وإن الله تبارك وتعالى ركب في صلبه نطفة لا باغية ولا طاغية ، بارّة
مباركة ، طيّبة طاهرة ، سمّاها عنده عليّ بن محمد ، فألبسها السكينة والوقار ،
وأودعها العلوم وكلّ سرّمكتوم ، من لقيه وفي صدره شي أنبأه به وحذره من
عدوّه . ويقول في دعائه : يا نور يا برهان ، يا مبين يا منير ، يا ربّ اكفني شرّ
الشرور ، وآفات الدهور ، وأسألك النجاة يوم ينفخ في الصور . من دعا بهذا
الدعاء كان عليّ بن محمّد شفيعه وقائده إلى الجنّة .
وإنّ الله تعالى ركب في صلبه نطفة وسمّاها عنده الحسن ، فجعله نوراً
في بلاده ، وخليفة في أرضه ، وعزّاً لامّته ، وهادياً لشيعته ، وشفيعاً لهم عند
ربّهم ، ونقمة على من خالفه ، وحجّة لمن والاه ، وبرهاناً لمن اتّخذه إماماً .
يقول في دعائه : يا عزيز العزّ في عزّه ، يا عزيزاً أعزّني بعزّك ، وأيّدني بنصرك ،
وأبعد عنّي همزات الشيطان ، وادفع عنّي بدفعك ، وامنع عنّي بصنعك ،
واجعلني من خيار خلقك ، يا واحد يا أحد ، يا فرد يا صمد . من دعا بهذا
الدّعاء حشره الله عزّ وجل معه ،ونجاه من النار ولو وجبت عليه .
وإن الله تبارك وتعالى ركّب في صلبه نطفة زكيّة طيّبة ، طاهرة مطهّرة ،
يرضى بها كلّ مؤمن (1) ممّنَ قد أخذ الله ميثاقه في الولاية ، ويكفر بها كلّ
جاحد ، فهوإمام تقيّ نقيّ ، سارّ مرضيّ هاد مهديّ ، يحكم بالعدل ويأمر به ،
يصدّق الله ويصدّقه اللهّ في قوله ، يخرج من تهامة حتّى يظهر الدلائل
والعلامات ، وله بالطالقان كنوز لا ذهب ولا فضة إلاّ خيول مطهّمة ورجال
مسوّمة ، يجمع الله له من أقاصي البلاد على عدد أهل بدر ثلاثمائة وثلاثة
عشر رجلاً ، معه صحيفة مختومة فيها عدد أصحابه بأسمائهم وأنسابهم
وبلدانهم وصنائعهم وحلاهم وكناهم ، كرّارون مجدّون في طاعته.
____________
(1) في نسخة « م » زيادة : امتحن الله قلبه للإيمان .
( 190 )
فقال له أبيّ : وما دلائله وعلاماته يا رسول الله ؟
قال : له عَلَم إذا حان وقت خروجه انتشرذلك العلم من نفسه ، وأنطقه
الله فناداه العلم : أُخرج يا وليّ الله فاقتل أعداء اللهّ . وهما رايتان وعلامتان ،
وله سيف مغمد ، فإذا حان وقت خروجه اقتلع ذلك السيف من غمده وأنطقه
اللهّ عزّ وجل فناداه السيف : أُخرج يا وليّ الله (1) فلا يحلّ لك أن تقعد عن
أعداء الله . فيخرج ويقتل أعداء الله حيث ثقفهم ، ويقيم حدود الله ، ويحكم
بحكم الله ، يخرج وجبرئيل عن يمينه ، وميكائيل عن يساره ، وشعيب بن
صالح على مقدّمته ، وسوف تذكرون ما أقول لكم وأُفوّض أمري إلى الله ولو
بعد حين .
يا أبيّ طوبى لمن لقيه ، وطوبى لمن أحبّه ، وطوبى لمن قال به ،
ينجيهم الله من الهلكة ، وبالإقرار به وبرسول الله وبجميع الأئمّة تفتح لهم
الجنّة ، مثلهم في الأرض كمثل المسك الذي تسطع ريحه فلا يتغيّر أبداً ،
ومثلهم في السماء كمثل القمر المنير الذي لا يطفأ نوره أبداً .
قال أُبي : يا رسول الله كيف [ جاءك ] (2) بيان هؤلاء الأئمّة عن الله
عزّوجل ؟
قال : إنّ اللهّ عزّوجلّ أنزل عليّ اثنتي عشرة صحيفة ، باثني عشر
خاتماً ، اسم كلّ إمام على خاتمه وصفته في صحيفته »(3) .
قال : وحدّثنا محمد بن عليّ ماجيلويه قال : حدثنا عمّي محمد بن
أبي القاسم ، عن أحمد بن أبي عبدالله البرقي ، عن محمد بن عليّ القرشيّ ،
____________
(1) في نسخة « م » زيادة : وأمرني بأمرك يا حجة الله .
(2) في نسخنا : جاء ، وأثبتنا ما هوموافق لما في بعض نسخ كمال الدين .
(3) كمال الدين : 264 | 11 ، عيون أخبار الرضا عليه السلام 1 : 59 | 29 .
( 191 )
عن محمد بن سنان ، عن المفضل بن عمر ، عن أبي حمزة الثماليّ ، عن
محمد بن عليّ الباقر ، عن أبيه عليّ بن الحسين ، عن أبيه الحسين بن عليّ
عليهم السلام قال : « دخلت أنا وأخي على جدّي رسول الله صلّى الله عليه
واله وسلّم فأجلسني على فخذه وأجلس أخي الحسن على فخذه الاُخرى ،
ثمّ قبّلنا وقال : بأبي أنتما من إمامين صالحين ، اختاركما الله منّي ومن أبيكما
وأُمّكما ، واختار من صلبك يا حسين تسعة أئمّة تاسعهم قائمهم ، وكلّكم في
الفضل والمنزلة عنداللهّ سواء »(1) .
