|
الفصل الثالث عشر |
|||||||||
|
الإمام الحسن بن علي العسكري (ع)
الإمام الحسن العسكري (ع) في سطور الاسم: الحسن (ع) . الأب: الإمام الهادي (ع) . الأم: حُدَيث، وقيل: سوسن(1)، وقيل: سليل، وكانت من العارفات الصالحات(2). الكنية: أبو محمد. وكان (ع) هو وأبوه وجده (ع) يعرف كل منهم في زمانه بابن الرضا. الألقاب: العسكري، الزكي(3)، الخالص، الهادي، المهتدي، النقي، الصامت، الرفيق، السراج، المضيء، الشافي، المرضي. الأوصاف: بين السمرة والبياض(4)، أعين، حسن القامة، جميل الوجه، جيد البدن، له جلالة وهيبة(5). نقش الخاتم: (سبحان من له مقاليد السماوات والأرض) (6). مكان الولادة: المدينة المنورة، وقيل: سر من رأى(7). زمان الولادة: يوم الجمعة 8 / ربيع الآخر/ 232 هجري(8)، وقيل: عام 231هـ(9). مدة العمر الشريف: 28 سنة(10)، وقيل: 29 سنة(11). مدة الإمامة: 6 سنوات، وقيل: 5 سنوات وثمانية أشهر وثلاثة عشر يوماً (12). مكان الشهادة: مدينة سامراء (سر من رأى). زمان الشهادة: يوم الجمعة 8 / ربيع الأول / 260 هجرية(13). القاتل: قتله (ع) المعتضد بالله العباسي بالسم، وروي عن الصدوق ƒ أنه سمّه المعتمد العباسي(14). المدفن: سامراء / العراق ، دفن مع أبيه الإمام الهادي (ع) في داره(15). وقد عاش (ع) مدة من عمرة الشريف في سجون الظالمين. ومن آثاره (ع) : كتاب التفسير. وكان بوابه: عثمان بن سعيد العمري(16)، والحسين بن روح النوبختي.
علومه الكثيرة كان الإمام العسكري (ع) أعلم أهل زمانه في كل العلوم، خاصة ما يرتبط بالشريعة الإسلامية وتفسير القرآن الحكيم. وهكذا كان (ع) أكثر علماً من غيره حتى في علم الطب وما أشبه. عن محمد بن الحسن المكفوف قال: حدثني بعض أصحابنا عن بعض فصّادي العسكر من النصارى: أن أبا محمد (ع) بعث إليّ يوماً في وقت صلاة الظهر، فقال لي:«افصد هذا العرق». قال: وناولني عرقاً لم أفهمه من العروق التي تفصد، فقلت في نفسي: ما رأيت أمراً أعجب من هذا، يأمرني أن أفصد في وقت الظهر وليس بوقت فصد، والثانية عرق لا أفهمه. ثم قال لي: «انتظر وكن في الدار». فلما أمسى دعاني وقال لي: «سرِّح الدم» فسرحت. ثم قال لي: «أمسك» فأمسكت. ثم قال لي: «كن في الدار»، فلما كان نصف الليل أرسل إليّ وقال لي: «سرِّح الدم». قال: فتعجبت أكثر من عجبي الأول، وكرهت أن أسأله، قال: فسرحت، فخرج دم أبيض كأنه الملح. قال: ثم قال لي: «احبس». قال: فحبست. قال: ثم قال: «كن في الدار»، فلما أصبحت أمر قهرمانه أن يعطيني ثلاثة دنانير فأخذتها وخرجت حتى أتيت ابن بختيشوع النصراني، فقصصت عليه القصة.
قال: فقال لي: والله ما أفهم ما تقول ولا أعرفه في شيء
من الطب،
قال: فاكتريت زورقاً إلى البصرة وأتيت الأهواز، ثم صرت
إلى فارس قال: وقال: انظرني أياماً. فانظرته ثم أتيته متقاضياً. قال: فقال لي: إن هذا الذي تحكيه عن هذا الرجل فعله المسيح (ع) في دهره مرةً (17).
