدهورسوله، فقال عمر:
اعطوني الكتاب الذي هو عندكم فاقراه، وكان عمر يقرا
الكتاب،فقالت اخته: انك رجس، وانه لا يمسه الا
المطهرون
فقم واغتسل او توضا، فقامفتوضا، ثم اخذ الكتاب،
فقرا (طه)
حتى انتهى الى: (انني انا اللّه لا اله الا انا
فاعبدنيواقم الصلاة
لذكري)...)(82).
ودراسة هذه الوثيقة تؤكد ان الرسول(ص) كان يدون
القرآن
من بدء الدعوة في مكةالمكرمة. وذلك واضح في عبارتي
(معه
صحيفة فيها طه). (واعطوني الكتاب الذي هوعندكم
فاقراه)
فحوادث هذه الوثيقة، كما يذكر المؤرخون، كانت في
المرحلة
السرية،وكما تشير الحادثة ذاتها الى ذلك، مما يكشف
المشروع
النبوي لتدوين القرآنوجمعه مدونا، اضافة الى
جمعه في
صدور الحفاظ، كما ذكر.
وقد قام المرجع الديني الراحل السيد ابو القاسم
الخوئي(رحمهاللّه) بدراسةوتحليل هذه الروايات
ونقدها،
واستخلاص النتائج بشكل علمي متين منها في
كتابهالبيان في
تفسير القرآن.
ويمكننا ان نستخلص من مجموع تلك الروايات ما يلي:
1 ان القرآن كان مدونا بكامله على عهد رسول اللّه(ص)
وانه
كان محفوظا بكامله فيصدور الحفاظ.
2 ان روايات الجمع: يقصد بها تدوين كامل القرآن في
مصحف
موحد، بدلا من كونهمتناثرا في العسب واللخاف وقطع
القماش
والقراطيس والجريد...الخ.
وهذا ما قام به الامام علي(ع) من حفظه، كما تفيد
الروايات،
واصرحها ما نقله ابنالنديم: (فهو اول مصحف جمع فيه
القرآن
من قلبه).
3 ان ما قام به عثمان بن عفان، كما تفيد الروايات،
كان سببه
هو الاختلاف فيالقراءات، لذا فان عمل عثمان تركز
في توحيد
القراءات من خلال كتابة مصحف جمعفيه كامل القرآن،
كما
تفيد رواية ابن الاثير في الكامل.
4 ان احتمال ان يقوم بتدوين القرآن، في مصحف موحد
اكثر
من صحابي في آن واحدمسالة مقبولة، ولا تعني
التعارض.
ترتيب القرآن:
لقد اصطلح القدماء على ترتيب القرآن ترتيب سور
القرآن
وآياته داخل السورةاصطلحوا على تسمية ذلك:
بالتاليف.
فمصطلح تاليف القرآن يعني جمع آياته، وسوره حسب
ترتيبها
في المصحف.
جاء في المصباح المنير: (والالفة ايضا اسم من
(الائتلاف) وهو
الالتياموالاجتماع...).
وجاء هذا الاستعمال على لسان زيد بن ثابت في قوله:
(كنا عند
النبي(ص) نؤلفالقرآن من الرقاع)(83).
وقال اليعقوبي حين ذكر ترتيب سور القرآن النازلة في
مكة.
قال: (وقد اختلف الناسفي هذا التاليف في غير رواية
ابن
عباس، وكان الاختلاف يسيرا)(84).
اخرج البخاري عن ابراهيم بن موسى اخبرنا هشام بن
يوسف ان
جريح اخبرهم قال:واخبرني يوسف بن ماهك قال: اني عند
عائشة ام المؤمنين (رض) اذ جاءها عراقيفقال: اي
الكفن خير؟
قالت: ويحك وما يضرك؟ قال: يا ام المؤمنين ارني
مصحفك،قالت: لم؟ قال: لعلي اولف القرآن عليه فانه
يقرا غير
مولف، قالت: وما يضركايه قرات قبل انما نزل اول
مانزل منه
سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار، حتى اذاثاب
الناس
الى الاسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل اول شيء
لاتشربوا
الخمر،لقالوا: لاندع الخمر ابدا، ولو نزل لاتزنوا
لقالوا: لاندع الزنا
ابدا، لقد نزل بمكة علىمحمد(ص) واني لجارية العب
بل
الساعة موعدهم والساعة ادهى وامر، وما
نزلتالبقرة والنساء الا
وانا عنده. قال: فاخرجت له المصحف فاملت عليه
آيالسورة(85).