قال : وحدّثنا أبي ، ومحمد بن الحسن قالا : حدّثنا سعد بن عبدالله ،
وعبدالله بن جعفر الحميريّ ، ومحمد بن يحيى العطّار ، وأحمد بن إدريس
جميعاً قالوا : حدّثنا أحمد بن أبي عبدالله البرقي قال : حدّثنا أبو هاشم داود
ابن القاسم الجعفري ، عن أبي جعفر محمد بن عليّ الثاني عليه السلام ،
قال : « أقبل أميرالمؤمنين عليه السلام ذات يوم ومعه الحسن بن عليّ وسلمان
الفارسيّ ، وأميرالمؤمنين عليه السلام متكئ على يد سلمان ، فدخل
المسجد الحرام فجلس ، إذ أقبل رجلٌ حسن الهيئة واللباس ، فسلم على
أميرالمؤمنين عليه السلام فردّ عليه السلام ، فجلس ثمّ قال : يا أميرالمؤمنين
أسألك عن ثلاث مسائل إن أخبرتني بهنّ علمت أن القوم ركبوا من أمرك ما
أقضي عليهم أنّهم ليسوا بمأمونين في دنياهم ولا في آخرتهم ، وإن تكن
الاًخرى علمت أنّك وهم شرع سواء .
فقال له أميرالمؤمنين عليه السلام : سلني عمّا بدا لك .
فقال : أخبرني عن الرجل إذا نام أين تذهب روحه ؟ وعن الرجل كيف
يذكر وينسى؟ وعن الرجل كيف يشبه ولده الأعمام والأخوال ؟
____________
(1) كمال الدين : 269 | 12
( 192 )
فالتفت أميرالمؤمنين عليه السلام إلى الحسن فقال : يا أبا محمد
أجبه .
فقال عليه السلام : أمّا ما سألت عنه من أمر الإنسان إذا نام أين تذهب
روحه ، فإنّ روحه متعلّقة بالريح ، والريح متعلّقة بالهواء إلى وقت ما يتحرّك
صاحبها لليقظة ، فإن أذن الله عزّوحلّ بردّ تلك الروح على صاحبها جذبت
تلك الروح الريح وجذبت تلك الريح الهواء فرجعت الروح فاسكنت في بدن
صاحبها ، وإن لم ياذن الله عزّوجلّ بردّ تلك الروح على صاحبها جذب الهواء
الريح فجذبت الريح الروح فلم تردّ على صاحبها إلى وقت ما يبعث .
وأما ما ذكرت من [ أمر ] الذكر والنسيان ، فإنّ قلبَ الرجل في حُقّ وعلى
الحقِّ طبق ، فإن صلّى عند ذلك على محمد وآل محمد صلاة تامّة انكشف
ذلك الطبق عن ذلك الحقّ ، فأضاء القلب ، وذكر الرجل ما كان نسي ، وإن
هو لم يصلّ على محمد وآل محمد أو نقص (1) من الصلاة عليهم انطبق ذلك
الطبق على ذلك الحقّ ، فاظلم القلب ونسي الرجل ما كان ذكره .
وأما ما ذكرت من أمر المولود الذي يشبه أعمامه وأخواله ، فإنّ الرجل
إذا أتى أهله فجامعها . بقلب ساكن وعروق هادئة وبدن غير مضطرب ،
فأسكنت بذلك تلك النطفة في جوف الرحم ، خرج الولد يشبه أباه وأُمّه ، وإن
هو أتاها بقلب غير ساكن وعروق غير هادئة وبدن مضطرب ، اضطربت تلك
النطفة فوقعت في حال إضطرابها على بعض العروق ، فإن وقعت على عرق
من عروق الأعمام أشبه الولد أعمامه ، وإن وقعت على عرق من عروق
لأخوال أشبه الولد أخواله .
فقال الرجل : أشهد أن لا إله إلاّ الله ، ولم أزل أشهد بها ، وأشهد أن
____________
(1) في نسختي « ط » و« ق » : انتقص .
( 193 )
محمداً رسول الله ، ولم أزل أشهد بذلك ، وأشهد أنك وصيّ رسول الله
والقائم بحجّته - وأشار إلى أميرالمؤمنين عليه السلام - ولم أزل أشهد بها ،
وأشهد أنّك وصيه والقائم بحجّته - وأشار إلى الحسن عليه السلام - وأشهد
أنّ الحسين بن علي وصي أبيك والقائم بحجته بعدك ، وأشهد على عليّ بن
الحسين أنّه القائم بأمر الحسين من بعده ، وأشهد على محمّد بن عليّ أنّه
القائم بامر عليّ بن الحسين ، وأشهد على جعفر بن محمد أنّه القائم بأمر
محمّد بن عليّ ، وأشهد على موسى بن جعفر أنّه القائم بأمر جعفر بن
محمّد ، وأشهد على عليّ بن موسى أنّه القائم بامر موسى بن جعفر ، وأشهد
على محمّد بن عليّ أنّه القائم بامر علي بن موسى ، وأشهد على عليّ بن
محمد أنّه القائم بأمرمحمّد بن عليّ ، وأشهد على الحسن بن عليّ أنّه القائم
بأمرعليّ بن محمّد ، وأشهد على رجل من ولد الحسن بن عليّ ، لايكنّى
ولا يسمّى حتّى يظهر من يملأ الأرض عدلأ كما ملئت جوراً ، أنّه القائم بامر
الحسن بن عليّ ، والسلام عليكم أيّها المؤمنين ورحمة الله وبركاته .