عبادته (ع) وزهده كان الإمام العسكري (ع) أعبد أهل زمانه، فكان كثير الصلاة والدعاء وتلاوة القرآن والصيام.
ما للعب خلقنا روي: أن البهلول رأى الإمام (ع) وهو صبي يبكي، والصبيان يلعبون، فظن أنه يتحسر على ما بأيديهم فقال له: اشتري لك ما تلعب به؟ فقال: «يا قليل العقل ما للعب خلقنا». فقال له: فلماذا خلقنا؟ قال: «للعلم والعبادة». فقال له: ومن أين لك ذلك؟ فقال: «من قوله تعالى: ( أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لاترجعون)(18)». ثم سأله أن يعظه، فوعظه (ع) بأبيات، ثم خر الحسن (ع) مغشياً عليه، فلما أفاق، قال له: ما نزل بك وأنت صغير لا ذنب لك؟ فقال: «إليك عني يا بهلول، إني رأيت والدتي توقد النار بالحطب الكبار فلا تقد إلا بالصغار، وإني أخشى أن أكون من صغار حطب جهنم»(19).
هذا هو الزهد
عن كامل بن إبراهيم المدني قال في حديث:... فلما دخلت على
سيدي أبي محمد ـ العسكري ـ (ع) نظرت إلى ثياب بياض ناعمة، فقلت في نفسي: فقال متبسماً: «يا كامل»، وحسر عن ذراعيه فإذا مسح أسود خشن على جلده فقال: «هذا لله وهذا لكم» (20).
عبادته (ع) في السجن روي أنه: دخل العباسيون على صالح بن وصيف ودخل صالح بن علي وغيره من المنحرفين عن هذه الناحية على صالح بن وصيف عندما حبس أبو محمد العسكري (ع) فقال له: ضيّق عليه ولا توسع. فقال لهم صالح: ما أصنع به، وقد وكلت به رجلين شر من قدرت عليه، فقد صارا من العبادة والصلاة إلى أمر عظيم، ثم أمر بإحضار الموكلين فقال لهما: ويحكما ما شأنكما في أمر هذا الرجل؟ فقالا له: ما نقول في رجل يصوم نهاره ويقوم ليله كله، لا يتكلم ولايتشاغل بغير العبادة، فإذا نظر إلينا ارتعدت فرائصنا وداخلنا ما لا نملكه من أنفسنا، فلما سمع ذلك العباسيون انصرفوا خاسئين(21).
بعض أدعيته (ع) كان تسبيح الإمام العسكري (ع) في اليوم السادس عشر والسابع عشر من الشهر: «سبحان من هو في علوه دان، وفي دنوه عال، وفي إشراقه منير، وفي سلطانه قوي، سبحان الله وبحمده»(22). وكتب (ع) إلى بعض مواليه (لما طلب منه دعاء) ادع بهذا الدعاء: «يا أسمع السامعين، ويا أبصر المبصرين، ويا انظر الناظرين، ويا أسرع الحاسبين، ويا أرحم الراحمين، ويا أحكم الحاكمين، صلّ على محمد وآل محمد، وأوسع لي في رزقي، ومد لي في عمري، وأمنن عليّ برحمتك، واجعلني ممن تنتصر به لدينك، ولا تستبدل به غيري»(23). وكان من دعائه (ع) : «بسم الله الرحمن الرحيم، يا عدتي عند شدتي، ويا غوثي عند كربتي، ويا مؤنسي عند وحدتي، احرسني بعينك التي لا تنام، واكنفني بركتك الذي لا يرام»(24).
من معاجزه وكراماته (ع) بين السباع روي أن الإمام أبا محمد العسكري (ع) سُلّم إلى نحريرٍ(25)، فقالت له امرأته: اتق الله فإنك لا تدري من في منزلك، وذكرت عبادته وصلاحه، وأنا أخاف عليك منه. فقال: لأرمينّه بين السباع. ثم استأذن في ذلك، فأذن له، فرمي به إليها ولم تشكّ في أكلها له. فنظروا من الغد إلى الموضع ليعرفوا الحال، فوجدوه قائماً يصلي وهي حوله، فأمر بإخراجه(26).