ان القرآن الذي بين ايدينا الان يحوي ترتيبين هما :
1 ترتيب الايات في سورها.
2 ترتيب السور في المصحف.
1 ترتيب الايات في سورها:
وهذا الترتيب يشكل السياق القرآني، ويؤثر تاثيرا
بالغا في
المعنى، وتغييره تغيير فيبنية القرآن ومعناه.
وتثبت الروايات ان تنظيم الايات، وترتيبها ضمن كل
سورة، هو
تنظيم وترتيب الهي توقيفي.
قال ابن عباس: (كان جبريل اذا نزل على النبي بالوحي
يقول
له: ضع هذه الاية فيسورة كذا، في موضع كذا. فلما
نزل عليه:
(اتقوا يوما ترجعون فيه الى اللّه) قال:ضعها في سورة
البقرة)(86).
وكان المسلمون يعرفون ذلك حتى ان الحجاج بن يوسف
الثقفي كان يخطب الناسيوما فقال: (الفوا القرآن،
كما الفه جبريل(ع)(87).
وتفيد الروايات التاريخية، وتؤيدها دلالات الايات
ان كثيرا من
الايات المتتالية فيترتيبها داخل السورة الواحدة
ليس ضروريا
ان تكون نزلت متسلسلة تسلسلا زمنيا،الواحدة بعد
الاخرى، بل ان هناك فترة زمنية ربما كانت طويلة بين آية واخرى،
وان
مانزل بعد هذه الاية في تسلسله الزمني ربما وضع في
موقع
آخر، في حين وضعت آيةالى جوار الاية السابقة، رغم
التباعد
الزمني بينها. كما ان بعضها قد نزل في مكةالمكرمة
ونجده في
سورة مدنية.
ونستطيع ان ناخذ مثالا للدراسة سورة العلق، فنكتشف
من
خلال تحليل مضامينآياتها الفارق الزمني بين آيات
تلك
السورة، اذ تتكون هذه السورة من مقطعين منالايات:
الاول
منها يبدا من قوله تعالى: (بسم اللّه الرحمن الرحيم
× اقرا باسم
ربك الذيخلق × خلق الانسان من علق× اقرا وربك
الاكرم
الذيعلم بالقلم × علم الانسان ما لم يعلم) اما
المقطع الثاني
فيتكون من الايات الاخرى المتبقية من السورة.
ومن خلال الدراسة التحليلية للمصطلحات والمفاهيم
والوقائع
التاريخية نكتشفالفارق الزمني بين مقطعي السورة،
وكما ذكر
العلماء المهتمون بالنزول وتاريخ القرآن،فان آيات
كثيرة نزلت
بعد مقطع الايات الاولى، وقبل آيات المقطع الثاني
في
حينوضعت هذه الايات في هذا الموقع من سورة العلق،
ولم
توضع الايات التي نزلت قبلها، كيات سورة المدثر
والمزمل...الخ
في هذه السورة، مما يدل على ان وضعالايات في
موضعها
المثبت في القرآن الكريم هو امر الهي، وقائم على
اتساق
وترابطسياق، كما روى ابن عباس آنفا.
ولكي يتضح ذلك ننقل آراء المفسرين التي ارخت لنزول
هذين
المقطعين منالايات.
قال الشيخ الطوسي: (روي عن عائشة، ومجاهد وعطاء وابن
سيار: ان اول آية نزلتقوله تعالى: (اقرا باسم ربك
الذي خلق)
وهو قول اكثر المفسرين. وقال قوم اول مانزل قوله
تعالى (يا
ايها المدثر)(88).
وفي الحديث عن اسباب نزول آيات المقطع الثاني قال:
(وقوله: (ارايت الذي ينهىعبدا اذا صلى) تقرير
للنبي(ص)
واعلام له مايفعله بمن ينهاه عن الصلاة.
وقيل: ان الايات نزلت في ابي جهل بن هشام. والمراد
بالعبد
في الاية النبي(ص) فانابا جهل كان ينهى النبي عن
الصلاة...)(89).