ثمّ قام ومضى فقال أميرالمؤمنين : يا أبا محمّد ، أتبعه فانظر أين
يقصد؟ فخرج الحسن بن عليّ عليهما السلام على إثره .
قال : فما كان إلاّ أن وضع رجله خارج المسجد فما رأيت أين أُخذ من
أرض الله ، فرجعت إلى أميرالمؤمنين فاعلمته فقال : يا أبا محمّد أتعرفه ؟
فقلت : الله ورسوله وأميرالمؤمنين أعلم .
فقال : هو الخضر عليه السلام »(1) .
____________
(1) كمال الدين : 313| 1 ، عيون أخبار الرضا عليه السلام 1 : 65 | 35 ، علل الشرائع :
96 | 6 ، وكذا في : تفسير القمي : 2 | 44 ، اثبات الوصية : 136 ، غيبة النعماني : 58 | 2 ،
الاحتجاج : 266 ، دلائل الامامة : 69 .
( 194 )
قال : وحدّثنا أحمد بن زياد بن جعفر الهمداني قال : حدثنا علي بن
إبراهيم بن هاشم ، عن أبيه ، عن عبد السلام بن صالح الهرويّ قال : أخبرنا
وكيع ، عن الربيع بن سعد ، عن عبد الرحمن بن سليط ، قال : قال الحسين
ابن عليّ بن أبي طالب عليهما السلام : « منّا اثنا عشر مهديّا ، أوّلهم
أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالب ، وآخرهم التاسع من ولدي وهو القائم
بالحقّ ، يُحيي الله به الأرض بعد موتها ، ويظهر به دين الحق على الدين كله
ولو كره المشركون ، له غيبة يرتدّ فيها قوم ، ويثبت على الدين فيها اخرون
فيؤذون ، ويقال لهم : متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ، أما إنّ الصابر في
غيبته على الأذى والتكذيب بمنزلة المجاهد بالسيف بين يدي رسول الله
صلّى الله عليه وآله وسلّم »(1) .
قال ؟ وحدّثنا عليّ بن عبدالله الورّاق قال : حدِّثنا محمد بن هارون
الصوفيّ ، عن عبدالله بن موسى ، عن عبدالعظيم بن عبداللّه الحسنيّ قال :
حدّثني صفوان بن يحيى ، عن إبراهيم بن أبي زياد ، عن أبي حمزة الثمالي ،
عن أبي خالد الكابليّ قال : دخلت على سيّدي عليّ بن الحسين زين
العابدين عليه ألسلام فقلت له : يا ابن رسول اللهّ ، أخبرني بالذين فرض الله
طاعتهم ومودّتهم ، وأوجب على عباده الاقتداء بهم بعد رسول الله صلّى الله
عليه وآله وسلم .
فقال لي : « يا كنكر (2) ، إنّ أولي الأمر الذين جعلهم الله أئمّة للناس ،
وأوجب عليخم طاعتهم : أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالب ، ثمّ الحسن ثمّ
____________
(1) كمال الدين : 317 | 3 ، عيون أخبار الرضا عليه السلام 1 : 68 | 36 ، وكذا في : مقتضب
ا لأثر : 23 .
(2) كنكر : لقب لأبي خالد الكابلي يعرف به .
( 195 )
الحسين ابنا علي بن أبي طالب ، ثم انتهى الأمر إلينا » .
ثمّ سكت ، فقلت له : يا سيدي ، روي لنا عن أميرالمؤمنين عليه
السلام : أن الأرض لا تخلو من حجة لله على عباده ، فمن الحجّة والإمام
بعدك ؟
فقال : « ابني محمّد ، واسمه في التوراة باقر ، يبقر العلم بقراً ، هو
الحجّة والإمام بعدي ، ومن بعد محمد ابنه جعفر ، واسمه عند أهل السماء
ا لصا دق » .
فقلت : يا سيّدي ، فكيف صار اسمه الصادق وكلّكم الصادقون ؟
فقال : « حدّثني أبي ، عن أبيه عليهما السلام : أنّ رسول الله صلى الله
عليه وآله وسلم قال : إذا ولد ابني جعفر بن محمد بن علي بن
الحسين بن علي بن أبي طالب فسمّوه الصادق ، فإنّ الخامس من ولده الذي
اسمه جعفريدّعي الإمامة اجتراء على اللهّ وكذباً عليه ، فهو عند الله جعفر
الكذّاب المفتري على الله ، والمدعي بما ليس له بأهل ، المخالف على
أبيه ، والحاسد على أخيه ، ذلك الذي يروم كشف سرّ الله عند غيبة وليّ
الله » .
ثمّ بكى علي بن الحسين عليهما السلام بكاءً شديدأ ، ثمّ قال : « كأنّي
بجعفر الكذّاب وقد حمل طاغية زمانه على تفتيش أمر ولي الله ، والمغيّب في
حفظ الله ، والتوكيل بحرم (1) أبيه جهلاً منه بولادته ، وحرصاً على قتله إن ظفر
به ، طمعاً في ميراث أبيه حتى يأخذه بغيرحقه » .