بساط الأنبياء (ع) عن علي بن عاصم الكوفي الأعمى أنه قال: دخلت على سيدي الإمام الحسن العسكري (ع) فسلمت عليه، فرد عليّ السلام وقال: «مرحباً بك يا ابن عاصم، اجلس، هنيئاً لك يا ابن عاصم أتدري ما تحت قدميك؟» فقلت: يا مولاي إني أرى تحت قدمي هذا البساط كرم الله وجه صاحبه. فقال لي: «يا ابن عاصم اعلم أنك على بساط جلس عليه كثير من النبيين والمرسلين». فقلت: يا سيدي ليتني كنت لا أفارقك ما دمت في دار الدنيا، ثم قلت في نفسي: ليتني كنت أرى هذا البساط. فعلم الإمام (ع) ما في ضميري فقال: «أدن مني». فدنوت فمسح يده على وجهي فصرت بصيراً بإذن الله. ثم قال: «هذا قدم أبينا آدم (ع) وهذا أثر هابيل (ع) وهذا أثر شيث (ع) وهذا أثر إدريس (ع) وهذا أثر هود (ع) وهذا أثر صالح (ع) وهذا أثر لقمان (ع) وهذا أثر إبراهيم (ع) وهذا أثر لوط (ع) وهذا أثر شعيب (ع) وهذا أثر موسى (ع) وهذا أثر داود (ع) وهذا أثر سليمان (ع) وهذا أثر الخضر (ع) وهذا أثر دانيال (ع) وهذا أثر ذي القرنين (ع) وهذا أثر عدنان (ع) وهذا أثر عبد المطلب (ع) وهذا أثر عبد الله (ع) وهذا أثر عبد مناف (ع) وهذا أثر جدي رسول الله (ص) وهذا أثر جدي علي بن أبي طالب (ع) ». قال: علي بن عاصم فأهويت على الأقدام فقبّلتها، وقبّلت يد الإمام (ع) وقلت له: إني عاجز عن نصرتكم بيدي وليس أملك غير موالاتكم والبراءة من أعدائكم واللعن لهم في خلواتي، فكيف حالي يا سيدي؟ فقال (ع) :«حدثني أبي عن جدي رسول الله (ص) قال: من ضعف عن نصرتنا أهل البيت، ولعن في خلواته أعداءنا بلغ الله صوته إلى جميع الملائكة، فكلما لعن أحدكم أعداءنا صاعدته الملائكة ولعنوا من لا يلعنهم، فإذا بلغ صوته إلى الملائكة استغفروا له وأثنوا عليه، وقالوا: اللهم صلّ على روح عبدك هذا الذي بذل في نصرة أوليائه جهده ولو قدر على أكثر من ذلك لفعل، فإذا النداء من قبل الله تعالى يقول: يا ملائكتي إني قد أحببت دعاءكم في عبدي هذا، وسمعت نداءكم وصليت على روحه مع أرواح الأبرار، وجعلته من المصطفين الأخيار»(27).
الزم ما حدثتك به نفسك روي عن أبي هاشم الجعفري أنه قال: سمعت أبا محمد (ع) يقول: «من الذنوب التي لا تغفر قول الرجل: ليتني لا أؤاخذ إلا بهذا». فقلت في نفسي: إن هذا لهو الدقيق ينبغي للرجل أن يتفقد من أمره ومن نفسه كل شيء. فأقبل عليَّ أبو محمد (ع) فقال: «يا أبا هاشم، صدقت فالزم ما حدثتك به نفسك، فإن الإشراك في الناس أخفى من دبيب الذر على الصفا في الليلة الظلماء ومن دبيب الذر على المسح الأسود»(28).
ترى ما تحب عن أبي هاشم قال: ... وكنت مضيقاً فأردت أن أطلب منه ـ الإمام الحسن العسكري (ع) ـ دنانير في الكتاب فاستحييت. فلما صرت إلى منزل لي وجّه إلي بمائة دينار وكتب إليّ: «إذا كانت لك حاجة فلا تستحي ولا تحتشم واطلبها، فإنك ترى ما تحب إن شاء الله»(29).
