|
|
|
قم المقدسة عش آل محمد (صلى الله عليه وآله) رائدة الحضارة تتميز مدينة قم المقدسة اليوم عن سائر المدن الإسلامية بأنها الحاضرة العلمية والقاعدة الثقافية للشيعة الإمامية، وناشرة السنة النبوية الشريفة الصحيحة المتجسدة في سيرة آل البيت (عليهم السلام) المتمثلة في مذهبهم الحق مذهب آل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) وكانت هذه المدينة المقدسة ولا تزال رائدة الحضارة بحق، وقد ازدهرت الحركة العلمية (بشكل أوسع) فيها بعد هجرة أكثر العلماء إليها من النجف الأشرف خلال الثلاثين عاماً التي مضت. فبينما كانت البلاد الإسلامية المركزية تائهة في مطبات السياسة والملك والعضوض، وهائمة في متاهاتها الدنيوية، كانت البلاد الإسلامية النائية كقم ونواحيها، مشتغلة بمذاكرة العلم والدرس والتدريس والبحث والتنقيب والتصنيف والمعارف العامة والتأليف بصورة عامة ونشر ثقافة القرآن الحكيم والعترة الطاهرة بصورة خاصة، وتحتضن فوق أرضها المقدسة العلماء والأعلام، ومن بزغ من غير الأشعريين في العلم والتقوى والفضيلة فمن العسير جداً إحصاؤهم، فهي أشبه بمدرسة كبرى، تخرّج منها رجال العلم والإيمان الذين خدموا البشرية بتصانيفهم القيمة وأصبحوا منائر هدى ورشاد بمؤلفاتهم النفيسة، وفي طليعتهم الشيخ الصدوق صاحب كتاب (من لا يحضره الفقيه) ورواة أجلاء مثل البرقي مصنف كتاب (المحاسن) ومؤرخون نجلاء مثل الحسن القمي مؤلف كتاب (تاريخ قم) ومحمد بن الحسن الصفار وغيرهم من أجلاء هذه الطائفة وعظمائها وقد تكفلت كتب الرجال ببيان أحوالهم ومن أراد المزيد فليراجع... وهكذا غدت هذه المدينة المقدسة نوراً مشعاً على طول التاريخ قديماً وحديثاً وحتى تأريخها المعاصر، وهناك نوابغ في التأريخ المعاصر حملوا مشعل الهداية النورانية، ورفعوا راية العلم، وبثوا علوم آل محمد (عليهم السلام) وثقافة القرآن الكريم، وثقافتهم الراقية والسامية عبر يراعهم وبواسطة كبتهم ومؤلفاتهم القيمة والبالغة آلاف الكتب والكتيبات، زينوا بها المكتبات الإسلامية، وأغنوها بالفكر الديني الجامع والثقافة الإسلامية الشاملة. تمهيداً لتقلد شورى الفقهاء والمراجع زمام القيادة والسير بالبلاد والعباد نحو التقدم والازدهار والرقي الذي انتهجه الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) وآل بيته الطاهرين (عليهم السلام). ولن أتطرق للتفصيل لأن الأمر يحتاج إلى أكثر من كتاب للولوج إلى عمق ما يرتأيه الأمر، وجل ما اتمناه أن يتعرف القارئ على عظمة قم المقدسة رائدة الحضارة ومن هو مؤسسها وكم من مرجع ساهم في ارتقاء العلم وسموه بفضل السيدة فاطمة المعصومة (عليها السلام) مقام الشفاعة وباب من أبواب الجنة... ومنطلق الخطباء والمبلغين في العالم ككل، من البداية وحتى يومنا هذا باختزال قدر المستطاع. أن مدينة قم المقدسة تعد في العصور القديمة من مدن الأجزاء الشرقية لولاية الجبل، أو عراق العجم، وهي إحدى المدن الكائنة بمحاذاة صحراء ملحية قاحلة، وتبعد مسافة ما يقرب من 150كم عن طهران العاصمة كما أنها تقع على هضبة ترتفع بمقدار 903م عن سطح البحر. يحدها من الشمال الري وطهران، ومن الجنوب كاشان ومحلات، بينما