قال أبو خالد : فقلت له : يا ابن رسول الله ، وإنَ ذلك لكائنٌ ؟
فقال : « إي وربي ، إنّ ذلك لمكتوب عندنم في الصحيفة التي فيها ذكر
____________
(1) في نسختي « ط » و « ق » : بحرمة ، وأثبتنا ما في نسخة « م » وهو : الموافق لما في كمال الدين .
( 196 )
المحن التي تجري علينا بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم » .
قال : فقلت له : يا ابن رسول الله ، ثمّ يكون ماذا؟
قال : « ثمّ تمتدّ الغيبة بوليّ الله الثاني عشرمن أوصياء رسول الله صلى
اللهّ عليه وآله وسلّم والأئمة عليهم السلام بعده .
يا أبا خالد ، إن أهل زمان غيبته ، القائلين بإمامته ، والمنتظرين
لظهوره ، أفضل من أهل كلّ زمان ، لأنّ اللهّ تعالى ذكره أعطاهم من العقول
والأفهام والمعرفة ما صارت به الغيبة عندهم بمنزلة المشاهدة ، وجعلهم في
ذلك الزمان بمنزلة المجاهدين بين يدي رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم
بالسيف ، أُولثك المخلصون حقاً ، وشيعتنا صدقاً ، والدعاة إلى دين الله سرّاً
وجهراً »(1) .
قال : وحدّثنا محمد بن عليّ ماجيلويه ، ومحمد بن موسى بن المتوكل
قالا : حدّثنا محمد بن يحيى العطار ، عن محمد بن الحسن الصفّار ، عن
عبدالله بن الصلت القمّي ، عن عثمان بن عيسى ، عن سماعة بن مهران
قال : كنت أنا وأبو بصير ومحمد بن عمران مولى أبي جعفر عليه السلام في
منزل بمكّة ، فقال محمد بن عمران : سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول :
« نحن اثّنا عشر محدّثاً » ، فقال له أبوبصير : تاللهّ لقد سمعت ذلك من أبي
عبدالله عليه السلام ؟ فحلف مرّة أو مرّتين أنّه سمعه منه .
فقال أبوبصير : لكنّي سمعته من أبي جعفرعليه السلام (2) .
قال : وحدّثنا الحسين بن أحمد بن إدريس قال : حدثنا أبي ، عن
____________
(1) كمال الدين : 319 | 2 .
(2) كمال الدين : 335 | 6 ، الخصال : 478 | 45 ، عيون أخبار الرضا عليه السلام 1 :
56 | 23 .
( 197 )
محمد بن الحسين بن زيد الزيات ، عن الحسن بن موسى الخشاب ، عن
عليّ بن سماعة ، عن عليّ بن الحسن بن عليّ بن رباط ، عن أبيه ، عن
المفضّل بن عمر قال : قال الصادق عليه السلام : « إنّ الله تبارك وتعالى خلق
أربعة عشر نوراً قبل خلق الخلق باربعة عشر ألف عام ، فهي أرواحنا » .
فقيل له : يا ابن رسول الله ، ومَن الأربعة عشر؟
فقال : « محمد ، وعليّ ، وفاطمة ، والحسن ، والحسين ، والأئمّة من
ولد الحسين ، آخرهم القائم الذي يقوم بعد غيبته فيقتل الدجال ، ويطهّر
الأرض من كلّ جور وظلم(1) » .
قال : وحدّثنا عبدالواحد بن محمد بن عبدوس العطّار قال : حدّثنا
عليّ بن محمد بن قتيبة النيسابوري قال : حدّثنا حمدان بن سليمان ، عن
محمد بن إسماعيل بن بزيع ، عن حيّان السرّاج ، عن السيّد ابن محمد
الحميريّ في حديث طويل يقول فيه : قلت للصادق عليه السلام : يا ابن
رسول الله قد روي لنا أخبار عن آبائك في الغيبة وصحّة كونها فاخبرني بمن
تقع ؟
فقال عليه السلام : « إنّ الغيبة سعتقع بالسادس من ولدي ، وهو الثاني
عشر من الأئمّة الهداة بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، أوّلهم
أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام واخرهم القائم بالحقّ بقيّة الله
في الأرض وصاحب الزمان ، ولوبقي في غيبته ما بقي نوح في قومه لم يخرج
من الدنيا حتّى يظهر فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً »(2) .
وقد تقدّم ذكر هذا الحديث في أخبار الصادق عليه السلام ، وكرَرته
____________
(1) كمال الدين :335 | 7 .
(2) كمال الدين :342 | 23 .
( 198 )
هاهنا للحاجة إليه ، وأمثال هذه الأخبار كثيرة لا يحتمل هذا إكثر ممّا
ذكرناه ، وقد ذكر كثيراً منها الشيخ أبوجعفر بن بابويه في كتاب « كمال الدين
وتمام النعمة ، في إثبات الغيبة وكشف الحيرة » فمن أراد الزيادة فليطلب من
هناك .
وقد صنّف الشيخ المفيد أبو عبدالله محمد بن محمّد بن النعمان في
ذلك كتاباً مفرداً ، ذكر فيه الأخبار الواردة في هذا المعنى ، باسانيدها على
التفصيل .
( 199 )
في ذكر جمل من الدلائل على إمامة أئمّتنا عليهم السلام ، سوى ما
ذكرناه فيما تقدّم من الكتاب .