القلم والقرطاس عن أبي هاشم قال: دخلت على أبي محمد (ع) وكان يكتب كتاباً، فحان وقت الصلاة الأولى، فوضع الكتاب من يده وقام (ع) إلى الصلاة. فرأيت القلم يمر على باقي القرطاس من الكتاب ويكتب، حتى انتهى إلى آخره!. فخررت ساجداً. فلما انصرف من الصلاة أخذ القلم بيده، وأذن للناس بالدخول(30).
سيكون لي ولد روي عن عيسى بن صبيح أنه قال: دخل الإمام الحسن العسكري (ع) علينا الحبس وكنت به عارفاً، فقال لي: «لك خمس وستون سنة وشهر ويومان». وكان معي كتاب دعاء، عليه تاريخ مولدي، وإني نظرت فيه فكان كما قال. وقال: «هل رزقت ولدا؟» قلت: لا. فقال: «اللهم ارزقه ولداً يكون له عضداً، فنعم العضد الولد، ثم تمثل (ع) :
قلت: ألك ولد؟ قال: «إي والله، سيكون لي ولد يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، فأما الآن فلا» ثم تمثل:
في شهادته (ع) مسموماً توفي الإمام الحسن العسكري (ع) مسموماً شهيداً مظلوماً كآبائه الطاهرين (ع) ، وكان ذلك بالسم الذي ناوله المعتضد العباسي، وقيل: المعتمد العباسي(32). وقد استشهد في اليوم الثامن من ربيع الأول سنة 260 للهجرة، وكان عمره الشريف تسعاً وعشرين سنة، كان مقامه مع أبيه (ع) ثلاثاً وعشرين سنة وأشهراً وبقي (ع) بعد أبيه خمس سنين وشهوراً (33).
اللحظات الأخيرة قال إسماعيل بن علي: دخلت على أبي محمد الحسن بن علي (ع) في المرضة التي مات فيها وأنا عنده، إذ قال لخادمه عقيد، وكان الخادم أسود نوبياً، خدم من قبله علي بن محمد (ع) وهو ربي الحسن (ع) فقال: «يا عقيد، اغل لي ماء بمصطكي(34)». فأغلى له. ثم جاءت به صقيل الجارية أم الخلف (ع) فلما صار القدح في يديه وهم بشربه فجعلت يده ترتعد حتى ضرب القدح ثنايا الحسن (ع) فتركه من يده، وقال لعقيد: «ادخل البيت فإنك ترى صبياً ساجداً فأتني به». قال أبو سهل: قال عقيد: فدخلت أتحرّى، فإذا أنا بصبي ساجد رافع سبابته نحو السماء، فسلمت عليه. فأوجز في صلاته. فقلت: إن سيدي يأمرك بالخروج إليه، إذا جاءت أمه صقيل فأخذت بيده وأخرجته إلى أبيه الحسن (ع) . قال أبو سهل: فلما مثل الصبي بين يديه سلّم، وإذا هو دُرّي اللون وفي شعر رأسه قطط، مفلج الأسنان. فلما رآه الحسن (ع) بكى وقال: «يا سيد أهل بيته اسقني الماء فإني ذاهب إلى ربي». وأخذ الصبي القدح المغلي بالمصطكي بيده ثم حرك شفتيه ثم سقاه، فلما شربه، قال: «هيئوني للصلاة». فطرح في حجره منديل فوضأه الصبي واحدة واحدة ومسح على رأسه وقدميه. فقال له أبو محمد (ع) : «أبشر يا بنيّ فأنت صاحب الزمان، وأنت المهدي، وأنت حجة الله على أرضه، وأنت ولدي ووصيي، وأنا ولدتك، وأنت محمد بن الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وَلدك رسول الله (ص) وأنت خاتم الأوصياء الأئمة الطاهرين، وبَشّر بك رسول الله (ص) وسماك وكناك، وبذلك عهد إليّ أبي عن آبائك الطاهرين، صلى الله على أهل البيت ربنا إنه حميد مجيد»، ومات الحسن بن علي من وقته، صلوات الله عليهم أجمعين (35).