تحدها تفرش وساوه من جهة الغرب وصحراء ملحية قارة من الشرق، وتعتبر هذه المدينة المقدسة ملتقى لعدد كبير من مدن إيران، ورابط جيد بين أطرافها المترامية، وهي عين الأهمية التي كانت تمتع بها سابقاً، حيث كانت ميداناً لعبور الجيوش أبان الحروب، وكذا لمرور القوافل أبان السلم، لذلك فهي تحظى بأهمية فائقة من ناحية الاتصالات. كما اختلفت الآراء في وجه تسمية قم، كذلك اختلفت في حدوث مدينة قم وقدمها، فذهب البعض إلى أنها تأسست بعد الإسلام، بينما ذهب البعض الآخر إلى أنها كانت موجودة قبل العصر الإسلامي ويعتبر علماء الآثار أن أولى المناطق وأعرقها هي الأطراف الغربية للصحراء الإيرانية ويعنون بذلك (قم وكاشان وساوه) وقد أرسى الناس الذين استقروا هناك دعائم الحضارة فيها. فإذا اتفقنا مع هذا الرأي نقول: أن عراقة قم والمناطق المتصلة بها تعود إلى ما قبل بضعة آلاف سنة، ما يشير إلى أن قدم قم يرجع إلى ما قبل التاريخ. كما أن هناك ثمان آراء حول تسمية أرض قم بهذا الاسم، وسنشير إلى الرأي الأول والثامن اختصاراً للوقت، الرأي الأول: أن وجه التسمية هو ما جاء في الخبر: من أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) رأى في ليلة المعراج –وهو في طريقه إلى السماء- أبليس جالساً في هذا المكان، واضعاً رأسه بين رجليه، فصرخ (صلى الله عليه وآله) به قائلاً –قم يا ملعون- ومن ذلك أطلق على هذه الأرض اسم (قم). والرأي الثامن: روى عقان البصري عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: (إنما سميت هذه البلدة قم لأن أهلها يجتمعون حول قائم آل محمد عليهم السلام وينصرونه) وفي سفينة بحار الأنوار ج2/ص446، عن أبي مقاتل الديلمي نقيب الري قال سمعت علي بن محمد الهادي (عليه السلام) يقول: (إنما سمي قم به لأنه لما وصلت السفينة إليه في طوفان نوح عليه السلام قامت وهو قطعة من بيت المقدس. ويرجع الوجود الشيعي في هذه المدينة إلى الربع الأخير من القرن الهجري الأول بسبب هجرة القبائل الأشعرية الشيعية إليها (علماً أن الأشعريين هم قبيلة من قبائل العرب الموالية لمذهب آل البيت). على أثر ما تعرضوا له من الجور والتعسف من قبل ولاة بني أمية وعملائهم مثل: عبيد الله بن زياد، والحجاج بن يوسف الثقفي الذي قتل عميد قبيلتهم محمد بن سائب الأشعري، مما اضطرهم للهجرة ومغادرة بلادهم الأصلية، وكما كانت سياسة حكام بني أمية تعتمد على البطش بالعلويين وقهرهم وتشريدهم، كذلك كان بنو العباس هم الأشد فتكاً في ذلك (كما اعترف بذلك المأمون العباسي). وقد أدى ذلك إلى نزوح العلويين عن مواطنهم وتفرقهم في أطراف الأرض إلى حيث يجدون الأمن والأمان، وكانت مدينة قم من المدن السباقة إلى التشيع والولاء لأهل البيت (عليهم السلام) وأصبحت ملاذاً لبعض هؤلاء حيث التجأ إليها الكثيرون ولا سيما بعد أن دفنت فيها السيدة فاطمة المعصومة (عليها السلام) وأصبح حرمها الشريف مزاراً وملاذاً وموطناً ومستقراً آمنا للسلالة العلوية ومحبي آل البيت (عليهم السلام). ويعود تأسيس الحوزة العلمية إلى أكثر من سبعين عاماً على يد المرحوم آية الله الشيخ عبد الكريم الحائري المتوفى 1355هـ، وكانت الحوزات العلمية