أحد الدلائل على إمامتهم عليهم السلام : ما ظهر منهم من العلوم
التي تفرّقت في فرق العالم ، فحصل في كلّ فرقة منهم فنّ منها ، فاجتمعت
فنونها وسائر أنواعها في آل محمد عليهم السلام ، ألا ترى إلى ما روي عن
أميرالمؤمنين عليه السلام في أبواب التوحيد ، والكلام الباهر المفيد من
الخطب ، وعلوم الدين ، وأحكام الشريعة ، وتفسير القرآن ، وغير ذلك ما زاد
على كلام جميع الخطباء والعلماء والفصحاء ، حتى أخذ عنه المتكلّمون
والفقهاء والمفسّرون ، ونقل أهل العربيّة عنه أصول الإعراب ومعاني
اللغات ، وقال في الطب ما استفادت منه الأطبّاء ، وفي الحكمة والوصايا
والاداب ما أربى على كلام جميع الحكماء ، وفي النجوم وعلم الأثار ما
استفاده من جهته جميع أهل الملك والأراء .
ثمّ قد نقلت الطوائف عمّن ذكرناه من عترته وأبنائه عليهم السلام مثل
ذلك من العلوم في جميع الأنحاء ، ولم يختلف في فضلهم وعلوّ درجتهم في
ذلك من أهل العلم اثنان .
فقد ظهر عن الباقر والصادق عليهما السلام - لمّا تمكّنا من الإظهار
وزالت عنهما التقيّة التي كانت على سيّد العابدين عليه السلام - من الفتاوى
في الحلال والحرام ، والمسائل والأحكام ، وروى الناس عنهما من علوم
الكلام ، وتفسير القرآن ، وقصص الأنبياء ، وا لمغازي ، والسير ، وأخبار العرب
( 200 )
وملوك الأمم ما سمّي أبو جعفر عليه السلام لأجله باقر العلم .
وروى عن الصادق عليه السلام في أبوابه من مشهوري أهل العلم
أربعة آلاف إنسان ، وصنّف من جواباته في المسائل أربعمائة كتاب هي
معروفة بكتب الأصول ، رواها أصحابه وأصحاب أبيه من قبله ، وأصحاب
ابنه أبي الحسن موسى عليهم السلام ، ولم يبق فنّ من فنون العلم إلاّ روي
عنه عليه السلام فيه أبواب .
وكذلك كانت حال ابنه موسى عليه السلام من بعده في إظهار العلوم ،
إلى أن حبسه الرشيد ومنعه من ذلك .
وقد انتشر أيضاً عن الرضا وابنه أبي جعفر عليهما السلام من ذلك ما
شهرة جملته تغني عن تفصيله .
وكذلك كانت سبيل أبي الحسن وأبي محمد العسكريّين عليهما
السلام ، وإنّما كانت الرواية عنهما أقلّ لأنّهما كانا محبوسين في عسكر
السلطان ، ممنوعين من الانبساط في الفتيا ، وأن يلقاهما كلّ أحد من الناس .
وإذا ثبت بما ذكرناه بينونة أئمّتنا عليهم السلام - بما وصفناه - عن
جميع الأنام ، ولم يمكن لأحد أن يدّعي أنّهم أخذوا العلم عن رجال العامّة ،
أو تلقّوه من رواتهم وفقهائهم ، لأنّهم لم يُرَوا قطّ مختلفين إلى أحد من
العلماء في تعلّم شيء من العلوم ، ولأنّ ما أثرعنهم من العلوم أكثره لم يعرف
إلاّ منهم ، ولم يظهر إلاّ عنهم ، وعلمنا أنّ هذه العلوم بأسرها قد انتشرت
عنهم ، مع غناهم عن سائر الناس ، وتيقّنّا زيادتهم في ذلك على كافّتهم ،
ونقصان جميع العلماء عن رتبتهم ، ثبت أنّهم أخذوها عن النبيّ صلّى الله
عليه واله وسلّم خاصّة ، وأنّه قد أفردهم بها ليدلّ على إمامتهم بافتقار الناس
إليهم فيما يحتاجون إليه ، وغناهم عنهم ، وليكونوا مفزعاً لامته في الدين ،
وملجأ لهم في الأحكام ، وجروا في هذا التخصيص مجرى النبيّ صلّى
( 201 )
عليه وآله وسلم في تخصيص الله تعالى باعلامه أحوال الاُمم السالفة ،
وإفهامه ما في الكتب المتقدمة من غيرأن يقرأ كتاباً أويلقى أحداً من أهله .
ــ هذا وقد ثبت في العقول أنّ الأعلم الأفضل أولى بالإمامة من
المفضول ، وقد بيّن الله سبحانه ذلك بقوله : (
أَفمَن يَهدِي إلى الحقِّ أحقُّ أن
يُتَبَعَ أَمَّن لا يَهدي إِلاّ أَن يُهدى)(1) .
وقوله : (هَل يَستَوي الّذينَ يَعلَمُون وَالّذينَ لأ يَعلَمونَ ) (2) .
ودلّ بقوله سبحانه في قصّة طالوت : (وَزادَهُ بَسطَةً فِي العِلمِ والجسمِ ) (2) أنّ التقدم في العلم والشجاعة موجب للتقدّم في الرئاسة . فإذا
كانَ أئمّتنا عليهم السلام أعلم الاُمّة بما ذكرناه ، فقد ثبت أنّهم أئمّة الإسلام
الذين استحقّوا الرئاسة على الأنام على ما قلناه .