درر من كلماته (ع) لا تمازح قال الإمام الحسن العسكري (ع) : «لا تمار فيذهب بهاؤك، ولا تمازح فيُجترأ عليك»(36).
من التواضع وقال (ع) : «من التواضع السلام على كل من تمر به، والجلوس دون شرف المجلس»(37).
أورع الناس وقال (ع) : «أورع الناس من وقف عند الشبهة. أعبد الناس من أقام على الفرائض. أزهد الناس من ترك الحرام. أشد الناس اجتهاداً من ترك الذنوب»(38).
من أنس بالله وقال (ع) : «من أنس بالله استوحش من الناس، وعلامة الأنس بالله الوحشة من الناس»(39).
الاعتدال في كل شيء وقال (ع) : «إن للسخاء مقداراً، فإن زاد عليه فهو سرف. وللحزم مقداراً، فإن زاد عليه فهو جبن. وللاقتصاد مقداراً، فإن زاد عليه فهو بخل. وللشجاعة مقداراً، فإن زاد عليه فهو تهور. كفاك أدباً تجنبك ما تكره من غيرك»(40).
خير الأخوان وقال (ع) : «خير إخوانك من نسي ذنبك وذكر إحسانك إليه»(41).
مفتاح الخبائث وقال (ع) : «جعلت الخبائث في بيت وجعل مفتاحه الكذب»(42).
تحصن بالذكر الجميل وقال (ع) : «من كان الورع سجيته والإفضال حليته انتصر من أعدائه بحسن الثناء عليه، وتحصن بالذكر الجميل من وصول نقص إليه»(43).
الموت يأتي بغتة وكان ومن وصية له (ع) : «إنكم في آجال منقوصة وأيام معدودة، والموت يأتي بغتة، من يزرع خيراً يحصد غبطة، ومن يزرع شراً يحصد ندامة، لكل زارع ما زرع، لا يسبق بطيء بحظه، ولا يدرك حريص ما لم يقدر له، من أعطي خيراً فالله أعطاه، ومن وقي شراً فالله وقاه»(44).
ما هي العبادة وقال (ع) : «ليست العبادة كثرة الصيام والصلاة، وإنما العبادة كثرة التفكر في أمر الله»(45).
لا تغضب وقال (ع) : «الغضب مفتاح كل شر»(46).
أقل الناس راحة وقال (ع) : «أقل الناس راحة الحقود»(47).
الموعظة في السر وقال (ع) : «من وعظ أخاه سراً فقد زانه، ومن وعظه علانية فقد شانه»(48).
شر من الموت وقال (ع) : «خير من الحياة ما إذا فقدته أبغضت الحياة، وشر من الموت ما إذا نزل بك أحببت الموت»(49).
خير إخوانك وقال (ع) : «… احذر كل ذكي ساكن الطرف. خير إخوانك من نسي ذنبك إليه. أضعف الأعداء كيدا من أظهر عداوته. حسن الصورة جمال ظاهر وحسن العقل جمال باطن، من أنس بالله استوحش من الناس، من لم يتق وجوه الناس لم يتق الله. إذا نشطت القلوب فأودعوها وإذا نفرت فودعوها. اللحاق بمن ترجو خير من المقام مع من لا تأمن شره. من أكثر المنام رأى الأحلام»(50).
الجهل خصم وقال (ع) : « الجهل خصم والحلم حكم. ولم يعرف راحة القلب من لم يجرعه الحلم غصص الغيظ. إذا كان المقضي كائنا فالضراعة لماذا. نائل الكريم يحببك إليه ونائل اللئيم يضعك لديه»(51).
لا تمدح من لا يستحق وقال (ع) : «من مدح غير المستحق فقد قام مقام المتهم»(52).
الشاكر العارف وقال (ع) : «لا يعرف النعمة إلا الشاكر ولا يشكر النعمة إلا العارف»(53).