آنذاك تتوزع بين طهران وإصفهان، وشيراز ومشهد، ومنذ تأسيس الحوزة في قم أخذت الحركة العلمية تضعف في غيرها حتى أصبحت هي الكبرى، واتجهت إليها الأنظار وصارت التالية للحوزة الأم النجف الأشرف، أما اليوم فهي المهجر العلمي الكبير للدراسات الدينية العليا لمذهب أهل البيت (عليهم السلام). ومن أعلام قم المقدسة ومشاهيرها، أيضاً هو آية الله السيد حسين البروجردي (القمي المولد) تقلد زعامة الحوزة والعلم الإسلامي بعد ارتحال الشيخ المؤسس بعدة سنوات، فقد تصدى ثلاثة من العلماء والأعلام لإدارة الحوزة العلمية، والحفاظ عليها بعد وفاة آية الله الحائري وكانوا عبارة عن: آية الله بهجت، آية الله الصدر، وآية الله الخونساري، أبان حكومة البهلوي الأول الدكتاتور رضا خان، وبعد مضي ثمان سنوات على وفاة الشيخ الحائري توجه آية الله السيد حسين البروجردي الطباطبائي إلى مدينة قم المقدسة، لتصدي زعامة الحوزة العلمية فيها، وذلك أثر دعوة كبار العلماء له، وبقدومه ازدهرت الحوزة العلمية، وقام بتأليف الموسوعة الحديثة الضخمة (جامع أحاديث الشيعة) ومن الأعلام والمشاهير أيضاً: الشيخ عباس القمي صاحب كتاب مفاتيح الجنان ومؤلف سفينة البحار والفوائد الرضوية ومنتهى الآمال وتحفة الأحباب وتتمة المنتهى والكنى والألقاب وكحل البصر وبيت الأحزان ولقب بالمحدث القمي فقد ولد في قم 1294 وتوفي 1359 ودفن في روضة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في النجف الأشرف. وتحتضن قم المقدسة على أرضها آثاراً تأريخية عريقة ومواقع أثرية كثيرة والتي من أهمها: الأضرحة المنورة لأبناء الأئمة المعصومين (عليهم السلام) والمراقد المطهرة للسادة العلويين، وكذلك قبور كبار العلماء والمفكرين بالإضافة إلى الشخصيات السياسية والاجتماعية المرموقة، وهذا ما جعل قم منطقة غنية بالآثار التأريخية التي تشد إليه الرحال وتتوجه إليه الأنظار، وإذا أردنا التعرف على جزئيات هذه الآثار، وخصوصيات تلك المراقد المذكورة نجد أنفسنا بحاجة إلى كتاب مستقل، وقد قام بعض المحققين بذلك فجزاه الله على سعيه خير الجزاء، غير أنه لا يخفى أنه في مقدمة تلك الآثار التأريخية العريقة هو حرم السيدة فاطمة المعصومة (عليها السلام)، ومرقد المؤسس الشيخ عبد الكريم الحائري والسيد البروجردي والشيخ مرتضى الأنصاري وآية الله العظمى السيد الميرزا مهدي الشيرازي والسيد الطباطبائي والشهيد مرتضى المطهري والشهيد عبد الحسين دستغيب والمرجع آية الله الكلبيكاني والمرجع آية الله الأراكي والشهيد حسن الشيرازي والإمام محمد الحسيني الشيرازي ومن المزايا الفريدة التي امتازت بها مدينة قم المقدسة على سائر المدن مضافاً إلى ما تقدم، هو وجود مسجد فيها ينسب إلى الإمام المهدي صاحب العصر (عجل الله فرجه شريف) ويدعى باسم مسجد جمكران وهو يبعد بضعة كيلو مترات عن قم المقدسة، ويحظى هذا المسجد بأهمية خاصة حيث يقصده المسلمون من كل حدب وصوب، ولا سيما في ليالي الأربعاء وليالي الجمعة من كل أسبوع. ومن أراد الإطلاع والمعرفة أكثر فليراجع كتاب قم المقدسة رائدة الحضارة لسماحة المرجع الديني الراحل الإمام السيد محمد الحسيني الشيرازي (قدس سره الشريف). |