دلالة أخرى : وممّا يدلّ على إمامتهم عليهم السلاَم أيضاً : إجماع
الاُمة على طهارتهم ، وظاهر عدالتهم ، وعدم التعلّق عليهم أوعلى أحد منهم
بشيء يشينه في ديانته ، مع إجتهاد أعدائهم وملوك أزمنتهم في الغضّ منهم ،
والوضع من أقدارهم ، والتطلّب لعثراتهم ، حتّى أنّهم كانوا يقرّبون من يُظهر
عداوتهم ، ويقصون بل يُجفون وينفون ويقتلون من يتحقّق بولايتهم ، وهذا
أمر ظاهر عند من سمع أخبار الناس ، فلولا أنّهم عليهم السلام كانوا على
صفات الكمال من العصمة والتأييد من الله تعالى بمكان ، وأنّه سبحانه منع
بلطفه كلّ أحد من أن يتخرّص عليهم باطلاً ، أو يتقوّل فيهم زوراً ، لما سلموا
عليهم السلام من ذلك على الحدّ الذي شرحناه ، لا سيّما وقد ثبَ أنّهم لم
____________
(1) يونس 10 : 35 .
(2) الزمر 39 : 9 .
(3) البقرة 2 : 247 .
( 202 )
يكونوا ممّن لا يؤبه بهم ، وممّن لا يدعو الداعي إلى البحث عن أخبارهم
لخمولهم وانقطاع اثارهم ، بل كانوا على أعلى مرتبة من تعظيم الخلق
إيّاهم ، وفي الدرجة(1) الرفيعة التي يحسدهم عليها الملوك ، ويتمنّونها
لأنفسهم ، لأنّ شيعتهم مع كثرتها في الخلق ، وغلبتها على أكثر البلاد ،
اعتقدت فيهم الإمامة التي تشارك النبوّة ، وادّعت عليهم الآيات المعجزات ،
والعصمة عن الزلات ، حتّى أنّ الغلاة قد اعتقدت فيهم النبوّة والالهيّة ، وكان
أحد أسباب إعتقادهم ذلك فيهم حسن اثارهم ، وعلوّأحوالهم ، وكمالهم في
صفاتهم ، وقد جرت العادة فيمن حصل له جزء من هذه النباهة أن لا يسلم
من ألسنة أعدائه ، ونسبتفم إيّاه إلى بعض العيوب القادحة في الديانة أو
ا لأ خلاق .
فإذا ثبت أنّ أئمّتنا عليهم ابسلام نزّههم الله عن ذلك ، ثبت أنّه سبحانه
هو المتولّي لجميع الخلائق على ذلك بلطفه وجميل صنعه ، ليدلّ على أنّهم
حججه علئ عباده ، والسفراء بينه وبين خلقه ، والأركان لدينه ، والحفظة
لشرعه . وهذا واضح لمن تأمّله .
دلالة أخرى : وممّا يدلّ أيضاً على إمامتهم عليهم السلام ما حصل من
الإتّفاق على برّهم وعدالتهم ، وعلوّ قدرهم وطهارتهم ، وقد ثبت بلا شكّ
معرفتهم عليهم السلام بكثير ممّن يعتقد إمامتهم في أيّامهم ، ويدين الله
تعالى بعصمتهم والنصّ عليهم ، ويشهد بالمعجز لهم .
ووضح أيضاً اختصاص هؤلاء بهم ، وملازمتهم إيّأهم ، ونقلهم
الأحكام والعلوم عنهم ، وحملهم الزكوات والأخماس إليهم ، ومن أنكر هذا
أو دفع كان مكابراً دافعاً للعيان ، بعيداً عن معرفة أخبارهم .
____________
(1) في نسخة « ط » : الرتبة.
( 203 )
فقد علم كل محصّل نظر في الأخبار أنّ هشام بن الحكم ، وأبا بصيره
وزراة بن أعين ، وحمران وبكير ابني أعين ، ومحمّد بن النعمان الذي يلقّبه
العامّة شيطان الطاق ، وبريد بن معاوية ألعجليَ ، وأبان بن تغلب ، ومحمد
ابن مسلم الثقفيّ ، ومعاوية بن عمّار الدهنيّ ، وغير هؤلاء ممن بلغوا الجمع
الكثير ، والجمّ الغفير ، من أهل العراق والحجاز وخراسان وفارس ، كانوا في
وقت الإمام جعفر بن محمد عليهما السلام رؤساء الشيعة في الفقه ورواية
الحديث والكلام ، وقد صنّفوا الكتب ، وجمعوا المسائل والروايات ، وأضافوا
أكثر ما اعتمدوه من الرواية إليه ، والباقي إليه وإلى أبيه محمد عليهما
السلام ، وكان لكلّ إِنسان منهم أتباع وتلامذة في المعنى الذي يتفرد به ،
وإنهم كانوا يرحلون من العراق إلى الحجاز في كلّ عام أو أكثر أو أقل ، ثم
يرجعون ويحكون عنه الأقوال ، ويسندون إليه الدلالات ، وكانت حالهم في
وقت الكاظم و الرضا عليهما السلام على هذه الصفة ، وكذلك إلى وفاة أبي
محمد العسكري عليه السلام ، وحصل العلم باختصاص هؤلاء بأئمتنا
عليهم السلام ، كما نعلم اختصاص أبي يوسف ومحمد بن الحسن بابي
حنيفة ، وكما نعلم اختصاص المزني والربيع بالشافعي ، واختصاص النظّام
بابي الهذيل ، والجاحظ والأسواري بالنظّام .
ولا فرق بين من دفع الإماميّة عمّن ذكرناه ، ومن دفع من سقيناه عمّن
وصفناه في الجهل بالأخبار ، والعناد والإنكار .