لا تسأل الناس حاجة وقال (ع) : «ادفع المسألة ما وجدت التحمل يمكنك، فإن لكل يوم رزقا جديداً، واعلم أن الإلحاح في المطالب يسلب البهاء ويورث التعب والعناء، فاصبر حتى يفتح الله لك بابا يسهل الدخول فيه، فما أقرب الصّنع إلى الملهوف والأمن من الهارب المخوف، فربما كانت الغير نوع أدب من الله، والحظوظ مراتب، فلاتعجل على ثمرة لم تدرك وإنما تنالها في أوانها، واعلم أن المدبّر لك أعلم بالوقت الذي يصلح حالك، ولا تعجل بحوائجك قبل وقتها فيضيق قلبك وصدرك ويغشاك القنوط»(54).
من كتاباته (ع) شيعتنا الفرقة الناجية ووجد بخطه (ع) مكتوبا على ظهر كتاب: «قد صعدنا ذرى الحقائق بأقدام النبوة والولاية، ونوَّرنا السبع الطرائق بأعلام الفتوة، فنحن ليوث الوغى وغيوث الندى، وفينا السيف والقلم في العاجل، ولواء الحمد والعلم في الأجل، وأسباطنا خلفاء الدين وحلفاء اليقين ومصابيح الأمم ومفاتيح الكرم، فالكليم ألبس حلة الاصطفاء لما عهدنا منه الوفاء، وروح القدس في جنان الصاقورة(55) ذاق من حدائقنا الباكورة، وشيعتنا الفئة الناجية والفرقة الزاكية صاروا لنا ردءا وصونا وعلى الظلمة ألبا وعونا، وسينفجر لهم ينابيع الحيوان بعد لظى النيران، لتمام الطواوية والطواسين من السنين»(56).
ولاية الأئمة الطاهرين (ع) كتب (ع) إلى إسحاق بن إسماعيل النيسابوري:« سترنا الله وإياك بستره، وتولاك في جميع أمورك بصنعه، فهمت كتابك يرحمك الله، ونحن بحمد الله ونعمته أهل بيت نرق على أوليائنا، ونسر بتتابع إحسان الله إليهم وفضله لديهم، ونعتد بكل نعمة ينعمها الله تبارك وتعالى عليهم، فأتم الله عليك يا إسحاق، وعلى من كان مثلك ممن قد رحمه الله وبصره بصيرتك نعمته، وقدر تمام نعمته دخول الجنة، وليس من نعمة وإن جل أمرها وعظم خطرها إلا والحمد لله تقدست أسماؤه عليها مؤد شكرها. وأنا أقول: الحمد لله أفضل ما حمده حامده إلى أبد الأبد، بما منَّ الله عليك من رحمته ونجاك من الهلكة وسهل سبيلك على العقبة، وأيم الله إنها لعقبة كئود، شديد أمرها، صعب مسلكها، عظيم بلاؤها، قديم في الزبر الأولى ذكرها، ولقد كانت منكم في أيام الماضي (ع) إلى أن مضى لسبيله وفي أيامي هذه أمور، كنتم فيها عندي غير محمودي الرأي ولا مسددي التوفيق، فاعلم يقينا يا إسحاق، أنه من خرج من هذه الدنيا أعمى ] فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلا[ (57). يا إسحاق ليس ] تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ[ (58)، وذلك قول الله في محكم كتابه حكاية عن الظالم إذ يقول: ] رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً & قَالَ كَذَلِكَ أتَتْكَ ءايَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى[ (59). وأي آية أعظم من حجة الله على خلقه وأمينه في بلاده وشهيده على عباده من بعد من سلف من آبائه الأولين النبيين وآبائه الآخرين الوصيين عليهم أجمعين السلام ورحمة الله وبركاته. فأين يتاه بكم وأين تذهبون كالأنعام على وجوهكم، عن الحق تصدفون وبالباطل تؤمنون وبنعمة الله تكفرون، أو تكونون ممن يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض ] فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ[ (60) ومن غيركم ] إِلاّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا[ (61) وطول عذاب في الآخرة الباقية، وذلِكَ والله الخزي العظيم. إن الله بمنه ورحمته لما فرض عليكم الفرائض لم يفرض ذلك عليكم لحاجة منه إليكم، بل رحمة منه لا إله إلا هو عليكم ليميز الخبيث من الطيب وليبتلي ما في صدوركم وليمحّص ما في قلوبكم، لتسابقوا إلى رحمة الله ولتتفاضل منازلكم في جنته، ففرض عليكم الحج والعمرة وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والصوم والولاية، وجعل لكم بابا تستفتحون به أبواب الفرائض، ومفتاحا إلى سبيله، لولا محمد (ص) والأوصياء من ولده (ع) لكنتم حيارى كالبهائم لاتعرفون فرضا من الفرائض، وهل تدخل مدينة إلا من بابها، فلما منَّ عليكم بإقامة الأولياء بعد نبيكم قال الله في كتابه: ] الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ورَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِيناً[ (62) ففرض عليكم لأوليائه حقوقا أمركم بأدائها؛ ليحل لكم ما وراء ظهوركم من أزواجكم وأموالكم ومآكلكم ومشاربكم، قال الله: ] قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى[ (63) واعلموا أن من يبخل ] فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ[ (64) لا إله إلا هو. ولقد طالت المخاطبة فيما هو لكم وعليكم، ولولا ما يحب الله من تمام النعمة من الله عليكم لما رأيتم لي خطا ولا سمعتم مني حرفا من بعد مضي الماضي (ع) ، وأنتم في غفلة مما إليه معادكم. ثم قال (ع) : والله الْمُسْتَعانُ على كل حال، وإياكم أن تفرطوا في جنب الله فتكونوا من الخاسرين، فبعدا وسحقا لمن رغب عن طاعة الله ولم يقبل مواعظ أوليائه، فقد أمركم الله بطاعته وطاعة رسوله وطاعة أولي الأمر، رحم الله ضعفكم وغفلتكم و صبركم على أمركم، فما أغر الإنسان بربه الكريم، ولو فهمت الصم الصلاب بعض ما هو في هذا الكتاب لتصدعت قلقا وخوفا من خشية الله ورجوعا إلى طاعة الله، اعملوا ما شئتم ] فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُون[ (65) والْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ وصلى الله على محمد وآله أجمعين»(66).
|
|||||||||
|
(1) الكافي: ج1 ص503 باب مولد أبي محمد (ع) . (2) بحار الأنوار: ج50 ص238 ب1 ح11. (3) انظر بحار الأنوار: ج50 ص236 ب1 ح6، وكشف الغمة: ج2 ص402 ذكر الإمام الحادي عشر (ع) ...، ودلائل الإمامة: ص223، والمناقب: ج4 ص421 باب إمامة أبي محمد الحسن العسكري (ع) . (4) بحار الأنوار: ج50 ص238 ب1 ح9. (5) الكافي: ج1 ص503 باب مولد أبي محمد الحسن (ع) ح1. (6) بحار الأنوار: ج50 ص238 ب1 ح9. (7) انظر المناقب: ج4 ص422 فصل في المقدمات. (8) الكافي: ج1 ص503 باب مولد أبي الحسن (ع) . (9) كشف الغمة: ج2 ص402 ذكر الإمام الحادي عشر (ع) . (10) الكافي: ج1 ص503 باب مولد أبي الحسن (ع) . (11) كشف الغمة: ج2 ص403 ذكر الإمام الحادي عشر (ع) . (12) بحار الأنوار: ج50 ص237 ب1 ضمن ح7. (13) كشف الغمة: ج2 ص402 ذكر الإمام الحادي