ومن الواضح تاريخيا ان صلاة النبي المعلنة والتي
كان ينهاه ابو
جهل عنها تكشف انتلك الحوادث قد وقعت بعد ما كان
النبي(ص) يصلي بشكل معلن، وان ابا جهل كانقد دعي
الى
الهدى فاعرض عن تلك الدعوة، ولم تحدث دعوة النبي
لابي
جهلوتكذيبه للنبي وصده له عن الصلاة ورد الرسول(ص)
على ابي جهل وانتهاره له الا بعد فترة زمنية طويلة
تفصل بين
نزول الايات الخمس الاولى وما بعدها.
كما ان هناك سورا مكية فيها آيات مدنية، مثل سورة
(القلم)،
قالالطبرسي(رحمهاللّه): (وتسمى ايضا سورة: ن، وهي
مكية،
عن الحسن وعكرمةوعطاء، وقال ابن عباس وقتادة من
اولها
الى قوله: (سنسمه على الخرطوم) مكي،وما بعده الى
قوله: (لو
كانوا يعلمون) مدني، وما بعده الى قوله: (يكتبون)
مكي،وما
بعده مدني وهي اثنتان وخمسون آية بالاجماع)(90).
2 ترتيب السور في المصحف:
ومن القضايا التي ينبغي التعرف عليها في ترتيب
القرآن
وتاليفه، هو ترتيب سورهبالشكل القائم بين
الدفتين في
المصحف المتداول بين المسلمين، والذي يبدا
بسورةالفاتحة،
وينتهي بسورة الناس، وبمراجعة الوثائق التاريخية
المختلفة
يتضح لنا ان هذا الترتيب مؤسس على اختيار عدد من
الصحابة
في عهد الخليفة عثمان بعد ان وحدالقراءات، واستنسخ
عددا
من المصاحف. فلم يكن ترتيب السور حسب نزولها
مثبتافي
القرآن. فالمعروف ان اول سورة نزلت من القرآن هي
سورة
العلق.
وقيل ان سورة العلق هي اول سورة نزلت للنبوة، وان
المدثر
اول سورة نزلتللرسالة(91).
اما آخر سورة نزلت منه فقد اختلف فيها، فقيل: سورة
براءة،
وقيل: سورة اذا جاء نصراللّه، وقيل: سورة المائدة،
وقيل غير
ذلك.
ويرجح علماء الشيعة الى ان آخر ما نزل من القرآن هو
قوله
تعالى: (اليوم اكملت لكمدينكم واتممت عليكم نعمتي
ورضيت لكم الاسلام دينا).
وتثبت الروايات التاريخية ان هناك اكثر من ترتيب
تاريخي
للسور القرآنية على عهدالصحابة، ثم وحد في مصحف
عثمان
فتلك الروايات تذكر ان هناك ترتيبا خاصابمصحف
الامام علي،
كما جاء في تاريخ اليعقوبي: (وروى بعضهم ان علي بن
ابيطالب(ع) كان جمعه لما قبض رسول اللّه(ص) واتى به
يحمله على جمل، فقال: هذاالقرآن قد جمعته...)(92).
غير ان اليعقوبي لم يذكر لنا الى من حمل علي(ع)
القرآن، ومن
هو المخاطب بقولعلي(ع): (هذا القرآن قد جمعته)؟
كما ان اليعقوبي لم يذكر جواب المخاطب! ثم واصل بعد
ذلك
حديثه عن ترتيبمصحف علي(ع): كالاتي: (وكان قد جزاه
سبعة اجزاء...(93).
وهناك ترتيب السور في مصحف عبد اللّه بن مسعود،
وهناك
ترتيب السور فيمصحف ابي بن كعب، وهناك ترتيب
السور في
مصحف عبد اللّه بن عباس.
والاختلاف في ترتيب السور لا يضر في معنى ونظم
القرآن
وسياقه ومعناه، كما هوالحال في ترتيب الايات.
والذي يبدو من هذه الصور التنظيمية المختلفة
للقرآن ان
تنظيمه لم يكن مسالةتوقيفية محددة في ذلك الوقت،
بل كان
الصحابي يدون سور القرآن ضمن الترتيبالذي يختاره.