وإذا كان الأمر على ما ذكرناه لم تخل الإماميّة في شهادتها بإمامة هؤلاء
عليهم السلام من أحد أمرين : إمّا أن تكون محقّة في ذلك صادقة ، أومبطلة
في شهادتها كاذبة . فإن كانت محقّة صادقة في نقل النصَ عنهم على
خلفائهم عليهم السلام ، مصيبة فيما اعتقدته فيهم من العصمة والكمال ،
فقد ثبتت إمامتهم على ما قلناه ، وإن كانت كاذبة في شهادتها ، مبطلة في
( 204 )
عقيدتها ، فلن يكون كذلك الآ ومن سميناهم من أئمة الهدى عليهم السلام
ضالّون برضاهم بذلك ، فاسقون بترك النكير عليهم ، مستحقّون البراءة من
حيث تولّوا الكذابين ، مضلّون للأمّة لتقريبهم إياهم ، وإختصاصهم بهم من بين
الفرق كلها ، ظالمون في أخذ الزكوات والأخماس عنهم ، وهذا ما لا يطلقه
مسلم فيمن نقول بإمامته ، وإذا كان الإجماع المقدّم ذكره حاصلاً على
طهارتهم وعدالتهم ، ووجوب ولايتهم ، ثبتت إمامتهم بتصديقهم لمن أثبت
ذلك ، وبما ذكرناه من إختصاصهم بهم ، وهذا واضح ، والمنّة للهّ .
دلالة أخرى : وممّا يدلّ أيضاً على إمامتهم عليهم السلام وأنّهم أفضل
الخلق بعد النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ، ما نجده من تسخير الله تعالى
الوليّ لهم في التعظيم لمنزلتهم ، والعدوّ لهم في الإجلال لمرتبتهم ، وإلهامه
سبحانه جميع القلوب إعلاء شانهم ، ورفع مكانهم ، على تباين مذاهبهم
وآرائهم ، واختلاف نحلهم وأهوائهم .
فقد علم كلّ من سمع الأخبار ، وتتبع الأثار ، أنّ جميع المتغلّبين
عليهم ، المظهرين لاستحقاق الأمر دونهم ، لم يعدلوا قطّ عن تبجيلهم ،
وإجلال قدرهم ، ولا أنكروا فضلهم ، وإن كان بعض أعدائهم قد بارز
بعضهم بالعداوة لدواع دعتهم إلى ذلك .
ألا ترى أنّ المتقدّمين على أمير المؤمنين عليه السلام قد أظهروا من
تقديمه ولَعظيم ولديه الحسن والحسين عليهما السلام في زمان إمامتهم على
الاًمّة ، وكذلك الناكثون لبيعته لم يتمكّنوا مع ذلك من إنكار فضله ، ولا
امتنعوا من الشهادة له بفضله ، ولا فسّقوه في فعله .
وكذلك معاوية - وإن كان قد أظهر عداوته ، وبنى أكثر أُموره على
العناد- لم ينكرجميع حقوقه ، ولا دفع عظيم منزلته في الدين ، بل قفا أثر
طلحة والزبير في التعلّل بطلب دم عثمان ، وكان يظهر القناعة منه بأن يقرّه
( 205 )
على ولايته التي ولآه إياها من كان قبله ، فيكف عن خلافه ، ويصير إلى
طاعته ، ولم يمكنه الدفع لكونه عليه السلام الأفضل في الإسلام والشرف
والوصلة بالنبي عليه السلام والعلم والزهد ، ولا الإنكار لشيء من ذلك ، ولا
الإدّعاء لنفسه مساواته فيه ، أو مقارنته ومداناته ، وقد كان يحضره الجماعة
كالحسن بن عليّ وابن عبّاس وسعد بن مالك فيحتجّون عليه بفضل
أميرالمؤمنين عليه السلام على جميع الصحابة ، فلا يقدم على الإنكار
عليهم ، مع إظهاره في الظاهر البراءة منه ، والخلاف عليه . وكان تقدم عليه
وفود أهل العراق من شيعة أميرالمؤمنين عليه السلام فيجرعونه السم الذعاف
من مدح إِمام الهدى صلوات الله عليه ، وذمّه هو في أثناء ذلك ، فلا يكذبهم
ولا يناقض احتجاجاتهم ، وكان من أمر الوافدات عليه في هذا المعنى ما هو
مشهور ، مدوّن في كتب الآثار مسطورٌ .
ثمّ قد كان من أمر ابنه يزيد لعنه الله مع الحسين عليه السلام ما كان
من القتل والسبي والتنكيل ، ومع ذلك فلم يحفظ عنه ذمّه بما يوجب إخراجه
عن موجب التعظيم ، بل قد اظهر الندم (1) على ذلك ، ولم يزل يعظم سيّد
العابدين عليه السلام بعده ، ويوصي به ، حتّى أنّه آمنه من بين أهل المدينة
كلّهم في وقعة الحرّة ، وأمر مسلم بن عقبة بإكرامه ، ورفع محلّه ، وأمانه مع
أهل بيته ومواليه . ومثل ذلك كانت حال من بعده من بني مروان أيضآَ مع عليّ
ابن الحسين عليهما السلام ، حتّى أنّه كان أجلّ أهل الزمان عندهم .
وكذلك كانت حال الباقر عليه السلام مع بقيّة بني مروان ، ومع أبي
العبّاس السفّاح ، وحال الصادق عليه السلام مع أبي جعفر المنصور ، وحال
أبي الحسن موسى عليه السلام مع الهادي والرشيد ، حتّى أنّ هارون الرشيد
____________
(1) في نسختي « ط » و« ق » : الحزن .