عشر (ع) . (14) انظر بحار الأنوار: ج27 ص215 ب9 ذيل ح17. (15) كشف الغمة: ج2 ص403 ذكر الإمام الحادي عشر (ع) . (16) بحار الأنوار: ج50 ص238 ب1 ح12. (17) الكافي: ج1 ص512-513 باب مولد أبي محمد الحسن العسكري (ع) ح24. (18) سورة المؤمنون: 115. (19) مناقب أهل البيت (ع) للمولى حيدر الشيرواني: ص293 ب11. (20) بحار الأنوار: ج25 ص336 ب10 فصل في بيان التفويض ومعانيه ح16. (21) بحار الأنوار: ج50 ص308-309 ب4 ح6. (22) الدعوات للراوندي: ص94 تسبيح الحسن بن علي الزكي. (23) إعلام الورى: ص374 ب10 ف3 في ذكر طرف من آياته ومعجزاته (ع) . (24) بحار الأنوار: ج91 ص364 ب49 ح2. (25) النحرير: الحاذق الماهر العاقل المجرَّب، وقيل النحرير: الرجل الطَّبن الفطن المتقن البصير في كل شيء، لسان العرب: ج5 ص197 مادة (نحر). (26) الخرائج والجرائح: ج1 ص437 ب12 في معجزات الإمام الحسن بن علي العسكري (ع) . (27) بحار الأنوار: ج50 ص316-317 ب4 ضمن ح13. (28) مستدرك الوسائل: ج11 ص351 ب43 ح13230. (29) الكافي: ج1 ص508 باب مولد أبي محمد الحسن بن علي (ع) ح10. (30) بحار الأنوار: ج50 ص304 ب3 ح80. (31) الخرائج والجرائح: ج1 ص478 ب13 في معجزات الإمام صاحب الزمان „ . (32) انظر بحار الأنوار: ج27 ص215 ب9 ذيل ح17. (33) كشف الغمة: ج2 ص402-403 ذكر الإمام الحادي عشر (ع) . (34) المصطكي: العلك الرومي. (كتاب العين: ج5 ص303 مادة صطك). (35) الغيبة للطوسي: ص272-273 ف3. (36) تحف العقول: ص486 ما روي عنه (ع) في قصار هذه المعاني. (37) بحار الأنوار: ج72 ص466 ب95 ضمن ح12. والبحار: ج75 ص372 ب29 ضمن ح1. (38) تحف العقول: ص489 ما روي عنه (ع) في قصار هذه المعاني. (39) أعلام الدين: ص313 من كلام أبي محمد الحسن العسكري (ع) . (40) بحار الأنوار: ج75 ص377 ب29 ح3. (41) أعلام الدين: ص313 من كلام أبي محمد الحسن العسكري (ع) . (42) بحار الأنوار: ج75 ص377 ب29 ضمن ح3. (43) بحار الأنوار:ج66 ص407 ب38 ضمن ح115، والبحار: ج75 ص378 ب29 ضمن ح3. (44) تحف العقول: ص489 ما روي عنه (ع) في قصار هذه المعاني. (45) مستدرك الوسائل: ج11 ص184 ب5 ح12690. (46) تحف العقول: ص488 ما روي عنه (ع) في قصار هذه المعاني. (47) تحف العقول: ص488 ما روي عنه (ع) في قصار هذه المعاني. (48) بحار الأنوار: ج75 ص374 ب29 ضمن ح1. (49) تحف العقول: ص489 ما روي عنه (ع) في قصار هذه المعاني. (50) بحار الأنوار: ج75 ص377 ب29 ح3. (51) بحار الأنوار: ج75 ص377-378 ب29 ضمن ح3. (52) أعلام الدين: ص313 من كلام أبي محمد الحسن العسكري (ع) . (53) بحار الأنوار: ج75 ص378 ب29 ضمن ح4. (54) مستدرك الوسائل: ج13 ص29 ب10 ح14650. (55) الصاقورة: اسم السماء الثالثة. انظر لسان العرب: ج4 ص467 مادة (صقر). (56) بحار الأنوار: ج75 ص 378 ب29 ضمن ح3. (57) سورة الإسراء: 72. (58) سورة الحج: 46. (59) سورة طه: 125-126. (60) سورة البقرة: 85. (61) سورة البقرة: 85. (62) سورة المائدة: 3. (63) سورة الشورى: 23. (64) سورة محمد: 38. (65) سورة التوبة: 105. (66) تحف العقول: ص484-486 كتابه (ع) إلى إسحاق بن إسماعيل النيسابوري. |