وروايات تعدد ترتيب المصاحف تدل ايضا على ان اكثر
من
صحابيكان قد جمع القرآن مدونا في مصحف واحد، مما
يسقط الروايات التي ذكرت انعثمان، هو اول من جمع
القرآن،
او ان ابا بكر هو اول من جمعه.
ومن المؤسف اننا الان لا نجد الوثائق المثبتة
لتسلسل السور
والايات حسب نزولهاالتاريخي بشكل دقيق وكامل، وقد
ذكر ان
الامام عليا(ع) كان قد رتب الايات حسبنزولها، كما
انه اثبت
تفسير وتاويل بعض الايات في هذا المصحف، مما يساهم
فيفهم المعنى والوقائع والحوادث ومصاديق الايات،
وفهم
كثير من الاحكام.
وجدير ذكره ان هناك خطا في بعض الروايات التاريخية
التي
ذكرت تسلسل السورحسب نزولها.
فمثلا: ان ابن النديم ذكر في الفهرست(94): ان
سورة
(الكوثر) نزلت بعد سورة(العاديات) ومما يسقط هذه
الرواية ان
سورة (الكوثر) نزلت في مكة بعد وفاة عبد اللّهابن
النبي(ص)،
اثر قول العاص بن وائل السهمي في النبي انه (الابتر)
اي الذي
لا ولدله يعقبه. في حين ان سبب نزول سورة (العاديات)
هي
احدى الغزوات (ذاتالسلاسل) وكانت الغزوات في
المدينة
المنورة، وبذا يكون نزولها في المدينة، كمايكون
نزول الكوثر
قبل نزول العاديات.
وقد انعكس هذا الاختلاف في آراء الصحابة والمفسرين
فقد نقل
الطبرسي في مجمعالبيان: (سورة العاديات مدنية عند
ابن
عباس وقتادة، وقيل مكية) وهي في المصحف(مكية) اما
الطوسي فقد قال في التبيان: (مكية في قول ابن عباس،
وقال
الضحاك: هيمدنية).
وقد عدها اليعقوبي: (سورة مدنية...)(95).
اما ابن النديم فقد روى عن مجاهد انها (مكية)(96).
ويرجح مدنيتها ان المفسرين ومن كتبوا في اسباب
النزول
ذكروا انها نزلت في غزوةذات السلاسل(97)، اذ
بعث رسول
اللّه الامام عليا(ع) فحقق نصرا كبيرا فاخبر اللّه
نبيهبهذا النصر
بهذه السورة.
وروي ايضا (ان رسول اللّه(ص) بعث سرية الى حي بني
كنانة
واستعمل عليهم المنذربن عمرو الانصاري، فتاخر
خبرهم،
فقال المنافقون: قتلوا جميعا، فاخبر اللّه
تعالىعنها،
فانزل...والعاديات ضبحا يعني تلك الخيل)(98).
ومن الواضح ان الغزوات جميعها وقعت في المدينة
المنورة،
لذا فان نزول هذهالسورة في المدينة يكون هو
الارجح، لانها
تتحدث عن الغزو واغارة الخيل.
المكي والمدني
لقد بدا نزول الوحي في مكة المكرمة في غار حراء في
شهر
رمضان المبارك علىالرسول(ص)، واستمر نزوله ثلاثة
عشر
عاما، وسمي ما نزل من القرآن في مكة(بالمكي)، وبعد
هجرته
المباركة الى المدينة المنورة استمر نزول الوحي
عليه
حتىالتحاقه بالرفيق الاعلى.
وقد استمرت هذه الفترة طوال عشر سنوات. وسمي ما نزل
من
القرآن في المدينة(بالمدني).
كما سمي مدنيا ايضا ما نزل على الرسول(ص) خارج
المدينة
في غزواته الكثيرةخارج المدينة المنورة.
حتى ما نزل منه في مكة المكرمة او على مقربة منها.
فالفاصل
بين المكي والمدني، هومرحلي ايضا. (مرحلة مكة
والمدينة).
وليس مكانيا فحسب.
ومما اثبته الباحثون في علوم القرآن والسيرة ان
آيات نزلت في
المدينة قد وضعت فيسور مكية، كما في سورة ابراهيم
المكية،
عدا آيتين منها، كما ان آيات مكية، قدوضعت في سور
مدنية.
|