( 206 )
لما قتله تبرّأ من قتله ، وأحضر الشهود ليشهدوا بوفاته على السلامة وإن كان
الأمر على خلافه .
وكان من المأمون مع الرضا عليه السلام ما هو مشهور ، وكذلك حال
ابنه أبي جعفر عليه السلام على صغرسنه ، وحلوكة لونه من التعظيم
والمبالغة في رفع القدر ، حتى أنّه زوجه ابنته أُم الفضل ، ورفعه في المجلس
على سائر بني العبّاس والقضاة .
وكذلك كان المتوكّل يعظم عليّ بن محمد عليه السلام مع ظهور
عداوته لأمير المؤمنين عليه السلام ، ومقته له ، وطعنه على آل أبي طالب .
وكذلك حال المعتمد مع أبي محمد عليه السلام في إكرامه والمبالغة فيه .
هذا ، وهؤلاء الأئمة عليهم السلام في قبضة من عددناه من الملوك
على الظاهر ، وتحت طاعتهم ، وقد اجتهدوا كل الاجتهاد في أن يعثروا على
عيب يتعلّقون به في الحط من منازلهم ، وامعنوا في البحث عن أسرارهم
وأحوالهم في خلواتهم لذلك فعجزوا عنه ، فعلمنا أن تعظيمهم إياهم مع
ظاهر عداوتهم لهم وشدّة محبّتهم للغض منهم وإجماعهم على ضد مرادهم
فيهم من التبجيل والإكرام تسخير من الله سبحانه لهم ، ليدل بذلك على
إختصاصهم منه - جلّت قدرته - بالمعنى الذي يوجب طاعتهم على جميع
الأنام ، وما هذا إلآ كالأمور غير المالوفة والأشياء الخارقة للعادة .
ويؤيد ما ذكرناه من تسخير الله سبحانه الخلق لتعظيمهم ما شاهدنا
الطوائف المختلفة والفرق المتباينة في المذاهب والأراء أجمعوا على تعظيم
قبورهم وفضل مشاهدهم ، حتى أنهم يقصدونها من البلاد الشاسعة ، ويلمّون
بها ، ويتقرّبون إلى الله سبحانه بزيارتها ، ويستزلون عندها من الله الأرزاق ،
ويستفتحون الأغلاق ، ويطلبون ببركتها الحاجات ، ويستدفعون الملمات ،
وهذا هو المعجز الخارق للعادة ، والاّ فما الحامل للفرقة المنحازة عن هذه
( 207 )
الجهة المخالفة لهذه الجنبة على ذلك ، ولِم لم يفعلوا بعض ما ذكرناه بمن
يعتقدون إمامته وفرض طاعته وهو في الدين موافق لهم ، مساعد غير مخالف
معاند .
ألا ترى أنّ ملوك بني أميّة وخلفاء بني العبّاس - مع كثرة شيعتهم وكونهم
أضعاف اضعاف شيعة أئمتنا ، وكون الدنيا او كثرها لهم وفي أيديهم ، وما
حصل لهم من تعظيم الجمهور في حياتهم ، والسلطنة على العالمين ،
والخطبة فوق المنابر في شرق الأرض وغربها لهم بإمرة المؤمنين - لم يلمّ
أحد من شيعتهم وأوليائهم - فضلأ عن اعدائهم - بقبورهم بعد وفاتهم ، ولا
قصد أحد تربة لهم متقرّباً بذلك إلى ربه ، ولا نشط لزيارتهم ، وهذا لطف من
الله سبحانه لخلقه في الإيضاح عن حقوق أئمّتنا عليهم السلام ، ودلالة منه
على علو منزلتهم منه جلّ اسمه ، لا سيما ودواعي الدنيا ورغباتها معدومة عند
هذه الطائفة مفقودة ، وعند أولئك موجودة ، فمن المحال أن يكونوا فعلوا ذلك
لداع من دواع الدنيا ، ولا يمكن أيضاً أن يكونوا فعلوه لتقيّة ، فإن التقيّة هي
فيهم لا منهم ، ولا خوف من جهتهم بل هوعليهم ، فلم يبق إلاّ داعي الدين .
وهذا هو الأمر العجيب الذي لاتنفذ فيه إلاّ قدرة القادر ، وقهر(1) القاهر
الذي يذلّل الصعاب ، ويسبّب الأسباب ، ليوقظ به الغافلين ، ويقطع عذر
المتجاهلين .
وأيضاً فقد شارك أئمّتنا عليهم السلام غيرهم من أولاد النبيّ صلّى الله
عليه وآله وسلم في حسبهم ونسبهم وقرابتهم ، وكان لكثير منهم عبادات
ظاهرة ، وزهد وعلم ، ولم يحصل من الاجماع على تعظيمهم وزيارة ثبورهم
ما وجدناه قد حصل فيهم عليهم السلام ، فإنّ من عداهم من صلحاء العترة
____________
(1) لم ترد في نسختي « ط » و « ق » ، واثبتناها من نسخة « م » .
( 208 )
بين من يعظمه فريق من الأمة ويعرض عنه فريق ، ومن عظّمه منهم لا يبلغ
بهم في الإجلال والإعظام الغاية التي يبلغها فيمن ذكرناه ، وهذا يدل على أن
الله تعالى خرق في أئمّتنا عليهم السلام العادات ، وقلب الجبلأت للابانة عن
علو درجتهم ، والتنبيه على شرف مرتبتهم ، والدلالة على إمامتهم صلوات الله
عليهم أجمعين .
***